Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ

”بِسْمِ اللَّهِ“ الواحِدِ المُتَفَرِّدِ بِالإحاطَةِ بِالكَمالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَةُ إيجادِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وأوْضَحَ لِلْمُكَلَّفِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اخْتارَ أهْلَ التَّوْحِيدِ لِمَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ جَمْعِهِ وقُدْسِهِ ﴿الم﴾ المَقاصِدُ الَّتِي سِيقَتْ لَها هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإخْبارُ بِأنَّ رِئاسَةَ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِمّا آثَرَهُ الكُفّارُ عَلى الإسْلامِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الجَنَّةِ والرِّضْوانِ هو الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ [وفِي وصْفِ المُتَّقِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ والصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ] والِاسْتِغْفارِ ما يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أفانِينِ أسالِيبِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ نَخُصَّ القَصْدَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ بِالقَصْدِ فِيها فَإنَّ الأمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَصْفَ بِالقَيُّومِيَّةِ يَقْتَضِي القِيامَ بِالِاسْتِقامَةِ، فالقِيامُ يَكُونُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، والِاسْتِقامَةُ العَدْلُ كَما قالَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ بِعِقابِ العاصِي وثَوابِ الطّائِعِ بِما يَقْتَضِي لِلْمُوَفَّقِ تَرْكَ العِصْيانِ ولُزُومَ الطّاعَةِ؛ وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الفاتِحَةَ لَمّا كانَتْ جامِعَةً لِلدِّينِ إجْمالًا جاءَ بِهِ التَّفْصِيلُ مُحاذِيًا لِذَلِكَ، فابْتُدِئَ بِسُورَةِ الكِتابِ المُحِيطِ بِأمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو سِرُّ حَرْفِ الحَمْدِ [و] أوَّلُ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأمْرُ الَّذِي لا يَقُومُ بِناءٌ إلّا عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الطَّرِيقُ وثَبَتَ الأساسُ جاءَتِ الَّتِي بَعْدَها داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ وأيْضًا فَلَمّا ثَبَتَ بِالبَقَرَةِ أمْرُ الكِتابِ في أنَّهُ هُدىً وقامَتْ بِهِ دَعائِمُ الإسْلامِ الخَمْسُ جاءَتْ هَذِهِ لِإثْباتِ الدَّعْوَةِ الجامِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَأثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ لَهُ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِإثْباتِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى عَبْدُهُ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ دَعَتْ سُورَةَ النِّساءِ إلى إقْبالِهِمْ إلَيْهِ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ بِها هو التَّوْحِيدُ تَسْمِيَتُها بِآلِ عِمْرانَ، فَإنْ لَمْ يُعْرِبْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أعْرَبَ عَنْهُ ما ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها مِن أخْبارِهِمْ بِما فِيها مِنَ الأدِلَّةِ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي لَيْسَ في دَرَجِ الإيمانِ أعْلى مِنهُ، فَهو التّاجُ الَّذِي هو خاصَّةُ المَلِكِ المَحْسُوسَةُ، كَما أنَّ التَّوْحِيدَ خاصَّتُهُ المَعْقُولَةُ، والتَّوْحِيدُ مُوجِبٌ لِزَهْرَةِ المُتَحَلِّي بِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْراءَ.

القَصْدُ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ

ومُناسَبَةُ هَذا الأوَّلِ بِالِابْتِدائِيَّةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ البَقَرَةِ في الحَقِيقَةِ آيَةَ الكُرْسِيِّ وما بَعْدَها إنَّما هو بَيانٌ، لِأنَّها أوْضَحَتْ أمْرَ الدِّينِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وراءَها مَرْمىً لِمُتَعَنِّتٍ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ

”بِسْمِ اللَّهِ“ الواحِدِ المُتَفَرِّدِ بِالإحاطَةِ بِالكَمالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَةُ إيجادِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وأوْضَحَ لِلْمُكَلَّفِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اخْتارَ أهْلَ التَّوْحِيدِ لِمَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ جَمْعِهِ وقُدْسِهِ ﴿الم﴾ المَقاصِدُ الَّتِي سِيقَتْ لَها هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإخْبارُ بِأنَّ رِئاسَةَ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِمّا آثَرَهُ الكُفّارُ عَلى الإسْلامِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الجَنَّةِ والرِّضْوانِ هو الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ [وفِي وصْفِ المُتَّقِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ والصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ] والِاسْتِغْفارِ ما يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أفانِينِ أسالِيبِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ نَخُصَّ القَصْدَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ بِالقَصْدِ فِيها فَإنَّ الأمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَصْفَ بِالقَيُّومِيَّةِ يَقْتَضِي القِيامَ بِالِاسْتِقامَةِ، فالقِيامُ يَكُونُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، والِاسْتِقامَةُ العَدْلُ كَما قالَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ بِعِقابِ العاصِي وثَوابِ الطّائِعِ بِما يَقْتَضِي لِلْمُوَفَّقِ تَرْكَ العِصْيانِ ولُزُومَ الطّاعَةِ؛ وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الفاتِحَةَ لَمّا كانَتْ جامِعَةً لِلدِّينِ إجْمالًا جاءَ بِهِ التَّفْصِيلُ مُحاذِيًا لِذَلِكَ، فابْتُدِئَ بِسُورَةِ الكِتابِ المُحِيطِ بِأمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو سِرُّ حَرْفِ الحَمْدِ [و] أوَّلُ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأمْرُ الَّذِي لا يَقُومُ بِناءٌ إلّا عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الطَّرِيقُ وثَبَتَ الأساسُ جاءَتِ الَّتِي بَعْدَها داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ وأيْضًا فَلَمّا ثَبَتَ بِالبَقَرَةِ أمْرُ الكِتابِ في أنَّهُ هُدىً وقامَتْ بِهِ دَعائِمُ الإسْلامِ الخَمْسُ جاءَتْ هَذِهِ لِإثْباتِ الدَّعْوَةِ الجامِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَأثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ لَهُ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِإثْباتِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى عَبْدُهُ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ دَعَتْ سُورَةَ النِّساءِ إلى إقْبالِهِمْ إلَيْهِ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ بِها هو التَّوْحِيدُ تَسْمِيَتُها بِآلِ عِمْرانَ، فَإنْ لَمْ يُعْرِبْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أعْرَبَ عَنْهُ ما ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها مِن أخْبارِهِمْ بِما فِيها مِنَ الأدِلَّةِ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي لَيْسَ في دَرَجِ الإيمانِ أعْلى مِنهُ، فَهو التّاجُ الَّذِي هو خاصَّةُ المَلِكِ المَحْسُوسَةُ، كَما أنَّ التَّوْحِيدَ خاصَّتُهُ المَعْقُولَةُ، والتَّوْحِيدُ مُوجِبٌ لِزَهْرَةِ المُتَحَلِّي بِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْراءَ.

القَصْدُ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ

ومُناسَبَةُ هَذا الأوَّلِ بِالِابْتِدائِيَّةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ البَقَرَةِ في الحَقِيقَةِ آيَةَ الكُرْسِيِّ وما بَعْدَها إنَّما هو بَيانٌ، لِأنَّها أوْضَحَتْ أمْرَ الدِّينِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وراءَها مَرْمىً لِمُتَعَنِّتٍ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”كَتَبَ“ دائِرَةً عَلى مَعْنى الجَمْعِ عَبَّرَ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي مَعْناهُ التَّفْرِيقُ لِتَشْمَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ [عَلى] وجازَتِها مِن أمْرِهِ عَلى إجْمالٍ وتَفْصِيلٍ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: [و] لَمّا كانَتْ إحاطَةُ الكِتابِ أيْ في البَقَرَةِ ابْتِداءً وأعْقَبَها أيْ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إحاطَةَ الإلَهِيَّةِ جاءَ [هَذا] الخِطابُ رَدًّا عَلَيْهِ، فَتَنَزَّلَ مِنَ الإحاطَةِ الإلَهِيَّةِ إلى الإحاطَةِ الكِتابِيَّةِ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي [هُوَ] تَدَرُّجٌ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ دُونَها؛ انْتَهى فَقالَ: ﴿نَـزَّلَ﴾ أيْ شَيْئًا فَشَيْئًا في هَذا العَصْرِ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ خاصَّةً بِما اقْتَضاهُ تَقْدِيمُ الجارِّ مِنَ الحَصْرِ، وكَأنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ ادِّعاءُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذا الوَحْيِ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْهُدى مُنَجَّمًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ، لَمْ يَغْفُلْ عَنْ واحِدَةٍ مِنها ولا قَدَّمَ جَوابَها ولا أخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّ الحاجَةِ، لِأنَّهُ قَيُّومٌ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذا الكِتابُ هو الكِتابُ المُحِيطُ الجامِعُ الأوَّلُ الَّذِي لا يَنْزِلُ إلّا عَلى الخاتَمِ الآخِرِ المُعَقِّبِ لِما أقامَ بِهِ حِكْمَتَهُ مِن أنَّ صُوَرَ الأواخِرِ مُقامَةٌ بِحَقائِقِ الأوائِلِ، فَأوَّلُ الأنْوارِ الَّذِي هو نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ هو قُثَمُ خاتَمِ الصُّوَرِ الَّتِي هي صُورَةُ مُحَمَّدٍ انْتَهى. تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ، فَهو ثابِتٌ في نَفْسِهِ، وكُلُّ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ كَذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وكَما أنَّ هَذا الكِتابَ هو الكِتابُ الجامِعُ الأوَّلُ المُحِيطُ بِكُلِّ كِتابٍ كَذَلِكَ هو الحَقُّ المُنَزَّلُ بِهِ هَذا الكِتابُ هو الحَقُّ الجامِعُ المُحِيطُ الَّذِي كُلُّ حَقٍّ مِنهُ، وهو الحَقُّ الَّذِي أقامَ بِهِ حِكْمَتَهُ فِيما رَفَعَ ووَضَعَ. انْتَهى. حالَ كَوْنِهِ ﴿مُصَدِّقًا﴾ ولَمّا كانَ العامِلُ مَرْفُوعًا لِأنَّهُ أمْرُ فاعِلٍ قَوّاهُ في اللّامِ فَقالَ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أتَتْ بِها الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ هَذا الكِتابُ أوَّلًا وجامِعًا ومُحِيطًا كانَ كُلُّ كِتابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ مِن ورائِهِ كِتابٌ انْتَهى.

ولَمّا [كانَ] نِزاعُ وفْدِ نَجْرانَ في الإلَهِ أوِ النَّبِيِّ أوْ فِيهِما كانَ هَذا الكَلامُ كَفِيلًا عَلى وجازَتِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بِبَيانِ الحَقِّ في الإلَهِ بِالقَيُّومِيَّةِ، وفي المَعْنى بِالكِتابِ المُعْجِزِ، ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ أشارَ إلى أنَّ لَيْسَ لَهم إنْكارُ هَذا الكِتابِ وهو أعْلى مِنها في كُلِّ أمْرٍ أوْجَبَ تَصْدِيقَها وإلى [أنَّ] مَن أنْكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِ أنَّهُ مُعانِدٌ لا شَكَّ في عِنادِهِ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ﴾ وهو ”فَوْعَلَةٌ“ لَوْ صُرِفَتْ مِنَ الوَرْيِ وهو قَدْحُ النّارِ مِنَ الزَّنْدِ، اسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الواوَيْنِ فَقُلِبَ أوَّلُهُما تاءً كَما في اتِّحادٍ [و] اتِّلاجٍ واتِّزارٍ واتِّزانٍ ونَحْوِهِ قالَ الحَرالِّيُّ: فَهي تَوْراةٌ بِما هي نُورٌ أعْقَبَتْ ظَلامَ ما ورَدَتْ عَلَيْهِ مِن [كُفْرٍ] دُعِيَ إلَيْها مِنَ الفَراعِنَةِ، فَكانَ فِيها هُدىً ونُورٌ ﴿والإنْجِيلَ﴾ مِنَ النَّجْلِ، وُضِعَ عَلى زِيادَةِ ”إفْعِيلٍ“ لِمَزِيدِ مَعْنى ما وُضِعَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وزِيادَتاها مُبالَغَةٌ في المَعْنى، وأصْلُ …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ إنْزالُهُما مُسْتَغْرِقًا لِلْماضِي لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ الزَّمانِ أدْخَلَ الجارَّ مَعْرِيًّا مِنَ التَّقَيُّدِ بِمَن نَزَلا عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ وعَدَمِ النِّزاعِ بِخِلافِ القُرْآنِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ إنْزالًا انْقَضى أمْرُهُ ومَضى زَمانُهُ حالَ كَوْنِ الكُلِّ ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا، ولِذا عَمَّ فَقالَ: ﴿لِلنّاسِ﴾ وأمّا في أوَّلِ البَقَرَةِ فَبِمَعْنى خَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ، فَلِذا خَصَّ المُتَّقِينَ؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالتَّعْلِيلِ لِآخِرِ البَقَرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالحَياةِ، لِأنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالقَيُّومِيَّةِ؛ وآمَنَ بِرُسُلِهِ الَّذِينَ جاؤُوا بِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ بِالحَقِّ مِن عِنْدِهِ بِواسِطَةِ مَلائِكَتِهِ.

ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”فَرَقَ“ لِلْفَصْلِ عَبَّرَ بِالإنْزالِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى التَّدْرِيجِ لِما تَقَدَّمَ مِن إرادَةِ التَّرْجَمَةِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ عَلى غايَةِ الإيجازِ لِاقْتِضاءِ الإعْجازِ، وجَمَعَ الكِتابَيْنِ في إنْزالٍ واحِدٍ واسْتَجَدَّ لِكِتابِنا إنْزالًا تَنْبِيهًا عَلى [عُلُوِّ] رُتْبَتِهِ عَنْهُما بِمِقْدارِ عُلُوِّ رُتْبَةِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ هو هُدىً لَهُمْ، وبِتَقْواهم يَكُونُ لَهم فُرْقانٌ عَلى رُتْبَةِ النّاسِ الَّذِينَ هُما هُدىً لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ الكِتابَ المُصاحِبَ لِلْعِزِّ الَّذِي يُكْسِبُ صاحِبَهُ قُوَّةَ التَّصَرُّفِ فِيما يُرِيدُ مِنَ الفَصْلِ والوَصْلِ الَّذِي هو وظِيفَةُ السّادَةِ المَرْجُوعِ إلَيْهِمْ عِنْدَ المُلِمّاتِ، المُقْتَرِنَ بِالمُعْجِزاتِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَتَرى هَذا المَعْنى إنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ بِأوْضَحَ مِن هَذا؛ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُنَفِّذَ قائِلُهُ أمْرَ الكِتابِ المُقَرَّرِ فِيهِ الشَّرْعُ الحَقُّ المُبايِنُ لِجَمِيعِ المِلَلِ الباطِلَةِ والأهْواءِ المُضِلَّةِ والنِّحَلِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ هو رُوحُ النَّصْرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ المُرْشِدُ إلى الدُّعاءِ بِهِ خِتامُ البَقَرَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ الفُرْقانُ جامِعًا لِمَنزِلِ ظاهِرِ التَّوْراةِ ومَنزِلِ باطِنِ الإنْجِيلِ جَمْعًا يُبْدِي ما وراءَ مَنزِلِهِما بِحُكْمِ اسْتِنادِهِ لِلتَّقْوى الَّتِي هي تَهَيُّؤٌ لِتَنَزُّلِ الكِتابِ ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] فَكانَ الفُرْقانُ أقْرَبَ الكُتُبِ لِلْكِتابِ الجامِعِ، فَصارَ التَّنْزِيلُ في ثَلاثِ رُتَبٍ: رُتْبَةِ الكِتابِ المُنَزَّلِ بِالحَقِّ الجامِعِ، ثُمَّ رُتْبَةِ الفُرْقانِ المُظْهِرِ لِمَحَلِّ الجَمْعِ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، ثُمَّ مَنزِلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ [المُخْتَفِي فِيهِ مَوْضِعُ ظاهِرِ التَّوْراةِ بِباطِنِ الإنْجِيلِ] انْتَهى.

ومُناسَبَةُ ابْتِدائِها بِالتَّوْحِيدِ لِما في أثْنائِها أنَّهُ لَمّا خَلَقَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُنْثى فَقَطْ وهي أدْنى أسْبابِ النَّماءِ كانَ وُجُودُهُ إشارَةً إلى أنَّ الزِّيادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، وأنَّ الخَلْقَ أخَذَ في النُّقْصانِ، وهَذا العالَمُ أشْرَفَ عَلى الزَّوالِ، فَلَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ مِن قَوْمِهِ نَبِيٌّ بَلْ كانَ خاتَمَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ [هَذا] النَّبِيُّ الَّذِي أتى بَعْدَهُ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ خاتَمَ الأنْبِياءِ مُطْلَقًا، وكانَ مَبْعُوثًا مَعَ نَفْسِ السّاعَةِ، وكانَ نُزُولُهُ هو آخِرَ الزَّمانِ عَلَمًا عَلى السّاعَةِ، وصُدِّرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي نَزَلَ كَثِيرٌ مِنها بِسَبَبِهِ …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

ثُمَّ قالَ تَوْضِيحًا لِما قَدَّمَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن إثْباتِ العِلْمِ، واسْتِدْلالًا عَلى وصْفِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقَيُّومِيَّةِ الَّتِي فارَقَ بِها كُلَّ مَن يَدَّعِي فِيهِ الإلَهِيَّةَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن جادَلَ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأطْراهُ بِدَعْواهُ أنَّهُ إلَهٌ، ومُوَضِّحًا لِأنَّ كُتُبَهُ هُدىً وأنَّهُ عالِمٌ بِالمُطِيعِ والعاصِي بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أرْشَدَ العَطْفَ في ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٤] إلى تَقْدِيرِهِ، ومُعَلِّلًا لِوَصْفِهِ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ لِما يَأْتِي في سُورَةِ طَهَ مِن أنَّ تَمامَ العِلْمِ يَسْتَلْزِمُ شُمُولَ القُدْرَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها القَيُّومِيَّةُ ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وإنْ دَقَّ، ولَمّا كانَ تَقْرِيبُ المَعْلُوماتِ بِالمَحْسُوساتِ أقْيَدَ في التَّعْلِيمِ والبُعْدِ عَنِ الخَفاءِ قالَ وإنْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ ولا هم يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَدَّعُوا في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلَ هَذا العِلْمِ، بَلْ في إنْجِيلِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ في حُدُودِ السَّبْعِينَ والثَّمانِمِائَةِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ بَعْضُ الأُمُورِ، قالَ في تَرْجَمَةِ إنْجِيلِ مُرْقُسَ في قِصَّةِ الَّتِي كانَتْ بِها نَزْفُ الدَّمِ: إنَّها أتَتْ مِن ورائِهِ فَأمْسَكَتْ ثَوْبَهُ فَبَرِأتْ فَعَلِمَ القُوَّةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنهُ، فالتَفَتَ إلى الجَمْعِ وقالَ: مَن مَسَّ ثَوْبِي؟ فَقالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: ما نَدْرِي، الجَمْعُ يَزْحَمُكَ، ويَقُولُ: مَنِ اقْتَرَبَ؟ فَجاءَتْ وقالَتْ لَهُ الحَقَّ، فَقالَ: يا ابْنَةُ! إيمانُكِ خَلَّصَكِ؛ وهو في إنْجِيلِ لُوقا بِمَعْناهُ ولَفْظِهِ: فَجاءَتْ مِن ورائِهِ وأمْسَكَتْ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَوَقَفَ جَرْيُ دَمِها الَّذِي كانَ يَسِيلُ مِنها، فَقالَ يَسُوعُ [مَن لَمَسَنِي؟ فَأنْكَرَ جَمِيعُهُمْ، فَقالَ بُطْرُسُ والَّذِي مَعَهُ: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ! الجَمِيعُ يَزْحَمُكَ ويُضَيِّقُ عَلَيْكَ ويَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي] مِن قُرْبٍ مِنِّي؟ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ قُوَّةً خَرَجَتْ مِنِّي إلى آخِرِهِ. وقالَ ابْنُ زُبَيْرٍ: ثُمَّ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ أيْ في البَقَرَةِ مِن تَفْصِيلِ أخْبارِهِمْ. فَكانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: أيَخْفى عَلَيْهِ مُرْتَكَباتُ العِبادِ! وهو مُصَوِّرُهم في الأرْحامِ والمُطَّلِعُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُ انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى شُمُولَ عِلْمِهِ أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ كُلُّ تَفْصِيلٍ يَتَقَدَّمُهُ بِالرُّتْبَةِ مُجْمَلٌ جامِعٌ، وكانَتْ تَراجِمُ السُّورَةِ مَوْضِعَ الإجْمالِ لِيَكُونَ تَفْصِيلُها مَوْضِعَ التَّفاصِيلِ، وكانَ مِنَ المَذْكُورِ في سُورَةِ الكِتابِ ما وقَعَ مِنَ اللَّبْسِ كَذَلِكَ كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي تَرْجَمَها جَوامِعُ إلَهِيَّةٌ ما وقَعَ مِنَ اللَّبْسِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ في هَذِهِ الآيَةِ الجامِعَةِ تَوْطِئَةٌ لِبَيانِ الأمْرِ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِمّا صَوَّرَ في الرَّحِمِ وحَمَلَتْهُ الأُنْثى ووَضَعَتْهُ، وأنَّ جَمِيعَ ما حَوَتْهُ السَّماءُ والأرْضُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ فِيهِ لَبْسٌ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ؛ انْتَهى فَقالَ مُبَيِّنًا أمْرَ قُدْرَتِهِ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا غَيْرُهُ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ وقَرَّعَهم بِصَرْفِ القَوْلِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِيَعْظُمَ تَنَبُّهُهم عَلى ما هم فِيهِ مِن قَهْرِ المُصَوِّرِ لَهم عَلى ما أوَجَدَهم عَلَيْهِ مِمّا يَشْتَهُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ فَقالَ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ نُطَفًا مِنَ التَّصْوِيرِ وهو إقامَةُ الصُّورَةِ. وهي تَمامُ البادِي الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها حِسُّ النّاظِرِ لِظُهُورِها، فَصُورَةُ كُلِّ شَيْءٍ تَمامُ بُدُوِّهِ قالَ الحَرالِّيُّ: ﴿فِي الأرْحامِ﴾ أيِ الَّتِي لا اطِّلاعَ لَكم عَلَيْها بِوَجْهٍ، ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ في نَفْسِهِ أمْرًا مُعْجِبًا وشَيْنًا لِلْعَقْلِ إذا تَأمَّلَهُ وإنْ كانَ قَدْ هانَ لِكَثْرَةِ الإلْفِ باهِرًا فَكَيْفَ بِأحْوالِهِ المُتَبايِنَةِ وأشْكالِهِ المُتَخالِفَةِ المُتَبايِنَةِ أشارَ إلى التَّعَجُّبِ مِن أمْرِهِ وجَلِيلِ سِرِّهِ بِآلَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ قالُوا: إنَّها في هَذا الوَطَنِ شَرْطٌ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ كَما ﴿يَشاءُ﴾ أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ أرادَ، سَواءٌ عِنْدَهُ كَوْنُكم مِن نُطْفَتَيْ ذَكَرٍ وأُنْثى أوْ نُطْفَةِ أُنْثى وحْدَها دَلِيلًا عَلى كَمالِ العِلْمِ والقَيُّومِيَّةِ، وإيماءً إلى أنَّ مَن صُوِّرَ في الأرْحامِ كَغَيْرِهِ مِنَ العَبِيدِ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا، إذِ الإلَهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن [أنْواعِ] الِاحْتِياجِ والنَّقْصِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ في إلاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ تَوْزِيعُ أمْرِ الإظْهارِ عَلى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ تُناظِرُ وُجُوهَ التَّقْدِيرِ الثَّلاثَةِ الَّتِي في [فاتِحَةِ] سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيُنْتِجُ هُدىً وإضْلالًا وإلْباسًا أكْمَلَ اللَّهُ بِهِ وحْيَهُ، كَما أقامَ بِتَقْدِيرِ الإيمانِ والكُفْرِ والنِّفاقِ خَلْقَهُ فَطابَقَ الأمْرُ الخَلْقَ فَأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ قائِمَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَكانَ في انْتِظامِ هَذِهِ الإفْهاماتِ أنَّ بادِيَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ عِنْدَ انْتِهاءِ الخَلْقِ إنَّما ظَهَرَتْ لِأنَّها مُودَعَةٌ في أصْلِ التَّصْوِيرِ فَصُورَةٌ نُورانِيَّةٌ يُهْتَدى بِها وصُورَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يُكْفَرُ لِأجْلِها، وصُورَةٌ مُلْتَبِسَةٌ عَيْشِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ يُفْتَتَنُ ويَقَعُ الإلْباسُ والِالتِباسُ مِن جِهَتِها، مِمّا لا يَفِي بِبَيانِها إلّا الفُرْقانُ المُنَزَّلُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا تَتِمُّ إحاطَةُ جَمِيعِها إلّا في القُرْآنِ المَخْصُوصَةُ بِهِ أئِمَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ انْتَهى. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ التَّصْوِيرَ في الرَّحِمِ أدَقُّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَعُلِمَ فاعِلُهُ بِغَيْرِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن بابِ …

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى الغَلَبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ المُقْتَضِي لِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ في أحْسَنِ مَحالِّهِ وأكْمَلِها المُسْتَلْزِمِ لِكَمالِ العِلْمِ، تَقْدِيرًا لِما مَرَّ مِنَ التَّصْوِيرِ وغَيْرِهِ، وكانَ هَذا الكِتابُ أكْمَلَ مَسْمُوعاتِ العِبادِ لِنُزُولِهِ عَلى وجْهٍ هو أعْلى الوُجُوهِ، ونَظْمِهِ عَلى أُسْلُوبٍ أعْجَزَ الفُصَحاءَ وأبْكَمَ البُلَغاءَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الباهِرَةِ والأسْرارِ الظّاهِرَةِ، وعَلى عَبْدٍ هو أكْمَلُ الخَلْقِ؛ أعْقَبَ الوَصْفَيْنِ بِقَوْلِهِ بَيانًا لِتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ ولَمّا فَصَّلَ أمْرَ المُنْزَلِ إلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ نَظَرَ إلَيْهِ جُمْلَةً كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالكِتابِ فَعَبَّرَ بِالإنْزالِ دُونَ التَّنْزِيلِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ عَلَيْكَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ، وقَصَرَ الخِطابَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ الرّاسِخِينَ وهو رَأْسُهم دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ مِنَ الخَلْقِ غَيْرُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِيما اخْتُصَّتْ بِهِ مِن عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُناظَرَةً بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِيما أنْزَلَتْ مِن إظْهارِ كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ المُنْتَظَمُ بِمَنزِلِ فاتِحَتِها ما يُناظِرُ المُنْتَظَمَ بِفاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مَنزِلَ كِتابٍ [هُوَ] الوَحْيُ انْتَظَمَ بِتَرْجَمَتِها الإعْلامُ بِأمْرِ كِتابِ الخَلْقِ الَّذِي هو القَدَرُ، فَكَما بَيَّنَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ كِتابَ تَقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ وكَتَبَهُ في ذَواتٍ مِن مُؤْمِنٍ [وكافِرٍ] ومُرَدَّدٍ بَيْنَهُما هو المُنافِقُ فَتَنَزَّلَتْ سُورَةُ كِتابٍ لِلْوَحْيِ إلى بَيانِ قَدْرِ الكِتابِ الخُلُقِيِّ لِذَلِكَ كانَ مُتَنَزَّلُ هَذا الِافْتِتاحِ الإلَهِيِّ إلى أصْلِ مَنزِلِ الكِتابِ الوَحْيَ؛ ولَمّا بَيَّنَ أمْرَ الخَلْقِ أنَّ مِنهم مَن فَطَرَهُ عَلى الإيمانِ ومِنهم مَن جَبَلَهُ عَلى الكُفْرِ ومِنهم مَن أناسَهُ بَيْنَ الخُلُقَيْنِ، بَيَّنَ في الكِتابِ أنَّ مِنهُ ما أنْزَلَهُ عَلى الإحْكامِ ومِنهُ ما أنْزَلَهُ عَلى الِاشْتِباهِ؛ وفي إفْهامِهِ ما أنْزَلَهُ عَلى الِافْتِنانِ والإضْلالِ بِمَنزِلَةِ خَتْمِ الكُفّارِ؛ انْتَهى فَقالَ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أيْ لا خَفاءَ بِها. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي الَّتِي أبْرَمَ حُكْمَها فَلَمْ يَنْبَتِرْ كَما يُبْرَمُ الحَبْلُ الَّذِي يُتَّخَذُ حِكْمَةً أيْ زِمامًا يُزَمُّ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يُخافُ خُرُوجُهُ عَلى الِانْضِباطِ، كَأنَّ الآيَةَ المُحْكَمَةَ تَحْكُمُ النَّفْسَ عَنْ جَوَلانِها وتَمْنَعُها مِن جِماحِها وتَضْبِطُها إلى مَحالِّ مَصالِحِها، ثُمَّ قالَ: فَهي آيُ التَّعَبُّدِ مِنَ الخُلُقِ لِلْخَلْقِ اللّائِي لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُنَّ في كِتابٍ مِن هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، فَهُنَّ لِذَلِكَ أُمٌّ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الإحْكامُ في غايَةِ البَيانِ فَكانَ في تَكامُلِهِ ورَدِّ بَعْضِ مَعانِيهِ إلى بَعْضٍ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وكانَ رَدُّ المُتَشابِهِ إلَيْهِ في غايَةِ السُّهُولَةِ لِمَن رَسَخَ إيمانُهُ وصَحَّ قَصْدُهُ واتَّسَعَ عِلْمُهُ لِيَصِيرَ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا أخْبَرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ فَقالَ: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ والأُمُّ الأمْرُ الجامِعُ الَّذِي يُؤَمُّ أيْ يُقْصَدُ، وقالَ الحَرالِّيُّ: هي الأصْلُ المُقْتَبَسُ مِنهُ الشَّيْءُ في الرُّوحانِيّاتِ والنّابِتُ مِنهُ أوْ فِيهِ في …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الرّاسِخِينَ أيْقَنُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُسْتَلْزِمِ لِأنَّهُ لا عِوَجَ فِيهِ أخْبَرَ أنَّهم أقْبَلُوا عَلى التَّضَرُّعِ إلَيْهِ في أنْ يُثَبِّتَهم بَعْدَ هِدايَتِهِ ثُمَّ أنْ يَرْحَمَهم بِبَيانِ ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْهم وهو في الحَقِيقَةِ تَلْقِينٌ مِنهُ لَهم لُطْفًا بِهِمْ مُقَدِّمًا ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنَ السُّؤالِ في تَطْهِيرِ القَلْبِ عَمّا لا يَنْبَغِي عَلى طَلَبِ تَنْوِيرِهِ بِما يَنْبَغِي لِأنَّ إزالَةَ المانِعِ قَبْلَ إيجادِ المُقْتَضِي عَيْنُ الحِكْمَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْنا ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ.

ولَمّا كانَ صَلاحُ القَلْبِ [صَلاحَ الجُمْلَةِ] و[فَسادُهُ] فَسادَها وكانَ ثَباتُ الإنْسانِ عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ مِن غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا مِمّا لَمْ يُجْرِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادَتَهُ لِغَيْرِ المَعْصُومِينَ قالَ نازِعًا الجارَّ مُسْنِدًا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ الجُمْلَةِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إلاحَةِ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِابْتِهالَ واقِعٌ مِن أُولِي الألْبابِ لِيَتَرَقَّوْا مِن مَحَلِّهِمْ مِنَ التَّذَكُّرِ إلى ما هو أعْلى وأبْطَنُ انْتَهى. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ أمْرِكَ الخاصِّ بِحَضْرَتِكَ القُدْسِيَّةِ، الباطِنِ عَنْ غَيْرِ خَواصِّكَ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ فَضْلًا ومِنحَةً مِنكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنّا، ونَكَّرَها تَعْظِيمًا بِأنَّ أيْسَرَ شَيْءٍ مِنها يَكْفِي المَوْهُوبَ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ أصْلًا فَكانَ كُلُّ عَطاءٍ مِن فَضْلِهِ قالُوا وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الأمْرُ اللَّدُنِيُّ لَيْسَ مِمّا في فِطَرِ الخَلْقِ وجِبِلّاتِهِمْ وإقامَةِ حِكْمَتِهِمْ، وإنَّما هو مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِحَسَبِ العِنايَةِ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوَهْبِ والهِبَةِ، وهي العَطِيَّةُ سَماحًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنَ المَوْهُوبِ انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن أوَّلِ ما فَرَغَ السَّمْعُ مِنَ الكِتابِ في الفاتِحَةِ وأوَّلِ البَقَرَةِ وأثْنائِها أنَّ لِلنّاسِ يَوْمًا يُدانُونَ فِيهِ وصَلُوا بِقَوْلِهِمُ السّابِقِ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الجَمْعِ، وهو ضَمُّ ما شَأْنُهُ الِافْتِراقُ والتَّنافُرُ لُطْفًا أوْ قَهْرًا انْتَهى.

﴿النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ يُدانُونَ فِيهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا نَفْيَ الرَّيْبِ بِقَوْلِهِمْ عادِلِينَ عَنِ الخِطابِ آتِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّ المَقامَ لِلْجَلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُخْلِفُ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ الخُلْفِ في زَمَنِ الوَعْدِ ومَكانِهِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ خِلافِهِ نَفْسِهِ عَبَّرَ بِالمِفْعالِ فَقالَ: ﴿المِيعادَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: هو مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ، وصِيغَ لِمَعْنى تَكَرُّرِهِ ودَوامِهِ، والوَعْدُ العَهْدُ في الخَيْرِ انْتَهى. وكُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ التَّثَبُّتُ في فَهْمِ الكِتابِ والإحْجامُ عَنْ مُشْكِلِهِ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ يَوْمَ الجَمْعِ يَوْمَ يُساقُونَ إلَيْهِ ويَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلنَّصارى: هَبْ أنَّهُ أشْكَلَ عَلَيْكم بَعْضُ أفْعالِي وأقْوالِي في الإنْجِيلِ فَهَلّا فَعَلْتُمْ فِعْلَ الرّاسِخِينَ فَنَزَّهْتُمُونِي عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِي مِنَ التَّناقُضِ وغَيْرِهِ، ووَكَلْتُمْ أمْرَ ذَلِكَ إلَيَّ، وعَوَّلْتُمْ في فَتْحِ مُغْلَقِهِ عَلَيَّ خَوْفًا مِن يَوْمِ الدِّينِ؟ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ لَمّا بَلَغَ الكَلامُ إلى هُنا أيْ إلى آيَةِ التَّصْوِيرِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكَيْفَ طَرَأ عَلَيْهِمْ ما طَرَأ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ؟ أخْبَرَ تَعالى بِشَأْنِ الكِتابِ وأنَّهُ مُحْكَمٌ ومُتَشابِهٌ، وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، فَحالُ أهْلِ التَّوْفِيقِ تَحْكِيمُ المُحْكَمِ، وحالُ أهْلِ الزَّيْغِ اتِّباعُ المُتَشابِهِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وكُلُّ هَذا بَيانٌ لِكَوْنِ الكِتابِ العَزِيزِ أعْظَمَ فُرْقانٍ وأوْضَحَ بَيانٍ إذْ قَدْ أوْضَحَ أحْوالَ المُخْتَلِفِينَ ومِن أيْنَ أتى عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ، وفي أثْناءِ ذَلِكَ تَنْبِيهُ العِبادِ عَلى عَجْزِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْدادِهِمْ لِئَلّا يَغْتَرَّ الغافِلُ فَيَقُولَ مَعَ هَذا البَيانِ ووُضُوحِ الأمْرِ: لا طَرِيقَ إلى تَنَكُّبِ الصِّراطِ، فَنُبِّهُوا حِينَ عُلِّمُوا الدُّعاءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثُمَّ كَرَّرَ تَنْبِيهَهم لِشِدَّةِ الحاجَةِ لِيُذَّكَّرَ هَذا أبَدًا، فَفِيهِ مُعْظَمُ البَيانِ، ومِنَ اعْتِقادِ الِاسْتِبْدادِ يَنْشَأُ الشِّرْكُ الأكْبَرُ إذِ اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ بِالأفْعالِ إخْراجٌ لِنِصْفِ المَوْجُوداتِ عَنْ يَدِ بارِئِها ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فَمِنَ التَّنْبِيهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] ومِنهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ومِنهُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى خاتِمَتِها، هَذا مِن جَلِيِّ التَّنْبِيهِ ومُحْكَمِهِ، ومِمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ ويَجُوزُ مَعْناهُ بَعْدَ اعْتِبارِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَمَن رَأى الفِعْلَ أوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِهِ تَعالى حَقِيقَةً فَقَدْ قالَ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ حُذِّرُوا أشَدَّ التَّحْذِيرِ لَمّا بَيَّنَ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

ولَمّا تَحَقَّقَ أنَّ يَوْمَ الجَمْعِ كائِنٌ لا مَحالَةَ تَحَقَّقَ أنَّ مِن نَتائِجِهِ تَحْقِيقًا لِعِزَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ لِسَتْرِهِمْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مَرْأى عُقُولِهِمْ أنَّهم يَمْتَنِعُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّهم يَفْعَلُونَ في عِصْيانِهِ وعَداوَةِ أوْلِيائِهِ فِعْلَ مَن يُرِيدُ المُغالَبَةَ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ أيْ وإنْ كَثُرَتْ، وقَدَّمَها لِأنَّ بِها قِوامَ ما بَعْدَها وتَمامَ لَذّاتِهِ، وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِيُفِيدَ النَّفْيَ عَنْ كُلِّ حالَةٍ وعَنِ المَجْمُوعِ فَيَكُونَ أصْرَحَ في المَرامِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ مُبْتَدِئًا مِن جِهَةِ اللَّهِ، وإذا كانَتْ تِلْكَ الجِهَةُ عارِيَةً عَمّا يُغْنِي كانَ كُلُّ ما يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن بَأْسٍ واقِعًا بِهِمْ لا مانِعَ لَهُ، فَمَهْما أرادَ بِهِمْ كانَ مِن خِذْلانٍ في الدُّنْيا وبَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ وحَشْرٍ بَعْدَ البَعْثِ وعَذابٍ في الآخِرَةِ، فَأُولَئِكَ المُعَرَّضُونَ مِنهُ لِكُلِّ بَلاءٍ ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وفي ذَلِكَ [أعْظَمُ] تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ الزّائِغِينَ الَّذِينَ خالَفُوا الرّاسِخِينَ فَوَقَفَتْ بِهِمْ نِعَمُهُ المُقْتَضِيَةُ لِتَصْدِيقِهِ [عَنْ تَصْدِيقِهِ] لَيْسَتْ مُغْنِيَةً عَنْهم تِلْكَ النِّعَمُ شَيْئًا، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا ومَحْشُورُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ كانَ الألْيَقُ بِخِطابِها أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ فِيهِ إلى الزُّهْدِ أتَمَّ مِنَ الدُّعاءِ في غَيْرِها، والإشارَةُ فِيهِ إلى ذَلِكَ أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ في غَيْرِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاطِعَةً لِلْقُلُوبِ النَّيِّرَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ مِن فِتْنَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن مَضْمُونِ تَرْجَمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ إطْلاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سِرِّ التَّقْدِيرِ الَّذِي صُرِفَ عَنِ الجَوابِ فِيهِ وإظْهارِ سِرِّهِ مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ وعِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِمّا أظْهَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعامَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إعْلاءً لَها عَلى كُلِّ أُمَّةٍ، واخْتِصاصًا لَها بِما عَلا اخْتِصاصَ نَبِيِّها ﷺ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: أخْبِرْهم أنِّي بَرِيءٌ مِنهم وأنَّهم بَراءٌ مِنِّي لِقَوْمٍ لَمْ يُظْهَرُوا عَلى سِرِّ القَدَرِ، وقالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ أنَّ لِأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ ما قُبِلَ مِنهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، فَأفْهَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلَماءَ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ أعْمالَها لا تُقْبَلُ إلّا عَلى مَعْرِفَةِ سِرِّ التَّقْدِيرِ لِتَكُونَ قُلُوبُها بَرِيئَةً مِن أعْمالِ ظَواهِرِها، كَما قِيلَ في أثارَةٍ مِنَ العِلْمِ: مَن لَمْ يَخْتِمْ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ لَمْ يَعْمَلْ، ومَن لَمْ يَخْتِمْ عِلْمَهُ بِالجَهْلِ لَمْ يَعْلَمْ فَخَتْمُ العامِلِ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ، وأنَّ المُجْرى عَلى يَدَيْهِ أمْرٌ مُقَدَّرٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأقامَهُ فِيهِ لِما خَلَقَهُ لَهُ مِن حِكْمَتِهِ مِن وصْفِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِن تَمامِ كَلِمَتِهِ في رَحْمَتِهِ أوْ عُقُوبَتِهِ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ حِكْمَةَ الحَكِيمِ، ولا حُجَّةَ لِلْعَبْدِ عَلى رَبِّهِ ولا حُجَّةَ لِلصَّنْعَةِ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.