لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ
صفحة ١٨٤
وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .
وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن …