Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 200

21

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

Those who disbelieve in the signs of Allah and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

ولَمّا أشْرَكَ اليَهُودَ في هَذا الخِطابِ وأفْهَمَ شَرْطُ التَّوَلِّي بِأداةِ الشَّكِّ وُقُوعَهُ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ أشارَ إلَيْهِ واصِفًا لَهم بِبَعْضِ ما اشْتَدَّ فُحْشُهُ مِن أفْعالِهِمْ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُنَزَّلَةً لِتَبْيِينِ ما اشْتَبَهَ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ جَرى ذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ فِيها مُجْمَلًا بِجَوامِعِ مَن ذَكَرَهُمْ، لِأنَّ تَفاصِيلَ أمْرِهِمْ قَدِ اسْتَقْرَأتْهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، فَكانَ أمْرُ أهْلِ التَّوْراةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانًا وأهْلِ الإنْجِيلِ إجْمالًا، وكانَ أمْرُ أهْلِ الإنْجِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ بَيانًا وذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ إجْمالًا، لَمّا كانَ لَبْسُ أهْلِ التَّوْراةِ في الكِتابِ فَوَقَعَ تَفْصِيلُ ذِكْرِهِمْ في سُورَةِ

﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] ولَمّا كانَ اشْتِباهُ أمْرِ أهْلِ الإنْجِيلِ في شَأْنِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فَجاءَ هَذا الذِّكْرُ لِأهْلِ التَّوْراةِ مُعادَلَةً بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِما كَفَرُوا بِالآياتِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في عُزَيْرٍ واخْتَصُّوا بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ أهْلِ الخَيْرِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ في إبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةٌ إلى عَظِيمِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِهِ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الدَّوامِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ الدَّجّالِ فَإنَّهم أتْباعُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ في إشْعارِهِ ما تَمادَوْا عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى كانَ لَهم مَدْخَلٌ في شَهادَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَزَقَهُ اللَّهُ فِيما كانَ يَدْعُو بِهِ حَيْثُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهادَةً في يُسْرٍ مِنكَ وعافِيَةٍ» .

ولَمّا كانَ قَتْلُهم إيّاهم بِدُونِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ لِمَحْضِ الكُفْرِ والعِنادِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مُبَرَّؤُونَ مِن أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قَبْلَهم حَقٌّ دُنْيَوِيٌّ أوْ أُخْرَوِيٌّ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ لا صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا في اعْتِقادِهِمْ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في البَقَرَةِ عَلى عادَةِ أفْعالِ الحُكَماءِ في الِابْتِداءِ بِالأخَفِّ فالأخَفِّ. ولَمّا خَصَّ ذِكْرَ أكْمَلِ الخَلْقِ عَبَّرَ بِما يَعُمُّ أتْباعَهم فَقالَ مُعِيدًا لِلْفِعْلِ زِيادَةً في لَوْمِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ شامِلًا لِمَن لا قُدْرَةَ لَهم عَلى قَتْلِهِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ، سَواءٌ كانُوا أنْبِياءَ أوْ لا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا القَيْدِ زِيادَةَ تَوْبِيخِهِمْ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ جِنْسَهُمُ الَّذِي مِن حَقِّهِمْ أنْ يَأْلَفُوهُ ويَسْعَوْا في بَقائِهِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِأنَّ قَتْلَهم لِمُجَرَّدِ العُدْوانِ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِتَمادِي تَسَلُّطِهِمْ عَلى أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ، فَكانَ في طَيِّهِ إلاحَةٌ لِما اسْتَعْمَلُوا فِيهِ مِن عِلْمِ التَّطَبُّبِ ومُخالَطَتِهِمْ رُؤَساءَ النّاسِ بِالطِّبِّ الَّذِي تَوَسَّلَ كَثِيرٌ مِنهم إلى قَتْلِهِمْ بِهِ عَمْدًا وخَطَأً، لِيَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِمْ …

Aal-i-Imraan 3:21Listen in Qur'an →
22

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

ولَمّا كانَ الحالُ رُبَّما اقْتَضى أنْ يُقالَ مِن بَعْضِ أهْلِ الضَّلالِ: إنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا حِسانًا واجْتِهاداتٍ في الطّاعَةِ عَظِيمَةً، بَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ مُجَرَّدُ صُوَرٍ لا مَعانِيَ لَها لِتَضْيِيعِ القَواعِدِ، كَما أنَّهم هم أيْضًا ذَواتٌ بِغَيْرِ قُلُوبٍ، لِتَقَعَ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأعْمالِ والعامِلِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ أيْ فَسَدَتْ فَسَقَطَتْ، وأشارَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ إلى ضَعْفِها مِن أصْلِها ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيْ كُلُّها الدُّنْياوِيَّةُ والدِّينِيَّةُ، وأنْبَأ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ - أنَّهم يَتَعَقَّبُونَ أعْمالَ خَيْرِهِمْ بِبَغْيٍ يَمْحُوها فَلا يَطْمَعُونَ بِجَزائِها في عاجِلٍ ولا آجِلٍ، وبِذَلِكَ تَمادى عَلَيْهِمُ الذُّلُّ وقَلَّ مِنهُمُ المُهْتَدِي - انْتَهى ﴿والآخِرَةِ﴾ فَلا يُقِيمُ لَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وزْنًا، وأسْقَطَ ذِكْرَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا حَياةَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا يَنْتَصِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ أصْلًا، فَإنَّهم لا يُدَبِّرُونَ تَدْبِيرًا إلّا كانَ فِيهِ تَدْمِيرُهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِوُقُوعِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً لا نُصْرَةَ لَهم فِيها في يَوْمِ النَّصْرِ المَوْعُودِ في سُورَةِ الرُّومِ الَّتِي هي تَفْصِيلٌ مِن مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] فَهم غَيْرُ داخِلِينَ فِيمَن يَنْصُرُ بِما قَدْ ورَدَ أنَّهم ”يُقْتَلُونَ في آخِرِ الزَّمانِ حَتّى يَقُولَ الحَجَرُ: يا مُسْلِمُ ! خَلْفِي يَهُودِيٌّ فاقْتُلْهُ، حَتّى لا يَبْقى مِنهم إلّا مَن يَسْتُرُهُ شَجَرُ الفَرْقَدِ“ كَما قالَ ﷺ: «إنَّهُ مِن شَجَرِهِمْ» وفي إفْهامِهِ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الإنْجِيلِ يَقُومُونَ بِحَقِّهِ، فَيَكُونُونَ مِمَّنْ تَشْمَلُهم نُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ المُسْلِمِينَ، فَتَنْتَسِقُ المِلَّةُ واحِدَةً مِمّا يَقَعُ مِنَ الاجْتِماعِ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:22Listen in Qur'an →
23

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ

Do you not consider, [O Muhammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allah that it should arbitrate between them; then a party of them turns away, and they are refusing.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثَباتَ الأعْمالِ وزَكاءَها إنَّما هو بِاتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ وأمْرِ الَّذِينَ ورِثُوا العِلْمَ عَنْهُ دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الحُبُوطِ وعَدَمِ النَّصْرِ بِما يُشاهَدُ مِن أحْوالِهِمْ في مُنابَذَةِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِأنْ يُقالَ: إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ضَلالَهم عَلى عِلْمٍ، وأنَّ الَّذِي أُوتُوهُ مِنهُ قِراءَتُهم لَهُ بِألْسِنَتِهِمْ وادِّعاءُ الإيمانِ بِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: كِتابُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ، وما أخَذُوا مِن كِتابِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ اخْتِصاصِهِ، فَإنَّهم لَوِ اسْتَوْفَوْا حَظَّهم مِنهُ لَما عَدَلُوا في الحُكْمِ عَنْهُ ولَرَضُوا بِهِ، وكانَ في هَذا التَّعْجِيبِ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم يَرْضى بِحُكْمِ كِتابِهِمْ ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ هم بِهِ. انْتَهى.

﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ أظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ يَقُلْ: إلى كِتابِهِمُ، احْتِرازًا عَمّا غَيَّرُوا وبَدَّلُوا ولِأنَّهم إنَّما دَعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا إلى ما عَساهُ أنْ يَكُونَ بِأيْدِيهِمْ مِمّا غَيَّرُوا - نَبَّهَ عَلَيْهِ الحَرالِّيُّ. وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى عَظِيمِ اجْتِرائِهِمْ بِتَوَلِّيهِمْ عَمَّنْ لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ أنَّ طائِفَةً مِنهم عَلى حَقٍّ مِنهُ، أيْ وهُمُ المُذْعِنُونَ لِذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ اتِّباعُهُ واجِبًا واضِحًا نَفْعُهُ لِمَن جَرَّدَ نَفْسَهُ عَنِ الهَوى عَبَّرَ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: في إمْهالِهِ ما يَدُلُّ عَلى تَلَدُّدِهِمْ وتَبَلُّدِهِمْ في ذَلِكَ بِما يُوقِعُهُ اللَّهُ مِنَ المَقْتِ والتَّحَيُّرِ عَلى مَن دُعِيَ إلى حَقٍّ فَأباهُ، وفي صِيغَةِ يَتَفَعَّلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَلّى﴾ ما يُناسِبُ مَعْنى ذَلِكَ في تَكَلُّفِ التَّوَلِّي عَلى انْجِذابٍ مِن بَواطِنِهِمْ لِما عَرَفُوهُ وكَتَمُوهُ، وصَرَّحَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ بِما أفْهَمَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فَأفْهَمَ أنَّ طائِفَةً مِنهم ثابِتُونَ قائِلُونَ لِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْبَأ قَوْلُهُ المُشِيرُ إلى كَثْرَةِ أفْرادِ هَذا الفَرِيقِ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ بِما سُلِبُوهُ مِن ذَلِكَ التَّرَدُّدِ والتَّكَلُّفِ، فَصارَ وصْفًا لَهم بَعْدَ أنْ كانَ تَعَمُّلًا، ما أنْكَرَ مُنْكِرٌ حَقًّا وهو يَعْلَمُهُ إلّا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ حَتّى يَصِيرَ إنْكارُهُ لَهُ بِصُورَةِ وبِوَصْفِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلِمَهُ. انْتَهى.

وفِي هَذا تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولَوْ بِأنْ يُدْعى أحَدُهم مِن حَسَنٍ إلى أحْسَنَ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِالحَرالِّيُّ وقالَ: إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ حِكايَةَ ما مَضى فَقَطْ ولا ما هو كائِنٌ فَحَسْبُ، بَلْ خِطابُ القُرْآنِ قائِمٌ دائِمٌ ماضٍ كُلِّيَّةُ خِطابِهِ في غابِرِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ مَن يُناسِبُ أحْوالَ مَن تَقَدَّمَ مِنهُمْ، وفي حَقِّ المَرْءِ مَعَ نَفْسِهِ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:23Listen in Qur'an →
24

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

ثُمَّ عَلَّلَ اجْتِراءَهم عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإعْراضُ البَعِيدُ عَنْ أفْعالِ أهْلِ الكَرَمِ المُبْعِدُ مِنَ اللَّهِ ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ كَذِبًا عَلى اللَّهِ - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِتَناهِي اجْتِرائِهِمْ عَلى العَظائِمِ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِالعَذابِ لِاسْتِقْصارِهِمْ لِمُدَّتِهِ والتَّصْرِيحِ بِقَتْلِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ عامَّةً وبِحُبُوطِ الأعْمالِ، وكانَ جَمْعُ القِلَّةِ قَدْ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ أكَّدَتْ إرادَتَهم حَقِيقَةَ القِلَّةِ بِجَمْعٍ آخَرَ لِلْقِلَّةِ، فَقِيلَ عَلى ما هو الأوْلى مِن وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِما لا يَعْقِلُ بِجَمْعٍ جَبْرًا لَهُ: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وتَطاوَلَ الزَّمانُ وهم عَلى هَذا الباطِلِ حَتّى آنَسُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ لِأنَّهُ ما كَذَّبَ أحَدٌ بِحَقٍّ إلّا عُوقِبَ بِتَصْدِيقِهِ بِباطِلٍ، وما تَرَكَ قَوْمٌ سُنَّةً إلّا أحْيَوْا بِدْعَةً، عَلى أنَّ كَذِبَهم أيْضًا جَرَّهم إلى الِاسْتِهانَةِ بِعَذابِ اللَّهِ الَّذِي لا يُسْتَهانُ بِشَيْءٍ مِنهُ ولَوْ قَلَّ.

ولَمّا نَسَبُوا ذَلِكَ إلى الكِتابِ فَجَعَلُوهُ دِينًا قالَ: ﴿وغَرَّهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الغُرُورِ وهو إخْفاءُ الخُدْعَةِ في صُورَةِ النَّصِيحَةِ - انْتَهى ﴿فِي دِينِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ بِما هُيِّؤُوا لَهُ وجُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ، قالَ الحَرالِّيُّ: فَتُقابِلُ التَّعْجِيباتِ في رَدِّهِمْ حَقَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسُكُونِهِمْ إلى باطِلِهِمُ. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:24Listen in Qur'an →
25

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ اجْتِرائِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِهِمْ مَعَهُ قالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ المُقْتَضِي لِلْمُجازاةِ والمُناقَشَةِ: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ أيْ وقَدْ رَفَعْنا حِجابَ العَظَمَةِ وشَهَرْنا سَيْفَ العِزَّةِ والسَّطْوَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالجَمْعِ الجَزاءَ قالَ: ﴿لِيَوْمٍ﴾ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ- كَما قالَ الحَرالِّيُّ - بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ في باطِلِهِمْ بِمَنزِلَةِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلُ كِتابٍ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ إلى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ اليَوْمُ.

ولَمّا كانَ الجَزاءُ أمْرًا مُتَحَقِّقًا لا بُدَّ مِنهُ أشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ووُفِّيَتْ﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ لِلْإفْهامِ بِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ يَفُوتُ الحَصْرُ وتَأْنِيثُ الفِعْلِ لِلْإشارَةِ إلى دَناءَةِ النُّفُوسِ وضَعْفِها وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الفَصْلُ المُوقِعُ لِلْجَزاءِ مَخْصُوصٌ بِوُجُودِ النَّفْسِ الَّتِي دَأْبُها أنْ تُنَفِّسَ فَتُرِيدَ وتَخْتارَ وتُحِبَّ وتَكْرَهَ، فَهي الَّتِي تُوَفّى، فَمَن سُلِبَ الِاخْتِيارَ والإرادَةَ والكَراهَةَ بِتَحَقُّقِ الإسْلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ ارْتَفَعَ عَنْهُ التَّوْفِيَةُ، إذْ لا وُجُودَ نَفْسٍ لَهُ بِما أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ وعِيدُ القُرْآنِ كُلُّهُ بِالنَّفْسِ في نَفاسَتِها بِإرادَتِها وما تَنْشَأُ لَها عَلَيْهِ مِن أحْوالِها وأفْعالِها ودَعْواها في مِلْكِها ومُلْكِها، فَمَتى نَفَّسَتْ فَتَمَلَّكَتْ مِلْكًا أوْ تَشَرَّفَتْ مُلْكًا خَرَجَتْ عَنْ إسْلامِها حَتّى يَنالَها سَلْبُ القَهْرِ مِنهُ وإلْزامُ الذُّلِّ عَنْهُ، وبِلَمْحٍ مِن هَذا المَعْنى اتَّصَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِخَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ وناظَرَتْ رَأْسَ آيَةِ ذِكْرِ الإسْلامِ، فَإنَّما هو مُسْلِمٌ لِلَّهِ وذُو نَفَسٍ مُتَمَلِّكٍ عَلى اللَّهِ حَتّى يَسْلُبَهُ اللَّهُ في العُقْبى أوْ يُذِلَّهُ في الدُّنْيا، فَشَمِلَ هَذا الوَفاءُ لِكُلِّ نَفْسٍ أهْلَ الكِتابِ وغَيْرَهُمْ، وعَمَّ الوَفاءُ لِكُلِّ مَن يَعُمُّهُ الجَمْعُ، كَذَلِكَ خِطابُ القُرْآنِ يَبْدَأُ بِخُصُوصٍ فَيَخْتِمُ بِعُمُومٍ، ويَبْدَأُ بِعُمُومٍ فَيَثْنِيهِ تَفْصِيلٌ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ شامِلًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ قالَ: ﴿ما﴾ أيْ جَزاءَ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ فَأتى بِهِ مُخَفَّفًا لِيَشْمَلَ المُباشَرَةَ بِكَسْبٍ أوِ اكْتِسابٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ مَعَ جَوازِ التَّذْكِيرِ مُراعاةً لِلَفْظِ (كُلُّ) إشارَةً إلى الإحاطَةِ بِالأفْعالِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ الحَقارَةِ، وراعى مَعْنى ”كُلُّ“ لِلْوَفاءِ بِالمَعْنى مَعَ مُوافَقَةِ الفَواصِلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.

Aal-i-Imraan 3:25Listen in Qur'an →
26

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "O Allah, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ سَيُغْلَبُونَ وأنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن ناصِرِينَ كانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِأنْ يَقُولُوا: كَيْفَ ونَحْنُ أكْثَرُ مِنَ الحَصى وأشَدُّ شَكائِمَ مِن لُيُوثِ الشَّرى، فَكَيْفَ نُغْلَبُ؟ أمْ كَيْفَ لا يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا وفِينا المُلُوكُ والأُمَراءُ والأكابِرُ والرُّؤَساءُ ومُناوُونا القَلِيلُ الضُّعَفاءُ، أهْلُ الأرْضِ الغَبْراءِ، وأُولُو البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَقالَ تَعالى لِيَنْتَبِهَ الرّاقِدُونَ مِن فُرُشِ الغَفَلاتِ المُتَقَلِّبُونَ في فَلَواتِ البِلاداتِ مِن تَلَهِّيهِمْ بِما رَأوْا وسَمِعُوا مِن نَزْعِ المُلْكِ مِن أقْوى النّاسِ وإعْطائِهِ لِأضْعَفِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ أعْدائِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يَفْعَلَ أضْعافَهُ لِأوْلِيائِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ نُبُوَّةً ثُمَّ خِلافَةً ثُمَّ مُلْكًا فانْتَظَمَ بِما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أمْرُ النُّبُوَّةِ في التَّنْزِيلِ والإنْزالِ، وأمْرُ الخِلافَةِ في ذِكْرِ الرّاسِخِينَ فِي العِلْمِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] وكانَتْ مِن هِجِّيرِيِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، يَقْنُتُ بِها في وتْرِ صَلاةِ النَّهارِ في آخِرِ رَكْعَةٍ مِنَ المَغْرِبِ - انْتَظَمَ بِرُؤُوسِ تِلْكَ المَعانِي ذِكْرُ المُلْكِ الَّذِي آتى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، وخَصَّ بِهِ مَن لاقَ بِهِ المُلْكُ، كَما خَصَّ بِالخِلافَةِ مَن صَلُحَتْ لَهُ الخِلافَةُ، كَما تَعَيَّنَ لِلنُّبُوَّةِ الخاتِمَةِ مَن لا يَحْمِلُها سِواهُ - انْتَهى؛ فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ يا مُحَمَّدُ أوْ يا مَن آمَنَ بِنا مُخاطِبًا لِإلَهِكَ مُسْمِعًا لَهم ومُعْرِضًا عَنْهم ومُنَبِّهًا لَهم مِن سَكَراتِ غَفَلاتِهِمْ في إقْبالِهِمْ عَلى مُلُوكٍ لا شَيْءَ في أيْدِيهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِعُلُوِّ مَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَثُرَ الإقْبالُ فِيها بِالخِطابِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وجُعِلَ القائِلَ لَمّا كانَتِ المُجاوَرَةُ مَعَهُ، لِأنَّ مُنْزَلَ القُرْآنِ ما كانَ مِنهُ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الخَلْقِ ورَبِّهِمْ يَجِيءُ الخِطابُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِمْ مُواجَهَةً حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الإعْراضِ عِنْدَ إباءِ مَن يَأْبى مِنهُمْ، وما كانَ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الأُمَّةِ ونَبِيِّها يُجْرِي اللَّهُ الخِطابَ فِيهِ عَلى لِسانِهِ مِن حَيْثُ تَوَجُّهُهم بِالمُجاوَرَةِ إلَيْهِ، فَإذا قالُوا قَوْلًا يَقْصِدُونَهُ بِهِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ لَهُمْ، ولِكَوْنِ القُرْآنِ مَتْلُوًّا ثَبَتَتْ فِيهِ كَلِمَةُ (قُلْ). انْتَهى.

﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنهُ غَيْرُكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأقْنَعَهُ ﷺ مُلْكُ رَبِّهِ، فَمَن كانَ مِنهُ ومِن آلِهِ وخُلَفائِهِ وصَحابَتِهِ يَكُونُ مِن إسْلامِهِ وجْهَهُ لِرَبِّهِ إسْلامُ المُلْكِ كُلِّهِ الَّذِي مِنهُ شَرَفُ الدُّنْيا لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَتَظاهَرُ بِالمُلْكِ ولا يَأْخُذُهُ مَآخِذَهُ، لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا عَبْدًا، لا نَبِيًّا مَلِكًا، فَأسْلَمَ المُلْكَ لِلَّهِ، كَذَلِكَ خُلَفاؤُهُ أسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ فَلَبِسُوا الخُلْقانَ والمُرَقَّعاتِ واقْتَصَرُوا عَلى شَظَفِ العَيْشِ، ولانُوا في الحَقِّ، وحَمَلُوا جَفاءَ الغَرِيبِ، واتَّبَعُوا أثَرَهُ في العُبُودِيَّةِ، فَأسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَمْ يُنازِعُوهُ شَيْئًا مِنهُ، حَمَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِرْبَةً عَلى …

Aal-i-Imraan 3:26Listen in Qur'an →
27

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account."

فَلَمّا ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ القُدْرَةِ عَلى الوَجْهِ الأعَمِّ ذَكَرَ بَعْضَ ما تَحْتَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنهُ تَحْتَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً تَقَلُّباتٍ نَفْسانِيَّةً في العالِمِ القائِمِ الآدَمِيِّ اتَّصَلَ بِها ذِكْرُ تَقَلُّباتٍ في العالَمِ الدّائِرِ لِيُؤْخَذَ لِكُلٍّ مِنها اعْتِبارٌ مِنَ الآخَرِ. ولَمّا ظَهَرَ في هَذِهِ الآيَةِ افْتِراقُ النَّزْعِ والإيتاءِ والإعْزازِ والإذْلالِ أبْدى في الآيَةِ التّالِيَةِ تَوالُجَ بَعْضِها في بَعْضٍ لِيُؤْذِنَ بِوُلُوجِ العِزِّ في الذُّلِّ والذُّلِّ في العِزِّ، والإيتاءِ في النَّزْعِ والنَّزْعِ في الإيتاءِ، وتَوالُجِ المُفْتَرِقاتِ والمُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً لِبَيانِ الإحْكامِ والتَّشابُهِ في مَنزِلِ الكِتابِ بِحُكْمِ الفُرْقانِ أظْهَرَ تَعالى في آياتِها ما أحْكَمَ وبَيَّنَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وما التَبَسَ وأوْلَجَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَكانَ مِن مُحْكَمِ آيَةٍ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ ما تَضَمَّنَهُ إيتاءُ المُلْكِ ونَزْعُهُ والإعْزازُ والإذْلالُ، وكانَ مِنَ الاشْتِباهِ إيلاجُ العِزِّ في الذُّلِّ وإيلاجُ الذُّلِّ في العِزِّ، فَلَمّا صَرَّحَ بِالإحْكامِ بِبَيانِ الطَّرَفَيْنِ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ، وضَمَّنَ الخِطابَ اشْتِباهَهُ في ذِكْرِ العِزِّ والذُّلِّ صَرَّحَ بِهِ في آيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ، فَذَكَرَ آيَةَ الآفاقِ وهو اللَّيْلُ والنَّهارُ بِما يُعايَنُ فِيها مِنَ التَّوالُجِ حَيْثُ ظَهَرَ ذَلِكَ فِيها وخَفِيَ في تَوالُجِ أحْوالِ الكائِنِ القائِمِ، لِأنَّ الإحْكامَ والِاشْتِباهَ مُتَرادٌّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: آيَةِ الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ وآيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ العَرْشِيِّ، فَما وقَعَ اشْتِباهُهُ في أحَدِهِما ظَهَرَ إحْكامُهُ في الآخَرِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُولِجُ﴾ مِنَ الوُلُوجِ، وهو الدُّخُولُ في الشَّيْءِ السّاتِرِ لِجُمْلَةِ الدّاخِلِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِن مَضاءِ قُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى يَجْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَقابِلَيْنِ بِطانَةً لِلْآخَرِ والِجًا فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ مَنالُ العُقُولِ لِما في المَعْقُولِ مِنَ افْتِراقِ المُتَقابِلاتِ، فَكانَ في القُدْرَةِ إيلاجُ المُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ وإيداعُ بَعْضِها في بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَتَكَيَّفُ بِمَعْقُولٍ ولا يُنالُ بِفِكْرٍ. انْتَهى.

﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ تُدْخِلُ كُلًّا مِنهُما في الآخَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ حَتّى يَذْهَبَ فِيهِ فَيَخْفى ولا يَبْقى لَهُ أثَرٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا جَعَلَ المُتَعاقِبَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُتَوالِجَيْنِ جَعَلَ المُتَباطِنَيْنِ مِنَ الحَيِّ والمَيِّتِ مُخْرَجَيْنِ، فَما ظَهَرَ فِيهِ المَوْتُ بَطَنَتْ فِيهِ الحَياةُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِ الحَياةُ بَطَنَ فِيهِ المَوْتُ؛ انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ﴾ أيْ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِنهُما ﴿وتُخْرِجُ المَيِّتَ﴾ مِنهُما ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ مِنهُما كَذَلِكَ.

قالَ الحَرالِّيُّ: فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في الكائِنِ القائِمِ وفي الكَوْنِ الدّائِرِ، فَأمّا في الكَوْنِ الدّائِرِ فَبِإخْراجِ حَيِّ الشَّجَرِ والنَّجْمِ مِن مَواتِ البَذْرِ والعَجَمِ، وبِظُهُورِهِ في العِيانِ كانَ أحْكَمَ في البَيانِ مِمّا يَقَعُ في الكائِنِ القائِمِ، كَذَلِكَ الكائِنُ القائِمُ يَخْرُجُ الحَيُّ المُؤْمِنُ المُوقِنُ مِنَ المَيِّتِ الكافِرِ الجاهِلِ …

Aal-i-Imraan 3:27Listen in Qur'an →
28

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ

Let not believers take disbelievers as allies rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing with Allah, except when taking precaution against them in prudence. And Allah warns you of Himself, and to Allah is the [final] destination.

ولَمّا بانَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا شَيْءَ في يَدِ غَيْرِهِ، واقْتَضى ذَلِكَ قَصْرَ الهِمَمِ عَلَيْهِ، وكانَ نَصارى نَجْرانَ إنَّما دامُوا عَلى مُوالاةِ مُلُوكِ الرُّومِ لِمَحْضِ الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مُداناةِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ كَما وقَعَ لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا قَصَّ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَجْتَمِعُ مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ ومُوالاةُ الكافِرِينَ في قَلْبٍ إلّا أوْشَكَتْ إحْداهُما أنْ تَغْلِبَ عَلى الأُخْرى فَتَنْزِعَها، فَقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ سائِقًا مَساقَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بُشْرى لِخُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعُمُومِها بِالعِزِّ والمُلْكِ وخَتْمِ الرِّزْقِ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ كانَ مِنَ الحَقِّ أنْ تَظْهَرَ عَلى المُبَشَّرِينَ عِزَّةُ البُشْرى فَلا يَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، ولَمّا قَبَضَ ما بِأيْدِي الخَلْقِ إلَيْهِ في إيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ والإعْزازِ والإذْلالِ، وأظْهَرَ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإقامَةَ امْتِحانِهِ بِما أوْلَجَ وأخْرَجَ، وأنْبَأ عَنْ إطْلاقِ حَدِّ العَدِّ عَنْ أرْزاقِهِ فَسَدَّ عَلى النَّفْسِ الأبْوابَ الَّتِي مِنها تَتَوَهَّمُ الحاجَةَ إلى الخَلْقِ؛ نَهى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَتْ لَهم عادَةٌ بِمُباطَنَةِ بَعْضِ كَفَرَةِ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ومَن شَمِلَهُ وصْفُ الكُفْرِ أنْ يَجْرُوا عَلى عادَتِهِمْ في مُوالاتِهِمْ ومُصافاتِهِمْ والحَدِيثِ مَعَهُمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفاوِضُونَهم بِصَفاءٍ، والكافِرُونَ يَتَسَمَّعُونَ ويَأْخُذُونَ مِنهم بِدَغَلٍ ونِفاقٍ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] فَنَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا غابَ عَنْهم خِبْرَتُهُ وطَيَّتُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ وعَبَّرَ في أضْدادِهِمْ بِالوَصْفِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَلَبَّسَ بِكُفْرٍ في وقْتٍ ما فَقالَ:﴿الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ وِلايَةَ أوْلِيائِهِ مِن وِلايَتِهِ، وأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو الوِلايَةُ الَّتِي قَدْ تُوهِنُ الرُّكُونَ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ في ذَلِكَ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَبْعِيدَ القَرِيبِ وتَقْرِيبَ البَعِيدِ، والمُؤْمِنُ أوْلى بِالمُؤْمِنِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» فَأقْواهم لَهُ رُكْنٌ، وضَعِيفُهم مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الرُّكْنِ القَوِيِّ، فَإذا والاهُ قَوِيَ بِهِ مِمّا يُباطِنُهُ ويُصافِيهِ، وإذا اتَّخَذَ الكافِرَ ولِيًّا مِن دُونِ مُؤْمِنِهِ القَوِيِّ رُبَّما تَداعى ضَعْفُهُ في إيمانِهِمْ إلى ما يُنازِعُهُ فِيهِ مِن مُلابَسَةِ أحْوالِ الكافِرِينَ، كَما أنَّهم لَمّا أصاخُوا إلَيْهِمْ إصاخَةً أوْقَعُوا بَيْنَهم سِبابَ الجاهِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] وكَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ولَمْ يَمْنَعْ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِلَةِ أرْحامِ مَن لَهم مِنَ الكافِرِينَ، ولا مِن خِلْطَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا فِيما …

Aal-i-Imraan 3:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allah knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allah is over all things competent.

ولَمّا كانَتِ المُوالاةُ بِالباطِنِ المَنهِيُّ عَنْها مُطْلَقًا ودائِمًا قَدْ تُفْعَلُ ويُدَّعى نَفْيُها لِخَفائِها أمَرَهُ ﷺ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن مُوالاةِ أعْدائِهِ عَلى وجْهِ النِّفاقِ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ ما نَهى عَنْهُ في الوِلايَةِ والتُّقاةِ أمْرًا باطِنًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلٌ ظاهِرٌ فَوَقَعَ التَّحْذِيرُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ كَرَّرَ فِيهِ التَّحْذِيرَ عَلى ما وراءَ الفِعْلِ مِمّا في الصُّدُورِ ونَبَّهَ فِيهِ عَلى مَنالِ العِلْمِ خُفْيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يُتْرَكُ الشَّيْءُ فِعْلًا ولا تَتْرُكُ النَّفْسُ الغَيَّةُ صَغْوًا ونُزُوعًا إلَيْهِ في أوْقاتٍ، وكَرَّرَ في خَتْمِهِ التَّحْذِيرَ لِيَتَثَنّى التَّحْذِيرانِ تَرَقِّيًا مِنَ الظّاهِرِ في الفِعْلِ إلى باطِنِ الحِمايَةِ في العِلْمِ كَما تَثَنّى الأمْرانِ في الظّاهِرِ والباطِنِ، وكانَ في إجْراءِ هَذا الخِطابِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِما أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم يَلْزَمُهُمُ الاقْتِداءُ بِهِ فِيما لَمْ يُبادِرُوا إلى أخْذِهِ مِنَ اللَّهِ في خِطابِهِ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ نَحْوَهُمُ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ أيْ يا أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا، ثُمَّ قالَ عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي مَقُولُ القَوْلِ إرادَةَ التَّعْمِيمِ: ﴿ويَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعَ ما ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى ظَنِّ أنَّهُ إذا أخْفى شَيْئًا في نَفْسِهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وجَمِيعَ ما ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا.

ولَمّا كانَ ذُو العِلْمِ لا يَكْمُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ، وكانَ يَلْزَمُ مِن تَمامِ العِلْمِ شُمُولُ القُدْرَةِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُرْهانُهُ في سُورَةِ طَهَ - كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن نَمَطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] مَعَ ذِكْرِ التَّصْوِيرِ كَيْفَ يَشاءُ والخَتْمِ بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، وقَدْ دَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّفَرُّدِ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ.

Aal-i-Imraan 3:29Listen in Qur'an →
30

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allah warns you of Himself, and Allah is Kind to [His] servants."

ولَمّا تَمَّ الوَصْفُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ ذَكَرَ يَوْمَ المَصِيرِ المُحَذَّرَ مِنهُ، المُحْصى فِيهِ كُلُّ كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، المُعامَلَ فِيهِ كُلُّ عامِلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ انْكِشافُ الأوْصافِ لِكُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ وهو مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مِن مَعْنى ”يُحَذِّرُ“ ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والَّذِي يُرْشِدُ إلى تَعْيِينِ تَقْدِيرِ هَذا العامِلِ - إذا جُعِلَ العامِلُ مُقَدَّرًا - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ سابِقًا لَها ولاحِقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ في قَوْلِهِ

﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وتَكُونَ فَتْحَتُهُ لِلْبِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - المُكَلَّفَةُ ﴿ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ أيْ لا نَقْصَ فِيهِ ولا زِيادَةَ، بِأمْرِ القاهِرِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ حاضِرًا مُلازِمًا، فَما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ تَوَدُّ أنَّها لا تُفارِقُهُ ولا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ [ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ ] أيْ تُحِبُّ حُبًّا شَدِيدًا ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ العَمَلِ السُّوءِ ﴿أمَدًا﴾ أيْ زَمانًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُهُ مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي جُهْدَ الفَرَسِ مِنَ الجَرْيِ، فَهو مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي ظُهُورَ ما في التَّقْدِيرِ إلى وفاءِ كِيانِهِ ﴿بَعِيدًا﴾ مِنَ البُعْدِ، وهو مُنْقَطَعُ الوَصْلَةِ في حِسٍّ أوْ مَعْنىً. انْتَهى. فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ إحْضارَ الخَيْرِ دَلالَةً عَلى حُضُورِ السُّوءِ، ووَدَّ بَعْدَ السُّوءِ دَلالَةً عَلى ودِّ لُزُومِ الخَيْرِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ كانَ كَأنَّهُ قالَ: فاتَّقُوهُ فَإنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُكُمُوهُ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الَّتِي لا يُحاطُ بِها ﴿نَفْسَهُ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ تَعَدّى طَوْرَهُ ونَسِيَ أنَّهُ عَبْدٌ، قالَ الحَرالِّيُّ: أنْ تَكُونَ لَكم أنْفُسٌ فَتَجِدَ ما عَمِلَتْ، ويُلْزِمَها وطْأةَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَبْرَأ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ تَبْرِئَتَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ إرادَةٌ، وأنْ يُلاحِظَ عِلْمَ اللَّهِ وقُدْرَتَهَ في كُلِّيَّةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِ الكَوْنِ وباطِنِهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ التَّحْذِيرِ قَدْ يُنَفِّرُ بَيَّنَ أنَّ تَحْذِيرَهُ لِلِاسْتِعْطافِ، فَإنَّهُ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الدُّعاةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّرْهِيبِ مِنَ المَعْصِيَةِ المُسَبَّبِ عَنْهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، فَهو مِن رَأْفَتِهِ بِالمُحَذَّرِينَ فَقالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ويَعِدُكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَضْلَهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ لِرَأْفَتِهِ بِكُمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ هَذا التَّحْذِيرُ الخاتِمُ ابْتِدائِيًّا، والتَّحْذِيرُ السّابِقُ انْتِهائِيًّا، فَكانَ هَذا رَأْفَةً سابِقَةً، وكانَ الأوَّلُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى الفِعْلِ تَحْذِيرًا لاحِقًا مُتَّصِلًا بِالمَصِيرِ إلى اللَّهِ، وهَذا الخاتِمُ مُبْتَدَأً بِالرَّأْفَةِ مِنَ اللَّهِ.

والرَّأْفَةُ - يَقُولُ أهْلُ المَعانِي - هي أرَقُّ الرَّحْمَةِ، والَّذِي يُفْصِحُ عَنِ المَعْنى - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أنَّها عَطْفُ العاطِفِ عَلى مَن يَجِدُ عِنْدَهُ مِنهُ وصْلَةً، فَهي رَحْمَةُ ذِي الصِّلَةِ بِالرّاحِمِ، …

Aal-i-Imraan 3:30Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.