Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 41–50 of 200

41

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾

الآيَةُ: العَلامَةُ. وقالَ الرَبِيعُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِها، فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَكِّ في أمْرِ اللهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ الناسِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّاءُ، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ وتَتِمُّ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتى يُحْمَلُ بِيَحْيى.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ كانَ مَنعُهُ الكَلامَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ كانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ آفَةٍ؟ فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبّا لِسانَهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ ثُمَّ أطْلَقَهُ اللهُ بَعْدَ ثَلاثٍ. وقالَ الرَبِيعُ وغَيْرُهُ: عُوقِبَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِالبِشارَةِ فَسَألَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلامَةً فَأخَذَ اللهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ، فَجَعَلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُحاوَرَةَ الناسِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللهِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وذُكِرَ نَحْوُهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

ثُمَّ اسْتَثْنى الرَمْزَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. وذَهَبَ الفُقَهاءُ في الإشارَةِ ونَحْوِها إلى أنَّها في حُكْمِ الكَلامِ في الأيْمانِ ونَحْوِها، فَعَلى هَذا يَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والكَلامُ المُرادُ بِالآيَةِ إنَّما هو النُطْقُ بِاللِسانِ لا الإعْلامُ بِما في النَفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَمْزًا" - بِفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ المِيمِ - وقَرَأ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: "رُمُزًا" بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رَمَزًا" بِفَتْحِهِما. والرَمْزُ في اللُغَةِ: حَرَكَةٌ تُعْلِمُ بِما في نَفْسِ الرامِزِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَتِ الحَرَكَةُ؛ مِن عَيْنٍ أو حاجِبٍ أو شَفَةٍ أو يَدٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قِيلَ لِلْكَلامِ المُحَرَّفِ عن ظاهِرِهِ: رُمُوزٌ، لِأنَّها عَلاماتٌ بِغَيْرِ اللَفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ الإعْلامُ بِهِ. وقَدْ يُقالُ لِلتَّصْوِيتِ الدالِّ عَلى مَعْنىً: رَمْزٌ، ومِنهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عائِدٍ:

؎ وكانَ تَكَلُّمُ الأبْطالِ رَمْزًا ∗∗∗ وغَمْغَمَةً لَهم مِثْلَ الهَدِيرِ

وأمّا المُفَسِّرُونَ فَخَصَّصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَوْعًا مِنَ الرَمْزِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا تَحْرِيكًا بِالشَفَتَيْنِ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ إلّا إشارَةً بِاليَدِ والرَأْسِ، وبِهِ قالَ السُدِّيُّ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وقالَ الحَسَنُ: أُمْسِكَ لِسانُهُ فَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى قَوْمِهِ، وقالَ قَتادَةُ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا إيماءً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تُكَلِّمَ الناسَ" بِنَصْبِ الفِعْلِ بِأنْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ألّا تُكَلِّمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ ويَكُونَ فِيها ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، والتَقْدِيرُ: آيَتُكَ أنَّهُ لا تُكَلِّمُ الناسَ. والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا صُمْتُ يَوْمًا إلى اللَيْلِ"» قَوْلٌ ظاهِرُ الفَسادِ مِن جِهاتٍ. …

Aal-i-Imraan 3:41Listen in Qur'an →
42

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾

قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩].

و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ. فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ﷺ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".»

وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا. …

Aal-i-Imraan 3:42Listen in Qur'an →
43

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾

قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩].

و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ. فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ﷺ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".»

وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا. …

Aal-i-Imraan 3:43Listen in Qur'an →
44

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. And you were not with them when they cast their pens as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

قوله عزّ وجلّ:

﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾

هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ. والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ. و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ. وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

؎ أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ

تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ﷺ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ. وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها.

"يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ ﷺ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ. وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: …

Aal-i-Imraan 3:44Listen in Qur'an →
45

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah gives you good tidings of a word from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allah].

قوله عزّ وجلّ:

﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾

هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ. والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ. و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ. وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

؎ أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ

تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ﷺ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ. وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها.

"يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ ﷺ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ. وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: …

Aal-i-Imraan 3:45Listen in Qur'an →
46

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:.

؎ بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ

وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ. والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ. وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ. واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،. وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ.

وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها. و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ. وأمّا قِراءَةُ …

Aal-i-Imraan 3:46Listen in Qur'an →
47

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allah; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:.

؎ بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ

وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ. والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ. وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ. واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،. وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ.

وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها. و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ. وأمّا قِراءَةُ …

Aal-i-Imraan 3:47Listen in Qur'an →
48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

And He will teach him writing and wisdom and the Torah and the Gospel

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ﴾

قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ". وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى. و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها. وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ. وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ. وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ.

و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ. وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا.

وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ.

ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَيَكُونَ …

Aal-i-Imraan 3:48Listen in Qur'an →
49

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allah. And I cure the blind and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allah. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ﴾

قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ". وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى. و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها. وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ. وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ. وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ.

و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ. وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا.

وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ.

ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَيَكُونَ …

Aal-i-Imraan 3:49Listen in Qur'an →
50

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allah and obey me.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]. لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ.

وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ. وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ:

؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها

وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ. والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.