قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ
He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
قِيلَ ﴿قالَ﴾ إرادَةَ تَعْجِيلِ البُشْرى وتَحْقِيقِ السَّرّاءِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْلَمُ بِها ذَلِكَ ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تُكَلِّمَهم بِكَلامٍ دُنْيَوِيٍّ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾
ولَمّا كانَ الكَلامُ يُطْلَقُ عَلى الفِعْلِ مَجازًا اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ لِتَخْلُصَ هَذِهِ المُدَّةُ لِلذِّكْرِ شُكْرًا عَلى النِّعْمَةِ فاحْمَدْ رَبَّكَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: والرَّمْزُ تَلَطُّفٌ في الإفْهامِ بِإشارَةِ تَحَرُّكِ طَرَفٍ كاليَدِ واللَّحْظِ والشَّفَتَيْنِ ونَحْوِها، والغَمْزُ أشَدُّ مِنهُ بِاليَدِ ونَحْوِها. انْتَهى. فَعَدَمُ الكَلامِ مَعَ صِحَّةِ آلَتِهِ دَلِيلُ إيجادِ المُتَكَلِّمِ مَعَ ضَعْفِ آلَتِهِ إلى حَدٍّ لا يَتَكَوَّنُ عَنْها عادَةً، ولَمّا كانَ الأتَمُّ في القُدْرَةِ أنْ يُحْبَسَ عَنْ كَلامٍ دُونَ آخَرَ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ بِالحَمْدِ وهو أنْ تُثْبِتَ لَهُ الإحاطَةَ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿كَثِيرًا﴾ في الأيّامِ الَّتِي مُنِعْتَ فِيها مِن كَلامِ النّاسِ خُصُوصًا، وفي سائِرِ أوْقاتِكَ عُمُومًا ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ أوْقِعِ التَّسْبِيحَ لِمُطْلَقِ الخَلِيلِ رَبِّكَ بِأنْ تَنْفِيَ عَنْهُ كُلَّ نَقْصٍ ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العَشْوِ وأصْلُ مَعْناهُ: إيقادُ نارٍ عَلى عَلَمٍ لِمَقْصِدِ هُدىً أوْ قِرىً ومَأْوىً عَلى حالِ وهْنٍ، فَسُمِّيَ بِهِ عَشِيُّ النَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ فِعْلِ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ مَعْناهُ في العِشاءِ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّعامُ: العَشاءَ ﴿والإبْكارِ﴾ وأصْلُهُ المُبادَرَةُ لِأوَّلِ الشَّيْءِ، ومِنهُ التَّبْكِيرُ وهو السُّرْعَةُ، والباكُورَةُ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الثَّمَرِ، فالإبْكارُ اقْتِطافُ زَهْرَةِ النَّهارِ وهو أوَّلُهُ. انْتَهى.