إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
Those who disbelieve in the signs of Allah and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
ولَمّا أشْرَكَ اليَهُودَ في هَذا الخِطابِ وأفْهَمَ شَرْطُ التَّوَلِّي بِأداةِ الشَّكِّ وُقُوعَهُ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ أشارَ إلَيْهِ واصِفًا لَهم بِبَعْضِ ما اشْتَدَّ فُحْشُهُ مِن أفْعالِهِمْ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُنَزَّلَةً لِتَبْيِينِ ما اشْتَبَهَ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ جَرى ذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ فِيها مُجْمَلًا بِجَوامِعِ مَن ذَكَرَهُمْ، لِأنَّ تَفاصِيلَ أمْرِهِمْ قَدِ اسْتَقْرَأتْهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، فَكانَ أمْرُ أهْلِ التَّوْراةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانًا وأهْلِ الإنْجِيلِ إجْمالًا، وكانَ أمْرُ أهْلِ الإنْجِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ بَيانًا وذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ إجْمالًا، لَمّا كانَ لَبْسُ أهْلِ التَّوْراةِ في الكِتابِ فَوَقَعَ تَفْصِيلُ ذِكْرِهِمْ في سُورَةِ
﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] ولَمّا كانَ اشْتِباهُ أمْرِ أهْلِ الإنْجِيلِ في شَأْنِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فَجاءَ هَذا الذِّكْرُ لِأهْلِ التَّوْراةِ مُعادَلَةً بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِما كَفَرُوا بِالآياتِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في عُزَيْرٍ واخْتَصُّوا بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ أهْلِ الخَيْرِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ في إبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةٌ إلى عَظِيمِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِهِ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الدَّوامِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ الدَّجّالِ فَإنَّهم أتْباعُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ في إشْعارِهِ ما تَمادَوْا عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى كانَ لَهم مَدْخَلٌ في شَهادَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَزَقَهُ اللَّهُ فِيما كانَ يَدْعُو بِهِ حَيْثُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهادَةً في يُسْرٍ مِنكَ وعافِيَةٍ» .
ولَمّا كانَ قَتْلُهم إيّاهم بِدُونِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ لِمَحْضِ الكُفْرِ والعِنادِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مُبَرَّؤُونَ مِن أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قَبْلَهم حَقٌّ دُنْيَوِيٌّ أوْ أُخْرَوِيٌّ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ لا صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا في اعْتِقادِهِمْ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في البَقَرَةِ عَلى عادَةِ أفْعالِ الحُكَماءِ في الِابْتِداءِ بِالأخَفِّ فالأخَفِّ. ولَمّا خَصَّ ذِكْرَ أكْمَلِ الخَلْقِ عَبَّرَ بِما يَعُمُّ أتْباعَهم فَقالَ مُعِيدًا لِلْفِعْلِ زِيادَةً في لَوْمِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ شامِلًا لِمَن لا قُدْرَةَ لَهم عَلى قَتْلِهِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ، سَواءٌ كانُوا أنْبِياءَ أوْ لا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا القَيْدِ زِيادَةَ تَوْبِيخِهِمْ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ جِنْسَهُمُ الَّذِي مِن حَقِّهِمْ أنْ يَأْلَفُوهُ ويَسْعَوْا في بَقائِهِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِأنَّ قَتْلَهم لِمُجَرَّدِ العُدْوانِ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِتَمادِي تَسَلُّطِهِمْ عَلى أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ، فَكانَ في طَيِّهِ إلاحَةٌ لِما اسْتَعْمَلُوا فِيهِ مِن عِلْمِ التَّطَبُّبِ ومُخالَطَتِهِمْ رُؤَساءَ النّاسِ بِالطِّبِّ الَّذِي تَوَسَّلَ كَثِيرٌ مِنهم إلى قَتْلِهِمْ بِهِ عَمْدًا وخَطَأً، لِيَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِمْ …