ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
(قاعِدَة جليلة)
أصل الخَيْر والشَّر من قبل التفكّر فَإن الفِكر مبدأ الإرادَة والطلب في الزّهْد والتّرْك والحب والبغض وأنفع الفِكر الفِكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فَهَذِهِ أرْبَعَة أفكار هي أجلّ الأفكار ويليها أرْبَعَة فكّر في مصالح الدُّنْيا وطرق تَحْصِيلها وفكّر في مفاسد الدُّنْيا وطرق الِاحْتِراز مِنها فعلى هَذِه الأقْسام الثَّمانِية دارت أفكار العُقَلاء ورَأس القسم الأول الفِكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونَهْيه وطرق العلم بِهِ وبأسمائه وصِفاته من كِتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهَذا الفِكر يُثمر لصاحبه المحبَّة والمعرفة فَإذا فكر في الآخِرَة وشرفها ودوامها وفي الدُّنْيا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة في الآخِرَة والزهد في الدُّنْيا وكلما فكّر في قصر الأمل وضيق الوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ والِاجْتِهاد وبذل الوسع في اغتنام الوَقْت وهَذِه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد مَوتها وسفولها وتجعله في واد والنّاس في واد وبإزاء هَذِه الأفكار الأفكار الرَّديئَة الَّتِي تجول في قُلُوب أكثر هَذا الخلق كالفكر فِيما لم يُكَلف الفِكر فِيهِ ولا أعْطى الإحاطَة بِهِ من فضول العلم الَّذِي لا ينفع كالفكر في كَيْفيَّة ذات الرب وصِفاته مِمّا لا سَبِيل للعقول إلى إدْراكه ومِنها الفِكر في الصناعات الدقيقة الَّتِي لا تَنْفَع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومِنها الفِكر في العُلُوم الَّتِي لَو كانَت صَحِيحَة لم يُعْط الفِكر فِيها النَّفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكْثر عُلُوم الفلاسفة الَّتِي لَو بلغ الإنْسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نَفسه ومِنها الفِكر في الشَّهَوات واللَّذّات وطرق تَحْصِيلها وهَذا وإن كانَ لنَفس فِيهِ لَذَّة لَكِن لا عاقِبَة لَهُ ومضرّته في عاقِبَة الدُّنْيا قبل الآخِرَة أضْعاف مسرّته ومِنها الفِكر فِيما لم يكن لَو كانَ كَيفَ كانَ يكون كالفكر فِيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضَيْعَة ماذا يصنع وكَيف يتصرّف ويَأْخُذ ويُعْطِي وينتقم ونَحْو ذَلِك من أفكار السّفل ومِنها الفِكر في جزيئات أحْوال النّاس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله ورَسُوله والدّار الآخِرَة ومِنها الفِكر في دقائق الحِيَل والمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بها إلى أغراضه وهواه مُباحَة كانَت أو مُحرمَة ومِنها الفِكر في أنْواع الشّعْر وصروفه وأفانينه في المَدْح والهجاء والغزل والمراثي ونَحْوها فَإنَّهُ يشغل الإنْسان عَن الفِكر فِيما فِيهِ سعادته وحياته الدائمة ومِنها الفِكر في المقدرات الذهنية الَّتِي لا وجود لَها في الخارِج ولا بِالنّاسِ حاجَة إلَيْها ألْبَتَّةَ وذَلِكَ مَوْجُود في كل علم حَتّى في علم الفِقْه والأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنفَعَتها ويكتفي في مضرّتها شغلها عَن الفِكر فِيما هو أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عاجلا وآجلا.
(فصل)
عَن بعض السّلف أنه قالَ تفكر ساعَة خير من عبادَة سِتِّينَ سنة
وسأل رجل أم الدَّرْداء بعد مَوته عَن عِبادَته فَقالَت كانَ نَهاره أجمعه في بادية التفكر.
وَقالَ الحسن تفكر ساعَة خير من قيام لَيْلَة.
وَقالَ الفضل التفكر مرْآة تريك حَسَناتك وسيئاتك.
وَقيل لإبراهيم إنَّك تطيل الفكرة؟ فَقالَ الفكرة مخ العقل.
وَكانَ سُفْيان كثيرا ما يتَمَثَّل:
؎إذا المَرْء كانَت لَهُ فكرة ∗∗∗ فَفي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة
وَقالَ الحسن في قوله تَعالى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون في الأرض بِغَيْر الحق﴾
قالَ أمنعهم التفكر فِيها.
وَقالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب المُتَّقِينَ بفكرها إلى ما قدر في حجب الغَيْب من خير الآخرة لم يَصْف لَهُم في الدُّنْيا عَيْش ولم تقر لَهُم فِيها …