Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 200

41

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .

﴿قالَ﴾ زَكَرِيّا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها حُصُولَ الحَمْلِ. وإنَّما سَألَها لِكَوْنِ العُلُوقِ أمْرًا خَفِيًّا لا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أوَّلِهِ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ مِن أوَّلِها، ولا يُؤَخِّرُهُ إلى أنْ يَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ أيْ: إشارَةً بِيَدٍ أوْ رَأْسٍ. وإنَّما جُعِلَتْ آيَتُهُ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ المُدَّةِ لِذِكْرِهِ تَعالى شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً مِنهُ تَعالى بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ - حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ -: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: وسَبِّحْهُ: ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وهو آخِرُ النَّهارِ. ويَقَعُ العَشِيُّ أيْضًا عَلى ما بَيْنَ الزَّوالِ والغُرُوبِ: ﴿والإبْكارِ﴾ وهو الغَدْوَةُ، أوْ مِن صَلاةِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ الحَثُّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهو مِن شُعَبِ الإيمانِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَوْ رَخَّصَ اللَّهُ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّا؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الكَلامِ وأمَرَهُ بِالذِّكْرِ - أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - .

Aal-i-Imraan 3:41Listen in Qur'an →
42

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ شُرُوعٌ في تَتِمَّةِ فَضائِلِ آلِ عِمْرانَ. قالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى جَوازِ تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ الوَلِيَّ، ويُفارِقُ النَّبِيَّ في دَعْوى النُّبُوَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ بِالتَّقْرِيبِ والمَحَبَّةِ: ﴿وطَهَّرَكِ﴾ عَنْ الرَّذائِلِ لِيَدُومَ انْجِذابُكِ إلَيْهِ: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ بِالتَّفْضِيلِ وبِما أظْهَرَهُ مِن قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ حَيْثُ خَلَقَ مِنكِ ولَدًا مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ. وفي (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ. كَما اسْتَدَلَّ بِها مَن فَضَّلَها عَلى بَناتِ النَّبِيِّ ﷺ وأزْواجِهِ. وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ عالَمِي زَمانِها قالَهُ السُّدِّيُّ - .

Aal-i-Imraan 3:42Listen in Qur'an →
43

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: اعْبُدِيهِ شُكْرًا عَلى اصْطِفائِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ: لِتَزْدادِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ قُرْبًا. قالَ البِقاعِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ هُنا ظاهِرُهُ، وبِالرُّكُوعِ الصَّلاةُ نَفْسُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واسْجُدِي مُصَلِّيَةً، ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ، أيْ: في جَماعَةٍ، فَإنَّكِ في عِدادِ الرِّجالِ لِما خُصِصْتِ بِهِ مِنَ الكَمالِ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما قُلْتُ هَذا لِأنِّي تَتَبَّعْتُ التَّوْراةَ، فَلَمْ أرَهُ ذَكَرَ فِيها الرُّكُوعَ في صَلاةِ إبْراهِيمَ ولا مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، ولا أتْباعِهِمْ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ. ورَأيْتُهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ:

اَلْأوَّلُ: إطْلاقُ لَفْظِها مِن غَيْرِ بَيانِ كَيْفِيَّةٍ.

والثّانِي: إطْلاقُ لَفْظِ السُّجُودِ مُجَرَّدًا.

والثّالِثُ: إطْلاقُهُ مَقْرُونًا بِرُكُوعٍ أوْ حَبْوٍ أوْ خُرُورٍ عَلى الوَجْهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ثُمَّ ساقَ البِقاعِيُّ ما وقَعَ مِنَ النُّصُوصِ في ذَلِكَ، وقالَ بَعْدُ: فاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مِن هَذِهِ الأماكِنِ وغَيْرِها: أنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهم تُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ وعَلى فِعْلٍ هو مُجَرَّدُ السُّجُودِ، فَإنْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ فَذاكَ، وحِينَئِذٍ يُسَمّى صَلاةً. وإلّا كانَ المُرادُ بِهِ مُطْلَقَ الِانْحِناءِ لِلتَّعْظِيمِ. وذَلِكَ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ: سَجَدَ: خَضَعَ، والخُضُوعُ: التَّطامُنُ، وأمّا المَكانُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الرُّكُوعُ، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: فِعْلُ الشَّعْبِ كُلِّهِ ساجِدًا لِلَّهِ، لِأنَّ الرُّكُوعَ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى مَعانٍ، مِنها الصَّلاةُ. يُقالُ: رَكَعَ أيْ: صَلّى، ورَكَعَ إذا انْحَنى كَثِيرًا، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الرُّكُوعِ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ في حالِ السُّجُودِ، وإنْ ارْتُكِبَ فِيهِ تَأْوِيلٌ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ فِي الرُّكُوعِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - واحْتَجَجْتُ بِاللُّغَةِ لِأنَّ مُتَرْجِمَ نُسْخَةِ التَّوْراةِ، الَّتِي وقَعَتْ لِي، في عِدادِ البُلَغاءِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن تَأمَّلَ مَواقِعَ تَرْجَمَتِهِ لَها. عَلى أنِّي سَألْتُ عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ الآنَ، فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ، ثُمَّ رَأيْتُ البَغَوِيَّ صَرَّحَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِأنَّ صَلاتَهم لا رُكُوعَ فِيها، وكَذا ابْنَ عَطِيَّةَ وغَيْرَهُما. انْتَهى كَلامُ البِقاعِيِّ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مَطْلُوبَةٌ في الصَّلاةِ، وعَلى أنَّ المَرْأةَ تُنْدَبُ لَها الجَماعَةُ.

Aal-i-Imraan 3:43Listen in Qur'an →
44

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. And you were not with them when they cast their pens as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: الأنْباءِ المَغِيبَةِ عَنْكَ: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ مُطابِقًا لِما في كِتابِهِمْ. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في: ﴿نُوحِيهِ﴾ بِجَعْلِ مَرْجِعِهِ ذَلِكَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ مُعايِنًا لِفِعْلِهِمْ، وما جَرى مِن أمْرِهِمْ في شَأْنِ مَرْيَمَ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم، أيْ: سِهامَهم الَّتِي جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعْرَفُ بِها مَن يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ بِسَبَبِها تَنافُسًا في كَفالَتِها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ: أنَّهم ذَهَبُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِّ واقْتَرَعُوا هُنالِكَ عَلى أنْ يُلْقُوا أقْلامَهم، فَأيُّهم ثَبَتَ في جَرْيِةِ الماءُ فَهو كافِلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم، فاحْتَمَلَها الماءُ إلّا قَلَمَ زَكَرِيّا، فَإنَّهُ ثَبَتَ. ويُقالُ إنَّهُ ذَهَبَ صاعِدًا يَشُقُّ جَرْيَةَ الماءِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ أقْلامَهم، مِمّا كانَتْ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سَلِمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ. وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقْلَمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا. وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ. وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ يَجُوزُ التَّخاصُمُ لِطَلَبِ الفَضْلِ حَتّى يَتَمَيَّزَ واحِدٌ بِمَزِيَّةٍ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ يَحْصُلُ بِالقُرْعَةِ في الأمْرِ المُلْبِسِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نُفِيَتْ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ الأنْباءِ مِن حُفّاظِها، وهو مَوْهُومٌ ؟ قُلْتُ: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينًا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ، فَنُفَيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعَ لَهُ ولا قِراءَةَ. ونَحْوُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] - انْتَهى - وبِالجُمْلَةِ: فالنَّفْيُ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الأنْباءِ وحْيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:44Listen in Qur'an →
45

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah gives you good tidings of a word from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allah].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ ] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِمَوْلُودٍ يَحْصُلُ بِكَلِمَةٍ مِنهُ بِلا واسِطَةِ أبٍ: ﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ. أيْ: اسْمُهُ الَّذِي يُمَيِّزُهُ لَقَبًا: ﴿المَسِيحُ﴾ وعَلَمًا: ﴿عِيسى﴾ مُعْرَّبُ يَسُوعَ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، كَلِمَةٌ يُونانِيَّةٌ مَعْناها (مُخَلِّصٌ) ويُرادِفُها (يَشُوعُ) بِالمُعْجَمَةِ، إلّا أنَّها عِبْرانِيَّةٌ كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيها أنَّ المَسِيحَ بِمَعْنى: المَمْسُوحُ أوْ المَدْهُونُ. قالَ البِقاعِيُّ: وأصْلُ هَذا الوَصْفِ أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ: مَن مَسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ كانَ طاهِرًا مُتَأهِّلًا لِلْمُلْكِ والعِلْمِ والوِلاياتِ الفاضِلَةِ مُبارَكًا، فَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُلازِمٌ لِلْبَرَكَةِ النّاشِئَةِ عَنْ المَسْحِ، وإنْ لَمْ يُمْسَحْ. انْتَهى. وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: سَيِّدًا ومُعَظَّمًا فِيهِما: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

Aal-i-Imraan 3:45Listen in Qur'an →
46

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ: ﴿وكَهْلا﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَعْنى ويُكَلِّمُ النّاسَ، حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ بِبَقائِهِ إلى أنْ يَصِيرَ كَهْلًا. والمَهْدُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ ويُوطَّأُ لِيَنامَ فِيهِ. والكَهْلُ: مَن وخَطَهُ الشَّيْبُ، أوْ مَن جاوَزَ الثَّلاثِينَ إلى اَلْأرْبَعِينَ أوْ الخَمْسِينَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلْغُلامِ مُراهِقٌ، ثُمَّ مُحْتَلِمٌ، ثُمَّ يُقالُ: تَخَرَّجَ وجْهُهُ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ مُجْتَمِعٌ، ثُمَّ كَهْلٌ، وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لَهُ كَهْلٌ حِينَئِذٍ: لِانْتِهاءِ شَبابِهِ وكَمالِ قُوَّتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: مِن عِدادِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ؛ لِأنَّ أهْلَ الصَّلاحِ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والفَضْلِ.

Aal-i-Imraan 3:46Listen in Qur'an →
47

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allah; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

﴿قالَتْ﴾ مُخاطِبَةً لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ إلَيْها المَلائِكَةَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَسْتُ بِذاتِ زَوْجٍ: ﴿قالَ كَذَلِكِ﴾ أيْ: عَلى الحالَةِ الَّتِي أنْتِ عَلَيْها مِن عَدَمِ مَسِّ البَشَرِ: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ولا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وصَرَّحَ هَهُنا بِقَوْلِهِ: (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) ولَمْ يَقُلْ: (يَفْعَلُ) كَما في قِصَّةِ زَكَرِيّا، لِما أنَّ الخَلْقَ المُنْبِئَ عَنْ الإحْداثِ لِلْمُكَوَّنِ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ؛ لِئَلّا يَبْقى لِمُبْطِلٍ شُبْهَةٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ أيْ: أرادَ شَيْئًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَأخُّرٍ ولا حاجَةٍ إلى سَبَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أيْ: إنَّما نَأْمُرُ مَرَّةً واحِدَةً لا تَثْنِيَةَ فِيها فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ سَرِيعًا كَلَمْحِ البَصَرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Aal-i-Imraan 3:47Listen in Qur'an →
48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

And He will teach him writing and wisdom and the Torah and the Gospel

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ أيْ: الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ: تَهْذِيبَ الأخْلاقِ: ﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إفْرادُهُما بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، لِزِيادَةِ فَضْلِهِما وإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما.

Aal-i-Imraan 3:48Listen in Qur'an →
49

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allah. And I cure the blind and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allah. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٩ ] ﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَقُودُ إلَيْهِ المَعْنى، مَعْطُوفٌ عَلى (يُعَلِّمُهُ) أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى جَمِيعِ الإسْرائِيلِيِّينَ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لـ (رَسُولًا) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ. أيْ: رَسُولًا ناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِها، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ: مُتَلَبِّسًا ومُحْتَجًّا بِآيَةِ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حَقِيقِيًّا ذا حَياةٍ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: أمْرُهُ، لا بِاسْتِقْلالٍ مِنِّي: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الَّذِي وُلِدَ أعْمًى: ﴿والأبْرَصَ﴾ المُبْتَلى بِالبَرَصِ، وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في البَشَرَةِ لِفَسادِ مِزاجٍ. وفي (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ الأطِبّاءُ: إنَّ الأكْمَهَ - الَّذِي وُلِدَ أعْمًى - والأبْرَصَ لا يُمْكِنُ بُرْؤُهُما، كَإحْياءِ المَوْتى: ﴿وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لا بِاسْتِقْلالٍ مِنِّي. نَفْيًا لِتَوَهُّمِ اَلْأُلُوهِيَّةِ، فَهَذِهِ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ فِعْلِيَّةٌ: ﴿وأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم: ﴿بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ مِمّا لَمْ أُعايِنُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ أيْ: دِلالَةً: ﴿لَكُمْ﴾ عَلى صِدْقِي في دَعْوى الرِّسالَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُصَدِّقِينَ بِآياتِ اللَّهِ. وقَدْ ذُكِرَ في الإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ بَصَرَ أعْمَيَيْنِ في كَفْرِ ناحُومَ، وأعْمًى في بَيْتِ صَيْدا، ورَجُلٍ وُلِدَ أعْمًى في أُورْشَلِيمَ، وشَفى عَشَرَةَ مُصابِينَ بِالبَرَصِ في السّامِرَةِ، وأبْرَأ أبْرَصَ في كَفْرِ ناحُومَ، وأقامَ ابْنَ الأرْمَلَةِ مِنَ المَوْتِ في بَلْدَةِ نايِينَ، وأحْيا ابْنَةَ جيروسَ في كَفْرِ ناحُومَ، والعازِرِ في بَيْتِ عَيْنا.

Aal-i-Imraan 3:49Listen in Qur'an →
50

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allah and obey me.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾

﴿ومُصَدِّقًا﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ " بِآيَةٍ " أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ ومُصَدِّقًا: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيْ: مُقَرِّرًا لَهُما ومُثَبِّتًا: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَسَخَ بَعْضَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وهو الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: لَمْ يَنْسَخْ مِنها شَيْئًا، وإنَّما أحَلَّ لَهم بَعْضَ ما كانُوا يَتَنازَعُونَ فِيهِ خَطَأً، وانْكَشَفَ لَهم عَنْ الغِطاءِ في ذَلِكَ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] واَللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

أقُولُ: مِنَ البَعْضِ الَّذِي أحَلَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم: فِعْلَ الخَيْرِ في السُّبُوتِ، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ مُطْلَقِ عَمَلِ يَوْمِ السَّبْتِ، ولِذا لَمّا اجْتازَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإسْرائِيلِيِّينَ مَرَّةً، أبْصَرَ مَرِيضًا فَسَألُوهُ: هَلْ يَحِلُّ أنْ يَشْفِيَ في السَّبْتِ ؟ فَقالَ لَهم عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّ إنْسانٍ مِنكم يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ، فَيَسْقُطُ في حُفْرَةٍ يَوْمَ السَّبْتِ ولا يُمْسِكُهُ ويَرْفَعُهُ ؟ والإنْسانُ كَمْ يَفْضُلُ الخَرُوفَ ؟ فَإذَنْ يَحِلُّ فِعْلُ الخَيْرِ في السُّبُوتِ، ثُمَّ أبْرَأ ذَلِكَ المَرِيضَ - كَذا في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ، مِنَ الفِقْرَةِ التّاسِعَةِ إلى الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِن إنْجِيلِ مَتّى - وفِيهِ في الإصْحاحِ الخامِسِ الفِقْرَةِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَظُنُّوا أنِّي جِئْتُ لِأنْقُضَ النّامُوسَ أوْ الأنْبِياءَ، ما جِئْتُ لِأنْقُضَ بَلْ لِأُكْمِلَ - انْتَهى - .

وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ شَرائِعَ التَّوْراةِ كُلَّها، ثُمَّ جاءَ بُولَسُ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الرُّهْبانِ، فادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ ورَفَعَهُ عَنْهم، إذْ أكْمَلَهُ وأتَمَّهُ بِفِعْلِهِ إيّاهُ. وكَفاهم مَؤُونَةَ العَمَلِ بِشَيْءٍ مِنهُ، وأغْناهم بِشَرِيعَتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، فَنَقَضُوا النّامُوسَ الَّذِي جاءَ لِإكْمالِهِ المَسِيحُ. فَمِمّا نَقَضُوهُ إباحَةُ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ المُحَرَّمَةِ في النّامُوسِ المُوسَوِيِّ، فَنُسِخَتْ حُرْمَتُها في الشَّرِيعَةِ العِيسَوِيَّةِ، وثَبَتَتْ الإباحَةُ العامَّةُ بِفَتْوى بُولَسَ، إذْ قالَ لَهم: لا شَيْءَ نَجِسُ العَيْنِ، كَما في رِسالَتِهِ إلى أهْلِ رُومِيَّةَ. ومِمّا نَقَضُوهُ تَعْظِيمُ السَّبْتِ، فَقَدْ كانَ حُكْمًا أبَدِيًّا في الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، وما كانَ لِأحَدٍ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ أدْنى عَمَلٍ، وكانَ مَن عَمِلَ فِيهِ عَمَلًا واجِبَ القَتْلِ. ومِنهُ أحْكامُ الأعْيادِ المَشْرُوعَةِ في التَّوْراةِ. ومِنهُ حُكْمُ الخِتانِ الَّذِي كانَ أبَدِيًّا في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأوْلادِهِ إلى شَرِيعَةِ مُوسى، وقَدْ خَتَنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَسَخَ حُكْمَهُ الرُّهْبانُ بَعْدَهُ، كَما نَسَخُوا جَمِيعَ الأحْكامِ العَمَلِيَّةِ لِلتَّوْراةِ، إلّا الزِّنى، كَما بَيَّنَ في (إظْهارِ الحَقِّ)، في البابِ الثّالِثِ في إثْباتِ النَّسْخِ، وقَدْ أسْلَفْنا جُمْلَةً جَلِيلَةً في هَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: …

Aal-i-Imraan 3:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.