Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَعا القَوْمَ إلى الإيمانِ بِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، دَعاهم إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨ ] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُرْوى «أنَّهُ ﷺ وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ وهم في المَسْجِدِ الحَرامِ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ واللَّهِ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى؛ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويُرْوى أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن فِرَقِ العُقَلاءِ يَدَّعِي أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ، ويَطْلُبُ رِضاهُ وطاعَتَهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: قُلْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى فَكُونُوا مُنْقادِينَ لِأوامِرِهِ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخالَفَتِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ مُحِبًّا لِلَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في غايَةِ الحَذَرِ مِمّا يُوجِبُ سَخَطَهُ، وإذا قامَتِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُتابَعَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ ما حَصَلَتْ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ المُسْتَقْصى في المَحَبَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥ ] والمُتَكَلِّمُونَ مُصِرُّونَ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ إعْظامِهِ وإجْلالِهِ، أوْ مَحَبَّةِ طاعَتِهِ، أوْ مَحَبَّةِ ثَوابِهِ، قالُوا: لِأنَّ المَحَبَّةَ مِن جِنْسِ الإرادَةِ، والإرادَةُ لا تَعَلُّقَ لَها إلّا بِالحَوادِثِ وإلّا بِالمَنافِعِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّهُ إنَّما كانَ مَحْبُوبًا لِأجْلِ مَعْنًى آخَرَ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ والدَّوْرُ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، وكَذَلِكَ أنّا إذا سَمِعْنا أخْبارَ رُسْتَمَ واسْفَنْدَيارَ في شَجاعَتِهِما مالَ القَلْبُ إلَيْهِما مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لَنا في ذَلِكَ المَيْلِ، بَلْ رُبَّما نَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ مَعْصِيَةٌ لا يَجُوزُ لَنا أنْ نُصِرَّ عَلَيْها، فَعَلِمْنا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، كَما أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، وكَمالُ الكَمالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ مِن ذاتِهِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ الَّذِينَ تَجَلّى لَهم أثَرٌ مِن آثارِ كَمالِهِ وجَلالِهِ.

قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وأمّا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى إيصالَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا إلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَوْمُ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا مُحِبِّينَ لِلَّهِ تَعالى، وكانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ في أنْ يُحِبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ الإلْزامَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ …

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾

يُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الآيَةَ الأُولى لَمّا اقْتَضَتْ وُجُوبَ مُتابَعَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المُنافِقَ ألْقى شُبْهَةً في الدِّينِ، وهي أنَّ مُحَمَّدًا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما يَقُولُهُ النَّصارى في عِيسى، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقالَ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يَعْنِي إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكم مُتابَعَتِي لا كَما تَقُولُ النَّصارى في عِيسى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ مُبَلِّغُ التَّكالِيفِ عَنِ اللَّهِ هو الرَّسُولَ لَزِمَ أنْ تَكُونَ طاعَتُهُ واجِبَةً فَكانَ إيجابُ المُتابَعَةِ لِهَذا المَعْنى لا لِأجْلِ الشُّبَهِ الَّتِي ألْقاها المُنافِقُ في الدِّينِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يَعْنِي إنْ أعْرَضُوا فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم مَحَبَّةُ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ الثَّناءَ والمَدْحَ لِمَن أطاعَهُ، ومَن كَفَرَ اسْتَوْجَبَ الذِّلَّةَ والإهانَةَ، وذَلِكَ ضِدُّ المَحَبَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.

فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ.

الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ

* * *

المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى …

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.

فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ.

الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ

* * *

المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى …

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.

فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ.

الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ

* * *

المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى …

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.

فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ.

الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ

* * *

المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى …

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.

فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ.

الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ

* * *

المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

صفحة ٢٩

القِصَّةُ الثّانِيَةُ

واقِعَةُ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -

﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ثُمَّ، وهُناكَ، وهُنالِكَ، يُسْتَعْمَلُ في المَكانِ، ولَفْظَةُ: عِنْدَ، وحِينَ يُسْتَعْمَلانِ في الزَّمانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وهو إشارَةٌ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الضَّيِّقِ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ ”هُنالِكَ“ في الزَّمانِ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] فَهَذا إشارَةٌ إلى الحالِ والزَّمانِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى المَكانِ فَهو جائِزٌ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي كانَ قاعِدًا فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -، وشاهَدَ تِلْكَ الكَراماتِ دَعا رَبَّهُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الزَّمانِ فَهو أيْضًا جائِزٌ، يَعْنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ دَعا رَبَّهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ عِنْدَ أمْرٍ عَرَفَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذا الدُّعاءِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ والمُفَسِّرِينَ قالُوا: هو أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى عِنْدَ مَرْيَمَ مِن فاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، ومِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، فَلَمّا رَأى خَوارِقَ العاداتِ عِنْدَها، طَمِعَ في أنْ يَخْرِقَها اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ أيْضًا فَيَرْزُقَهُ الوَلَدَ مِنَ الزَّوْجَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَراماتِ الأوْلِياءِ، وإرْهاصاتِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى آثارَ الصَّلاحِ والعَفافِ والتَّقْوى مُجْتَمِعَةً في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - اشْتَهى الوَلَدَ وتَمَنّاهُ فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ الزُّهْدِ والعَفافِ والسِّيرَةِ المُرْضِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى انْخِراقِ العاداتِ، فَرُؤْيَةُ ذَلِكَ لا يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى طَلَبِ ما يَخْرِقُ العادَةَ، وأمّا رُؤْيَةُ ما يَخْرِقُ العادَةَ قَدْ يُطْمِعُهُ في أنْ يَطْلُبَ أيْضًا فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الهَرَمِ والزَّوْجَةِ العاقِرِ مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.

فَإنْ قِيلَ: إنْ قُلْتُمْ إنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَرْقِ العاداتِ إلّا عِنْدَما شاهَدَ تِلْكَ الكَراماتِ عِنْدَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ في هَذا نِسْبَةَ الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ تِلْكَ الأشْياءِ سَبَبًا لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ

صفحة ٣٠

تَعالى، فَلَمْ يَكُنْ لِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الكَراماتِ أثَرٌ في ذَلِكَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ هُنالِكَ أثَرٌ. …

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٣١

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فَناداهُ المَلائِكَةُ)، عَلى التَّذْكِيرِ والإمالَةِ، والباقُونَ عَلى التَّأْنِيثِ عَلى اللَّفْظِ، وقِيلَ: مَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَ الِاسْمِ، ومَن أنَّثَ فَلِأنَّ الفِعْلَ لِلْمَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”المِحْرابَ“ بِالإمالَةِ، والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا في التَّشْرِيفِ أعْظَمُ، فَإنْ دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ أنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَطْ صِرْنا إلَيْهِ، وحَمَلْنا هَذا اللَّفْظَ عَلى التَّأْوِيلِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ الأطْعِمَةَ الطَّيِّبَةَ، ويَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ، أيْ يَأْكُلُ مِن هَذا الجِنْسِ، ويَلْبَسُ مِن هَذا الجِنْسِ، مَعَ أنَّ المَعْلُومَ أنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ جَمِيعَ الأطْعِمَةِ، ولَمْ يَلْبَسْ جَمِيعَ الأثْوابِ، فَكَذا هاهُنا، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهم نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ؛ إنَّ النّاسَ: يَعْنِي أبا سُفْيانَ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إذا كانَ القائِلُ رَئِيسًا جازَ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاجْتِماعِ أصْحابِهِ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ جِبْرِيلُ رَئِيسَ المَلائِكَةِ، وقَلَّما يُبْعَثُ إلّا ومَعَهُ جَمْعٌ صَحَّ ذَلِكَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً في دِينِهِمْ، والمِحْرابُ قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا البِشارَةُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ عَرَّفَ زَكَرِيّا أنَّهُ سَيَكُونُ في الأنْبِياءِ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيى ولَهُ ذُرِّيَّةٌ عالِيَةٌ، فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ المُسَمّى بِيَحْيى هو ولَدُكَ كانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والثّانِي: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوَلَدٍ اسْمُهُ يَحْيى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ”إنَّ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، أمّا الكَسْرُ فَعَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وأمّا الفَتْحُ فَتَقْدِيرُهُ: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَبْشُرُكَ“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُبَشِّرُكَ“ وقُرِئَ أيْضًا ”يُبْشِرُكَ“ قالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: بَشَرَ يَبْشُرُ بِشْرًا، وبَشَّرَ يُبَشِّرُ تَبْشِيرًا، وأبْشَرَ يُبْشِرُ ثَلاثُ لُغاتٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَحْيى“ بِالإمالَةِ لِأجْلِ الياءِ والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وأمّا أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ يَحْيى فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِ يَحْيى ثَلاثَةَ أنْواعٍ:

الصِّفَةُ …

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:

صفحة ٣٤

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رَبِّ) خِطابٌ مَعَ اللَّهِ أوْ مَعَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ نادَوْهُ هُمُ المَلائِكَةُ، وهَذا الكَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ ذَلِكَ المُنادِي لا مَعَ غَيْرِهِ، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ المَلَكِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَقُولَ لِلْمَلَكِ: يا رَبِّ.

والجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا نادَوْهُ بِذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِهِ تَعَجَّبَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَجَعَ في إزالَةِ ذَلِكَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ المَلائِكَةِ، والرَّبُّ إشارَةٌ إلى المُرَبِّي، ويَجُوزُ وصْفُ المَخْلُوقِ بِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يُرَبِّينِي ويُحْسِنُ إلَيَّ.

السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي سَألَ الوَلَدَ، ثُمَّ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَلِمَ تَعَجَّبَ مِنهُ ولِمَ اسْتَبْعَدَهُ ؟

الجَوابُ: لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِنَ النُّطْفَةِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لا نُطْفَةَ إلّا مِن خَلْقٍ، ولا خَلْقَ إلّا مِن نُطْفَةٍ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ ولَزِمَ حُدُوثُ الحَوادِثِ في الأزَلِ وهو مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لا مِن نُطْفَةٍ أوْ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لا مِن إنْسانٍ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مُحالًا مُمْتَنِعًا لَما طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لَيْسَ لِلِاسْتِبْعادِ، بَلْ ذَكَرَ العُلَماءُ فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنّى) مَعْناهُ: مِن أيْنَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي ولَدًا عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُعِيدَ اللَّهُ شَبابَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ الوَلَدَ مَعَ شَيْخُوخَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي الوَلَدَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي ؟ فَقِيلَ لَهُ كَذَلِكَ، أيْ عَلى هَذا الحالِ واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ والأصَمُّ.

والثّانِي: أنَّ مَن كانَ آيِسًا مِنَ الشَّيْءِ مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِهِ ووُقُوعِهِ إذا اتَّفَقَ أنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المَقْصُودُ فَرُبَّما صارَ كالمَدْهُوشِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ فَيَقُولُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذا ومِن أيْنَ وقَعَ هَذا ؟! كَمَن يَرى إنْسانًا وهَبَهُ أمْوالًا عَظِيمَةً، يَقُولُ كَيْفَ وهَبْتَ هَذِهِ الأمْوالَ، ومِن أيْنَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِهِبَتِها ؟ فَكَذا هاهُنا لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَبْعِدًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ إجابَةُ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، صارَ مِن عِظَمِ فَرَحِهِ وسُرُورِهِ قالَ ذَلِكَ الكَلامَ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ أُنْثى أوْ مِن صُلْبِهِ، فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ.

الرّابِعُ: أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.