Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 21–30 of 200

21

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

Those who disbelieve in the signs of Allah and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنى بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِآَياتِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في "البَقَرَةِ" شَرْحُ قَتْلِهُمُ الأنْبِياءَ، والقِسْطُ، والعَدْلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ "وَيُقاتِلُونَ" بِألِفٍ. ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا فِي آَخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ وأنْزَلَ الآَيَةَ فِيهِمْ.» وإنَّما وبَّخَ بِهَذا اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم تَوَلَّوْا أُولَئِكَ، ورَضُوا بِفِعْلِهِمْ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ بِمَعْنى: أخْبِرْهم، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في "البَقَرَةِ" ومَعْنى حَبِطَتْ: بَطَلَتْ.

Aal-i-Imraan 3:21Listen in Qur'an →
22

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنى بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِآَياتِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في "البَقَرَةِ" شَرْحُ قَتْلِهُمُ الأنْبِياءَ، والقِسْطُ، والعَدْلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ "وَيُقاتِلُونَ" بِألِفٍ. ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا فِي آَخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ وأنْزَلَ الآَيَةَ فِيهِمْ.» وإنَّما وبَّخَ بِهَذا اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم تَوَلَّوْا أُولَئِكَ، ورَضُوا بِفِعْلِهِمْ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ بِمَعْنى: أخْبِرْهم، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في "البَقَرَةِ" ومَعْنى حَبِطَتْ: بَطَلَتْ.

Aal-i-Imraan 3:22Listen in Qur'an →
23

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ

Do you not consider, [O Muhammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allah that it should arbitrate between them; then a party of them turns away, and they are refusing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَقالَ رَجُلانِ مِنهُمْ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ؟ فَقالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ: فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ، فَأبَيا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، وامْرَأةً زَنَيا، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَرَفَعُوا أمْرَهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِالرَّجْمِ، فَقالُوا: جُرْتَ عَلَيْنا يا مُحَمَّدُ، لَيْسَ عَلَيْنا الرَّجْمُ. فَقالَ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ، فَجاءَ ابْنُ صُورِيًّا، فَقَرَأ مِنَ التَّوْراةِ، فَلَمّا أتى عَلى آَيَةِ الرَّجْمِ، وضَعَ كَفَّهُ عَلَيْها، وقَرَأ ما بَعْدَها، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: قَدْ جاوَزَها، ثُمَّ قامَ، فَقَرَأها، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاليَهُودِيَّيْنِ، فَرُجِما، فَغَضِبَ اليَهُودُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ نُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى:» هَلُمَّ نُحاكِمُكَ إلى الأحْبارِ. فَقالَ: بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقالَ: بَلْ إلى الأحْبارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: «أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالهُدى مِنكَ، وما أرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: فَأخْرَجُوا التَّوْراةَ، فَإنِّي مَكْتُوبٌ فِيها أنِّي نَبِيٌّ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالنَّصِيبُ الَّذِي أُوتُوهُ: العِلْمُ الَّذِي عُلِّمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ. وفي الكِتابِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. وفي الَّذِي أُرِيدُ أنْ يُحَكِّمَ الكِتابَ بَيْنَهم فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِلَّةُ إبْراهِيمَ. والثّانِي: حَدُّ الزِّنا. رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: صِحَّةُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَإنْ قِيلَ: التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، فَما فائِدَةُ تَكْرِيرِهِ؟ فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: التَّأْكِيدُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَتَوَلَّوْنَ عَنِ الدّاعِي، ويُعْرِضُونَ عَمّا دَعا إلَيْهِ. والثّالِثُ: يَتَوَلَّوْنَ بِأبْدانِهِمْ، ويُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا عُلَماءَهم، والَّذِينَ أعْرَضُوا أتْباعَهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

Aal-i-Imraan 3:23Listen in Qur'an →
24

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِي حَمَلَهم عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْناها في "البَقَرَةِ" و(يَفْتَرُونَ) يَخْتَلِقُونَ. وفي الَّذِي اخْتَلَقُوهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

Aal-i-Imraan 3:24Listen in Qur'an →
25

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم (لِيَوْمٍ) أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ. وقِيلَ "اللّامُ" بِمَعْنى: "فِي" .

Aal-i-Imraan 3:25Listen in Qur'an →
26

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "O Allah, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، ووَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ المُنافِقُونَ واليَهُودَ: هَيْهاتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ رَبَّهُ أنَّ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، حَكاهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: واللَّهِ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ يَنْقُلُ النُّبُوَّةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ: "اللَّهُمَّ" بِمَعْنى "يا اللَّهُ" و"المِيمُ" المُشَدَّدَةُ زِيدَتْ عِوَضًا مِن "ياءٍ" لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا "يا" مَعَ هَذِهِ "المِيمِ" في كَلِمَةٍ، ووَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَعْمَلًا بِـ"يا" إذا لَمْ تُذْكَرِ المِيمُ، فَعَلِمُوا أنَّ المِيمَ في آَخِرِ الكَلِمَةِ بِمَنزِلَةِ "يا" في أوَّلِها. والضَّمَّةُ الَّتِي في "الهاءِ" هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: ومَعْنى "مالِكَ المُلْكِ" أنَّهُ بِيَدِهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَ: وقَدْ يَكُونُ مَعْناهُ: مالِكُ المُلُوكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وارِثُ المُلْكِ يَوْمَ لا يَدَّعِيهِ مُدَّعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [ الفَرْقانِ: ٢٦ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ في هَذا المُلْكِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ المالُ، والعَبِيدُ، والحَفَدَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، يَعْنِي فارِسَ والرُّومَ. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فارِسٌ والرُّومُ. وبِماذا يَكُونُ هَذا العِزُّ والذُّلُّ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: العِزُّ بِالنَّصْرِ، والذُّلُّ بِالقَهْرِ، والثّانِي: العِزُّ بِالغِنى، والذُّلُّ بِالفَقْرِ، والثّالِثُ: العِزُّ بِالطّاعَةِ، والذُّلُّ بِالمَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، فاكْتَفى بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ فِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:26Listen in Qur'an →
27

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن هَذا في هَذا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ما يَنْقُصُ مِن أحَدِهِما يَدْخُلُ في الآَخَرِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ولَجَ الشَّيْءَ يَلِجُ وُلُوجًا ووَلَجًا ووَلْجَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٧ ]، و ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ [ الأنْعامِ: ١٢٢ ]، و ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [ الأنْعامِ: ١٣٩ ]، و ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [ يس: ٣٣ ]: كُلُّهُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ: وحَمْزَةُ: والكِسائِيُّ: (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و(لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) و(إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) وخَفَّفَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ. وقَرَأ نافِعٌ (أوَمَن كانَ مَيْتًا) و(الأرْضُ المَيْتَةُ) و(لَحْمُ أخِيهِ مَيْتًا) [ الحُجُراتِ: ١٢ ] وخَفَّفَ في سائِرِ القُرْآَنِ ما لَمْ يَمُتْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ التَّثْقِيلُ، والمُخَفَّفُ مَحْذُوفٌ مِنهُ، وما ماتَ، وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ مُسْتَوَيانِ في الِاسْتِعْمالِ وأنْشَدُوا:

؎ ومَنهَلٌ فِيهِ الغُرابُ مَيِّتٌ سَقَيْتُ مِنهُ القَوْمَ واسْتَقَيْتُ

فَهَذا قَدْ ماتَ وقالَ آَخَرُ:

؎ لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

فَخَفَّفَ ما ماتَ، وشَدَّدَ ما لَمْ يَمُتْ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [ الزُّمَرِ: ٣٠ ] . ثُمَّ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ إخْراجُ الإنْسانِ حَيّا مِنَ النُّطْفَةِ، وهي مَيِّتَةٌ. وإخْراجُ النُّطْفَةِ مِنَ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ إخْراجُ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ، وإخْراجُ البَيْضَةِ مِنَ الطّائِرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ مِنَ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ، وإخْراجِ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ مِنَ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ، رَوى نَحْوَ هَذا الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ إخْراجُ السُّنْبُلَةِ الحَيَّةِ مِنَ الحَبَّةِ المَيِّتَةِ، والنَّخْلَةُ الحَيَّةُ مِنَ النَّواةِ المَيِّتَةِ، والنَّواةِ المَيِّتَةِ مِنَ النَّخْلَةِ الحَيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ، والحَبُّ اليابِسُ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لِلَّذِي يُنْفِقُ مُوسِعًا: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ، كَأنَّهُ لا يَحْسَبُ ما أنْفَقَهُ إنْفاقًا.

Aal-i-Imraan 3:27Listen in Qur'an →
28

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ

Let not believers take disbelievers as allies rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing with Allah, except when taking precaution against them in prudence. And Allah warns you of Himself, and to Allah is the [final] destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ كانَ لَهُ حُلَفاءٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ يَوْمَ الأحْزابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةً مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ أسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ يَرْجُونَ لَهُمُ الظَّفْرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ، كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ المُقاتِلِينَ، ابْنِ سُلَيْمانَ، وابْنِ حَيّانَ. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ المُؤْمِنُ وِلايَتَهُ لِمَن هو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، أيْ: لا يَتَناوَلُ الوِلايَةَ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَلامٌ جَرى عَلى المَثَلِ في المَكانِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ دُونَكَ، ولَسْتَ تُرِيدُ المَكانَ، ولَكِنَّكَ جَعَلْتَ الشَّرَفَ بِمَنزِلَةِ الِارْتِفاعِ في المَكانِ، والخِسَّةَ كالِاسْتِفالِ في المَكانِ. ومَعْنى ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: فاللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قَرَأ يَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "تَقِيَّةً" بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مُصانَعَةً في الدُّنْيا. قالَ أبُو العالِيَةِ: التُّقاةُ بِاللِّسانِ، لا بِالعَمَلِ.

فَصْلٌ

والتَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ، ولَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وقَدْ قِيلَ: إنْ عُرِضْتَ عَلى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قالَ: لا. وقالَ: إذا أجابَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ بِجَهْلٍ، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ؟ وسَنَشْرَحُ هَذا المَعْنى في "النَّحْلِ" عِنْدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ [ النَّحْلِ: ١٠٦ ]، إنْ شاءَ اللَّهُ.

Aal-i-Imraan 3:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allah knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي اتِّخاذَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ.

Aal-i-Imraan 3:29Listen in Qur'an →
30

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allah warns you of Himself, and Allah is Kind to [His] servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "اليَوْمَ" بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وإلى اللَّهِ المَصِيرُ، يَوْمَ تَجِدُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يَوْمَ تَجِدُ. وفي كَيْفِيَّةِ وُجُودِ العَمَلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: وُجُودُهُ مَكْتُوبًا في الكِتابِ. والثّانِي: وُجُودُ الجَزاءِ عَلَيْهِ. والأمَدُ: الغايَةُ.

قالَ الطِّرَّمّاحُ:

؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْ رِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ

يُرِيدُ غايَةَ أجَلِهِ.

Aal-i-Imraan 3:30Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.