Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 31–40 of 200

31

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, [O Muhammad], "If you should love Allah, then follow me, [so] Allah will love you and forgive you your sins. And Allah is Forgiving and Merciful."

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] هذه الآية يسميها بعض السلف آية المحنة؛ يعني آية الاختبار والامتحان، وذلك أن قومًا ادَّعوا أنهم يحبون الله، فأمر الله نبيه أن يتحداهم بهذا الميزان؛ وهو إن كانوا صادقين فليتبعوا الرسول ﷺ سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنافقين، المهم أي واحد يدعي أنه يحب الله فهذا الميزان ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨] إذا كانوا صادقين فليتبعوا الرسول، أما مجرد دعوى:

فَكُـــــلٌّ يَدَّعِــــي وَصْــــلًالِلَيْلَــــــــــــــــــــــــى ∗∗∗ وَلَيْلَــــى لَا تُقِــــرُّ لَهُــــمْبِــــــــــــــــــــــــــــذَاكَ

كل يدعي أنه يحب الله؛ لأن الدعوى سهلة، لكن الكلام على البينة، البينة على المدعي، إذا كانوا يحبون الله حقًّا فليتبعوا النبي ﷺ لينالوا ما هو أعظم من دعواهم وهو محبة الله لهم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ فالشأن ليس أن تُحِبّ، الشأن أن تُحَبّ هذه هي الثمرة، أما أن تُحِب ولا تُحَب فهذا عداء، انظروا إلى بريرة ومغيث؛ بريرة تبغض مغيثًا ومغيث يحبها، عُذِّب بحبها ولَّا لا؟ نعم عُذِّب لما عتقت خيَّرها النبي ﷺ قال: «اخْتَارِي نَفْسَكِ»، قالت: والله ما أبغي الرجل، زوجها، لكن أعتقته، فطلبت الخيار لنفسها والشرع يمكّنها من ذلك، فكان زوجها يبكي وراءها في السوق في أزقة المدينة يطلب أن لا تختار، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: اشفع لي يا رسول الله عندها، فكلمها النبي ﷺ قال: «ارْجِعِي إِلَى مُغِيثٍ»، قالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة - لله درُّها - وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيهأخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس..

«إِنْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي فَسَمْعًا وَطَاعَةً -لله دَرُّها- وَإْنْ كُنْتَ تُشِيرُ عَلَيَّ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: «بَلْ أُشِيرُ»، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ »أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس نحوًا من هذا اللفظ.، يعني: لم تقبل ولا شفاعة النبي ﷺ، ولم ترحم الرجل اللي يمشي وراءها يبكي في الأسواق، إذن الشأن أن يكون الإنسان محبًّا أو أن يكون محبوبًا؟

* الطلبة: محبوبًا.

* الشيخ: أن يكون محبوبًا؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران 31] ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا في دعواكم المحبة، قال: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾.

نقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، وقد مر علينا غير مرة أن النبي ﷺ إذا وجه إليه (قل) في القرآن فهو دليل على العناية بهذا القول الذي أمر أن يقوله؛ لأن هذا أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول، أما القرآن كله فقد أمر أن يقوله كله، لكن بعض الأشياء يخص، يقال: (قل)، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨] وما أشبه ذلك، هذا أمر بتبليغ هذا الشيء الخاص بعينه، فيكون في ذلك توكيد ودليل على العناية به، وهذه لا شك أنه يجب الاعتناء بها، يجيء إنسان يقول: والله أنا أحب الله، أنا حبيب الله، فيغر العامة، فيقال: الحمد لله، ننظر، كما يدعي الآن في الوقت الحاضر أناس أنهم أولياء لله، ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، نقول له: تمن الموت؟ لا، هذا لليهود ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة ٦]، لكن نمتحنه بما دون ذلك، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو أيش؟

* الطلبة: صادق.

* الشيخ: صادق، هل هو …

Aal-i-Imraan 3:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "Obey Allah and the Messenger." But if they turn away - then indeed, Allah does not like the disbelievers.

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، و﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة ما هي؟ الطاعة هي: عبارة عن الانقياد والموافقة، سواء كانت في فعل أو في ترك، فإن كانت أمرًا، فالطاعة فعل المأمور به، وإن كانت نهيًا، فالطاعة اجتناب المنهي عنه، هذه الطاعة.

وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أتى بالواو الدالة على التشريك؛ لأن طاعة الرسول ﷺ فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، طاعته فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، وأما فيما لا يأمر به من الشريعة، فلا شك أنه أعظم الناس حقًّا علينا، ولكن قد يشير بالشيء ولا يلزم أو قد يشفع في الشيء ولا يلزم طاعته في الشفاعة، كما مر علينا في قصة بَرِيرة حيث قالت: «يا رسول الله، إن كنت تأمُرُني فسَمْعًا وطاعةً، إن كنتَ تُشير علي فلا حاجة لي فيه »سبق تخريجه..

أما طاعة الرسول فيما يأمر به من شرع الله، فإنها كطاعة الله سواء، فإذا أمر عليه الصلاة والسلام بشيء، فإن طاعته طاعة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاءت الواو ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وانظر إلى الأمر الشرعي حتى في الإتيان ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إتيان شرعي لا قدري، في الأمور القدرية ما يمكن أن يشرَّك الرسول مع الله بالواو، في الأمور الشرعية يشرَّك؛ لأن النبي ﷺ لا يشرع إلا بشرع الله؛ ولهذا قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.

وقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ (أل) فيها للعهد وليست للاستغراق، فمن المعهود؟

* طالب: النبي محمد ﷺ.

* الشيخ: المعهود رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله، وهذا العهد ذهني ليس حضوريًّا ولا ذِكريًّا؛ لأن العهود ثلاثة: عهد ذكري، وذهني، وحضوري، فإذا قلت: أكرم هذا الرجل؟

* الطلبة: حضوري.

* الشيخ: هذا حضوري، وإذا قلت: رأيت رجلًا فدعوتُ الرجل؟

* الطلبة: ذكري.

* الشيخ: هذا ذكري، وإذا قلت: جاء القاضي؟

* الطلبة: ذهني.

* الشيخ: هذا ذهني، نعم.

يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ والرسول من؟ الرسول عند عامة العلماء: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع يتعبد به ولكن لم يكلف بتبليغه، فآدم نبي؛ لأنه أوحي إليه بشرع لكنه ليس برسول؛ لأنه لم يلزم بتبليغه، لكن ذريته في ذلك الوقت كانوا يتبعونه؛ لأنهم قلة ولم يكثروا فيحصل النزاع بينهم، ولم تفتنهم الدنيا، فكانوا يتبعون أباهم فيما يتعبد به من شريعة الله، فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣]، فصار الرسول أخص من النبي، وعليه فنقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بلفظ النبوة هم أنبياء ورسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، فأفادت الآية الكريمة أن كل من قصه الله علينا في القرآن فهو رسول وإن كان لم يرد ذكره إلا بلفظ النبوة.

يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني: أعرضوا عن الطاعة ولم يمتثلوا لها ولم ينقادوا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ إن تولوا عن طاعة الله فإن هذا كفر، كفر منهم، ولكنه قد يكون مخرجًا من الإسلام وقد لا يكون مخرجًا، كيف؟ إن كان كفرًا مطلقًا بكل ما أمروا به، فهو كفر مخرج عن الإسلام، وإن كان كفرًا مقيدًا ببعض الأوامر، فهو كفر دون كفر لا يخرج من الإسلام، والميزان في ذلك النصوص، فما دلت النصوص على أنه كفر كان التولي به كفرًا مخرجًا عن الملة، وما دلت النصوص على أنه معصية فهو كفر لا يخرج من الملة.

وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بماذا نفسر …

Aal-i-Imraan 3:32Listen in Qur'an →
33

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, Allah chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of 'Imran over the worlds -

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

أولًا: أظن أننا كملنا الفوائد السابقة لم يبق شيء.

قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة كما نشاهد جملة مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥] يعني: ومن الناس رسلًا، فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا، وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله، كما يقوله أهل الإلحاد، ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤]، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١]، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن زعم غير ذلك فهو كافر، مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتي أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي، فإن قوله غير مقبول، لماذا؟ لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم -كما نعلم- بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح.

وسمي آدم قيل: لأُدمته، يعني: لأن لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك، وخلقه الله عز وجل على صورته، أي: على صورة الله عز وجل تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته ونؤمن بأنه ليس مثله،

فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟

فالجواب: يمكن هذا، يمكن هذا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ أَوْلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.، ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل، يعني: ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجملة والبهاء والنور، كالقمر ليلة البدر، ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا، وإذا كان الجمع ممكنًا بين المخلوقات بعضها مع بعض، أي: أن الشيء يكون على صورة الشيء بدون مماثلة، فإمكان ذلك بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وقوله: وخلقه الله على صورته، وأسجد له ملائكته إكرامًا له، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ …

Aal-i-Imraan 3:33Listen in Qur'an →
34

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Descendants, some of them from others. And Allah is Hearing and Knowing.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

أولًا: أظن أننا كملنا الفوائد السابقة لم يبق شيء.

قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة كما نشاهد جملة مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥] يعني: ومن الناس رسلًا، فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا، وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله، كما يقوله أهل الإلحاد، ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤]، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١]، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن زعم غير ذلك فهو كافر، مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتي أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي، فإن قوله غير مقبول، لماذا؟ لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم -كما نعلم- بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح.

وسمي آدم قيل: لأُدمته، يعني: لأن لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك، وخلقه الله عز وجل على صورته، أي: على صورة الله عز وجل تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته ونؤمن بأنه ليس مثله،

فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟

فالجواب: يمكن هذا، يمكن هذا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ أَوْلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.، ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل، يعني: ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجملة والبهاء والنور، كالقمر ليلة البدر، ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا، وإذا كان الجمع ممكنًا بين المخلوقات بعضها مع بعض، أي: أن الشيء يكون على صورة الشيء بدون مماثلة، فإمكان ذلك بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وقوله: وخلقه الله على صورته، وأسجد له ملائكته إكرامًا له، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ …

Aal-i-Imraan 3:34Listen in Qur'an →
35

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

[Mention, O Muhammad], when the wife of 'Imran said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:

وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟

فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟

هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].

﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.

وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.

فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟

فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟

الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.

﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.

تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟

* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.

* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.

وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل. …

Aal-i-Imraan 3:35Listen in Qur'an →
36

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allah was most knowing of what she delivered, "And the male is not like the female. And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allah]."

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:

وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟

فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟

هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].

﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.

وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.

فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟

فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟

الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.

﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.

تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟

* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.

* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.

وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل. …

Aal-i-Imraan 3:36Listen in Qur'an →
37

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allah. Indeed, Allah provides for whom He wills without account."

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:

وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟

فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟

هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].

﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.

وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.

فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟

فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟

الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.

﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.

تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟

* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.

* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.

وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل. …

Aal-i-Imraan 3:37Listen in Qur'an →
38

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.

﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.

﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.

﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.

قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:

وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ

المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.

فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.

﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا …

Aal-i-Imraan 3:38Listen in Qur'an →
39

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allah gives you good tidings of John, confirming a word from Allah and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.

﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.

﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.

﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.

قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:

وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ

المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.

فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.

﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا …

Aal-i-Imraan 3:39Listen in Qur'an →
40

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" The angel said, "Such is Allah; He does what He wills."

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.

﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.

﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.

﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.

قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:

وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ

المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.

فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.

﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا …

Aal-i-Imraan 3:40Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.