Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ، وقَدْ نَصَبُوا أصْنامَهم يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: "لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ، لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَعَرَضَها النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوها،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ ناسًا قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِحُبِّهِ عِلْمًا، فَأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: أنَّ نَصارى نَجْرانَ، قالُوا: إنَّما تَقُولُ هَذا في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ، وتَعْظِيمًا لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرَ بْنِ الزُّبَيْرِ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ: ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى بْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، ونَحْنُ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى اصْطَفاهم في اللُّغَةِ: اخْتارَهم، فَجَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ بِما يُرى، لِأنَّ العَرَبَ تُمَثِّلُ المَعْلُومَ بِالشَّيْءِ المَرْئِيِّ، فَإذا سَمِعَ السّامِعُ ذَلِكَ المَعْلُومَ كانَ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ ما يُشاهَدُ عَيانًا، فَنَحْنُ نُعايِنُ الشَّيْءَ الصّافِيَ أنَّهُ النَّقِيُّ مِنَ الكَدِرِ، فَكَذَلِكَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: صَفْوَةٌ، وصِفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ. وأمّا آَدَمُ فَعَرَبِيٌّ، وقَدْ ذَكَرْنا اشْتِقاقَهُ في "البَقَرَةِ" وأمّا نُوحٌ، فَأعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْمُ نُوحٍ: السَّكَنُ، وإنَّما سُمِّيَ نُوحًا، لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ. وفي سَبَبِ نَوْحِهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ، والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنُوحُ لِمَعاصِي أهْلِهِ، وقَوْمِهِ. والثّالِثُ: لِمُراجَعَتِهِ رَبَّهُ في ولَدِهِ. والرّابِعُ: لِدُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ. والخامِسُ: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أعِبْتَنِي يا نُوحُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وفي آَلِ إبْراهِيمَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ. والثّانِي: أنَّهم إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، والأسْباطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِـ"آَلِ إبْراهِيمَ" هو نَفْسُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٤٨ ]، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وفي "عِمْرانَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ والِدُ مَرْيَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ والِدُ مُوسى، وهارُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي "آَلِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ آَلَهُ مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُرادُ بِـ"آَلَهَ" نَفْسُهُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم مِن نَسْلِهِمْ. وفي مَعْنى اصْطِفاءِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُرادَ اصْطَفى دِينَهم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: اصْطَفاهم بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ. والمُرادُ بِـ"العالَمِينَ" عالِمُو زَمانِهِمْ، كَما ذَكَرْنا في "البَقَرَةِ" .

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُها عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: اصْطَفى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: بَعْضُها، لِأنَّ لَفْظَ الذَّرِّيَّةِ مُؤَنَّثٌ، ولَوْ قالَ: بَعْضُهم، ذَهَبَ إلى مَعْنى الذُّرِّيَّةِ. وفي مَعْنى هَذِهِ البَعْضِيَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ في التَّناصُرِ والدِّينِ، لا في التَّناسُلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُ في التَّسَلْسُلِ، لِأنَّ جَمِيعَهم ذُرِّيَّةُ آَدَمَ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أنَّ الأبْناءَ ذُرِّيَّةٌ لِلْآَباءِ، والآَباءُ ذُرِّيَّةٌ لِلْأبْناءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [ يس: ٤١ ]، فَجَعَلَ الآَباءَ ذُرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ، لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فَسُمِّيَ الوَلَدُ لِلْوالِدِ ذُرِّيَّةً، لِأنَّهُ ذَرِئَ مِنهُ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْأبِ: ذُرِّيَّةٌ لِلِابْنِ، لِأنَّ ابْنَهُ ذُرِئَ مِنهُ، فالفِعْلُ يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٦٥ ] فَأضافَ الحُبَّ إلى اللَّهِ، والمَعْنى: كَحَبِّ المُؤْمِنِ لِلَّهِ، ومِثْلُهُ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [ الدَّهْرِ: ٨ ]، فَأضافَ الحُبَّ لِلطَّعامِ.

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ في "إذْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها أصْلٌ في الكَلامِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، قالَهُ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ. والثّانِي: أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ قالَتِ﴾ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اصْطَفى آَلَ عِمْرانَ، إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، واصْطَفاهم إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ: يا مَرْيَمُ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. والثّالِثُ: أنَّها مِن صِلَةِ "سَمِيعٌ" تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ سَمِيعٌ إذْ قالَتْ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واسْمُ امْرَأةِ عِمْرانَ حِنَّةٌ، وهي أمُّ مَرْيَمَ، وهَذا عِمْرانُ بْنُ ماتّانِ، ولَيْسَ بِـ "عِمْرانَ أبِي مُوسى " ولَيْسَتْ هَذِهِ مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى. وبَيْنَ عِيسى ومُوسى ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ والمُحَرَّرُ. العَتِيقُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أعْتَقْتُ الغُلامَ، وحَرَّرْتُهُ: سَواءٌ. وأرادَتْ: أيْ نَذَرَتُ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا مِنَ التَّعْبِيدِ للدُّنْيا، لِيَعْبُدَكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عَلى أوْلادِهِمْ فَرْضًا أنْ يُطِيعُوهم في نَذْرِهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ يَنْذُرُ في ولَدِهِ أنْ يَكُونَ خادِمًا في مُتَعَبَّدِهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ السَّبَبُ في نَذْرِها أنَّهُ أمْسَكَ عَنْها الوَلَدَ حَتّى أسِنَتْ، فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ، فَدَعَتِ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، وقالَتِ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، وهي حامِلٌ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والنَّذْرُ في مِثْلِ ما نَذَرْتَ صَحِيحٌ في شَرِيعَتِنا، فَإنَّهُ إذا نَذَرَ الإنْسانُ أنْ يُنْشِئَ ولَدَهُ الصَّغِيرَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وأنْ يُعَلِّمَهُ القُرْآَنَ، والفِقْهَ، وعُلُومَ الدِّينِ، صَحَّ النَّذْرُ.

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ مِن تَمامِ اعْتِذارِها، ومَعْناهُ: لا تَصْلُحُ الأُنْثى لِما يَصْلُحُ لَهُ الذَّكَرُ، مِن خِدْمَتِهِ المَسْجِدَ، والإقامَةَ فِيهِ، لِما يَلْحَقُ الأُنْثى مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّتْ أنَّ ما في بَطْنِها غُلامٌ، فَلَمّا وضَعَتْ جارِيَةٌ، اعْتَذَرَتْ. ومَرْيَمَ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ. وفي الرَّجِيمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَلْعُونُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ المَرْجُومُ بِالحِجارَةِ، كَما تَقُولُ: قَتِيلٌ بِمَعْنى مَقْتُولٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَعَلى هَذا سُمِّيَ رَجِيمًا، لِأنَّهُ يُرْمى بِالنُّجُومِ.

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قَرَأ مُجاهِدٌ (فَتَقَبَّلَها) بِسُكُونِ اللّامِ (رَبَّها) بِنَصْبِ الباءِ (وَأنْبَتَها) بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ التّاءِ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في العَرَبِيَّةِ: فَتَقَبَّلَها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، ولَكِنَّ "قَبُولٌ" مَحْمُولٌ عَلى قَبِلَها قَبُولًا يُقالُ: قَبِلْتُ الشَّيْءَ قَبُولًا، ويَجُوزُ قُبُولًا: إذا رَضِيتُهُ. ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ: جَعَلَ نُشُوءَها نُشُوءًا حَسَنًا، وجاءَ "نَباتًا" عَلى غَيْرِ لَفْظِ أنْبَتَ، عَلى مَعْنى: نَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ "أنْبَتَ" يَدُلُّ عَلى "نَبَتَ" حُمِلَ الفِعْلُ عَلى المَعْنى، فَكَأنَّهُ قالَ: وأنْبَتَها، فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:

؎ فَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كَلامُنا ورَضَّتْ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ

أرادَ: أيُّ رِياضَةٍ: فَلَمّا دَلَّ "رَضَّتْ" عَلى "أذْلَلْتُ" حَمَلَهُ عَلى المَعْنى. ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى النَّباتِ الحَسَنِ، قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُ كَمالُ النُّشُوءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ، والثّانِي: أنَّهُ تَرَكَ الخَطايا، قالَ قَتادَةُ: حَدَّثَنا أنَّها كانَتْ لا تُصِيبُ الذُّنُوبَ، كَما يُصِيبُ بَنُو آَدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: (وَكَفَلَها) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" بِفَتْحِ الفاءِ خَفِيفَةً، و"زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعٌ مَمْدُودٌ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: تَشْدِيدُ الفاءِ، ونَصَبَ "زَكَرِيّاءَ"، وكانَ يَمُدُّ "زَكَرِيّاءَ" في كُلِّ القُرْآَنِ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: تَشْدِيدُ الفاءِ و"زَكَرِيّا" مَقْصُورٌ في كُلِّ القُرْآَنِ. وكانَ حَمْزَةَ والكِسائِيُّ يُشَدِّدانِ و"كَفَلَها"، ويُقْصِرانِ "زَكَرِيّا" في كُلِّ القُرْآَنِ. فَأمّا "زَكَرِيّا" فَقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ. أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: هَذا زَكَرِيّا قَدْ جاءَ، مَقْصُورٌ، وزَكَرِيّاءُ، مَمْدُودٌ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَكَرِي، فَيُجْرُونَهُ، ويُلْقُونَ الألِفَ. وقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ، قالَ: زَكَرِيّا اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، يُقالُ: زَكَرِيُّ، وزَكَرِيّاءُ مَمْدُودٌ، وزَكَرِيّا مَقْصُورٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وزَكَرِي بِتَخْفِيفِ الياءِ، فَمَن قالَ: زَكَرِيّاءُ بِالمَدِّ، قالَ في التَّثَنِّيهِ: زَكَرِيّاوانِ، وفي الجَمْعِ زَكَرِيّاوُونَ، ومَن قالَ: زَكَرِيّا بِالقَصْرِ، قالَ في التَّثَنِّيهِ زَكَرِيّانِ، كَما تَقُولُ: مَدَنِيّانِ، ومَن قالَ: زَكَرِي بِتَخْفِيفِ الياءِ، قالَ في التَّثْنِيَةِ: زَكَرِيانِ الياءُ خَفِيفَةٌ، وفي الجَمْعِ: زَكَرُونَ بِطَرْحِ الياءِ.

الإشارَةُ إلى كَفالَةِ زَكَرِيّا مَرْيَمَ

قالَ السُّدِّيُّ: انْطَلَقَتْ بِها أمُّها في خَرْقِها، وكانُوا يَقْتَرِعُونَ عَلى الَّذِينَ يُؤْتُونَ بِهِمْ، فَقالَ زَكَرِيّا وهو نَبِيُّهم يَوْمَئِذٍ: أنا أحَقُّكم بِها، عِنْدِي أُخْتُها، فَأبَوْا، وخَرَجُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِ، فَألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها، فَجَرَتِ الأقْلامُ، وثَبَتَ قَلَمُ زَكَرِيّا، فَكَفَلَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا، فَقالُوا: نَطْرَحُ أقْلامَنا، فَمَن صَعَّدَ قَلَمَهُ مُغالِبًا لِلْجَرْيَةِ فَهو أحَقُّ بِها، فَصَعِدَ قَلَمُزَكَرِيّا، فَعَلى هَذا القَوْلِ كانَتْ غَلَبَةُ زَكَرِيّا بِمُصاعَدَةِ قَلَمِهِ، وعَلى قَوْلِ السُّدِّيُّ بِوُقُوفِهِ في جَرَيانِ الماءِ وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عايَنَ زَكَرِيّا هَذِهِ الآَيَةَ العَجِيبَةَ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى مَرْيَمُ الفاكِهَةُ في غَيْرِ حِينِها، طَمِعَ في الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ. و ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ بِمَعْنى: مِن عِنْدِكِ. والذُّرِّيَّةُ، تُقالُ لِلْجَمْعِ، وتُقالُ لِلْواحِدِ، والمُرادُ بِها هاهُنا: الواحِدُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ طَيِّبَةٌ، لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّةِ، والمُرادُ بِالطِّيبَةِ: النَّقِيَّةُ الصّالِحَةُ. والسَّمِيعُ: بِمَعْنى السّامِعِ. وقِيلَ: أرادَ مُجِيبُ الدُّعاءِ

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: فَنادَتْهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: (وَقالَ نِسْوَةٌ) [ يُوسُفَ: ٢٠ ] . وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "فَناداهُ" بِألِفٍ. وفي المَلائِكَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: جِبْرِيلُ وحْدَهُ، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، ووَجْهُهُ أنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، تَقُولُ: رَكِبْتُ في السُّفُنِ، وسَمِعْتُ هَذا مِنَ النّاسِ. والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مَذْهَبُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. وفي المِحْرابِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المَسْجِدُ. والثّانِي: أنَّهُ قِبْلَةُ المَسْجِدِ. وفي تَسْمِيَةِ مِحْرابِ الصَّلاةِ مِحْرابًا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ: إذا كانَ بَيْنَهُما مُباغَضَةٌ، وتَباعُدٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ. والثّانِي: أنَّ المِحْرابَ في اللُّغَةِ أشْرَفُ الأماكِنِ، وأشْرَفُ المَسْجِدِ مَقامُ الإمامِ. والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الحَرْبِ فالمُصَلِّي مُحارِبٌ لِلشَّيْطانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: (أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى مَعْنى: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها، وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها، فَنَصَبَها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ "إنْ" فَأضْمَرَ القَوْلَ. والتَّقْدِيرُ: فَنادَتْهُ، فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُبَشِّرُكِ بِضَمِّ الياءِ: وفَتْحُ الباءِ، والتَّشْدِيدُ في جَمِيعِ القُرْآَنِ إلّا في (حم عسق) . (يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ) [ الشُّورى: ٢٣ ] فَإنَّهُما فَتَحا الياءَ وضَمّا الشِّينَ، وخَفَّفاها. فَأمّا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، فَشَدَّدا كُلَّ القُرْآَنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "يُبَشِّرُ" خَفِيفًا في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [ الحِجْرِ: ٥٤ ] . وقَرَأ الكِسائِيُّ "يُبَشِّرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ، في (آَلِ عِمْرانَ) في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ، وفي بَنِي (إسْرائِيلَ)، وفي (الكَهْفِ) وفي (حم عسق) قالَ الزَّجّاجُ: وُفي "يُبَشِّرُكَ" ثَلاثُ لُغاتٍ. أحَدُها: يُبَشِّرُكِ، بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. والثّانِيَةُ: "يَبْشُرُكَ" بِإسْكانِ الباءِ، وضَمِّ الشِّينِ. والثّالِثَةُ: "يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ الباءِ، فَمَعْنى "يُبَشِّرُكِ" بِالتَّشْدِيدِ و"يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ: البِشارَةُ. ومَعْنى "يَبْشُرُكِ" بِفَتْحِ الياءِ: يَسُرُّكَ ويُفْرِحُكَ، يُقالُ: بَشَّرْتُ الرَّجُلَ أُبَشِّرُهُ: إذا أفْرَحْتُهُ، وبُشِّرَ الرَّجُلُ يُبَشَّرُ: إذا فَرِحَ.

وَأنْشَدَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ:

؎ وإذا لَقِيتَ الباهِشِينَ إلى العُلى غُبْرًا أكُفَّهُمُ بِقاعٍ مُمَحَّلِ

؎ فَأعِنْهم وابْشَرْ بِما بَشِرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هم نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ

فَهَذا عَلى بَشَرَ يَبْشَرُ: إذا فَرِحَ. وأصْلُ هَذا كُلُّهُ أنَّ بَشْرَةَ الإنْسانِ تَنْبَسِطُ عِنْدَ السُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: يَلْقانِي بِبِشْرٍ. أيْ: بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وفي مَعْنى تَسْمِيَتِهِ "يَحْيى" خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: …

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ؟! .

قالَ الكُمَيْتُ:

؎ أنّى ومِن أيْنَ آَبَكَ الطَّرَبُ

قالَ العُلَماءُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ كَيْسانَ: كَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ: وجْهٍ يَكُونُ لِي الوَلَدُ؟ أيَكُونُ بِإزالَةِ العُقْرِ عَنْ زَوْجَتِي، ورَدِّ شَبابِي؟ أمْ يَأْتِي ونَحْنُ عَلى حالِنا؟ فَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلامِ، لا عَلى وجْهِ الشَّكِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غُلامٌ بَيْنَ الغُلُومِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلامِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلُومَةِ. قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: الغُلامُ: فُعالٌ، مِنَ الغُلْمَةِ، وهي شِدَّةُ شَهْوَةِ النِّكاحِ. ويُقالُ: لِلْكَهْلِ: غُلامٌ.

قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:

؎ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها

وَكَأنَّ قَوْلَهم لِلْكَهْلِ: غُلامٌ، أيْ: قَدْ كانَ مَرَّةً غُلامًا. وقَوْلُهم لِلطِّفْلِ: غُلامٌ عَلى مَعْنى التَّفاؤُلِ، أيْ: سَيَصِيرُ غُلامًا. قالَ: وقِيلَ: الغُلامُ الطّارُّ الشّارِبُ، ويُقالُ: لِلْجارِيَةِ: غُلامَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ يُهانُ لَها الغُلامَةُ والغُلامُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ: وقَدْ بَلَغَتِ الكِبَرَ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ بَلَغْتُهُ فَقَدْ بَلَغَكَ. وفي سَنَةٍ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كُنِ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وامْرَأتُهُ بَنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: ابْنُ سَبْعِينَ، حَكاهُ فُضَيْلُ بْنُ غَزْوانَ. والخامِسُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ. والسّادِسُ: ابْنُ سِتِّينَ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: والعاقِرُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ: الَّذِي لا يَأْتِيهِ الوَلَدُ، وإنَّما قالَ: "عاقِرًا" ولَمْ يَقُلْ: عاقِرَةً، لِأنَّ الأصْلَ في هَذا الوَصْفِ لِلْمُؤَنَّثِ، والمُذَكِّرِ فِيهِ كالمُسْتَعارِ، فَأُجْرِيَ مَجْرى "طالِقٍ"، "حائِضٍ" هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.