Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حاكِمَةٌ عَلى كُلِّ مَن ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، ولَيْسَ هو عَلى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَإنَّهُ كاذِبٌ في دَعْواهُ تِلْكَ، حَتّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» .

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ .

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ الطّاعَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى﴾ أيْ: اخْتارَ بِالنُّبُوَّةِ: ﴿آدَمَ﴾ فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أهْبَطَهُ مِنها عَمّا لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ: (و) واصْطَفى: (نُوحًا) فَجَعَلَهُ أوَّلَ رَسُولٍ إلى أهْلِ الأرْضِ، لَمّا عَبَدَ النّاسُ الأوْثانَ وأشْرَكُوا بِاَللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، ونَجّى مَن اتَّبَعَهُ في السَّفِينَةِ وأغْرَقَ مَن عَصاهُ: (و) اصْطَفى: ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ [النساء: ٥٤] أيْ: عَشِيرَتَهُ وذَوِي قُرْباهُ، وهم إسْماعِيلُ وإسْحاقُ والأنْبِياءُ مِن أوْلادِهِما الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ . وأمّا اصْطِفاءُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ مِن اصْطِفائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ. وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ في الخُلَّةِ، وكَوْنِهِ إمامَ الأنْبِياءِ وقُدْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنِ اصْطِفاءِ آلِهِ بِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةَ. ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ»» (و) اصْطَفى: (آلَ عِمْرانَ) إذْ جَعَلَ فِيهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي أُوتِيَ البَيِّناتِ، وأُيِّدَ بِرُوحِ القُدْسِ، والمُرادُ بِعِمْرانَ هَذا: والِدُ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ. أيْ: اصْطَفى كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالَمِي زَمانِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ لِدُخُولِهِمْ في العالَمِينَ.

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿ذُرِّيَّةً﴾ أيْ: نَسْلًا. نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلَيْنِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُما.

لَطِيفَةٌ:

اَلذُّرِّيَّةُ مُثَلَّثَةٌ، ولَمْ تُسْمَعْ إلّا غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ. اسْمٌ لِنَسْلِ الثَّقَلَيْنِ. وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأُصُولِ أيْضًا. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]

قالَ الصّاغانِيُّ: وفي اشْتِقاقِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذَّرْءِ ووَزْنُها فَعُولَةٌ أوْ فَعِيلَةٌ. والثّانِي: أنَّها مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ ذَرَّهم في الأرْضِ. ووَزْنُها فَعِيلَةٌ أوْ فَعُولَةٌ أيْضًا. وأصْلُها: ذَرُورَةٌ، فَقُلِبَتْ الرّاءُ الثّالِثَةُ ياءً كَما في: تَقَضَّتْ العِقابَ. كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.

﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةٍ. أيْ: اصْطَفى الآلَيْنِ، حالٌ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً مُتَسَلْسِلَةً البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في وِراثَةِ الِاصْطِفاءِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِتَقْرِيرِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ. أيْ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها... إلَخْ. واِمْرَأةُ عِمْرانَ هَذِهِ هي أُمُّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

فائِدَةٌ:

قالَ العَلّامَةُ النُّورِيُّ في (غَيْثِ النَّفْعِ): ﴿امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ رُسِمَتْ بِالتّاءِ، وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِن لَفْظِ امْرَأةٍ فَبِالهاءِ. سَبْعَةُ مَواضِعَ، هَذا الأوَّلُ، والثّانِي والثّالِثُ بِيُوسُفَ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ﴾ [يوسف: ٣٠] ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ﴾ [يوسف: ٥١] والرّابِعُ بِالقَصَصِ ﴿(امْرَأتُ فِرْعَوْنَ )﴾ [القصص: ٩] والخامِسُ والسّادِسُ والسّابِعُ بِالتَّحْرِيمِ ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] و﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] فَلَوْ وُقِفَ عَلَيْها، فالمَكِّيُّ والنَّحْوِيّانِ يَقِفُونَ بِالهاءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ. انْتَهى.

﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ. أوْ خادِمًا يَخْدِمُ في مُتَعَبَّداتِكَ، حَرَّرَهُ جَعَلَهُ نَذِيرًا في خِدْمَةِ المَعْبَدِ ما عاشَ، لا يَسَعُهُ تَرْكُهُ في دِينِهِ عَنْ الزَّجّاجِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نَذْرِ الأُمِّ بِوَلَدِها، وأنَّ لِلْأُمِّ الِانْتِفاعَ بِالوَلَدِ الصَّغِيرِ لِمَنافِعِ نَفْسِها، لِذَلِكَ جَعَلَتْهُ لِلْغَيْرِ. والمَعْنى: نَذَرْتُهُ وقْفًا عَلى طاعَتِكَ، لا أشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِي. قالَ أبُو مَنصُورٍ في (التَّأْوِيلاتِ): جَعَلَتْ ما في بَطْنِها لِلَّهِ خالِصًا، لَمْ تَطْلُبْ مِنهُ اَلِاسْتِئْناسَ بِهِ، ولا ما يَطْمَعُ النّاسُ مِن أوْلادِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الصَّفْوَةِ الَّتِي ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - وهَكَذا الواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ إذا طَلَبَ ولَدًا أنْ يَطْلُبَ لِلَوْجْهِ الَّذِي طَلَبَتْ امْرَأةُ عِمْرانَ وزَكَرِيّا حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وما سَألَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] هَكَذا الواجِبُ أنْ يُطْلَبَ الوَلَدُ، لا ما يَطْلُبُونَ مِنَ الِاسْتِئْناسَ والِاسْتِنْصارَ والِاسْتِعانَةَ بِأمْرِ المَعاشِ بِهِمْ. انْتَهى﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي قُرْبانِي وما جَعَلْتُ لَكَ خالِصًا، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا.

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾

﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِي، وإنَّما أُنِّثَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ أوْ النَّسَمَةِ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ أيْ: وكُنْتُ رَجَوْتُ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وإنَّما تَحَسَّرَتْ أوْ اعْتَذَرَتْ إذْ جَهِلَتْ قَدْرَها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قُرِئَ في السَّبْعِ بِسُكُونِ التّاءِ وضَمِّها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى، إمّا لِدَفْعِ ما يَتَراءى مِن أنَّ قَوْلَها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ قَصَدَتْ بِها إعْلامَ اَللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، فَأُزِيلَتْ الشُّبْهَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ هَذا ما يَتَراءى لِي. وإمّا لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ الِاعْتِراضَ تَعْظِيمٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَوْضُوعِها، وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَجْهِيلٌ لَها بِقَدْرِهِ، أيْ: واَللَّهُ أعْلَمُ بِالنَّفْسِ الَّتِي وضَعَتْها، وما عَلَقَ بِها مِن عَظائِمَ الأُمُورِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أعْنِي: ضَمَّ التّاءَ، فالِاعْتِراضُ مِن كَلامِها، إمّا لِلْوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ كَما اسْتَظْهَرْتُهُ، أوْ لِما ذَكَرُوهُ مِن قَصْدِ الِاعْتِذارِ إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أتَتْ بِمَوْلُودٍ لا يَصْلُحُ لِما نَذَرَتْهُ، أوْ تَسْلِيَةِ نَفْسِها عَلى مَعْنى: لَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرًّا وحِكْمَةً، ولَعَلَّ هَذا الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، إمّا مِن كَلامِهِ تَعالى قَصَدَ بِهِ مَعْذِرَتَها في التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ بِبَيانِ فَضْلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، ولِذا جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلى الرَّغْبَةِ فِيهِ دُونَها لا سِيَّما في هَذا المَقامِ، أعْنِي: مَقامَ قَصْدِ إخْلاصِ النَّذِيرِ لِلْعِبادَةِ. فَإنَّ الذَّكَرَ يَفْضُلُها مِن وُجُوهٍ: مِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ فِيهِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ.

ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ - لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ - لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى، فَإنَّها ضَعِيفَةٌ، لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. ومِنها: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى. فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَقامِ. واللّامُ في (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى هَذا المَلْحَظِ، لِلْجِنْسِ - كَذا ظَهَرَ لِي - وعَلى قَوْلِهِمْ: اللّامُ لِلْعَهْدِ فِيهِما، أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْهُ وتَخَيَّلَتْ فِيهِ كَمالًا، قُصاراهُ أنْ يَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الأحْبارِ، كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها. فَإنَّ دائِرَةَ عِلْمِها وأُمْنِيَتِها لا تَكادُ تُحِيطُ بِما فِيها مِن جَلائِلِ الأُمُورِ. هَذا، وإمّا أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها، والقَصْدُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدُ الِاعْتِذارِ بِبَيانِ أنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ، وصَلاحِيَةِ خِدْمَةِ …

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ: قَبِلَها أوْ تَكَفَّلَ بِها. ولَمْ يَقُلْ: (بِتَقَبُّلٍ)، لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: التَّقَبُّلُ الَّذِي هو التَّرَقِّي في القَبُولِ، والقَبُولُ الَّذِي يَقْتَضِي الرِّضا والإثابَةَ، قالَ المَهايِمِيُّ: بِقَبُولٍ حَسَنٍ يَجْعَلُها فَوْقَ كَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ بِجَعْلِ ذُرِّيَّتِها مِن كِبارِ الأنْبِياءِ - انْتَهى - وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَباتُها مَجازٌ عَنْ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها، أيْ: كالصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. ونَصْبَ زَكَرِيّا مَمْدُودًا أوْ مَقْصُورًا، والفاعِلُ اللَّهُ. أيْ: جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وقائِمًا بِتَدْبِيرِ أُمُورِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أُمَّها أخَذَتْها وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ، ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ، فَتَنافَسُوا فِيها إذْ كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وأحَبَّ كُلٌّ أنْ يَحْظى بِتَرْبِيَتِها، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها، فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيها أقْلامَهم، عَلى أنَّ مَن ثَبَتَ قَلَمُهُ في الماءِ وصَعِدَ فَهو أوْلى بِها، فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَأخَذَها زَكَرِيّا ورَبّاها في حِجْرِ خالَتِها، حَتّى إذا نَشَأتْ وبَلَغَتْ مَبالِغَ النِّساءِ، انْزَوَتْ في مِحْرابِها تَتَعَبَّدُ فِيهِ، وصارَتْ بِحَيْثُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

اَلْأُولى: في مَعْنى المِحْرابِ: في القامُوسِ وشَرْحِهِ ما نَصُّهُ: والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ والمَوْضِعُ العالِي، نَقَلَهُ الهَرَوِيُّ في غَرِيبِهِ عَنْ الأصْمَعِيِّ، قالَ وضّاحُ اليَمَنِ:

؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّما

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ سَيِّدُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها وأشْرَفُها. قالَ: وكَذَلِكَ هو مِنَ المَساجِدِ، وعَنْ الأصْمَعِيِّ: العَرَبُ تُسَمِّي القَصْرَ مِحْرابًا لِشَرَفِهِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِحْرابُ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِي يَفْهَمُهُ النّاسُ مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ مِحْرابَ المَسْجِدِ لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ القَوْمِ. ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ، إذا كانَ بَيْنَهُما بُعْدٌ وتَباغُضٌ. وفي المِصْباحِ: ويُقالُ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المُحارَبَةِ؛ لِأنَّ المُصَلِّيَ يُحارِبُ الشَّيْطانَ ويُحارِبُ نَفْسَهُ بِإحْضارِ قَلْبِهِ، ثُمَّ قالَ: ومَحارِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ هي مَساجِدُهم الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيها. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الكَرامَةِ لِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، كَما وُجِدَ، عِنْدَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾

﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وقِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، سِيقَتْ في تَضاعِيفَ حِكايَةِ مَرْيَمَ، لِما بَيْنَهُما مِن قُوَّةِ الِارْتِباطِ، وشِدَّةِ الِاشْتِباكِ، مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ حِكايَتُها مِن بَيانِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ. فَإنَّ فَضائِلَ بَعْضِ الأقْرِباءِ أدِلَّةٌ عَلى فَضائِلِ الآخَرِينَ، و: (هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ، حَيْثُ هو عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، إذْ يُسْتَعارُ (هُنا وثُمَّتَ وحَيْثُ) لِلزَّمانِ، دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ لَمّا رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ عَلى اللَّهِ ومَنزِلَتِها مِنهُ تَعالى، رَغِبَ في أنْ يَكُونَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ أُخْتِها في النَّجابَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وإنْ كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا كَذا في أبِي السُّعُودِ والذُّرِّيَّةُ هُنا الوَلَدُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْها قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] قَوْلُهُ: ﴿طَيِّبَةً﴾ بِمَعْنى: مُطِيعَةً لَكَ، لِأنَّ ذَلِكَ طَلِبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ كَما سَبَقَ إيضاحُهُ في آيَةِ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ [آل عمران: ٣٥] إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ، وقَدْ أجابَهُ الحَقُّ تَعالى، فَأرْسَلَ إلَيْهِ المَلائِكَةَ مُبَشِّرَةً كَما قالَ تَعالى:

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَتِنا: ﴿بِيَحْيى﴾ وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ بِكَسْرِ: (إنَّ) وفَتْحِها، ولَفْظُ يَحْيى مُعْرَّبٌ عَنْ يُوحَنّا اِسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ. ومَعْنى يُوحَنّا: نِعْمَةُ الرَّبِّ، كَما في تَأْوِيلِ أسْماءِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنَبِيٍّ خُلِقَ بِكَلِمَةِ (كُنْ) مِن غَيْرِ أبٍ. يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فَيُصَدِّقُهُ هو. وذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وسَيِّدًا﴾ أيْ: يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم: ﴿وحَصُورًا﴾ أيْ: لا يَقْرَبُ النِّساءَ حَصْرًا لِنَفْسِهِ، أيْ: مَنعًا لَها عَنْ الشَّهَواتِ عِفَّةً وزُهْدًا واجْتِهادًا في الطّاعَةِ: ﴿ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنهم؛ لِأنَّهُ مِن أصْلابِهِمْ. أوْ كائِنًا مِن جُمْلَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] ولَمّا تَحَقَّقَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ البِشارَةَ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِن وُجُودِ الوَلَدِ مِنهُ بَعْدَ الكِبَرِ.

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾

﴿قالَ رَبِّ أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ: ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ: أدْرَكَنِي الكِبَرُ الكامِلُ المانِعُ مِنَ الوِلادَةِ فَأضْعَفَنِي: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ: ذاتُ عُقْرٍ، فَهو عَلى النَّسَبِ، وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ: مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ تاءَ التَّأْنِيثِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ يَكُونُ لَكَ الوَلَدُ عَلى الحالِ الَّتِي أنْتَ وزَوْجَتُكَ عَلَيْها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، بَلْ: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَتَعاظَمُهُ أمْرٌ. وفي إعْرابِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أوْجُهٌ. مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ. ومِنها أنَّ الكافَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها في الأصْلِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ فِعْلًا مِن ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ.

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.