Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ يَذْكُرُونَهُ دائِمًا عَلى الحالاتِ كُلِّها قائِمِينَ وقاعِدِينَ ومُضْطَجِعِينَ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ».»

وَقِيلَ مَعْناهُ يُصَلُّونَ عَلى الهَيْئاتِ الثَّلاثِ حَسَبَ طاقَتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ تُومِئُ إيماءً».»

فَهُوَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِيمِ بَدَنِهِ. ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا واعْتِبارًا، وهو أفْضَلُ العِباداتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا عِبادَةَ كالتَّفَكُّرِ»،» لِأنَّهُ المَخْصُوصُ بِالقَلْبِ والمَقْصُودُ مِنَ الخَلْقِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى فِراشِهِ إذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلى السَّماءِ والنُّجُومِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ لَكَ رَبًّا وخالِقًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ».»

وَهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الأُصُولِ وفَضْلِ أهْلِهِ. ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى المُتَفَكِّرِ فِيهِ، أيِ الخَلْقِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَخْلُوقُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ إلَيْهِما لِأنَّهُما في مَعْنى المَخْلُوقِ، والمَعْنى ما خَلَقْتُهُ عَبَثًا ضائِعًا مِن غَيْرِ حِكْمَةٍ بَلْ خَلَقْتُهُ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِوُجُودِ الإنْسانِ وسَبَبًا لِمَعاشِهِ ودَلِيلًا يَدُلُّهُ عَلى مَعْرِفَتِكَ ويَحُثُّهُ عَلى طاعَتِكَ لِيَنالَ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ والسَّعادَةَ السَّرْمَدِيَّةَ في جِوارِكَ. ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ العَبَثِ وخَلْقِ الباطِلِ وهو اعْتِراضٌ. ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ فِيهِ، والقِيامِ بِما يَقْتَضِيهِ. وفائِدَةُ الفاءِ هي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِما لِأجْلِهِ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ حَمَلَهم عَلى الِاسْتِعاذَةِ.

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ غايَةَ الإخْزاءِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الضَّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ، والمُرادُ بِهِ تَهْوِيلُ المُسْتَعاذِ مِنهُ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وطَلَبِهِمُ الوِقايَةَ مِنهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أفْظَعُ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أرادَ بِهِمُ المُدْخَلِينَ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى

أنَّ ظُلْمَهم سَبَبٌ لِإدْخالِهِمُ النّارَ وانْقِطاعِ النُّصْرَةِ عَنْهم في الخَلاصِ مِنها، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النُّصْرَةِ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقَهْرٍ.

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ أوْقَعَ الفِعْلَ عَلى المَسْمَعِ وحَذَفَ المَسْمُوعَ لِدَلالَةِ وصْفِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في إيقاعِهِ عَلى نَفْسِ المَسْمُوعِ وفي تَنْكِيرِ المُنادِي وإطْلاقِهِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ القُرْآنُ، والنِّداءُ والدُّعاءُ ونَحْوُهُما يُعَدّى بِإلى واللّامِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِانْتِهاءِ والِاخْتِصاصِ. ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ بِأنْ آمِنُوا فامْتَثَلْنا. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ كَبائِرَنا فَإنَّها ذاتُ تَبِعَةٍ. ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ صَغائِرَنا فَإنَّها مُسْتَقْبَحَةٌ، ولَكِنْ مُكَفِّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الكَبائِرِ. ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ مَخْصُوصِينَ بِصُحْبَتِهِمْ مَعْدُودِينَ في زُمْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ. والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ كَأرْبابٍ وأصْحابٍ.

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ مِنَ الثَّوابِ. لِما أظْهَرَ امْتِثالَهُ لِما أُمِرَ بِهِ سَألَ ما وُعِدَ عَلَيْهِ لا خَوْفًا مِن إخْلافِ الوَعْدِ بَلْ مَخافَةُ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَوْعُودِينَ لِسُوءِ عاقِبَةٍ، أوْ قُصُورٍ في الِامْتِثالِ أوْ تَعَبُّدًا واسْتِكانَةً. ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ما وعَدْتَنا مُنَزَّلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ مَعْناهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِأنْ تَعْصِمَنا عَمّا يَقْتَضِيهِ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ بِإثابَةِ المُؤْمِنِ وإجابَةِ الدّاعِي وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِيعادُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ.

وَتَكْرِيرُ رَبَّنا لِلْمُبالَغَةِ في الِابْتِهالِ والدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها.

وَفِي الآثارِ « (مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ رَبَّنا أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ).»

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ إلى طُلْبَتِهِمْ، وهو أخَصُّ مَن أجابَ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ. ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ بِأنِّي لا أُضَيِّعُ. وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ عامِلٍ. ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، أوْ لِأنَّهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، أوْ لِفَرْطِ الِاتِّصالِ والِاتِّحادِ، أوْ لِلِاجْتِماعِ والِاتِّفاقِ في الدِّينِ. وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَ بِها شَرِكَةَ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فِيما وعَدَ لِلْعُمّالِ.

رُوِيَ « (أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ فَنَزَلَتْ.» ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلَخْ، تَفْصِيلٌ لِأعْمالِ العُمّالِ وما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، والمَعْنى فالَّذِينَ هاجَرُوا الشِّرْكَ أوِ الأوْطانَ والعَشائِرَ لِلدِّينِ. ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ومِن أجْلِهِ ﴿وَقاتَلُوا﴾ الكُفّارَ. ﴿وَقُتِلُوا﴾ في الجِهادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا والثّانِي أفْضَلُ. أوْ لِأنَّ المُرادَ لِما قُتِلَ مِنهم قَوْمٌ قاتَلَ الباقُونَ ولَمْ يَضْعُفُوا. وشَدَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قُتِّلُوا لِلتَّكْثِيرِ. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ لَأمْحُوَنَّها. ﴿وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ أُثِيبُهم بِذَلِكَ إثابَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَفَضُّلًا مِنهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ. ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ عَلى

الطّاعاتِ قادِرٌ عَلَيْهِ.

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ تَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ وإنَّما جُعِلَ لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى لا تَنْظُرُ إلى ما الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَةِ والحَظِّ، ولا تَغْتَرَّ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في مَكاسِبِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ ومَزارِعِهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ في رَخاءٍ ولِينِ عَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتْ.»

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ مَتاعٌ قَلِيلٌ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلَ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ».» ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ تَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ وإنَّما جُعِلَ لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى لا تَنْظُرُ إلى ما الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَةِ والحَظِّ، ولا تَغْتَرَّ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في مَكاسِبِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ ومَزارِعِهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ في رَخاءٍ ولِينِ عَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتْ.»

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ مَتاعٌ قَلِيلٌ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلَ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ».» ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ والنَّزَلُ: ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ أبُو الشِّعْرِ الضَّبِّيُّ:

؎ وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نَزَلا

وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والتَّقْدِيرُ: أُنْزِلُوها نُزُلًا وما عِنْدَ اللَّهِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ لِقِلَّتِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ.

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا نَصارى فَأسْلَمُوا. وقِيلَ في أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ لَمّا نَعاهُ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَصَلّى عَلَيْهِ فَقالَ المُنافِقُونَ انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ. وإنَّما دَخَلَتِ اللّامُ عَلى الِاسْمِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إنَّ بِالظَّرْفِ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ. ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ وجَمَعَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لا ﴿يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُحَرِّفُونَ مِن أحْبارِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ما خُصَّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ ووَعْدِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِعِلْمِهِ بِالأعْمالِ وما يَسْتَوْجِبُهُ مِنَ الجَزاءِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّأمُّلِ والِاحْتِياطِ، والمُرادُ أنَّ الأجْرَ المَوْعُودَ سَرِيعُ الوُصُولِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ.

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يُصِيبُكم مِنَ الشَّدائِدِ. ﴿وَصابِرُوا﴾ وغالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ بِالصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ وأعْدى عَدُوِّكم في الصَّبْرِ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ

مُطْلَقًا لِشِدَّتِهِ. ﴿وَرابِطُوا﴾ أبْدانَكم وخُيُولَكم في الثُّغُورِ مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ، وأنْفُسَكم عَلى الطّاعَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِنَ الرِّباطِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ»،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعَدْلِ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وقِيامِهِ، لا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ».» ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فاتَّقُوهُ بِالتَّبَرِّي عَمّا سِواهُ لِكَيْ تُفْلِحُوا غايَةَ الفَلاحِ، أوْ واتَّقُوا القَبائِحَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ بِنَيْلِ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ المُرَتَّبَةِ الَّتِي هي الصَّبْرُ عَلى مَضَضِ الطّاعاتِ ومُصابَرَةُ النَّفْسِ في رَفْضِ العاداتِ ومُرابَطَةُ السِّرِّ عَلى جَنابِ الحَقِّ لِتَرْصُدَ الوارِداتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةِ، والحَقِيقَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» .

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تُحْجَبَ الشَّمْسُ».»

. واللَّهُ أعْلَمُ.

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.