Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: …

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: …

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: …

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .

دَلَّتِ الفاءُ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ مُناجاةَ العَبْدِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الدُّعاءِ قابِلٌ لِلْإجابَةِ.

و(اسْتَجابَ) بِمَعْنى أجابَ عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ: اسْتَوْقَدَ واسْتَخْلَصَ. وعَنِ الفَرّاءِ، وعَلِيِّ بْنِ عِيسى الرَّبَعِيِّ: أنَّ اسْتَجابَ أخَصُّ مِن أجابَ لِأنَّ اسْتَجابَ يُقالُ لِمَن قَبِلَ ما دُعِيَ إلَيْهِ، وأجابَ أعَمُّ، فَيُقالُ لِمَن أجابَ بِالقَبُولِ وبِالرَّدِّ. وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِجابَةُ هي التَّحَرِّي لِلْجَوابِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإجابَةِ لِقِلَّةِ انْفِكاكِها مِنها. ويُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ واسْتَجابَهُ، فَعُدِّيَ في الآيَةِ بِاللّامِ، كَما قالُوا: حَمِدَ لَهُ وشَكَرَ لَهُ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ أيْضًا مِثْلُهُما.

قالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ، يَرْثِي قَرِيبًا لَهُ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وتَعْبِيرُهم في دُعائِهِمْ بِوَصْفِ رَبَّنا دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشَّفَقَةِ بِالمَرْبُوبِ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لَهُ، ومِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم عَبِيدُهُ ولِتَتَأتّى الإضافَةُ المُفِيدَةُ التَّشْرِيفَ والقُرْبَ، ولِرَدِّ حُسْنِ دُعائِهِمْ بِمِثْلِهِ بِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، رَبَّنا.

صفحة ٢٠٣

ومَعْنى نَفْيِ إضاعَةِ عَمَلِهِمْ نَفْيُ إلْغاءِ الجَزاءِ عَنْهُ: جَعْلُهُ كالضّائِعِ غَيْرِ الحاصِلِ في يَدِ صاحِبِهِ.

فَنَفْيُ إضاعَةِ العَمَلِ وعْدٌ بِالِاعْتِدادِ بِعَمَلِهِمْ وحُسْبانِهِ لَهم، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الِاسْتِجابَةُ تَحْقِيقَ عَدَمِ إضاعَةِ العَمَلِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ مِن وجَلِ عَدَمِ القَبُولِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] تَحْقِيقَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ والِاسْتِعاذَةِ مِنَ الحَبَطِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا البَيانِ هُنا أنَّ الأعْمالَ الَّتِي أتَوْا بِها أكْبَرُها الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ، ولَمّا كانَ الجِهادُ أكْثَرَ تَكَرُّرًا خِيفَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ النِّساءَ لا حَظَّ لَهُنَّ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَدَفَعَ هَذا بِأنَّ لِلنِّساءِ حَظَّهُنَّ في ذَلِكَ فَهُنَّ في الإيمانِ والهِجْرَةِ يُساوِينَ الرِّجالَ، وهُنَّ لَهُنَّ حَظُّهُنَّ في ثَوابِ الجِهادِ لِأنَّهُنَّ يَقُمْنَ عَلى المَرْضى ويُداوِينَ الكَلْمى، ويَسْقِينَ الجَيْشَ، وذَلِكَ عَمَلٌ عَظِيمٌ بِهِ اسْتِبْقاءُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، فَهو لا يُقْصَرُ عَنِ القِتالِ الَّذِي بِهِ إتْلافُ نُفُوسِ عَدُوِّ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ (مِن) فِيهِ اتِّصالِيَّةٌ أيْ بَعْضُ المُسْتَجابِ لَهم مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، وهي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ بِمَعْنى أنَّ شَأْنَهم واحِدٌ وأمْرَهم سَواءٌ. قالَ تَعالى ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَخْ. وقَوْلُهم: هو مِنِّي وأنا مِنهُ، وفي عَكْسِهِ يَقُولُونَ كَما قالَ …

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .

اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.

والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.

والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.

صفحة ٢٠٦

وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.

والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .

و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.

والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .

صفحة ٢٠٧

و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .

اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.

والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.

والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.

صفحة ٢٠٦

وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.

والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .

و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.

والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .

صفحة ٢٠٧

و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .

اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.

والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.

والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.

صفحة ٢٠٦

وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.

والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .

و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.

والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .

صفحة ٢٠٧

و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨] اسْتِكْمالًا لِذِكْرِ الفَرْقِ في تَلَقِّي الإسْلامِ: فَهَؤُلاءِ فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولَمْ يُظْهِرُوا إيمانَهم لِخَوْفِ قَوْمِهِمْ مِثْلِ النَّجاشِيِّ أصْحَمَةَ، وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ، والآيَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم لَوْ عُرِفُوا بِالإيمانِ لَما كانَ مِن فائِدَةٍ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وهَذا الصِّنْفُ بِعَكْسِ حالِ المُنافِقِينَ. وأكَّدَ الخَبَرَ بِ إنَّ وبِلامِ الِابْتِداءِ لِلرَّدِّ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ لَمّا صَلّى عَلى النَّجاشِيِّ: انْظُرُوا إلَيْهِ يُصَلِّي عَلى نَصْرانِيٍّ لَيْسَ عَلى دِينِهِ ولَمْ يَرَهُ قَطُّ. عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِ أصْحابِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ وفاةَ النَّجاشِيِّ حَصَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ هُنا مَن أظْهَرَ إيمانَهُ وتَصْدِيقَهُ مِنَ اليَهُودِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ، وكَذا مَن آمَنَ مِن نَصارى نَجْرانَ أيِ الَّذِينَ أسْلَمُوا ورَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ إنْ صَحَّ خَبَرُ إسْلامِهِمْ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِهِ أحْرِياءٌ بِما سَيَرِدُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ اسْمَ الإشارَةِ.

وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إلى أنَّهُ يُبادِرُ لَهم بِأجْرِهِمْ في الدُّنْيا ويَجْعَلُهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

صفحة ٢٠٨

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

خُتِمَتِ السُّورَةُ بِوِصايَةٍ جامِعَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تُجَدِّدُ عَزِيمَتَهم وتَبْعَثُ الهِمَمَ إلى دَوامِ الِاسْتِعْدادِ لِلْعَدُوِّ كَيْ لا يُثَبِّطَهم ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ الَّذِي هو جُمّاعُ الفَضائِلِ وخِصالُ الكَمالِ، ثُمَّ بِالمُصابَرَةِ وهي الصَّبْرُ في وجْهِ الصّابِرِ، وهَذا أشَدُّ الصَّبْرِ ثَباتًا في النَّفْسِ وأقْرَبُهُ إلى التَّزَلْزُلِ، وذَلِكَ أنَّ الصَّبْرَ في وجْهِ صابِرٍ آخَرَ شَدِيدٌ عَلى نَفْسِ الصّابِرِ لِما يُلاقِيهِ مِن مُقاوَمَةِ قِرْنٍ لَهُ في الصَّبْرِ قَدْ يُساوِيهِ أوْ يَفُوقُهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا المُصابِرَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلى صَبْرِهِ حَتّى يَمَلَّ قِرْنُهُ فَإنَّهُ لا يَجْتَنِي مِن صَبْرِهِ شَيْئًا، لِأنَّ نَتِيجَةَ الصَّبْرِ تَكُونُ لِأطْوَلِ الصّابِرِينَ صَبْرًا، كَما قالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ في اعْتِذارِهِ عَنِ الِانْهِزامِ:

سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

فالمُصابَرَةُ هي سَبَبُ نَجاحِ الحَرْبِ كَما قالَ شاعِرُ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ:

لا أنْتَ مُعْتادٌ في الهَيْجا مُصابَرَةً ∗∗∗ يَصْلى بِها كُلُّ مَن عاداكَ نِيرانا

وقَوْلُهُ ورابِطُوا أمْرٌ لَهم بِالمُرابَطَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ، وهو رَبْطُ الخَيْلِ لِلْحِراسَةِ عَنْ غَيْرِ الجِهادِ خَشْيَةَ أنْ يَفْجَأهُمُ العَدُوُّ، أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا دائِمًا عَلى حَذَرٍ مِن عَدُوِّهِمْ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَكِيدُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن مُفاجَأتِهِمْ عَلى غِرَّةٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم في وقْعَةِ الأحْزابِ فَلَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ أيْقاظًا مِن عَدُوِّهِمْ. وفي كِتابِ الجِهادِ مِنَ البُخارِيِّ: بابُ فَضْلِ رِباطِ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ إلَخْ. وكانَتِ المُرابَطَةُ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ وهي رَبْطُ الفَرَسِ لِلْحِراسَةِ في الثُّغُورِ أيِ الجِهاتِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ العَدُوُّ الوُصُولَ مِنها إلى الحَيِّ مِثْلِ الشِّعابِ بَيْنَ الجِبالِ. وما رَأيْتُ مَن وصَفَ ذَلِكَ مِثْلَ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ إذْ قالَ:

ولَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمِلُ شِكَّتِي ∗∗∗ فُرُطٌ وِشاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامُها

فَعَلَوْتُ مُرْتَقَبًا عَلى ذِي هَبْوَةٍ ∗∗∗ حَرِجٍ إلى إعْلامِهِنَّ قَتامُها

حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها

صفحة ٢٠٩

فَذَكَرَ أنَّهُ حَرَسَ الحَيَّ عَلى مَكانٍ مُرْتَقَبٍ، أيْ عالٍ بِرَبْطِ فَرَسِهِ في الثَّغْرِ. وكانَ المُسْلِمُونَ يُرابِطُونَ في ثُغُورِ بِلادِ فارِسٍ والشّامِ والأنْدَلُسِ في البَرِّ، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ سُلْطانُ الإسْلامِ وامْتَلَكُوا البِحارَ صارَ الرِّباطُ في ثُغُورِ البِحارِ وهي الشُّطُوطُ الَّتِي يُخْشى نُزُولُ العَدُوِّ مِنها: مِثْلَ رِباطِ المِنِسْتِيرِ بِتُونِسَ بِإفْرِيقِيَّةَ، ورِباطِ سَلا بِالمَغْرِبِ، ورُبُطِ تُونِسَ ومَحارِسِها: مِثْلِ مَحْرَسِ عَلِيِّ بْنِ سالِمٍ قُرْبَ صَفاقِسَ. فَأمَرَ اللَّهُ بِالرِّباطِ كَما أمَرَ بِالجِهادِ بِهَذا المَعْنى. وقَدْ خُفِيَ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا إعْدادَ الخَيْلِ مَرْبُوطَةً لِلْجِهادِ، قالَ: ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوٌ في الثُّغُورِ. وقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.