Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

انْتِقالٌ إلى التَّرْغِيبِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ أنَّ التَّرْهِيبَ المُتَقَدِّمَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والرَّأْفَةُ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ المَرْءُوفِ بِهِ الرَّءُوفَ، فَجَعْلُ

صفحة ٢٢٥

مَحَبَّةِ اللَّهِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ في مَقامِ تَعْلِيقِ الأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ - مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الرَّأْفَةِ تَسْتَلْزِمُ المَحَبَّةَ، أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ، فالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ، ثُمَّ رُتِّبَ عَلى الجَزاءِ مَشْرُوطٌ آخَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ لِكَوْنِهِ أيْضًا مَقْطُوعَ الرَّغْبَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِنُ غايَةُ قَصْدِهِ تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ ومَحَبَّتِهِ إيّاهُ.

والمَحَبَّةُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَنْشَأُ عِنْدَ الشُّعُورِ بِحُسْنِ شَيْءٍ: مِن صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ، أوْ إحْسانٍ، أوِ اعْتِقادٍ أنَّهُ يُحِبُّ المُسْتَحْسِنَ ويَجُرُّ إلَيْهِ الخَيْرَ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ الِانْفِعالُ عَقَبَهُ مَيْلٌ وانْجِذابٌ إلى الشَّيْءِ المَشْعُورِ بِمَحاسِنِهِ، فَيَكُونُ المُنْفَعِلُ مُحِبًّا، ويَكُونُ المَشْعُورُ بِمَحاسِنِهِ مَحْبُوبًا، وتُعَدُّ الصِّفاتُ الَّتِي أوْجَبَتْ هَذا الِانْفِعالَ جَمالًا عِنْدَ المُحِبِّ، فَإذا قَوِيَ هَذا الِانْفِعالُ صارَ تَهَيُّجًا نَفْسانِيًّا، فَسُمِّيَ عِشْقًا لِلذَّواتِ، وافْتِنانًا بِغَيْرِها.

والشُّعُورُ بِالحُسْنِ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ يُسْتَمَدُّ مِنَ الحَواسِّ في إدْراكِ المَحاسِنِ الذّاتِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالجَمالِ، ويُسْتَمَدُّ أيْضًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الكَمالاتِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْها بِالعَقْلِ وهي المَدْعُوَّةُ بِالفَضِيلَةِ، ولِذَلِكَ يُحِبُّ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ تَعالى، ويُحِبُّونَ النَّبِيءَ ﷺ تَعْظِيمًا لِلْكِمالاتِ، واعْتِقادًا بِأنَّهُما يَدْعُوانِهِمْ إلى الخَيْرِ، ويُحِبُّ النّاسُ أهْلَ الفَضْلِ الأوَّلِينَ كالأنْبِياءِ والحُكَماءِ والفاضِلِينَ، ويُحِبُّونَ سُعاةَ الخَيْرِ مِنَ الحاضِرِينَ وهم لَمْ يَلْقَوْهم ولا رَأوْهم.

ويَرْجِعُ الجَمالُ والفَضِيلَةُ إلى إدْراكِ النَّفْسِ ما يُلائِمُها: مِنَ الأشْكالِ، والأنْغامِ، والمَحْسُوساتِ، والخِلالِ. وهَذِهِ المُلاءَمَةُ تَكُونُ حِسِّيَّةً لِأجْلِ مُناسَبَةِ الطَّبْعِ كَمُلاءَمَةِ البُرُودَةِ في الصَّيْفِ، والحَرِّ في الشِّتاءِ، ومُلاءَمَةِ اللَّيِّنِ لِسَلِيمِ الجِلْدِ، والخَشِنِ لِمَن بِهِ داعِي حَكَّةٍ، أوْ إلى حُصُولِ مَنافِعَ كَمُلاءَمَةِ الإحْسانِ والإغاثَةِ. وتَكُونُ فِكْرِيَّةً لِأجْلِ غاياتٍ نافِعَةٍ كَمُلاءَمَةِ الدَّواءِ لِلْمَرِيضِ، والتَّعَبِ لِجانِي الثَّمَرَةِ، والسَّهَرِ لِلْمُتَفَكِّرِ في العِلْمِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الإلْفِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الِاعْتِقادِ المَحْضِ، كَتَلَقِّي النّاسِ أنَّ العِلْمَ فَضِيلَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذَيْنِ مَحَبَّةُ الأقْوامِ عَوائِدَهم مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في صَلاحِها، وقَدْ تَكُونُ مَجْهُولَةَ السَّبَبِ كَمُلاءَمَةِ الأشْكالِ المُنْتَظِمَةِ لِلنُّفُوسِ ومُلاءَمَةِ الألْوانِ اللَّطِيفَةِ.

صفحة ٢٢٦

وفِي جَمِيعِ ذَلِكَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَزِيدَ اتِّضاحًا بِأضْدادِها كالأشْكالِ الفاسِدَةِ، والأصْواتِ المُنْكَرَةِ، والألْوانِ الكَرِيهَةِ، دائِمًا، أوْ في بَعْضِ الأحْوالِ، كاللَّوْنِ الأحْمَرِ يَراهُ المَحْمُومُ.

ولَمْ يَسْتَطِعِ الفَلاسِفَةُ تَوْضِيحَ …

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ عَوْدٌ إلى المَوْعِظَةِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ البَحْتِ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ، وحِرْصًا عَلى الإجابَةِ، فابْتَدَأ المَوْعِظَةَ أوَّلًا بِمُقَدِّمَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ثُمَّ شَرَعَ في المَوْعِظَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيَةَ

صفحة ٢٢٩

وهُوَ تَرْهِيبٌ، ثُمَّ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَأْيِيدِ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةَ، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ. ثُمَّ جاءَ بِطَرِيقِ المُجادَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَرْهِيبٍ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ صَرِيحٍ ولَكِنْ بِالإيماءِ إلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] ثُمَّ بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ والإنْذارِ التَّعْرِيضِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآياتِ. ثُمَّ أمَرَ بِالقَطِيعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] . ثُمَّ انْتَقَلَ إلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الكافِرِينَ﴾ وخَتَمَ بِذِكْرِ عَدَمِ مَحَبَّةِ الكافِرِينَ رَدًّا لِلْعَجُزِ عَلى الصَّدْرِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] الآيَةَ، لِيَكُونَ نَفْيُ المَحَبَّةِ عَنْ جَمِيعِ الكافِرِينَ، نَفْيًا عَنْ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ المُعَيَّنِينَ.

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

انْتِقالٌ مِن تَمْهِيداتِ سَبَبِ السُّورَةِ إلى واسِطَةِ التَّمْهِيدِ والمَقْصِدِ، كَطَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ، فَهَذا تَخَلُّصٌ لِمُحاجَّةِ وفْدِ نَجْرانَ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فابْتُدِئَ هُنا بِذِكْرِ آدَمَ ونُوحٍ وهُما أبَوا البَشَرِ أوْ أحَدُهُما وذِكْرِ إبْراهِيمَ وهو أبُو المَقْصُودِينَ بِالتَّفْضِيلِ وبِالخِطابِ. فَأمّا آدَمُ فَهو أبُو البَشَرِ بِاتِّفاقِ الأُمَمِ كُلِّها إلّا شُذُوذًا مِن أصْحابِ النَّزَعاتِ الإلْحادِيَّةِ الَّذِينَ ظَهَرُوا في أُورُوبّا واخْتَرَعُوا نَظَرِيَّةَ تَسَلْسُلِ أنْواعِ الحَيَوانِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي نَظَرِيَّةٌ فاشِلَةٌ.

وآدَمُ اسْمُ أبِي البَشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، وهو عَلَمٌ عَلَيْهِ وضَعَهُ لِنَفْسِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما وضَعَ مَبْدَأ اللُّغَةِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ هو وزَوْجُهُ أنْ يُعَبِّرَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ أسْماهُ بِهَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ خُرُوجِهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ المَخْصُوصُ لِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ اللَّوْنِ بِالأُدْمَةِ خاصٌّ بِكَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّ العَرَبَ وضَعُوا اسْمَ ذَلِكَ اللَّوْنِ أخْذًا مِن وصْفِ لَوْنِ آدَمَ أبِي البَشَرِ.

صفحة ٢٣٠

وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن كِتابِ العَهْدِ عِنْدَ اليَهُودِ ما يَقْتَضِي: أنَّ آدَمَ وُجِدَ عَلى الأرْضِ في وقْتٍ يُوافِقُ سَنَةَ ٣٩٤٢ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وأنَّهُ عاشَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَكُونُ وفاتُهُ في سَنَةِ ٣٠١٢ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى هَذا ما تَقَبَّلَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَّبِعُونَ لِضَبْطِ السِّنِينَ. والمَظْنُونُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ النّاظِرِينَ في شَواهِدِ حَضارَةِ البَشَرِيَّةِ أنَّ هَذا الضَّبْطَ لا يُعْتَمَدُ، وأنَّ وُجُودَ آدَمَ مُتَقادِمٌ في أزْمِنَةٍ مُتَرامِيَةِ البُعْدِ هي أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمّا حَدَّدَهُ سِفْرُ التَّكْوِينِ.

وأمّا نُوحٌ فَتَقُولُ التَّوْراةُ: إنَّهُ ابْنُ لامَكَ وسُمِّيَ عِنْدَ العَرَبِ لَمَكَ بْنَ مُتُوشالِخَ بْنِ أخْنُوخَ (وهو إدْرِيسُ عِنْدَ العَرَبِ) ابْنِ يارِدَ - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ - بْنِ مَهْلَئِيلَ - بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَهاءٍ ساكِنَةٍ فَلامٍ مَفْتُوحَةٍ - بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. وعَلى تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ سِنِيِّ أعْمارِهِمْ يَكُونُ قَدْ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى والقَوْلُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ضَبْطِ تارِيخِ وُجُودِ آدَمَ.

وفِي زَمَنِ نُوحٍ وقَعَ الطُّوفانُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ ونَجّاهُ اللَّهُ وأوْلادَهُ وأزْواجَهم في الفُلْكِ، فَيَكُونُ أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَعُمَّ الأرْضَ وعَلى هَذا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُؤَرِّخُو الصِّينِ، وزَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَشْمَلْ قُطْرَهم، فَلا يَكُونُ نُوحٌ عِنْدَهم أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. وعَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فالبَشَرُ كُلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبْناءِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ سامٍ، وحامٍ، ويافِثَ، وهو أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ حَسَبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وعُمِّرَ نُوحٌ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً …

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

انْتِقالٌ مِن تَمْهِيداتِ سَبَبِ السُّورَةِ إلى واسِطَةِ التَّمْهِيدِ والمَقْصِدِ، كَطَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ، فَهَذا تَخَلُّصٌ لِمُحاجَّةِ وفْدِ نَجْرانَ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فابْتُدِئَ هُنا بِذِكْرِ آدَمَ ونُوحٍ وهُما أبَوا البَشَرِ أوْ أحَدُهُما وذِكْرِ إبْراهِيمَ وهو أبُو المَقْصُودِينَ بِالتَّفْضِيلِ وبِالخِطابِ. فَأمّا آدَمُ فَهو أبُو البَشَرِ بِاتِّفاقِ الأُمَمِ كُلِّها إلّا شُذُوذًا مِن أصْحابِ النَّزَعاتِ الإلْحادِيَّةِ الَّذِينَ ظَهَرُوا في أُورُوبّا واخْتَرَعُوا نَظَرِيَّةَ تَسَلْسُلِ أنْواعِ الحَيَوانِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي نَظَرِيَّةٌ فاشِلَةٌ.

وآدَمُ اسْمُ أبِي البَشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، وهو عَلَمٌ عَلَيْهِ وضَعَهُ لِنَفْسِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما وضَعَ مَبْدَأ اللُّغَةِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ هو وزَوْجُهُ أنْ يُعَبِّرَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ أسْماهُ بِهَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ خُرُوجِهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ المَخْصُوصُ لِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ اللَّوْنِ بِالأُدْمَةِ خاصٌّ بِكَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّ العَرَبَ وضَعُوا اسْمَ ذَلِكَ اللَّوْنِ أخْذًا مِن وصْفِ لَوْنِ آدَمَ أبِي البَشَرِ.

صفحة ٢٣٠

وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن كِتابِ العَهْدِ عِنْدَ اليَهُودِ ما يَقْتَضِي: أنَّ آدَمَ وُجِدَ عَلى الأرْضِ في وقْتٍ يُوافِقُ سَنَةَ ٣٩٤٢ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وأنَّهُ عاشَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَكُونُ وفاتُهُ في سَنَةِ ٣٠١٢ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى هَذا ما تَقَبَّلَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَّبِعُونَ لِضَبْطِ السِّنِينَ. والمَظْنُونُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ النّاظِرِينَ في شَواهِدِ حَضارَةِ البَشَرِيَّةِ أنَّ هَذا الضَّبْطَ لا يُعْتَمَدُ، وأنَّ وُجُودَ آدَمَ مُتَقادِمٌ في أزْمِنَةٍ مُتَرامِيَةِ البُعْدِ هي أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمّا حَدَّدَهُ سِفْرُ التَّكْوِينِ.

وأمّا نُوحٌ فَتَقُولُ التَّوْراةُ: إنَّهُ ابْنُ لامَكَ وسُمِّيَ عِنْدَ العَرَبِ لَمَكَ بْنَ مُتُوشالِخَ بْنِ أخْنُوخَ (وهو إدْرِيسُ عِنْدَ العَرَبِ) ابْنِ يارِدَ - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ - بْنِ مَهْلَئِيلَ - بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَهاءٍ ساكِنَةٍ فَلامٍ مَفْتُوحَةٍ - بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. وعَلى تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ سِنِيِّ أعْمارِهِمْ يَكُونُ قَدْ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى والقَوْلُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ضَبْطِ تارِيخِ وُجُودِ آدَمَ.

وفِي زَمَنِ نُوحٍ وقَعَ الطُّوفانُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ ونَجّاهُ اللَّهُ وأوْلادَهُ وأزْواجَهم في الفُلْكِ، فَيَكُونُ أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَعُمَّ الأرْضَ وعَلى هَذا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُؤَرِّخُو الصِّينِ، وزَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَشْمَلْ قُطْرَهم، فَلا يَكُونُ نُوحٌ عِنْدَهم أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. وعَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فالبَشَرُ كُلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبْناءِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ سامٍ، وحامٍ، ويافِثَ، وهو أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ حَسَبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وعُمِّرَ نُوحٌ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً …

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

صفحة ٢٣٢

﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ .

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”إذْ“ في أمْثالِ هَذا المَقامِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَوْقِعُها هُنا أظْهَرُ في أنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِعامِلٍ، فَهي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) هُنا زائِدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ ”اصْطَفى“: لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِفَضْلِ آدَمَ ونُوحٍ وآلِ إبْراهِيمَ.

وامْرَأةُ عِمْرانَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. قِيلَ: ماتَ زَوْجُها وتَرَكَها حُبْلى فَنَذَرَتْ حَبْلَها ذَلِكَ مُحَرَّرًا أيْ مُخَلَّصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانُوا يَنْذِرُونَ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْلُودُ ذَكَرًا. وإطْلاقُ المُحَرَّرِ عَلى هَذا المَعْنى إطْلاقُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلُصَ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَأنَّهُ حُرِّرَ مِن أسْرِ الدُّنْيا وقُيُودِها إلى حُرِّيَّةِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَظُنُّهُ ذَكَرًا فَصَدَرَ مِنها النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ وصْفِ الذُّكُورَةِ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إذا جاءَ ذَكَرًا فَهو مُحَرَّرٌ. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ وهو عائِدٌ إلى ﴿ما في بَطْنِي﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ انْكَشَفَ ما صَدَّقَهُ عَلى أُنْثى.

وقَوْلُها: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحْذِيرِ لِظُهُورِ كَوْنِ المُخاطَبِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ مُراعاةٌ لِأصْلِ الخَبَرِيَّةِ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِ المَوْلُودِ أُنْثى؛ إذْ هو بِوُقُوعِهِ عَلى خِلافِ المُتَرَقَّبِ لَها كانَ بِحَيْثُ تَشُكُّ في كَوْنِهِ أُنْثى وتُخاطِبُ نَفْسَها بِنَفْسِها بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، فَلِذا أكَّدَتْهُ. ثُمَّ لَمّا اسْتَعْمَلَتْ هَذا الخَبَرَ في الإنْشاءِ اسْتَعْمَلَتْهُ بِرُمَّتِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرَكَّبِ المُرْسَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرَكَّبَ يَكُونُ مَجازًا بِمَجْمُوعِهِ لا

صفحة ٢٣٣

بِأجْزائِهِ ومُفْرَداتِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ يَحْكِي ما تَضَمَّنَهُ كَلامُها في لُغَتِها مِنَ المَعانِي: وهي الرَّوْعَةُ والكَراهِيَةُ لِوِلادَتِها أُنْثى، ومُحاوَلَتُها مُغالَطَةَ نَفْسِها في الإذْعانِ لِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ تَحْقِيقُها ذَلِكَ لِنَفْسِها وتَطْمِينُها بِها، ثُمَّ التَّنَقُّلُ إلى التَّحْسِيرِ عَلى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أوْدَعَ حِكايَةَ كَلامِها خُصُوصِيّاتٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَتْها في مُناجاتِها بِلُغَتِها.

وأنَّثَ الضَّمِيرَ في ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ بِاعْتِبارِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ اللّازِمَةُ في قَوْلِها ”أُنْثى“ إذْ بِدُونِ الحالِ لا يَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا فَلِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: وضَعَتْ - بِسُكُونِ التّاءِ - فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى امْرَأةِ عِمْرانَ، وهو حِينَئِذٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

صفحة ٢٣٢

﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ .

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”إذْ“ في أمْثالِ هَذا المَقامِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَوْقِعُها هُنا أظْهَرُ في أنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِعامِلٍ، فَهي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) هُنا زائِدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ ”اصْطَفى“: لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِفَضْلِ آدَمَ ونُوحٍ وآلِ إبْراهِيمَ.

وامْرَأةُ عِمْرانَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. قِيلَ: ماتَ زَوْجُها وتَرَكَها حُبْلى فَنَذَرَتْ حَبْلَها ذَلِكَ مُحَرَّرًا أيْ مُخَلَّصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانُوا يَنْذِرُونَ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْلُودُ ذَكَرًا. وإطْلاقُ المُحَرَّرِ عَلى هَذا المَعْنى إطْلاقُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلُصَ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَأنَّهُ حُرِّرَ مِن أسْرِ الدُّنْيا وقُيُودِها إلى حُرِّيَّةِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَظُنُّهُ ذَكَرًا فَصَدَرَ مِنها النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ وصْفِ الذُّكُورَةِ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إذا جاءَ ذَكَرًا فَهو مُحَرَّرٌ. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ وهو عائِدٌ إلى ﴿ما في بَطْنِي﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ انْكَشَفَ ما صَدَّقَهُ عَلى أُنْثى.

وقَوْلُها: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحْذِيرِ لِظُهُورِ كَوْنِ المُخاطَبِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ مُراعاةٌ لِأصْلِ الخَبَرِيَّةِ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِ المَوْلُودِ أُنْثى؛ إذْ هو بِوُقُوعِهِ عَلى خِلافِ المُتَرَقَّبِ لَها كانَ بِحَيْثُ تَشُكُّ في كَوْنِهِ أُنْثى وتُخاطِبُ نَفْسَها بِنَفْسِها بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، فَلِذا أكَّدَتْهُ. ثُمَّ لَمّا اسْتَعْمَلَتْ هَذا الخَبَرَ في الإنْشاءِ اسْتَعْمَلَتْهُ بِرُمَّتِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرَكَّبِ المُرْسَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرَكَّبَ يَكُونُ مَجازًا بِمَجْمُوعِهِ لا

صفحة ٢٣٣

بِأجْزائِهِ ومُفْرَداتِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ يَحْكِي ما تَضَمَّنَهُ كَلامُها في لُغَتِها مِنَ المَعانِي: وهي الرَّوْعَةُ والكَراهِيَةُ لِوِلادَتِها أُنْثى، ومُحاوَلَتُها مُغالَطَةَ نَفْسِها في الإذْعانِ لِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ تَحْقِيقُها ذَلِكَ لِنَفْسِها وتَطْمِينُها بِها، ثُمَّ التَّنَقُّلُ إلى التَّحْسِيرِ عَلى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أوْدَعَ حِكايَةَ كَلامِها خُصُوصِيّاتٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَتْها في مُناجاتِها بِلُغَتِها.

وأنَّثَ الضَّمِيرَ في ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ بِاعْتِبارِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ اللّازِمَةُ في قَوْلِها ”أُنْثى“ إذْ بِدُونِ الحالِ لا يَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا فَلِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: وضَعَتْ - بِسُكُونِ التّاءِ - فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى امْرَأةِ عِمْرانَ، وهو حِينَئِذٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

صفحة ٢٣٥

﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى الدُّعاءِ مُؤْذِنٌ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، وضَمائِرُ النَّصْبِ لِمَرْيَمَ. ومَعْنى تَقَبَّلَها: تَقَبَّلَ تَحْرِيرَها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أيْ أقامَ اللَّهُ مَرْيَمَ مَقامَ مُنْقَطِعٍ لِلَّهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوعًا مِن قَبْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الباءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: فَتَقَبَّلَها قَبُولًا حَسَنًا، فَأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِيَصِيرَ كالآلَةِ لِلتَّقَبُّلِ فَكَأنَّهُ شَيْءٌ ثانٍ، وهَذا إظْهارٌ لِلْعِنايَةِ بِها في هَذا القَبُولِ، وقَدْ عُرِفَ هَذا القَبُولُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلى زَكَرِيّاءَ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكْفُلَها زَكَرِيّاءُ أعْظَمُ أحْبارِهِمْ، وأنْ يُوحى إلَيْهِ بِإقامَتِها بَعْدَ ذَلِكَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلنِّساءِ قَبْلَها، وكُلُّ هَذا إرْهاصٌ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنها رَسُولٌ ناسِخٌ لِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ خِدْمَةَ النِّساءِ لِلْمَسْجِدِ المُقَدَّسِ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً.

ومَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أنْشَأها إنْشاءً صالِحًا. وذَلِكَ في الخُلُقِ ونَزاهَةِ الباطِنِ، فَشُبِّهَ إنْشاؤُها وشَبابُها بِإنْباتِ النَّباتِ الغَضِّ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ونَباتٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ ”أنْبَتَ“ وهو مَصْدَرُ ”نَبَتَ“ وإنَّما أُجْرِيَ عَلى ”أنْبَتَ“ لِلتَّخْفِيفِ.

* * *

﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾ .

عُدَّ هَذا في فَضائِلِ مَرْيَمَ، لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَزِيدُ فَضْلَها؛ لِأنَّ أبا التَّرْبِيَةِ يُكْسِبُ خُلُقَهُ وصَلاحَهُ مُرَبّاهُ.

وزَكَرِيّاءُ كاهِنٌ إسْرائِيلِيٌّ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن بَنِي أبِيّا بْنِ باكِرِ بْنِ بِنْيامِينَ مِن كَهَنَةِ اليَهُودِ، جاءَتْهُ النُّبُوءَةُ في كِبَرِهِ وهو ثانِي مَنِ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مُتَزَوِّجًا امْرَأةً مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ اسْمُها (اليَصاباتُ) وكانَتِ امْرَأتُهُ نَسِيبَةَ مَرْيَمَ كَما في إنْجِيلِ لُوقا قِيلَ: كانَتْ أُخْتَها. والصَّحِيحُ أنَّها كانَتْ خالَتَها، أوْ مِن قَرابَةِ أُمِّها، ولَمّا وُلِدَتْ مَرْيَمُ كانَ أبُوها قَدْ ماتَ فَتَنازَعَ كَفالَتَها جَماعَةٌ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ حِرْصًا

صفحة ٢٣٦

عَلى كَفالَةِ بِنْتِ حَبْرِهِمُ الكَبِيرِ، واقْتَرَعُوا عَلى ذَلِكَ كَما يَأْتِي، فَطارَتِ القُرْعَةُ لِزَكَرِيّاءَ، والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ كَفالَتِها لِلْأحْبارِ لِأنَّها مُحَرَّرَةٌ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَيَلْزَمُ أنْ تُرَبّى تَرْبِيَةً صالِحَةً لِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ - بِتَخْفِيفِ الفاءِ مِن كَفَلَها - أيْ تَوَلّى كَفالَتَها، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ أيْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ زَكَرِيّاءَ كافِلًا لَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ زَكَرِيّاءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ، مَمْدُودًا وبِرَفْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: بِالقَصْرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالهَمْزَةِ في آخِرِهِ، ونَصَبَ الهَمْزَةَ.

* * *

﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .

دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَكانَتْ مَرْيَمُ مُلازِمَةً لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَتْ تَتَعَبَّدُ …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

صفحة ٢٣٨

﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّاءُ رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .

أيْ في ذَلِكَ المَكانِ، قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ، وقَدْ نَبَّهَهُ إلى الدُّعاءِ مُشاهَدَةُ خَوارِقِ العادَةِ مَعَ قَوْلِ مَرْيَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] والحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ، وأهْلُ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ يَعْتَبِرُونَ بِما يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ، فَلِذَلِكَ عَمَدَ إلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ الوَلَدِ في غَيْرِ إبّانِهِ، وقَدْ كانَ في حَسْرَةٍ مِن عَدَمِ الوَلَدِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ حِينَئِذٍ في مَكانٍ شَهِدَ فِيهِ فَيْضًا إلَهِيًّا. ولَمْ يَزَلْ أهْلُ الخَيْرِ يَتَوَخَّوْنَ الأمْكِنَةَ بِما حَدَثَ فِيها مِن خَيْرٍ، والأزْمِنَةَ الصّالِحَةَ كَذَلِكَ، وما هي إلّا كالذَّواتِ الصّالِحَةِ في أنَّها مَحالُّ تَجَلِّياتِ رِضا اللَّهِ.

وسَألَ الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ لِأنَّها الَّتِي يُرْجى مِنها خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِحُصُولِ الآثارِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ. ومُشاهَدَةُ خَوارِقِ العاداتِ خَوَّلَتْ لِزَكَرِيّاءَ الدُّعاءَ بِما هو مِنَ الخَوارِقِ، أوْ مِنَ المُسْتَبْعَداتِ، لِأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، لا سِيَّما في زَمَنِ الفَيْضِ أوْ مَكانِهِ، فَلا يُعَدُّ دُعاؤُهُ بِذَلِكَ تَجاوُزًا لِحُدُودِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَهُ القَرافِيُّ في الفَرْقِ بَيْنَ ما يَجُوزُ مِنَ الدُّعاءِ وما لا يَجُوزُ. وسَمِيعٌ هُنا بِمَعْنى مُجِيبٍ.

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ.

صفحة ٢٣٩

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ.

ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ.

ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] .

ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ.

وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

صفحة ٢٤٠

ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى …

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ.

صفحة ٢٣٩

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ.

ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ.

ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] .

ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ.

وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

صفحة ٢٤٠

ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى …

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.