Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تِلْكَ الآيَةُ الَّتِي سَمَّيْتَها ”آيَةً“ بَعْدَ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الأشْياءِ الباهِرَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ أيْ خالِقُنا ومُرَبِّينا، أنا وأنْتُمْ في ذَلِكَ شَرْعٌ واحِدٌ، وقِراءَةُ مَن فَتَحَ ”إنَّ“ أظْهَرُ في المُرادِ ﴿فاعْبُدُوهُ هَذا﴾ أيِ الَّذِي دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أنا وأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، لا أدْعُوكم إلى شَيْءٍ إلّا كُنْتُ أوَّلَ فاعِلٍ لَهُ، ولا أدَّعِي أنِّي إلَهٌ ولا أدْعُو إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يَدَّعِي الدَّجّالُ ويَغُرُّهُ مِنَ الكَذَبَةِ الَّذِينَ تَظْهَرُ الخَوارِقُ عَلى أيْدِيهِمُ امْتِحانًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ فَيَجْعَلُونَها سَبَبًا لِلْعُلُوِّ في الأرْضِ والتَّرَفُّعِ عَلى النّاسِ، وجاءَ بِالتَّحْذِيرِ مِنهم وتَزْيِيفِ أحْوالِهِمُ الأنْبِياءُ، وإلى هَذا يُرْشِدُ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما سَيَأْتِي عَنْ إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّ مَن يَتَكَلَّمُ مِن عِنْدِهِ إنَّما يَطْلُبُ المَجْدَ لِنَفْسِهِ، فَأمّا الَّذِي يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أرْسَلَهُ فَهو صادِقٌ ولَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ؛ وإلى مِثْلِ ذَلِكَ أرْشَدَتِ التَّوْراةُ فَإنَّهُ جَعَلَ العَلامَةَ عَلى صِدْقِ الصّادِقِ وكَذِبِ الكاذِبِ الدَّعْوَةَ، فَمَن كانَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ تَصْدِيقُهُ، مَن كَذَّبَهُ هَلَكَ، ومَن دَعا إلى غَيْرِهِ وجَبَ تَكْذِيبُهُ، ومَن صَدَّقَهُ هَلَكَ؛ قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنها: وإذا دَخَلْتُمُ الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَلا تَعْمَلُوا مِثْلَ أعْمالِ تِلْكَ الشُّعُوبِ، ولا يُوجَدْ فِيكم مَن يَقْبُرُ ابْنَهُ أوِ ابْنَتَهُ في النّارِ نَذْرًا لِلْأصْنامِ، ولا مَن يَطْلُبُ تَعْلِيمَ العَرّافِينَ، ولا مَن يَأْخُذُ بِالعَيْنِ، ولا يُوجَدْ فِيكم مَن يَتَطَيَّرُ طِيَرَةً، ولا ساحِرٌ، ولا مَن يَرْقِي رُقْيَةً، ولا مَن يَنْطَلِقُ إلى العَرّافِينَ والقافَةِ فَيَطْلُبُ إلَيْهِمْ ويَسْألُهم عَنِ المَوْتى، لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْمَلُ هَذِهِ الأعْمالَ هو نَجِسٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ رَبِّكُمْ، ومِن أجْلِ هَذِهِ النَّجاسَةِ يُهْلِكُ اللَّهُ هَذِهِ الشُّعُوبَ مِن بَيْنِ أيْدِيكُمْ؛ ولَكِنْ كُونُوا مُتَواضِعِينَ مُخْبِتِينَ أمامَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، لِأنَّ هَذِهِ الشُّعُوبَ الَّتِي تَرِثُونَها كانَتْ تُطِيعُ العَرّافِينَ والمُنَجِّمِينَ، فَأمّا أنْتُمْ فَلَيْسَ هَكَذا يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، بَلْ يُقِيمُ لَكم نَبِيًّا مِن إخْوَتِكم مِثْلِي، فَأطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ كَما أطَعْتُمُ اللَّهَ رَبَّكم في حُورِيبَ يَوْمَ الجَماعَةِ وقُلْتُمْ: لا نَسْمَعُ صَوْتَ اللَّهِ رَبِّنا ولا نُعايِنُ هَذِهِ النّارَ العَظِيمَةَ لِئَلّا نَمُوتَ، فَقالَ الرَّبُّ: ما أحْسَنَ ما تَكَلَّمُوا! سَأُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأُجْرِي قَوْلِي فِيهِ ويَقُولُ لَهم ما آمُرُهُ بِهِ، والرَّجُلُ الَّذِي لا يَقْبَلُ قَوْلَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أنا أنْتَقِمُ مِنهُ، فَأمّا النَّبِيُّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ ويَتَجَرَّأُ بِاسْمِي ويَقُولُ ما لَمْ آمُرْهُ أنْ يَقُولَهُ ويَتَكَلَّمُ بِأسْماءِ الآلِهَةِ الأُخْرى لِيَقْتُلَ ذَلِكَ النَّبِيَّ، وإنْ قُلْتُمْ في قُلُوبِكُمْ: كَيْفَ لَنا أنْ نَعْرِفَ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ الرَّبُّ، إذا تَكَلَّمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ فَلَمْ يَكْمُلْ قَوْلُهُ: ولَمْ يَتِمَّ فَلَذَلِكَ القَوْلُ لَمْ يَقُلْهُ الرَّبُّ ولَكِنْ تَكَلَّمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ جَراءَةً وصَفاقَةَ وجْهٍ، فَلا تَخافُوهُ ولا تَفْزَعُوا مِنهُ؛ وقالَ …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ البِشارَةَ بِالآيَةِ القاطِعَةِ القَوِيمَةِ الجامِعَةِ، وكانَ قَوْلُهُ: في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وقَوْلُهُ هُنا ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ حَمْلِها، طَواهُ وأرْشَدَ السِّياقُ حَتْمًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَصَدَقَ اللَّهُ فِيما قالَ لَها، فَحَمَلَتْ بِهِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَوَلَدَتْهُ - عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى - وجِيهًا وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ وبَعْدَهُ، وعَلَّمَهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأرْسَلَهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَأتَمَّ لَهُمُ الدَّلائِلَ ونَفى الشُّبَهَ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ الَّذِي أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَلِمُوا أنَّهُ ناسِخٌ لا مُقَرِّرٌ، فَتابَعَهُ قَوْمٌ وخالَفَهُ آخَرُونَ فَغَطَّوْا جَمِيعَ الآياتِ وأعْرَضُوا عَنِ الهُدى والبَيِّناتِ، ونَصَبُوا لَهُ الأشْراكَ والحَبائِلَ وبَغَوْهُ الدَّواهِيَ والغَوائِلَ، فَضَلُّوا عَلى عِلْمٍ وظَهَرَ مِنهُمُ الكُفْرُ البَيِّنُ واعْوَجُّوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُسَلِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإحْساسِ وهو مَنالُ الأمْرِ بادِرًا إلى العِلْمِ والشُّعُورِ الوِجْدانِيِّ - انْتَهى ﴿عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ عَلِمَهُ عِلْمَ مَن شاهَدَ الشَّيْءَ بِالحِسِّ ورَأى مَكْرَهم عَلى ذَلِكَ يَتَزايَدُ وعِنادَهم يَتَكاثَرُ بَعْدَ أنْ عَلِمَ كُفْرَهم عِلْمًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فاسْتَغاثَ بِالأنْصارِ وعَلِمَ أنَّ مَنجَنُونَ الحَرْبِ قَدْ دارَ، فَعَزَمَ عَلى إلْحاقِهِمْ دارَ البَوارِ ﴿قالَ مَن أنْصارِي﴾

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ ثَباتَ الأنْصارِ مَعَهُ إلى أنْ يَتِمَّ أمْرُهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِصِلَةٍ دَلَّتْ عَلى تَضْمِينِ هَذِهِ الكَلِمَةِ كَلِمَةً تُوافِقُ الصِّلَةَ فَقالَ: ﴿إلى﴾ أيْ سائِرِينَ أوْ واصِلِينَ مَعِي بِنَصْرِهِمْ إلى ﴿اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ حَوارِيٍّ وهو المُسْتَخْلِصُ نَفْسَهُ في نُصْرَةِ مَن تَحِقُّ نُصْرَتُهُ بِما كانَ مِن إيثارِهِ عَلى نَفْسِهِ بِصَفاءٍ وإخْلاصٍ لا كَدَرَ فِيهِ ولا شَوْبَ. انْتَهى.

وهُوَ مَصْرُوفٌ لِأنَّ ياءَهُ عارِضَةٌ ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أرْسَلَكَ وأقْدَرَكَ عَلى ما تَأْتِي بِهِ مِنَ الآياتِ، فَهو المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِزَّةً وعِلْمًا، ثُمَّ صَحَّحُوا النُّصْرَةَ وحَقَّقُوا بِأنْ عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُخاطِبِينَ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولِهِمْ أكْمَلِ الخَلْقِ إذْ ذاكَ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِجَمِيعِ ما تَأْمُرُنا بِهِ كَما هو حَقُّ مَن آمَنَ لِتَكُونَ شَهادَتُكَ عَلَيْنا أجْدَرَ لِثَباتِنا ولِتَشْهَدَ لَنا بِها يَوْمَ القِيامَةِ.

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

ثُمَّ لَمّا خاطَبُوا الرَّسُولَ أدَبًا تَرَقَّوْا إلى المُرْسِلِ في خِطابِهِمْ إعْظامًا لِلْأمْرِ وزِيادَةً في التَّأْكِيدِ فَقالُوا مُسْقِطِينَ لِأداةِ النِّداءِ اسْتِحْضارًا لِعَظَمَتِهِ بِالقُرْبِ لِمَزِيدِ القُدْرَةِ وتَرَجِّي مَنزِلَةِ أهْلِ الحُبِّ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ كُلِّهِمْ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ الآتِيَ إلَيْنا بِذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ رِسالَتَهُ مِنكَ وعُبُودِيَّتَهُ لَكَ ﴿فاكْتُبْنا﴾ لِتَقَبُّلِكَ شَهادَتَنا واعْتِدادِكَ بِها ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّمْتَ أنَّهم شَهِدُوا لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ مَعَ المَلائِكَةِ،

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

ولَعَلَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا﴾ المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] بِالإضْمارِ الصّالِحِ لِشُمُولِ كُلِّ مَن تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ إشارَةً إلى أنَّ التَّمالُؤَ عَلَيْهِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، أمّا مَكْرُ اليَهُودِ فَمَشْهُورٌ، وأمّا الحَوارِيُّونَ الِاثْنا عَشَرَ فَنَقَضَ أحَدُهم وهو الَّذِي تَوَلّى كِبْرَ الأمْرِ وجَرَّ اليَهُودَ إلَيْهِ ودَلَّهم عَلَيْهِ - كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ، وتَرْتِيبُ المَكْرِ عَلى الشَّرْطِ يُفْهِمُ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا إحْساسَهُ بِكُفْرِهِمْ خافُوا غائِلَتَهُ فَأعْمَلُوا الحِيلَةَ في قَتْلِهِ. والمَكْرُ - قالَ الحَرالِّيُّ - إعْمالُ الخَدِيعَةِ والِاحْتِيالِ في هَدْمِ بِناءٍ ظاهِرٍ كالدُّنْيا، والكَيْدُ إعْمالُ الخُدْعَةِ والِاحْتِيالِ في هَدْمِ بِناءٍ باطِنٍ كالتَّدَيُّنِ والتَّخَلُّقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكانَ المَكْرُ خَدِيعَةَ حِسٍّ والكَيْدُ خَدِيعَةَ مَعْنىً. انْتَهى. ثُمَّ إنَّ مَكْرَهم تَلاشى واضْمَحَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِزِيادَةِ العَظَمَةِ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُفْهَمَ الإضْمارُ خُصُوصًا مِن جِهَةٍ ما فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ الَّذِي لَهُ هَذا الِاسْمُ الشَّرِيفُ فَلَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ بِإرادَتِهِ تَأْخِيرَ حَرْبِهِ لَهم إلى وقْتٍ قَضاهُ في الأزَلِ فَأمْضاهُ وذَلِكَ عِنْدَ مَجِيءِ الدَّجّالِ بِجَيْشِ اليَهُودِ فَيَكُونُ أنْصارُهُ الَّذِينَ سَألَهم رَبَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ما فَعَلَهُ بِهِمْ مِنَ القَضاءِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ المَكْرِ في كَوْنِهِ أذىً يَخْفى عَلى المَقْصُودِ بِهِ بِأنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ وشَبَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّهم صَلَبُوهُ وإنَّما صَلَبُوا أحَدَهُمْ، ويُقالُ: إنَّهُ الَّذِي دَلَّهُمْ، وأمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصانَهُ عِنْدَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إلى مَحَلِّ أوْلِيائِهِ ومَوْطِنِ قُدْسِهِ لِيُنْزِلَهُ في آخِرِ الزَّمانِ لِاسْتِئْصالِهِمْ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ بَعْدَ قَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى الَّذِي طَلَبُوا بِهِ العِزَّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ فَكانَ تَدْمِيرُهم في تَدْبِيرِهِمْ، وذَلِكَ أخْفى الكَيْدِ فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ مُبَشِّرٍ لَهُ بِأنَّهُ عاصِمُهُ مِن أنْ يَقْتُلُوهُ ومُمِيتُهُ حَتْفَ أنْفِهِ:

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

﴿إذْ﴾ أيْ مَكَرَ حِينَ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ فَإنَّ عِصْمَتَهُ مِن قَتْلِ الكُفّارِ مَلْزُومَةٌ لِلْمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ مُسْتَوْفِي أجَلَكَ ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ - لِيَكُونَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ العِصْمَةِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّها مَلْزُومَةٌ لِتَأْخِيرِهِ إلى الأجَلِ المَكْتُوبِ والتَّأْخِيرَ مَلْزُومٌ لِلْمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ - فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ القاتِلَ قَطَعَ أجَلَ المَقْتُولِ المَكْتُوبَ، وكَأنَّ القاضِيَ البَيْضاوِيَّ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ فَتَرْجَمَ هَذِهِ العِبارَةَ بِما يُؤَدِّيها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُتَوَفِّيكَ: آخِذَكَ إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا مِنكَ إلى مِحْجَمِ دَمٍ ولا ما فَوْقَهُ مِن عُضْوٍ ولا نَفْسٍ فَلا تَخْشَ مَكْرَهم.

قالَ في القامُوسِ: أوْفى فُلانًا حَقَّهُ: أعْطاهُ وافِيًا، كَوَفّاهُ ووافاهُ فاسْتَوْفاهُ وتَوَفّاهُ.

ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ وتَعالى في بِشارَتِهِ بِالرِّفْعَةِ إلى مَحَلِّ كَرامَتِهِ ومَوْطِنِ مَلائِكَتِهِ ومَعْدِنِ النَّزاهَةِ عَنِ الأدْناسِ فَقالَ: ﴿ورافِعُكَ﴾ وزادَ إعْظامَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

ولَمّا كانَ لِذَوِي الهِمَمِ العَوالِي، أشَدُّ التِفاتٍ إلى ما يَكُونُ عَلَيْهِ خَلائِفُهم بَعْدَهم مِنَ الأحْوالِ، بَشَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ بِما يَسُرُّهُ فَقالَ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ أيْ ولَوْ بِالِاسْمِ ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما يَعْرِفُونَ مِن نُبُوَّتِكَ بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ الَّتِي أتَيْتَ بِها مُطابِقَةً لِما عِنْدَهم مِنَ البَشائِرِ بِكَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وكَذا كانَ، لَمْ يَزَلْ مَنِ اتَّسَمَ بِالنَّصْرانِيَّةِ حَقًّا أوْ باطِلًا فَوْقَ اليَهُودِ، ولا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يُعْدَمُوا فَلا يَبْقى مِنهم أحَدٌ.

ولَمّا كانَ البَعْثُ عامًّا دَلَّ عَلَيْهِ بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ فَقالَ تَكْمِيلًا لِما بَشَّرَ بِهِ مِنَ النُّصْرَةِ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ في الآخِرَةِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

ثُمَّ فَصَّلَ لَهُ الحُكْمَ فَقالَ مُرَهِّبًا لِمُخالِفِيهِ مُرَغِّبًا لِمُوافِقِيهِ، وقَدَّمَ المُخالِفِينَ لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ إذْلالِهِمْ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا﴾ بِالذُّلِّ والهَوانِ والقَتْلِ والأسْرِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِالخِزْيِ الدّائِمِ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ وإنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

ولَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ - لِئَلّا يَلْتَبِسَ الحالُ وإنْ كانَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فَقَدِ اتَّبَعَهُ في بِشارَتِهِ بِهِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ بَلْ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ تَرْجَمَةُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ حَقَّ الِاتِّباعِ.

ولَمّا كانَ تَمامُ الِاعْتِناءِ بِالأوْلِياءِ مُتَضَمِّنًا لِغايَةِ القَهْرِ لِلْأعْداءِ أبْدى فِي مَظْهَرِ العَظَمَةِ قَوْلَهُ تَعْظِيمًا لَهم وتَحْقِيرًا لِأعْدائِهِمْ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ نَحْبَهم مِن غَيْرِ أنْ نَبْخَسَهم مِنها شَيْئًا أوْ نَظْلِمَ أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ في شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ مَن كانُوا، أيْ لا يَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ المُحِبِّ، فَهو يُحْبِطُ أعْمالَهم لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ، فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ، ونَظْمُها عَلى الأصْلِ: فَنُوَفِّيهِمْ لِأنّا نُحِبُّهم واللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ، والَّذِينَ ظَلَمُوا نُحْبِطُ أعْمالَهم لِأنّا لا نُحِبُّهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ؛ فَتَوْفِيَةُ الأجْرِ أوَّلًا يَنْفِيها ثانِيًا، وإثْباتُ الكَراهَةِ ثانِيًا يُثْبِتُ ضِدَّها أوَّلًا، وحَقِيقَةُ الحالِ أنَّهُ أثْبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ لازِمَ المَحَبَّةِ المُرادَ مِنها في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ أسَرُّ، ولازِمَ المُرادَ مِن عَدَمِها في الظّالِمِينَ لِأنَّهُ أنْكَأُ.

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أرادَ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ تَكْوِينِهِ إلى انْتِهاءِ رَفْعِهِ وما كانَ بَعْدَهُ مِن أمْرِ أتْباعِهِ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى ما فِيهِ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ وخَزائِنِ العُلُومِ واللَّطائِفِ المُتَنَزِّلَةِ عَلى مَقادِيرِ الهِمَمِ عَلى أتْقَنِ وجْهٍ وأحْكَمِهِ وأتَمِّهِ وأخْلَصِهِ وأسْلَمِهِ، وخَتَمَهُ بِالتَّنْفِيرِ مِنَ الظُّلْمِ، وكانَ الظُّلْمُ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكانَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ قَدْ حازَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ ورَصانَةِ النَّظْمِ بِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ لَفْظًا ومَعْنىً في مَحَلِّهِ الألْيَقِ بِهِ المَحَلَّ الأعْلى، لا سِيَّما هَذِهِ الآياتُ الَّتِي أتَتْ بِالتَّفْصِيلِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهِ شَكًّا ولا أبْقَتْ شُبْهَةً ولا لَبْسًا، أتْبَعَ ما تَقَدَّمَ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ البَيِّناتِ قَوْلَهُ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الآياتِ الشّاهِداتِ الآتِي بِها ﷺ بِأوْضَحِ الصِّدْقِ بِإعْجازِها في نَظْمِها وفي العِلْمِ بِمَضامِينِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ كَما تَقَدَّمَ نَحْوُ ذَلِكَ في ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأُ العَظِيمُ والأمْرُ الجَسِيمُ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ شَيْئًا مِنهُ ولا عَلِمَهُ مِن شُبّانِ قَوْمِكَ ﴿نَتْلُوهُ﴾ أيْ نُتابِعُ قَصَّهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ حالَ كَوْنِهِ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ الَّتِي لا إشْكالَ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ،

﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ لِأنَّ الحِكْمَةَ وضْعُ الشَّيْءِ في أعْدَلِ مَواضِعِهِ وأتْقَنِها، وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَنزِلَتِهِ ورَفِيعِ قَدْرِهِ.

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

ثُمَّ أكَّدَ ظُلْمَهم وصُوَرَ حِكْمَتِهِ بِمِثْلِ هَذا الفُرْقانِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكاشِفِ لِما في ذَلِكَ مِمّا أُلْبِسَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ أيْ في كَوْنِهِ مِن أُنْثى فَقَطْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا في إخْراجِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ حُكْمِيٍّ عادِيٍّ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أُبْدِعَ مِن غَيْرِ أبٍ، بَلْ أمْرُ آدَمَ أعْجَبُ فَإنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ مَثَلَهُ بِأنَّهُ ﴿خَلَقَهُ﴾ أيْ قَدَّرَهُ وصَوَّرَهُ جَسَدًا مِن غَيْرِ جِنْسِ البَشَرِ، بَلْ ﴿مِن تُرابٍ﴾ فَعَلِمْنا أنَّ تَفْسِيرَ مَثَلِ عِيسى كَوْنُهُ خَلَقَهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ مِن أُمٍّ فَقَطْ بِغَيْرِ أبٍ، فَمَثَلُ عِيسى أقَلُّ غَرابَةً مِن هَذِهِ الجِهَةِ وإنْ كانَ أغْرَبَ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ مَثَلُ آدَمَ مَثَلًا لَهُ مُوَضِّحًا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أغْرَبَ أشْهَرُ (وعَبَّرَ بِالتُّرابِ دُونَ الماءِ والطِّينِ والحَمَإ وغَيْرِهِ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ، لِأنَّ التُّرابَ أغْلَبُ أجْزائِهِ ولِأنَّ المَقامَ لِإظْهارِ العَجَبِ، وإبْداعُ ما أسْكَنَهُ أنْواعَ الأنْوارِ بِالهِدايَةِ والعُلُومِ الباهِرَةِ مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أكْثَفُ الأشْياءِ أغْرَبُ كَما أنَّ تَغْلِيبَ ظَلامِ الضَّلالِ عَلى الشَّياطِينِ مِن كَوْنِهِمْ مِن عُنْصُرٍ نَيِّرٍ أعْجَبُ) .

ولَمّا شَبَّهَ المَثَلَ بِالمَثَلِ عَلِمْنا أنَّ مِثْلَ عِيسى كُلُّ ولَدٍ نُشاهِدُهُ تَوَلَّدَ مِن أُنْثى، ومِثْلَ آدَمَ كُلُّ حَيَوانٍ نُشاهِدُهُ تَوَلَّدَ مِن تُرابٍ، وما شاهَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِن خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ فَهَذا المَثَلُ الَّذِي هو كُلُّ ما تَوَلَّدَ مِن أُنْثى مِثْلُ ذَلِكَ المَثَلِ الَّذِي هو كُلُّ ما تَوَلَّدَ مِن تُرابٍ في أنَّ كُلًّا مِنهُما لَمْ يَكُنْ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإلّا لَكانَ كُلُّ جِماعٍ مُوجِبًا لِلْوَلَدِ وكُلُّ تُرابٍ مُوجِبًا لِتَوَلُّدِ الحَيَوانِ مِنهُ، فَلَمّا كانَ أكْثَرُ الجِماعِ لا يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ عَلِمْنا أنَّ الإيجادَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى إنَّما هو بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإرادَتِهِ، ومِن إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ كَوْنُهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، فَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يُرِيدَ كَوْنَهُ مِن أُنْثى بِتَسْبِيبِ جِماعٍ مِن ذَكَرٍ يَخْرِقُ بِهِ عادَةَ الجِماعِ فَيَجْعَلُهُ مُوجِبًا لِلْحَبَلِ وبَيْنَ أنْ يُرِيدَ كَوْنَهُ مِن أُنْثى فَقَطْ فَيَخْرِقَ بِهِ عادَةَ ما نُشاهِدُهُ الآنَ مِنَ التَّوْلِيدِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، كَما أنّا لَمّا عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تُرابٍ يَكُونُ مِنهُ حَيَوانٌ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ هَذا المُتَوَلِّدَ مِن تُرابٍ إنَّما هو بِإرادَةِ القادِرِ واخْتِيارِهِ لا بِشَيْءٍ آخَرَ، وإلى ذَلِكَ أشارَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ فِيما سَلَفَ قَرِيبًا: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُقِيمَ مِنَ الحِجارَةِ أوْلادًا لِإبْراهِيمَ، أيْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ المُسَبِّباتِ فَلا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مُسَبِّبٍ وسَبَبٍ، بَلْ كُلُّها في قُدْرَتِهِ سَواءٌ، وإلى ذَلِكَ أشارَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ بَشَرًا كامِلًا رُوحًا وجَسَدًا، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِالفاءِ في ﴿فَيَكُونُ﴾ دُونَ الماضِي وإنْ كانَ المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ حِكايَةً لِلْحالِ وتَصْوِيرًا لَها إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ مَعَ الأمْرِ مِن …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

ولَمّا ابْتَدَأ القِصَّةَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ: ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] خَتَمَها بِذَلِكَ عَلى وجْهٍ آكَدَ وأضْخَمَ فَقالَ: ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في الثَّباتِ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنَّهُ لا يَدَعُ لِخَصْمٍ عَلَيْكَ مَقالًا، ولَمّا تَسَبَّبَ عَمّا مَضى نَقْلًا وعَقْلًا الِاعْتِقادُ الحَقُّ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّهُ لا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ هَذا إلّا مَن أمْعَنَ الفِكْرَ في شُبَهٍ يُثِيرُها وأوْهامٍ يُزاوِلُها ويَسْتَزِيرُها، وما أحْسَنَ ما في سِفْرِ الأنْبِياءِ الإسْرائِيلِيِّينَ الَّذِي هو بِأيْدِي الطّائِفَتَيْنِ اليَهُودِ ثُمَّ النَّصارى، يَتَناقَلُونَهُ مُعْتَقِدِينَ ما فِيهِ، وأوْضَحَهُ في خِلافِ مُعْتَقَدِهِمْ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُوافَقَةِ مُعْتَقَدِنا فِيهِ، لَكِنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ في نُبُوَّةِ أشْعَيا عَلَيْهِ السَّلامُ: اسْمَعْ مِنِّي يا يَعْقُوبُ عَبْدِي وأنْتَ يا إسْرائِيلُ الَّذِي انْتَخَبْتُهُ! أنا الَّذِي خَلَقْتُكَ في الرَّحِمِ وأعَنْتُكَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا يَقُولُ: يَقُولُ الرَّبُّ: أنا الَّذِي جَبَلْتُكَ في الرَّحِمِ وخَلَّصْتُكَ وأعَنْتُكَ، أنا الَّذِي خَلَقْتُ الكُلَّ، وأنا الَّذِي مَدَدْتُ السَّماءَ وحْدِي، وأنا الَّذِي ثَبَّتُّ الأرْضَ، أنا الَّذِي أُبْطِلُ آياتِ العَرّافِينَ، وأُصَيِّرُ كُلَّ تَعْرِيفِهِمْ جَهْلًا، وأرُدُّ الحُكَماءَ إلى خَلْفِهِمْ، وأُعَرِّفُ أعْمالَهم لِلنّاسِ، وأُثَبِّتُ كَلِمَةَ عَبِيدِي، وأُتَمِّمُ قَوْلَ رُسُلِي؛ ثُمَّ قالَ: أنا الرَّبُّ الَّذِي خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ، الوَيْلُ لِلَّذِي يُخاصِمُ خالِقَهُ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ مِن خَزَفِ الطِّينِ! لَعَلَّ الطِّينَ يَقُولُ لِلْفاخُورِيِّ: لِماذا تَصْنَعُنِي؟ أوْ لَعَلَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَسْتُ أنا مَن صَنَعْتُكَ، الوَيْلُ لِلَّذِي يَقُولُ لِأبِيهِ: لِماذا ولَدْتَنِي؟ أوْ لِأُمِّهِ: لِماذا حَبِلْتِ بِي؟ هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ قُدُّوسُ إسْرائِيلَ ومُخَلِّصُهُ: أنا الَّذِي خَلَقْتُ السَّماءَ ومَدَدْتُها بِيَدَيَّ وجَمِيعَ أجْنادِها، وجَعَلْتُ فِيها الكَواكِبَ البَهِيَّةَ.

ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ - ويُثْمِرُ إنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى زِيادَةَ الإيقانِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ - مِن قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وِلادَتِهِ وما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ مِن مَبْدَإ أمْرِهِ ومُنْتَهاهُ وبَعْضِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ ولِسانِهِ مِنَ الحِكَمِ المُشِيرَةِ إلى أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي في أيْدِي النَّصارى اليَوْمَ، وقَدْ أدْخَلْتُ كَلامَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ وجَمَعْتُ ما تَفَرَّقَ مِنَ المَعانِي في سِياقاتِهِمْ بِحَيْثُ صارَ الكُلُّ حَدِيثًا واحِدًا:

قالَ مَتّى - ومُعْظَمُ السِّياقِ لَهُ -: كِتابُ مِيلادِ يَسُوعَ المَسِيحِ بْنِ داوُدَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ قالَ: لِكُلِّ الأجْيالِ مِن إبْراهِيمَ إلى داوُدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، ومِن داوُدَ إلى زِرْبابِلَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، ومِن زِرْبابِلَ إلى المَسِيحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا؛ لَمّا خَطَبَتْ مَرْيَمَ أُمُّهُ لِيُوسُفَ قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقا وجَدَتْ حَبَلًا مِن رُوحِ القُدُسِ، وكانَ يُوسُفُ خَطِيبُها صِدِّيقًا ولَمْ يُرِدْ أنْ يَنْشُرَها، وهَمَّ بِتَخْلِيَتِها سِرًّا، وفِيما هو مُفَكِّرٌ في هَذا إذْ ظَهَرَ لَهُ مَلَكُ الرَّبِّ في الحُلْمِ قائِلًا: يا يُوسُفُ بْنُ …

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.