Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

﴿الم﴾ .

لَمّا كانَ أوَّلُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، هو قَضِيَّةٌ مُجادَلَةِ نَصارى نَجْرانَ حِينَ وفَدُوا إلى المَدِينَةِ، وبَيانُ فَضْلِ الإسْلامِ عَلى النَّصْرانِيَّةِ، لا جَرَمَ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، المَرْمُوزِ بِها إلى تَحَدِّي المُكَذِّبِينَ بِهَذا الكِتابِ، وكانَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، ثُمَّ لِلنَّصارى مِنَ العَرَبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ سَكَنُوا بِلادَ العَرَبِ فَتَكَلَّمُوا بِلِسانِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مَعْدُودِينَ مِن أهْلِ اللِّسانِ، ويَنْدُرُ فِيهِمُ البُلَغاءُ بِالعَرَبِيَّةِ مِثْلُ السَّمَوْألِ، وهَذا وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] تَمْهِيدٌ لِما نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهِ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِذَلِكَ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعانِي (الم) أوَّلَ البَقَرَةِ.

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

صفحة ١٤٧

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] .

ابْتُدِئَ الكَلامُ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ خَبَرُهُ فِعْلِيٌّ: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ.

وجِيءَ بِالِاسْمِ العَلَمِ: لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ عِنْدَ سَماعِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً أوْ حالِيَّةً، رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى النَّصارى خاصَّةً. وأُتْبِعَ بِالوَصْفَيْنِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ لِنَفْيِ اللَّبْسِ عَنْ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ، والإيماءِ إلى وجْهِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَأْهِلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أوْ غَيْرُ قَيُّومٍ، فالأصْنامُ لا حَياةَ لَها، وعِيسى في اعْتِقادِ النَّصارى قَدْ أُمِيتَ، فَما هو الآنَ بِقَيُّومٍ، ولا هو في حالِ حَياتِهِ بِقَيُّومٍ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ، وكَيْفَ وقَدْ أُوذِيَ في اللَّهِ، وكُذِّبَ، واخْتَفى مِن أعْدائِهِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ في تَفْسِيرِ آيَةِ الكُرْسِيِّ.

وقَوْلُهُ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ ونِكايَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، أوْ لِلدَّلالَةِ - مَعَ ذَلِكَ - عَلى الِاخْتِصاصِ: أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ. إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ القُرْآنَ مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، أوْ مِن طَرائِقِ الكِهانَةِ، أوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.

والتَّضْعِيفُ في (نَزَّلَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَهو يُساوِي الهَمْزَ في (أنْزَلَ) وإنَّما التَّضْعِيفُ يُؤْذِنُ بِقُوَّةِ الفِعْلِ في كَيْفِيَّتِهِ أوْ كَمِّيَّتِهِ، في الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ التَّضْعِيفِ، مِن أجْلِ أنَّهم قَدْ أتَوْا بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: فَسَرَ وفَسَّرَ، وفَرَقَ وفَرَّقَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ، كَما أتَوْا بِأفْعالٍ قاصِرَةٍ بِصِيغَةِ المُضاعَفَةِ، دُونَ تَعْدِيَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: ماتَ ومَوَّتَ وصاحَ وصَيَّحَ. فَإمّا إذا صارَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَلا أُوقِنُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الفِعْلِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزِ، إلى التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ، لِقَصْدِ ما عُهِدَ في التَّضْعِيفِ مِن تَقْوِيَةِ مَعْنى الفِعْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ

صفحة ١٤٨

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أهَمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في المُقَدَّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ هُنا وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، أنْ قالَ: إنَّ ”نَزَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ وإنَّ ”أنْزَلَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَيْنِ أُنْزِلا جُمْلَةً واحِدَةً وهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَعْنى التَّقْوِيَةِ المُدَّعى لِلْفِعْلِ المُضاعَفِ، إلّا أنْ يَعْنِيَ أنَّ ”نَزَّلَ“ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّكْثِيرِ، وهو التَّوْزِيعُ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فَجَمَعَ بَيْنَ التَّضْعِيفِ وقَوْلِهِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . وأزِيدُ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ نَزَلا مُفَرَّقَيْنَ كَشَأْنِ كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

صفحة ١٤٧

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] .

ابْتُدِئَ الكَلامُ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ خَبَرُهُ فِعْلِيٌّ: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ.

وجِيءَ بِالِاسْمِ العَلَمِ: لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ عِنْدَ سَماعِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً أوْ حالِيَّةً، رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى النَّصارى خاصَّةً. وأُتْبِعَ بِالوَصْفَيْنِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ لِنَفْيِ اللَّبْسِ عَنْ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ، والإيماءِ إلى وجْهِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَأْهِلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أوْ غَيْرُ قَيُّومٍ، فالأصْنامُ لا حَياةَ لَها، وعِيسى في اعْتِقادِ النَّصارى قَدْ أُمِيتَ، فَما هو الآنَ بِقَيُّومٍ، ولا هو في حالِ حَياتِهِ بِقَيُّومٍ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ، وكَيْفَ وقَدْ أُوذِيَ في اللَّهِ، وكُذِّبَ، واخْتَفى مِن أعْدائِهِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ في تَفْسِيرِ آيَةِ الكُرْسِيِّ.

وقَوْلُهُ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ ونِكايَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، أوْ لِلدَّلالَةِ - مَعَ ذَلِكَ - عَلى الِاخْتِصاصِ: أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ. إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ القُرْآنَ مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، أوْ مِن طَرائِقِ الكِهانَةِ، أوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.

والتَّضْعِيفُ في (نَزَّلَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَهو يُساوِي الهَمْزَ في (أنْزَلَ) وإنَّما التَّضْعِيفُ يُؤْذِنُ بِقُوَّةِ الفِعْلِ في كَيْفِيَّتِهِ أوْ كَمِّيَّتِهِ، في الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ التَّضْعِيفِ، مِن أجْلِ أنَّهم قَدْ أتَوْا بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: فَسَرَ وفَسَّرَ، وفَرَقَ وفَرَّقَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ، كَما أتَوْا بِأفْعالٍ قاصِرَةٍ بِصِيغَةِ المُضاعَفَةِ، دُونَ تَعْدِيَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: ماتَ ومَوَّتَ وصاحَ وصَيَّحَ. فَإمّا إذا صارَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَلا أُوقِنُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الفِعْلِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزِ، إلى التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ، لِقَصْدِ ما عُهِدَ في التَّضْعِيفِ مِن تَقْوِيَةِ مَعْنى الفِعْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ

صفحة ١٤٨

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أهَمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في المُقَدَّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ هُنا وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، أنْ قالَ: إنَّ ”نَزَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ وإنَّ ”أنْزَلَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَيْنِ أُنْزِلا جُمْلَةً واحِدَةً وهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَعْنى التَّقْوِيَةِ المُدَّعى لِلْفِعْلِ المُضاعَفِ، إلّا أنْ يَعْنِيَ أنَّ ”نَزَّلَ“ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّكْثِيرِ، وهو التَّوْزِيعُ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فَجَمَعَ بَيْنَ التَّضْعِيفِ وقَوْلِهِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . وأزِيدُ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ نَزَلا مُفَرَّقَيْنَ كَشَأْنِ كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُمَهَّدٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] لِأنَّ نَفْسَ السّامِعِ تَتَطَلَّعُ إلى مَعْرِفَةِ عاقِبَةِ الَّذِينَ أنْكَرُوا هَذا التَّنْزِيلَ.

وشَمَلَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ والنَّصارى في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ جَمِيعَهُمُ اشْتَرَكُوا في الكُفْرِ بِالقُرْآنِ، وهو المُرادُ بِآياتِ اللَّهِ هُنا؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الوَحِيدُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ. وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيجازًا؛ لِأنَّ الصِّلَةَ تَجْمَعُهم، والإيماءُ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ مِن تَكْمِلَةِ هَذا الِاسْتِئْنافِ: لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ التَّبْيِينِ لِشِدَّةِ عَذابِهِمْ؛ إذْ هو عَذابُ عَزِيزٍ مُنْتَقِمٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] .

صفحة ١٥١

والعَزِيزُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] .

والِانْتِقامُ: العِقابُ عَلى الِاعْتِداءِ بِغَضَبٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْكارِهِ: ناقِمٌ. وجِيءَ في هَذا الوَصْفِ بِكَلِمَةِ (ذُو) الدّالَّةِ عَلى المُلْكِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ انْتِقامٌ عَنِ اخْتِيارٍ لِإقامَةِ مَصالِحِ العِبادِ ولَيْسَ هو تَعالى مُنْدَفِعًا لِلِانْتِقامِ بِدافِعِ الطَّبْعِ أوِ الحِنْقِ.

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِوَصْفِ الحَيِّ لِأنَّ عُمُومَ العِلْمِ يُبَيِّنُ كَمالَ الحَياةِ.

وجِيءَ بِـ ”شَيْءٌ“ هُنا لِأنَّهُ مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ قُصِدَ مِنهُ عُمُومُ أمْكِنَةِ الأشْياءِ، فالمُرادُ هُنا مِنَ الأرْضِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما فِيها مِن بِحارٍ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُ السَّماواتِ: وهي العَوالِمُ المُتَباعِدَةُ عَنِ الأرْضِ. وابْتُدِئَ في الذِّكْرِ بِالأرْضِ لِيَتَسَنّى التَّدَرُّجُ في العَطْفِ إلى الأبْعَدِ في الحُكْمِ؛ لِأنَّ أشْياءَ الأرْضِ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، أمّا أشْياءُ السَّماءِ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ بَعْضَها فَضْلًا عَنْ عِلْمِ جَمِيعِها.

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

﴿هو الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ يُبَيِّنُ شَيْئًا مِن مَعْنى القَيُّومِيَّةِ، فَهو كَبَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وخُصَّ مِن بَيْنِ شُئُونِ القَيُّومِيَّةِ تَصْوِيرُ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ مِن أعْجَبِ مَظاهِرِ القُدْرَةِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ عِيسى مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ صَوَّرَهُ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الكَيْفِيّاتِ العارِضَةَ لِلْمَوْجُوداتِ كُلَّها مِن صُنْعِ اللَّهِ وتَصْوِيرِهِ: سَواءٌ المُعْتادُ، وغَيْرُ المُعْتادِ.

و”كَيْفَ“ هُنا لَيْسَ فِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ مَعْنى الكَيْفِيَّةِ؛ أيِ الحالَةِ، فَهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في أصْلِها المَوْضُوعَةِ لَهُ في اللُّغَةِ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ

صفحة ١٥٢

”كَيْفَ“ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُرُوفِ مادَّةِ الكَيْفِيَّةِ والتَّكَيُّفِ، وهو الحالَةُ والهَيْئَةُ، وإنْ كانَ الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ تَكُونَ اسْمَ اسْتِفْهامٍ، ولَيْسَتْ ”كَيْفَ“ فِعْلًا؛ لِأنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى الزَّمانِ، ولا حَرْفًا لِاشْتِمالِها عَلى مادَّةِ اشْتِقاقٍ. وقَدْ تَجِيءُ (كَيْفَ) اسْمَ شَرْطٍ إذا اتَّصَلَتْ بِها ”ما“ الزّائِدَةُ. وفي كُلِّ ذَلِكَ لا تُفارِقُها الدَّلالَةُ عَلى الحالَةِ، ولا يُفارِقُها إيلاءُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إيّاها إلّا ما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: كَيْفَ أنْتَ. فَإذا كانَتِ اسْتِفْهامًا فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، فَتَكُونُ مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، مُلْتَزَمًا تَقْدِيمُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، وإذا جُرِّدَتْ عَنِ الِاسْتِفْهامِ كانَ مَوْقِعُها مِنَ الإعْرابِ عَلى حَسَبِ ما يَطْلُبُهُ الكَلامُ الواقِعَةُ هي فِيهِ مِنَ العَوامِلِ كَسائِرِ الأسْماءِ.

وأمّا الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها - حِينَئِذٍ - فالأظْهَرُ أنْ تُعْتَبَرَ مُضافًا إلَيْها اسْمُ ”كَيْفَ“ . ويُعْتَبَرُ ”كَيْفَ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. وجَرى في كَلامِ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ فَتْحَةَ ”كَيْفَ“ فَتْحَةَ بِناءٍ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ فَتْحَةَ (كَيْفَ) فَتْحَةُ نَصْبٍ لَزِمَتْها لِأنَّها دائِمًا مُتَّصِلَةٌ بِالفِعْلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لَهُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ نَحْوِها، فَلِمُلازَمَةِ ذَلِكَ الفَتْحِ إيّاها أشْبَهَتْ فَتْحَةَ البِناءِ.

فَـ (كَيْفَ) في قَوْلِهِ هُنا ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ يُعْرَبُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ ”يُصَوِّرُكم“، إذِ التَّقْدِيرُ: حالُ تَصْوِيرٍ يَشاؤُها. كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٦] .

وجَوَّزَ صاحِبُ ”المُغْنِي“ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ”يُصَوِّرُكم“ عَلَيْهِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّها لا تَأْتِي في الشَّرْطِ إلّا مُقْتَرِنَةً بِـ (ما) . وأمّا قَوْلُ النّاسِ (كَيْفَ شاءَ فَعَلَ) فَلَحْنٌ. وكَذَلِكَ جَزْمُ الفِعْلِ بَعْدَها قَدْ عُدَّ لَحْنًا عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ.

ودَلَّ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ عَلى قَصْرِ صِفَةِ التَّصْوِيرِ عَلَيْهِ تَعالى، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الواقِعِ؛ إذْ هو مُكَوِّنُ أسْبابِ ذَلِكَ التَّصْوِيرِ، وهَذا إيماءٌ إلى كَشْفِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ تَوَهَّمُوا أنَّ تَخَلُّقَ عِيسى بِدُونِ ماءِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بَشَرٍ وأنَّهُ إلَهٌ وجَهِلُوا أنَّ التَّصْوِيرَ في الأرْحامِ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيّاتُهُ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خَلْقًا لِما كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ المُصَوَّرُ في الرَّحِمِ إلَهًا.

* …

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

﴿هو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ بِإخْبارٍ عَنْ شَأْنٍ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، مُتَعَلِّقٌ بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ: وهو تَحْقِيقُ إنْزالِهِ القُرْآنَ والكِتابَيْنِ مِن قَبْلِهِ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ لِأنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ وفْدِ نَجْرانَ، وصُدِّرَتْ بِإبْطالِ عَقِيدَتِهِمْ في إلَهِيَّةِ المَسِيحِ: بِالإشارَةِ إلى أوْصافِ الإلَهِ الحَقَّةِ. تَوَجَّهَ الكَلامُ هُنا إلى إزالَةِ شُبْهَتِهِمْ في شَأْنِ زَعْمِهِمُ اعْتِرافَ نُصُوصِ القُرْآنِ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ؛ إذْ وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ رُوحُ اللَّهِ؛ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ فَنُودِيَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما تَعَلَّقُوا بِهِ تَعَلُّقَ اشْتِباهٍ وسُوءِ تَأْوِيلٍ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قَصْرُ صِفَةِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى اللَّهِ تَعالى: لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مَعَ كَوْنِها تَأْكِيدًا وتَمْهِيدًا، إبْطالًا أيْضًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] . وكَقَوْلِهِ ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: هو قَوْلُ كاهِنٍ، وقَوْلُ شاعِرٍ، واعْتَقَدُوا أنَّ أقْوالَ الكُهّانِ وأقْوالَ الشُّعَراءِ مِن إمْلاءِ الأرْئِياءِ (جَمْعِ رَئِيٍّ) .

صفحة ١٥٤

ومِن بَدائِعِ البَلاغَةِ أنْ ذَكَرَ في القَصْرِ فِعْلَ ”أنْزَلَ“، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى ولَوْ بِدُونِ صِيغَةِ القَصْرِ، إذِ الإنْزالُ يُرادِفُ الوَحْيَ ولا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، بِخِلافِ ما لَوْ قالَ: هو الَّذِي آتاكَ الكِتابَ.

وضَمِيرُ ”مِنهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ. و(مِنهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ.

والإحْكامُ في الأصْلِ المَنعُ؛ قالَ جَرِيرٌ:

أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا

واسْتُعْمِلَ الإحْكامُ في الإتْقانِ والتَّوْثِيقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَطَرُّقَ ما يُضادُّ المَقْصُودَ، ولِذا سُمِّيَتِ الحِكْمَةُ حِكْمَةً، وهو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ.

وأُطْلِقَ المُحْكَمُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ في وُضُوحِ الدَّلالَةِ مَنعًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمالاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّرَدُّدِ في المُرادِ.

وأُطْلِقَ المُتَشابِهَ هُنا عَلى خَفاءِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنى، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ تَطَرُّقَ الِاحْتِمالِ في مَعانِي الكَلامِ يُفْضِي إلى عَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدِ الِاحْتِمالاتِ، وذَلِكَ مِثْلُ تَشابُهِ الذَّواتِ في عَدَمِ تَمْيِيزِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أُمُّ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وما يَنْضَمُّ إلَيْهِ كَثِيرُهُ وتَتَفَرَّعُ عَنْهُ فُرُوعُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ خَرِيطَةُ الرَّأْسِ الجامِعَةُ لَهُ: أُمَّ الرَّأْسِ وهي الدِّماغُ، وسُمِّيَتِ الرّايَةُ الأُمَّ؛ لِأنَّ الجَيْشَ يَنْضَوِي إلَيْها، وسُمِّيَتِ المَدِينَةُ العَظِيمَةُ أُمَّ القُرى، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الأُمَّ حَقِيقَةً في الوالِدَةِ، وهي أصْلٌ لِلْمَوْلُودِ وجامِعٌ لِلْأوْلادِ في الحَضانَةِ، فَبِاعْتِبارِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أُطْلِقَ اسْمُ …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

دُعاءٌ عُلِّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ: لِأنَّ المَوْقِعَ المَحْكِيَّ مَوْقِعُ عِبْرَةٍ ومَثارٍ لِهَواجِسِ الخَوْفِ مِن سُوءِ المَصِيرِ إلى حالِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَما هم إلّا مِن عُقَلاءِ البَشَرِ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرّاسِخِينَ، في الإنْسانِيَّةِ، ولا في سَلامَةِ العُقُولِ والمَشاعِرِ، فَما كانَ ضَلالُهم إلّا مِن حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ، واللُّطْفَ، ووَسائِلَ الِاهْتِداءِ.

وقَدْ عُلِمَ مِن تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآياتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما قُصِدَ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّ مِنهُ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا - إيقاظَ الأُمَّةِ إلى ذَلِكَ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدَبُّرِ كِتابِها: تَحْذِيرًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ، الَّذِي أوْقَعَ الأُمَمَ في كَثِيرٍ مِنهُ وُجُودُ المُتَشابِهاتِ في كُتُبِها، وتَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اتِّباعِ البَوارِقِ الباطِلَةِ مِثْلَ ما وقَعَ فِيهِ بَعْضُ العَرَبِ مِنَ الرِّدَّةِ والعِصْيانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّدَيُّنَ بِالدِّينِ إنَّما كانَ لِأجْلِ وُجُودِ الرَّسُولِ بَيْنَهم، ولِذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو بِهَذِهِ الآيَةِ في صَلاتِهِ مُدَّةَ ارْتِدادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، فَفي المُوَطَّأِ، عَنِ الصُّنابِحِيِّ: أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ

صفحة ١٧٠

وراءَهُ المَغْرِبَ فَقامَ في الثّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى إنَّ ثِيابِي لَتَكادُ تَمَسُّ ثِيابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وهَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ.

فَزَيْغُ القَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ مِن خَلَلٍ في ذاتِهِ، أوْ دَواعٍ مِنَ الخُلْطَةِ أوِ الشَّهْوَةِ، أوْ ضَعْفِ الإرادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الفَضائِلِ المُتَحَلِّيَةِ بِها إلى رَذائِلَ كانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُها النَّفْسُ عَنْها بِما اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ مِن تَعالِيمِ الخَيْرِ المُسَمّاةِ بِالهُدى، ولا يَدْرِي المُؤْمِنُ، ولا العاقِلُ، ولا الحَكِيمُ، ولا المُهَذَّبُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُلُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الشَّقاءِ، وكَذَلِكَ لا يَدْرِي الشَّقِيُّ، ولا المُنْهَمِكُ، الأفِنُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُفُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الإقْلاعِ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِن تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أوْ خُلُقٍ، أوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] ولِذا كانَ دَأْبُ القُرْآنِ قَرْنَ الثَّناءِ بِالتَّحْذِيرِ، والبِشارَةِ بِالإنْذارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ؛ إذْ أسْنَدُوا الهُدى إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنهُ، ولا يَرْجِعُ الكَرِيمُ في عَطِيَّتِهِ، وقَدِ اسْتَعاذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ.

و ”إذْ“: اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَصَرِّفٌ، وهي هُنا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا؛ لِأنَّها لَمّا أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ كانَتْ في مَعْنى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ كانَتْ فِيها شائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَما هي في يَوْمَئِذٍ وحِينَئِذٍ، أيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدايَتِكَ إيّانا.

وقَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طَلَبُوا أثَرَ …

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

دُعاءٌ عُلِّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ: لِأنَّ المَوْقِعَ المَحْكِيَّ مَوْقِعُ عِبْرَةٍ ومَثارٍ لِهَواجِسِ الخَوْفِ مِن سُوءِ المَصِيرِ إلى حالِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَما هم إلّا مِن عُقَلاءِ البَشَرِ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرّاسِخِينَ، في الإنْسانِيَّةِ، ولا في سَلامَةِ العُقُولِ والمَشاعِرِ، فَما كانَ ضَلالُهم إلّا مِن حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ، واللُّطْفَ، ووَسائِلَ الِاهْتِداءِ.

وقَدْ عُلِمَ مِن تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآياتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما قُصِدَ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّ مِنهُ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا - إيقاظَ الأُمَّةِ إلى ذَلِكَ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدَبُّرِ كِتابِها: تَحْذِيرًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ، الَّذِي أوْقَعَ الأُمَمَ في كَثِيرٍ مِنهُ وُجُودُ المُتَشابِهاتِ في كُتُبِها، وتَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اتِّباعِ البَوارِقِ الباطِلَةِ مِثْلَ ما وقَعَ فِيهِ بَعْضُ العَرَبِ مِنَ الرِّدَّةِ والعِصْيانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّدَيُّنَ بِالدِّينِ إنَّما كانَ لِأجْلِ وُجُودِ الرَّسُولِ بَيْنَهم، ولِذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو بِهَذِهِ الآيَةِ في صَلاتِهِ مُدَّةَ ارْتِدادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، فَفي المُوَطَّأِ، عَنِ الصُّنابِحِيِّ: أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ

صفحة ١٧٠

وراءَهُ المَغْرِبَ فَقامَ في الثّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى إنَّ ثِيابِي لَتَكادُ تَمَسُّ ثِيابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وهَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ.

فَزَيْغُ القَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ مِن خَلَلٍ في ذاتِهِ، أوْ دَواعٍ مِنَ الخُلْطَةِ أوِ الشَّهْوَةِ، أوْ ضَعْفِ الإرادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الفَضائِلِ المُتَحَلِّيَةِ بِها إلى رَذائِلَ كانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُها النَّفْسُ عَنْها بِما اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ مِن تَعالِيمِ الخَيْرِ المُسَمّاةِ بِالهُدى، ولا يَدْرِي المُؤْمِنُ، ولا العاقِلُ، ولا الحَكِيمُ، ولا المُهَذَّبُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُلُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الشَّقاءِ، وكَذَلِكَ لا يَدْرِي الشَّقِيُّ، ولا المُنْهَمِكُ، الأفِنُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُفُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الإقْلاعِ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِن تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أوْ خُلُقٍ، أوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] ولِذا كانَ دَأْبُ القُرْآنِ قَرْنَ الثَّناءِ بِالتَّحْذِيرِ، والبِشارَةِ بِالإنْذارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ؛ إذْ أسْنَدُوا الهُدى إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنهُ، ولا يَرْجِعُ الكَرِيمُ في عَطِيَّتِهِ، وقَدِ اسْتَعاذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ.

و ”إذْ“: اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَصَرِّفٌ، وهي هُنا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا؛ لِأنَّها لَمّا أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ كانَتْ في مَعْنى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ كانَتْ فِيها شائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَما هي في يَوْمَئِذٍ وحِينَئِذٍ، أيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدايَتِكَ إيّانا.

وقَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طَلَبُوا أثَرَ …

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

اسْتِئْنافُ كَلامٍ ناشِئٌ عَنْ حِكايَةِ ما دَعا بِهِ المُؤْمِنُونَ: مِن دَوامِ الهِدايَةِ، وسُؤالِ الرَّحْمَةِ، وانْتِظارِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ، بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ. وتَعْقِيبُ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، بِذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ،

صفحة ١٧٢

إيماءٌ إلى أنَّ دَعْوَتَهُمُ اسْتُجِيبَتْ. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المُشْرِكُونَ، وهَذا وصْفٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِنُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُرِيدَ هُنا قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وأهْلُ نَجْرانَ ويُرَجَّحُ هَذا بِأنَّهم ذُكِّرُوا بِحالِ فِرْعَوْنَ دُونَ حالِ عادٍ وثَمُودَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أعْلَقُ بِأخْبارِ فِرْعَوْنَ. كَما أنَّ العَرَبَ أعْلَقُ بِأخْبارِ عادٍ وثَمُودَ، وأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابَيْنِ، ويَكُونَ التَّذْكِيرُ بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ وعِيدَ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ أهَمُّ.

ومَعْنى ”تُغْنِي“ تَجْزِي وتَكْفِي وتَدْفَعُ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ ”عْنَ“ نَحْوَ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .

ولِدَلالَةِ هَذا الفِعْلِ عَلى الإجْزاءِ والدَّفْعِ، كانَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هُنالِكَ شَيْئًا يُدْفَعُ ضُرُّهُ، وتُكْفى كُلْفَتُهُ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَذْكُرُونَ مَعَ هَذا الفِعْلِ مُتَعَلِّقًا ثانِيًا ويُعَدُّونَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”مِن“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِلْبَدَلِ والعِوَضِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ.

وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن أمْرٍ يُضافُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ تَعْلِيقًا ثانِيًا، بِاسْمِ ذاتٍ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا أخَصُّ حالٍ اشْتُهِرَتْ بِهِ، أوْ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ فَيُقَدَّرُ مَعْنى اسْمٍ مُضافٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. والتَّقْدِيرُ هُنا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَتِهِ، إذا كانَتْ ”مِن“ لِلْبَدَلِ وكَذا قَدَّرَهُ في الكَشّافِ، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وعَلى جَعْلِ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تُقَدَّرُ مِن غَضَبِ اللَّهِ، أوْ مِن عَذابِهِ، أيْ غَناءً مُبْتَدِئًا مِن ذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: نَجّاهُ مِن كَذا أيْ فَصَلَهُ مِنهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مَعَ هَذا الفِعْلِ إذا عُدِّيَ بِـ ”عْنَ“ مُماثِلَةً لِـ ”مِنِ“ الواقِعَةِ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ بِـ ”عْنَ“ لِإمْكانِ اخْتِلافِ مَعْنى التَّعَلُّقِ بِاخْتِلافِ مَساقِ الكَلامِ. والغالِبُ أنْ يَأْتُوا بَعْدَ فِعْلِ أغْنى بِلَفْظِ ”شَيْءٍ“ مَعَ ذِكْرِ المُتَعَلِّقَيْنِ كَما في الآيَةِ، وبِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقَيْنِ، كَما في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ، يَوْمَ أسْلَمَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا.

صفحة ١٧٣

وانْتَصَبَ قَوْلُهُ شَيْئًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ غَناءً ضَعِيفًا، بَلْهَ الغَناءَ لَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا …

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.