Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

ولَمّا فَطَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ ظاهِرًا وباطِنًا بِما اقْتَضى القَصْرَ عَلى مُوالاةِ أهْلِ اللَّهِ لِنَفْيِهِ مِن تَوَلِّي الكُفْرِ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإنْسانُ رُبَّما والى الكافِرَ وهو يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَتَمَ بِرَأْفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِبادِهِ، وكانَتِ الرَّأْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَنِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلْقُرْبِ، فَكانَ الإخْبارُ بِها رُبَّما دَعا إلى الِاتِّكالِ، ووَقَعَ لِأجْلِهِ الِاشْتِباهُ في الحِزْبَيْنِ، جَعَلَ لِذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلامَةً فَقالَ: - وقالالحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ أعْظَمُ ما يَتَرامى إلَيْهِ مَقاماتُ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى القاصِدِينَ إلَيْهِ مِن مَبْدَإ حالِ الذِّكْرِ الَّذِي هو مُنْتَهى المَقاماتِ العَشْرِ المُتَرَتِّبَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحزاب: ٣٥] مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أنَّ المَحَبَّةَ وصْلَةٌ خَفِيَّةٌ يَعْرِفُ الحاسُّ بِها كُنْهَها، أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُجَّةَ عَلى المُتَرامِينَ لِدَعْوى القُرْبِ مِنَ اللَّهِ والِادِّعاءِ في أصْلِ ما يَصِلُ إلَيْهِ القَوْلُ مِن مَحَبَّتِهِ بِما أنْبَأهم أنَّ مَنِ انْتَهى إلى أنْ يُحِبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلْيَتَّبِعْ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي أحَبَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمَنِ اتَّبَعَهُ أحَبَّهُ اللَّهُ، فَقامَتْ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قاصِدٍ وسالِكٍ ومُتَقَرِّبٍ، فَإنَّ نِهايَةَ الخَلْقِ أنْ يُحِبُّوا اللَّهَ، وعِنايَةَ الحَقِّ أنْ يُحِبَّ العَبْدَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ وتَعالى جَمِيعَ مَن أحاطَ بِهِ الِاصْطِفاءُ والِاجْتِباءُ والِاخْتِصاصُ، ووَجَّهَهم إلى وُجْهَةِ الِاتِّباعِ لِحَبِيبِهِ الَّذِي أحَبَّهُ، كَما قالَ ﷺ ”لَوْ أنَّ مُوسى بَيْنَ أظْهُرِكم ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي“ وإذا كانَ ذَلِكَ في مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في المُنْتَحِلِينَ لِمِلَّتِهِ ألْزَمَ بِما هم مُتَّبِعُونَ لِمُتَّبَعِهِ عِنْدَهُمْ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا كانَ المَبْدَأ في الأبَدِ وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّهايَةَ في المَعادِ، فَألْزَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الخَلِيقَةِ مِمَّنْ أحَبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأجْرى ذَلِكَ عَلى لِسانٍ إشْعارًا بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن حَيْثُ إنَّهُ نَبِيُّ البُشْرى، ولِيَكُونَ ذَلِكَ أكْظَمَ لِمَن أبى اتِّباعَهُ - انْتَهى، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ مُخْلِصِينَ في حُبِّهِ لِاعْتِقادِ أنَّهُ عَلى غايَةِ الكَمالِ، فَإنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: قَدْ فَسَّرَ ﷺ ظاهِرَ اتِّباعِهِ فَقالَ ”فِي البِرِّ“ وأصْلُ حَقِيقَتِهِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإيثارُ لِعِبادِهِ، والتَّقْوى وهي مِلاكُ الأمْرِ وأصْلُ الخَيْرِ، وهي اطِّراحُ اسْتِغْناءِ العَبْدِ بِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ، لا مِن مِلْكٍ ولا مِن مُلْكٍ ولا مِن فِعْلٍ ولا مِن وصْفٍ ولا مِن ذاتٍ حَتّى يَكُونَ عِنْدَهُ كَما هو عِنْدَ رَبِّهِ في أزَلِهِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أمْرُهُ كُلُّهُ بِرَبِّهِ في وُجُودِهِ كَما كانَ أمْرُهُ بِرَبِّهِ قَبْلَ وُجُودِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ فُسِّرَ حَقُّ التُّقاةِ الَّتِي هي غايَةُ التَّقْوى بِأنْ يَكُونَ العَبْدُ يَشْكُرُ فَلا يَكْفُرُ، ويَذْكُرُ فَلا يَنْسى، ويُطِيعُ فَلا يَعْصِي. انْتَهى.

قالَ الإمامُ: المَحَبَّةُ تُوجِبُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى المَحْبُوبِ …

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

ولَمّا كانَ الِاتِّباعُ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ لا عَنْ طاعَةٍ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ الإذْعانِ فَقالَ - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ ﷺ في غايَةِ الرَّأْفَةِ بِالعِبادِ وكانَ يَعْلَمُ أنَّ آحادَ الأُمَّةِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَمالِ اتِّباعِهِ لِما لَهُ مَعَ العِصْمَةِ مِنَ الطَّبْعِ عَلى خِصالِ الكَمالِ كانَ كَأنَّهُ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى كَمالِ اتِّباعِي؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْذِيرَيْنِ، في رُتْبَتَيْنِ أُولاهُما في الذِّكْرِ نَجاتَيْنِ مِن مُوجِبِ التَّحْذِيرَيْنِ، فَكانَ الِاتِّباعُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الثّانِي الباطِنِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الرَّأْفَةُ، وكانَ الطّاعَةُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الأوَّلِ السّابِقِ، فَمَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ اتِّخاذِ وِلايَةِ الكافِرِينَ مِن دُونِ وِلايَةِ المُؤْمِنِينَ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الظّاهِرِ، ومَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الباطِنِ، فَخَتَمَ الخِطابَ بِما بِهِ بَدَأ، أوْ لَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الِاتِّباعِ عُلْيا ولِيَتْها رُتْبَةُ الِائْتِمارِ، فَهو إمّا مُتَّبِعٌ عَلى حُبٍّ وإمّا مُؤْتَمِرٌ عَلى طاعَةٍ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الِاتِّباعِ فَلْيَكُنْ مِن أهْلِ الطّاعَةِ، فَكَأنَّ الخِطابَ يُفْهَمُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَتَّبِعُونِي فَأطِيعُونِي، انْتَهى فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّ رِضاهُ في اتِّباعِهِ ﷺ فَدَلَّ عَلى أنَّ الطّاعَتَيْنِ واحِدَةٌ قالَ مُوَحِّدًا لِلْعامِلِ: ﴿والرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ لِما لَهُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن مَزايا الِاتِّصالِ، وهو وإنْ كانَ اسْمًا كُلِّيًّا لَكِنَّهُ كانَ حِينَ إنْزالِ هَذا الخِطابِ مُخْتَصًّا بِأكْمَلِ الخَلْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ المُرْسَلِ إلى الخَلْقِ كافَّةً عَلى أنَّ طاعَتَهُ طاعَةٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ بَيَّنُوا لِلنّاسِ أمْرَهُ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وسَلَّمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ إشارَةُ ذَلِكَ إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ التَّوَلِّي إلى ما يَنْتَظِمُ في مَعْنى ذَلِكَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ يَكُونُ فِيهِ مَحُوطًا بِالرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ ذُكِرَ الرَّسُولُ فِيهِ بِما هو رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنْ طاعَةِ خِطابِ اللَّهِ والرَّسُولِ المَحْفُوفِ بِاللُّطْفِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والرَّحْمَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ. انْتَهى. و﴿تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضارِعَ والمُضِيَّ، فَكانَ الأصْلُ في الكَلامِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لا يُحِبُّكُمْ، أوْ: لا يُحِبُّهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ المُعْلِمَ بِأنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ فَقالَ: ﴿لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أفْرَدَ لِلَّهِ لَمّا كانَ وعِيدًا، إبْقاءً لِرَسُولِهِ ﷺ في حَيِّزِ الرَّحْمَةِ.

ولَمّا نَفى عَمَّنْ تَوَلّى أنْ يُحِبَّهُ كانَ في إشْعارِهِ أنَّ هَذا الكُفْرَ عُمُومُ كُفْرٍ يُداخِلُ رُتَبًا مِنَ الإيمانِ مِن حَيْثُ نَفى عَنْهُ الحُبَّ فَنَفى مِنهُ ما يَنالُهُ العَفْوُ أوِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ بِحَسَبِ رُتَبِ تَناقُصِ الكُفْرِ، لِأنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، ومَن فِيهِ كُفْرٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَوْفِي اتِّباعِ الرَّسُولِ بِما أنَّهُ الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، …

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

ولَمّا كانَ الأصْفِياءُ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الأحْبابِ بَيَّنَ بَعْضَ الأصْفِياءِ وما أكْرَمَهم بِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الشَّرِيفِ ”فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها“ تَنْبِيهًا لِوَفْدِ نَصارى نَجْرانَ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ مِثْلَ ما اصْطَفى لِنَفْسِهِ دِينًا اصْطَفى لِلتَّخَلُّقِ بِهِ ناسًا يُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ ويُوالُونَ أوْلِياءَهُ ويُعادُونَ أعْداءَهُ، ولَيْسُوا مِن صِفاتِ الكافِرِينَ في شَيْءٍ فَقالَ - أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَبَّهَ أفْعالَهُ في التَّشابُهِ وغَيْرِهِ بِأقْوالِهِ وعَرَّفَ أنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ رَدُّ المُتَشابِهِ مِنها إلى الواضِحِ المُحْكَمِ والِالتِجاءُ في كَشْفِ المُشْكِلِ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِقادِ الجازِمِ المُسْتَقِيمِ، وبَيَّنَ أنَّ المُوقِفَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ الأقْوَمِ الوُقُوفُ مَعَ العَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ مَعَ الرِّئاسَةِ وغَيْرِها وألْفُ الدِّينِ مَعَ التَّعَلُّلِ فِيهِ بِالتَّمَنِّي الفارِغِ، وأنْهى ذَلِكَ وتَوابِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِتَهْدِيدِ مَن تَوَلّى عَنِ الحَقِّ أخَذَ في تَصْوِيرِ تَصْوِيرِهِ في الأرْحامِ كَيْفَ شاءَ بِما شُوهِدَ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَشُكَّ فِيهِ مِن أحْوالٍ أُناسٌ هم مِن خُلَّصِ عِبادِهِ المُقْبِلِينَ عَلى ما يُرْضِيهِ فَقالَ: أوْ يُقالُ ولَعَلَّهُ أحْسَنُ: ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ، وألْحَقَ بِهِ ما تَبِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ وبِأنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ بِالتَّوَلِّي عَنْ رُسُلِهِ اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ الآتِينَ بِالعِلْمِ الَّذِينَ تُوجِبُ مُخالَفَتُهُمُ الكُفْرَ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَنزِلُ هَذِهِ السُّورَةِ لِإظْهارِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ في الخَلْقِ والأمْرِ قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ يَدَيْ إبانَةِ مُتَشابِهِ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهَ الِاصْطِفاءِ المُتَقَدِّمَ لِلْآدَمِيَّةِ ومَن مِنها مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِتَظْهَرَ مُعادَلَةُ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آخِرًا لِمُتَقَدِّمِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا، حَتّى يَكُونا مَثَلَيْنِ مُحِيطَيْنِ بِطَرَفَيِ الكَوْنِ في عُلُوِّ رُوحِهِ ودُنُوِّ أدِيمِ تُرْبَتِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّلَ الرُّوحَ إلى الخَلْقِ الآدَمِيِّ كَما قالَ

﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وظَهَرَ أثَرُ ذَلِكَ اللَّبْسِ بِما وقَعَ لِأهْلِ الزَّيْغِ في عِيسى كَما أنَّهُ رَقّى الخَلْقَ الطِّينِيَّ رُتْبَةً رُتْبَةً إلى كَمالِ التَّسْوِيَةِ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَكانَ تَرَقِّي الآدَمِيِّ إلى النَّفْخَةِ لِتَنْزِلَ الرُّوحُ إلى الطِّينَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي تَمَّ بِها وُجُودُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما كَمَّلَ وُجُودَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّفْخَةِ.

ولَمّا كانَ أصْلُ الإبْداءِ نُورًا عَلِيًّا نَزَّلَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في رُتَبِ التَّطْوِيرِ والتَّصْيِيرِ والجَعْلِ إلى أنْ بَدَأ عالَمًا دُنْياوِيًّا مُحْتَوِيًا عَلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وخَفِيَتْ نُورانِيَّتُهُ في مَوْجُودِ أصْنافِهِ صَفّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن وُجُودِ كُلِّيَّةِ ذَلِكَ هَذا …

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

وأفْصَحَ بِذَلِكَ إفْصاحًا جَلِيًّا في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ فَهم كُلُّهم مِن بَنِي آدَمَ، لا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ، لا مَزِيَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الخَصائِصِ مِمّا دُونَ أمَدِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَما لَكم لَمّا خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى آلَ عِمْرانَ مِن بَيْنِ العالَمِينَ بِخَرْقِ العادَةِ فِيهِمْ بِإخْراجِ ولَدٍ مِن أُنْثى فَقَطْ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ لَمْ تَرُدُّوا ما لَمْ تَعْرِفُوا مِنهُ إلى ما تَعْرِفُونَ مِنَ الخَوارِقِ حَتّى انْجَلى لَكم واتَّضَحَ لَدَيْكُمْ؟ بَلْ أشْكَلَ عَلَيْكم وقامَتْ فِيكم قِيامَتُكم بِما يُفْضِي إلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ الإلَهِ الَّذِي لا تَشُكُّونَ أنَّ مَن شَكَّ في تَمامِ قُدْرَتِهِ كَفَرَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَإثْباتُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِتَشابُهٍ وتَماثُلٍ تَتَعالى عَنْ نَحْوِهِ الإلَهِيَّةُ، فَأبانَ هَذا الخِطابُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اصْطِفاءً مِن جُمْلَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَكَما لَمْ يَقَعْ فِيمَن سِواهُ لَبْسٌ مِن أمْرِ الإلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ هو أيْضًا لَبْسٌ لِمَن يَتَلَقَّنُ بَيانَ الإحْكامِ والتَّشابُهِ مِنَ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا وأظْهَرَ الخَلْقَ بادِيًا ومُلْتَبِسًا انْتَهى. وقَدْ عادَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ إلى قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها في المُجادَلَةِ في أمْرِهِ والإخْبارِ عَنْ حَمْلِهِ ووِلادَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ الإلَهُ عَنْها، وكَراماتِهِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا لِلْقُرَّبِ، فَأخْبَرَ أوَّلًا عَنْ حالِ أُمِّهِ وأُمِّها وأُخْتِها وما اتَّفَقَ لَهُنَّ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِوُقُوعِ مِثْلِها مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَن كَفَرَ بِرَفْعِهِ فَوْقَ طَوْرِهِ، ثُمَّ شَرَعَ في قَصِّ أمْرِهِ حَتّى لَمْ يَدَعْ فِيهِ لَبْسًا بِوَجْهٍ.

وقالَ الحَرالِّيُّ: في التَّعْبِيرِ عَنِ اصْطِفاءِ إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إشْعارِ الخِطابِ اخْتِصاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما هو أخَصُّ مِن هَذا الِاصْطِفاءِ مِن حَيْثُ انْتَظَمَ في سِلْكِهِ آلُهُ لِاخْتِصاصِهِ هو بِالخَلَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَكْهُ فِيها أهْلُ هَذا الِاصْطِفاءِ، فاخْتَصَّ نَمَطَ هَذا الِاصْطِفاءِ بِآلِهِ، وهم - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - إسْحاقُ ويَعْقُوبُ والعِيصُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن هو مِنهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ لِأنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَصَّ بِالوَصْلَةِ بَيْنَ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ ومُحَمَّدٍ الحَبِيبِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مُتَرَقّى ما هو لَهم مِن وراءِ هَذا الِاصْطِفاءِ، ولِأنَّ إنْزالَ هَذا الخِطابِ لِخَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مِن ولَدِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُذْكَرُ، وداوُدُ مِن سِبْطِ لاوِي بْنِ إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُنْسَبُ، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - جَرى هَذا الِاصْطِفاءُ عَلى آلِهِ، فَظَهَرَ مِن مَزِيَّةِ هَذا الِاصْطِفاءِ لِآلِهِ ما كانَ مِنَ اصْطِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّكْلِيمِ وإنْزالِ الكِتابِ السّابِقِ

﴿يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] فَكانَ هَذا الِاصْطِفاءُ اسْتِخْلاصَ صَفاوَةٍ مِن صَفاوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَخْلَصِينَ مِن صَفاوَةِ آدَمَ …

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ هُنا بَيانَ الكَراماتِ في آلِ عِمْرانَ لا سِيَّما في الوِلادَةِ، وكانَ آدَمُ المُمَثَّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أمْرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ سُورَةِ الكِتابِ المُثْمِرِ لِلْعِلْمِ، وكَذا بَيانُ كَثِيرٍ مِمّا اصْطَفى بِهِ إبْراهِيمَ وآلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ بِالكَلامِ لِذُرِّيَّتِهِ، وكانَ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِن ذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهُ في عَمُودِ النَّسَبِ، ولَيْسَ في أمْرِ وِلادَتِهِ ما هو خارِجٌ عَنِ العادَةِ قالَ طاوِيًا لِمَن قَبْلُ: ﴿إذْ﴾ أيِ اذْكُرْ جَوابًا لِمَن يُجادِلُكَ في أمْرِهِمْ ويَسْألُكَ عَنْ حالِهِمْ حِينَ ﴿قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ وهي حامِلٌ.

وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَن ذُكِرَ في الِاصْطِفاءِ إنَّما ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَصَّ التَّفْصِيلُ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ سائِرِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ، وكانَ في هَذِهِ المُناظَرَةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ حَظٌّ مِنَ التَّكافُؤِ مِن حَيْثُ ذَكَرَ أمْرَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، فَذَكَرَ خَلْقَ المَثَلِ المُناظِرِ لَهُ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لِسُورَةِ البَقَرَةِ وهي هَذِهِ السُّورَةُ، فَعادَ تَوْقِيتُ هَذا القَوْلِ إلى غايَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَأنْبَأ عَنِ ابْتِداءِ ما اخْتَصَّ مِنهُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ امْرَأةِ عِمْرانَ حِينَ أجْرى عَلى لِسانِها وأخْطَرَ بِقَلْبِها أنْ تَجْعَلَ ما في بَطْنِها نَذْرًا، فَفَصَّلَ ما بِهِ خَتَمَ مِنَ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ولِذَلِكَ عُرِّفَتْ أُمُّ مَرْيَمَ في هَذا الخِطابِ بِأنَّها امْرَأةُ عِمْرانَ لِيَلْتَئِمَ التَّفْصِيلُ بِجُمْلَتِهِ السّابِقَةِ ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ وكانَ نَذْرُ الوَلَدِ شائِعًا في بَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مَعْهُودًا في الذُّكُورِ لِصَلاحِهِمْ لِسَدانَةِ بَيْتِ اللَّهِ والقِيامِ بِهِ، فَأكْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَرْيَمَ لِما كَمُلَ لَهُ الرِّجالُ - كَما قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ» فَذَكَرَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ عَلَيْها السَّلامُ، فَكانَ مِن كَمالِها خُرُوجُ والِدَتِها عَنْها، وكانَ أصْلُهُ مِنَ الأُمِّ الَّتِي لَها الإشْفاقُ، فَكانَ خُرُوجُها أكْمَلَ مِن خُرُوجِ الوَلَدِ لِأنَّها لَها في زَمَنِ الحَمْلِ والرَّضاعِ والتَّرْبِيَةِ إلى أنْ يَعْقِلَ الوَلَدُ أباهُ فَحِينَئِذٍ يَتَرَقّى إلى حِزْبِ أبِيهِ، ولِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أُرِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ عِنْدَ تَمْيِيزِهِ، وخَرَجَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ عَنْ حَمْلِها وهو في بَطْنِها حِينَ ما هو أعْلَقُ بِها - انْتَهى. ونَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِهِ ﴿مُحَرَّرًا﴾ أيْ لا اعْتِراضَ ولا حُكْمَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ، قالَ الحَرالِّيُّ: والتَّحْرِيرُ طَلَبُ الحُرِّيَّةِ، والحُرِّيَّةُ رَفْعُ اليَدِ عَنِ الشَّيْءِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وفي الإتْيانِ بِصِيغَةِ التَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ إشْعارٌ بِمُضِيِّ العَزِيمَةِ في قَطْعِ الوِلايَةِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لِتُسَلِّمَ وِلايَتَهُ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى.

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ولَمّا كانَ حُسْنُ إجابَةِ المَهْتُوفِ بِهِ المُلْتَجَإ إلَيْهِ عَلى حَسَبِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ عَلَّلَتْ سُؤالَها في التَّقَبُّلِ بِأنْ قَصَرَتِ …

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

ولَمّا أخْبَرَ بِما اقْتَضى مُضِيُّ عَزْمِها قَبْلَ الوَضْعِ أخْبَرَ بِتَحْقِيقِهِ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ﴾ أيْ تَحَسُّرًا ذاكِرَةً وصْفَ الإحْسانِ اسْتِمْطارًا لِلِامْتِنانِ ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الوَضْعِ وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ المُسْتَثْقَلِ ﴿أُنْثى﴾ هي أدْنى زَوْجَيِ الحَيَوانِ المُتَناكِحِ - انْتَهى. ولَمّا كانَ الإخْبارُ عادَةً إنَّما هو لِمَن لا يَعْلَمُ الخَبَرَ بَيَّنَتْ أنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِإخْبارِهِ لَيْسَ مَضْمُونَ الخَبَرِ وإنَّما هو شَيْءٌ مِن لَوازِمِهِ وهُنا التَّحَسُّرُ فَقالَتْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْجِيبَ مِن هَذِهِ المَوْلُودَةِ بِأنَّها مِن خَوارِقِ العاداتِ عَبَّرَتْ عَنْها بِما فَقالَتْ: ﴿أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وعَبَّرَتْ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ إشارَةً إلى السُّؤالِ في أنْ يَهَبَها مِن كَمالِهِ ويَرْزُقَها مِن هَيْبَتِهِ وجَلالِهِ، وفي قِراءَةِ إسْكانِ التّاءِ الَّذِي هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْها - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - إلاحَةُ مَعْنى أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الأُنُوثَةَ فَفِيها حَقِيقَةُ المَعْنى الَّذِي ألْحَقَها بِالرِّجالِ في الكَمالِ، حَتّى كانَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّساءِ لِما لا يَصِلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن رِجالِ عالَمِها، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ المَوْضُوعَ كانَ ظاهِرُهُ ذَكَرًا وحَقِيقَتُهُ أُنْثى.

ولَمّا كانَ مَقْصُودُها مَعَ إمْضاءِ نَذْرِها بَعْدَ تَحَقُّقِ كَوْنِها أُنْثى التَّحَسُّرَ عَلى ما فاتَها مِنَ الأجْرِ في خِدْمَةِ البَيْتِ المُقَدَّسِ بِما يُقابِلُ فَضْلَ قُوَّةِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى وصَلاحِيَتَهُ لِلْخِدْمَةِ في كُلِّ أحْوالِهِ قالَتْ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ أيِ الَّذِي هو مُعْتادٌ لِلنَّذْرِ وكُنْتُ أُحِبُّ أنْ تَهَبَهُ لِي لِأفُوزَ بِمِثْلِ أجْرِهِ في هَذا الفَرْضِ في قُوَّتِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ المُكْثِ في المَسْجِدِ ومُخالَطَةِ القَوْمَةِ ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وضَعْتُها، وهي داخِلَةٌ في عُمُومِ النَّذْرِ بِحُكْمِ الإطْلاقِ في الضَّعْفِ وعارِضِ الحَيْضِ ونَحْوِهِ فَلا يَنْقُصُ يا رَبُّ أجْرِي بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَوْ قالَتْ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، لَفُهِمَ أنَّ مُرادَها أنَّ نَذْرَها لَمْ يَشْمَلْها فَلا حَقَّ لِلْمَسْجِدِ فِيها مِن جِهَةِ الخِدْمَةِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِ هَذا القَوْلِ تَفَصُّلٌ مِمّا تَتَخَوَّفُهُ أنْ لا يَكُونَ ما وضَعَتْهُ كَفافًا لِنَذْرِها، لِما شَهِدَتْ مِن ظاهِرِ أُنُوثَةِ ما وضَعَتْ، فَجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها أكْمَلَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عَزِيمَتُها مِن رُتْبَةِ الذُّكُورَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْهَدُها، فَكانَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ أتَمَّ مِن مَعْهُودِ نَذْرِها مَزِيدَ فَضْلٍ مِن رَبِّها عَلَيْها بَعْدَ وفاءِ حَقِيقَةِ مَقْصُودِها في نَذْرِها. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كالحالِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ إذا أُسْكِنَتِ التّاءُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ كَذا والحالُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِما وضَعَتْ، والحالُ أيْضًا أنَّهُ لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرادَتْهُ بِحُكْمِ مُعْتادِ النَّذْرِ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها فَدَخَلَتْ فِيهِ بِحُكْمِ إطْلاقِهِ، بَلْ هي أعْلى، لِأنَّ غايَةَ ما تَعْرِفُهُ مِنَ المَنذُورِينَ أنْ يَكُونَ كَأنْبِيائِهِمُ المُقَرِّرِينَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذِهِ الأُنْثى مَعَ ما لَها مِنَ العُلُوِّ …

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

ولَمّا أخْبَرَ بِدُعائِها أخْبَرَ بِإجابَتِها فِيهِ فَقالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ فَجاءَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ مُطابَقَةً لِقَوْلِها ﴿فَتَقَبَّلْ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَفِيهِ إشْعارٌ بِتَدَرُّجٍ وتَطَوُّرٍ وتَكَثُّرٍ، كَأنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّها مَزِيدٌ لَها في كُلِّ طَوْرٍ تَتَطَوَّرُ إلَيْهِ، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فاقْبَلْ مِنِّي فَلَمْ تَكُنْ إجابَتُهُ ”فَقَبْلها“، فَيَكُونُ إعْطاءً واحِدًا مُنْقَطِعًا عَنِ التَّواصُلِ والتَّتابُعِ، فَلا تَزالُ بَرَكَةُ تَحْرِيرِها مُتَجَدِّدًا لَها في نَفْسِها وعائِدًا بَرَكَتُهُ عَلى أُمِّها حَتّى تَتَرَقّى إلى العُلُوِّ المُحَمَّدِيِّ فَيَتَكَوَّنَ في أزْواجِهِ ومَن يَتَّصِلُ بِهِ. انْتَهى.

وجاءَ بِالوَصْفِ المُشْعِرِ بِالإحْسانِ مُضافًا إلَيْها إبْلاغًا في المَعْنى فَقالَ: ﴿رَبُّها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وظَهَرَ سِرُّ الإجابَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ”بِتَقَبُّلٍ“ - جَرْيًا عَلى الأوَّلِ.

ولَمّا أنْبَأ القَبُولُ عَنْ مَعْنى ما أُولِيَتْهُ باطِنًا أنْبَأ الإنْباتُ عَمّا أُولِيَتْهُ ظاهِرًا في جِسْمانِيَّتِها، وفي ذِكْرِ الفِعْلِ مِن ”أفْعَلَ“ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتَها﴾ والِاسْمِ مِن ”فَعَلَ“ في قَوْلِهِ: ﴿نَباتًا حَسَنًا﴾ إعْلامٌ بِكَمالِ الأمْرَيْنِ مِن إمْدادِها في النُّمُوِّ الَّذِي هو غَيْبٌ عَنِ العُيُونِ وكَمالِها في ذاتِيَّةِ النَّباتِ الَّذِي هو ظاهِرٌ لِلْعَيْنِ، فَكَمُلَ في الإنْباءِ والوُقُوعِ حُسْنُ التَّأْثِيرِ وحُسْنُ الأثَرِ، فَأعْرَبَ عَنْ إنْباتِها ونَباتِها مَعْنىً حَسَنًا. انْتَهى. فَوَقَعَ الجَوابُ لِأنَّها عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها عَلى ما وقَعَ سُؤالُها فِيهِ، فَلَقَدْ ضَلَّ وافْتَرى مَن قَذَفَها وبَهَتَها، وكَفَرَ وغَلا مَنِ ادَّعى في ولَدِها مِنَ الإطْراءِ ما ادَّعى.

وقالَ الحَرالِّيُّ: وقَدْ أنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الخاصَّةِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَقَبُّلِها وإنْباتِها وحُسْنِ سِيرَتِها بِما نَفى اللَّبْسَ في أمْرِها وأمْرِ ولَدِها، لِأنَّ المَخْصُوصَ بِمَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما هو في بَيانِ رَفْعِ اللَّبْسِ الَّذِي ضَلَّ بِهِ النَّصارى، فَيَذْكُرُ في كُلِّ سُورَةٍ ما هو الألْيَقُ والأوْلى بِمَخْصُوصِ مَنزِلِها، فَلِذَلِكَ يَنْقُصُ الخِطابَ في القِصَّةِ الواحِدَةِ في سُورَةٍ ما يَسْتَوْفِيهِ في سُورَةٍ أُخْرى لِاخْتِلافِ مَخْصُوصِ مَنزِلِها، كَذَلِكَ الحالُ في القِصَصِ المُتَكَرِّرَةِ في القُرْآنِ مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ وما ذَكَرَ فِيهِ لِمَقْصِدِ التَّرْغِيبِ والتَّثْبِيتِ والتَّحْذِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّنْبِيهِ - انْتَهى، وفِيهِ تَصَرُّفٌ. ولَمّا كانَ الصَّغِيرُ لا بُدَّ لَهُ فِيما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن كَبِيرٍ يَتَوَلّى أمْرَهُ قالَ: ﴿وكَفَّلَها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الكَفْلِ وهو حِياطَةُ الشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ حَتّى يَصِيرَ عَلَيْهِ كالفَلَكِ الدّائِرِ ﴿زَكَرِيّا﴾ وفي قِراءَةِ التَّشْدِيدِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو في الحَقِيقَةِ كَفِيلُها بِما هو تَقَبَّلَها، وفِيهِ اسْتِخْلاصٌ لِزَكَرِيّا مِن حَيْثُ جَعَلَهُ يَدَ وكالَةٍ لَهُ فِيها. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الكَفِيلِ القِيامُ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ المَكْفُولُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ إنَّما كانَتْ جَرْيًا عَلى العَوائِدِ وأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تَقَبُّلَ اللَّهِ لَها أغْناها عَنْ سِواهُ فَقالَ في جَوابِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: ما فَعَلَ في كَفالَتِها؟: ﴿كُلَّما﴾ أيْ كانَ كُلَّما ﴿دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ أيْ مَوْضِعَ …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ زَكَرِيّا حِينَئِذٍ؟ قِيلَ: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ وذَلِكَ المَكانِ العَظِيمِ المِقْدارِ ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ تَذَكُّرًا لِما عَوَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ مِنَ الإكْرامِ، فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَراماتُ هَذِهِ الكَفالَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أشْهَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَخْرِقُ عادَتَهُ لِمَن شاءَ بِكَلِمَتِهِ في حَقِّ كَفِيلَتِهِ في الظّاهِرِ، الكافِلَةِ لَهُ في هَذا المَعْنى، دَعا رَبَّهُ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا في غَيْرِ إبّانِهِ كَما رَزَقَ مَرْيَمَ رِزْقًا في غَيْرِ زَمانِهِ فَوَجَبَ دُعاؤُهُ. انْتَهى.

﴿قالَ رَبِّ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَنِي بِإحْسانِهِ ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: طَلَبَ عَلَيْهِ مِن باطِنِ الأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وكَما قالَ فِيهِ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ [مريم: ١٣] لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مِن (لَدُنْ) فَهو أبْطَنُ مِن (عِنْدَ) ﴿ذُرِّيَّةً﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِكَثْرَةٍ ونَسْلٍ باقٍ، فَأُجِيبَ بِوَلَدٍ فَرْدٍ لَمّا كانَ زَمانَ انْتِهاءٍ في ظُهُورِ كَلِمَةِ الرُّوحِ وبِأنَّهُ لا يُنْسِلُ فَكانَ يَحْيِى حَصُورًا لِغَلَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى إنْسانِيَّتِهِ. انْتَهى.

﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ مُطِيعَةً لَكَ لِأنَّ ذَلِكَ طِلْبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ، ثُمَّ عَلَّلَ إدْلالَهُ عَلى المَقامِ الأعْظَمِ بِالسُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مُرِيدُهُ ومُجِيبُهُ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن يَسْمَعُ - ولَمْ يَمْنَعْ - أنْ يُجِيبَ إذا كانَ قادِرًا كامِلًا، وقَدْ ثَبَتَتِ القُدْرَةُ بِالرُّبُوبِيَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ، بِخِلافِ الأصْنامِ ونَحْوِها مِمّا عُبِدَ فَإنَّها لا تَسْمَعُ، ولَوْ سَمِعَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الإجابَةِ إلى ما تُسْألُ فِيهِ لِأنَّها مَرْبُوبَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: أعْلَمَ الدّاعِي بِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإجابَةِ، والقُرْبُ ”وسِيلَةٌ في قَبُولِ“ دُعائِهِ - انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ سَمِعَ دُعاءَهُ كَما قالَ ﴿فَنادَتْهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ وحُسْنِ رَجائِهِ أنْ نادَتْهُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي هَذا النَّوْعَ، لا كُلَّهم بَلْ ناداهُ البَعْضُ، وكانَ مُتَهَيِّئًا بِما آتاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الفَضْلِ لِمُناداةِ الكُلِّ، كَما هو شَأْنُ أهْلِ الكَمالِ مِنَ الرُّسُلِ ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وهو مَوْضِعُ مُحارَبَةِ العابِدِ لِلشَّيْطانِ، وهو أشْرَفُ الأماكِنِ لِذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ ولُزُومِهِ مُعْتَكَفَهُ وقُنُوتِهِ في قِيامِهِ وأنَّ الغالِبَ عَلى صَلاتِهِ القِيامُ لِأنَّ الصَّلاةَ قِيامٌ، وسُجُودٌ يُقابِلُهُ، ورُكُوعٌ مُتَوَسِّطٌ، فَذُكِرَتْ صَلاتُهُ بِالقِيامِ إشْعارًا بِأنَّ حُكْمَ القِيامِ غالِبٌ عَلَيْها. انْتَهى. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في قِراءَةِ حَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ لِجَوابِ مِن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ نادَتْهُ المَلائِكَةُ؟ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ المُحِيطَ مَعْناهُ بِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ رَبَّكَ لَمّا كانَ أمْرُ إجابَتِهِ مِن وراءِ الحِكْمَةِ العادِيَّةِ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِيَحْيى﴾ مُسَمّىً بِصِيغَةِ الدَّوامِ - مَعَ أنَّهُ كَما قِيلَ: قُتِلَ - إشْعارٌ بِوَفاءِ حَقِيقَةِ الرُّوحانِيَّةِ الحَياتِيَّةِ فِيهِ دائِمًا، لا يَطْرُقُهُ طارِقُ مَوْتِ الظّاهِرِ حَيْثُ قُتِلَ شَهِيدًا. انْتَهى.

﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ نَبِيٍّ خُلِقَ بِالكَلِمَةِ لا بِالمُعالَجَةِ العادِيَّةِ، يُرْسِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى عِبادِهِ فَيُكَذِّبُهُ أكْثَرُهم ويُصَدِّقُهُ هُوَ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلِمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَحْيى مُصَدِّقَهُ بِما هو مِنهُ كَمالُ كَلِمَتِهِ حَتّى أنَّهُما في سَماءٍ واحِدَةٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِإحاطَتِهِ في ذاتِ الكَلِمَةِ. انْتَهى.

﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ أيْ فَلا يَتَزَيَّنُ بِزِينَةٍ لِأنَّهُ بالِغُ الحَبْسِ لِنَفْسِهِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْها في المَنعِ مِنَ النِّكاحِ. قالَ في القامُوسِ: والحَصُورُ مَن لا يَأْتِي النِّساءَ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوِ المَمْنُوعُ مِنهُنَّ، أوْ مَن لا يَشْتَهِيهِنَّ ولا يَقْرَبُهُنَّ، والمَجْبُوبُ - والهَيُوبُ المُحْجِمُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو مِنَ الحَصْرِ وهو المَنعُ عَمّا شَأْنُ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ - انْتَهى ﴿ونَبِيًّا﴾ ولَمّا كانَ النَّبِيُّ لا يَكُونُ إلّا صالِحًا لَمْ يَعْطِفْ بَلْ قالَ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إعْلامًا بِمَزِيَّةِ رُتْبَةِ الصَّلاحِ واحْتِرازًا مِنَ المُتَنَبِّيِينَ،

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ حِينَ أجابَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ يَسْتَثْبِتُ بِذَلِكَ ما يَزِيدُهُ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا وسَكِينَةً ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.

ولَمّا كانَ مَطْلُوبُهُ ولَدًا يَقُومُ مَقامَهُ فِيما هو فِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي لا يُطِيقُها إلّا الذُّكُورُ الأقْوِياءُ الكَلِمَةِ، وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ ولَدَ الشَّيْخِ يَكُونُ ضَعِيفًا لا سِيَّما إنْ كانَ حَرْثُهُ مَعَ الطَّعْنِ في السِّنِّ في أصْلِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلزَّرْعِ أحَبَّ أنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِمَطْلُوبِهِ فَقالَ: ﴿أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿يَكُونُ لِي﴾ وعَبَّرَ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى الغَلَبَةِ والقُوَّةِ زِيادَةً في الكَشْفِ فَقالَ: ﴿غُلامٌ﴾ وفي تَعْبِيرِهِ بِهِ في سِياقِ الحَصُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن صِحَّةِ الجِسْمِ وقُوَّتِهِ اللّازِمِ مِنهُ شِدَّةُ الدّاعِيَةِ إلى النِّكاحِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنهُ مَنعًا زائِدًا عَلى الحَدِّ، لِما عِنْدَهُ مِن غَلَبَةِ شُهُودِ اللّازِمِ مِنهُ الإقْبالُ عَلى العِبادَةِ بِكُلِّيَّتِهِ والإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ عَنْها جُمْلَةً لا سِيَّما النِّكاحُ، بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهُ لا إرْبَ لَهُ فِيهِ، وهَذا المُوافِقُ لِلتَّعْبِيرِ الأوَّلِ لِلْحَصُورِ في القامُوسِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُعَرَّجَ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن مُتَعَدٍّ، ولِأنَّهُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، ومَهْما دارَ الشَّيْءُ عَلى صِفَةِ الكَمالِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يُعْدَلَ عَنْهُ، وما ورَدَ - كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

”ذَكَرُهُ مِثْلُ هَذِهِ القَذاةِ“» فَقَدْ ضَعَّفُوهُ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ أنَّهُ لَمّا أعْرَضَ عَنْهُ رَأْسًا ضَعُفَ ما مَعَهُ لِذَلِكَ، فَهو إخْبارٌ عَنْ آخِرِ أمْرِهِ الَّذِي أدَّتْ إلَيْهِ عَزِيمَتُهُ، والآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى ما اقْتَضَتْهُ خِلْقَتُهُ وغَرِيزَتُهُ وإنْ كانَ الجَمْعُ لِكَمالِ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ بِالنِّكاحِ أكْمَلَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا ﷺ ويَقَعُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ إلى حَدٍّ لا يُولَدُ فِيهِ عادَةً ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العُقْرِ وهو البُلُوغُ إلى حَدِّ انْقِطاعِ النَّسْلِ هَرَمًا - انْتَهى؛ كَذا قالَ، وآيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى أنَّها لَمْ تَزَلْ عَقِيمًا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ في الرّاءِ: العَقْرَةُ وتُضَمُّ: العُقْمُ، وقَدْ عُقِرَتْ كَعُنِيَ فَهي عاقِرٌ، ورَجُلٌ عاقِرٌ وعَقِيرٌ: لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ، والعُقَرَةُ كَهُمَزَةٍ: خَرَزَةٌ تَحْمِلُها المَرْأةُ لِئَلّا تَلِدَ، وقالَ في المِيمِ: العُقْمُ بِالضَّمِّ: هَزْمَةٌ تَقَعُ في الرَّحِمِ فَلا تَقْبَلُ الوَلَدَ، عَقِمَتْ كَفَرِحَ ونَصَرَ وكَرُمَ وعُنِيَ، ورَحِمٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وقالَ الإمامانِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ وعَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: والعُقْرُ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ مَصْدَرُ العاقِرِ مِنَ النِّساءِ وهي الَّتِي لا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ داءٍ ولا كِبَرٍ، يُقالُ: امْرَأةٌ عاقِرٌ، وبِها عُقْرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ كَأنَّ في رَحِمِها عُقْرًا يَمْنَعُها مِنَ الوِلادَةِ، وقالَ الإمامُ أبُو غالِبٍ ”ابْنُ التَّيّانِيِّ“ في كِتابِهِ المُوعِبِ صاحِبُ [ تَلْقِيحِ ] العَيْنِ: العُقْرُ مَصْدَرُ …

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.