Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 181–190 of 200

181

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.

أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ﴾ اللي عندنا الآن: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ بالنون و﴿نَقُولُ﴾ بالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب.

على القراءة الثانية: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون ﴿قَتْلَهُمُ﴾ مبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ .

و﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ﴾ هذه: ﴿يَقُولُ﴾ تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ولَّا ﴿سَنَكْتُبُ﴾؟

* الطلبة: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ .

* الشيخ: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .

أما: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ ففيها قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ ، والثاني: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالياء كما في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع.

يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ أكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن.

إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]، ولا يقول: لي …

Aal-i-Imraan 3:181Listen in Qur'an →
182

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth and because Allah is not ever unjust to [His] servants."

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.

أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ﴾ اللي عندنا الآن: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ بالنون و﴿نَقُولُ﴾ بالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب.

على القراءة الثانية: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون ﴿قَتْلَهُمُ﴾ مبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ .

و﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ﴾ هذه: ﴿يَقُولُ﴾ تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ولَّا ﴿سَنَكْتُبُ﴾؟

* الطلبة: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ .

* الشيخ: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .

أما: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ ففيها قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ ، والثاني: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالياء كما في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع.

يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ أكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن.

إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]، ولا يقول: لي …

Aal-i-Imraan 3:182Listen in Qur'an →
183

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] those who said, "Indeed, Allah has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ إلى آخره، هذا أيضًا من كذب هؤلاء اليهود أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾، أي: أوصانا وصية موثقة بالعهد، يقال: عهد إليه، أي: أوصى إليه وصية موثقة، ومنه العهد بالولاية، أي: ولاية الحاكم إلى من بعده، فإنه يوصي بالحكم إلى من بعده، مثل عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر، فمعنى: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي: أوصانا وصية مثبّتة بالعهد، ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، هكذا قالوا، وهذا من كذبهم كما سيأتي.

يقول: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ يعني: لرسول من عند الله، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، وذلك بأن نقرّب قربانًا من طعام أو بهائم أو لحم أو ثياب ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، يعني أنهم حصروا الآيات التي يطلبونها من الرسول بأن يأتي بنار تأكل هذا القربان، وكانوا فيما سبق إذا غنموا غنائم من الكفار جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أُحِلّت الغنائم لهذه الأمة، هؤلاء يقولون: لا نؤمن لرسول إلا إذا أتانا بهذه الآية فقط، وهي أننا إذا قرّبنا قربانًا أكلته النار، هكذا قالوا، قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني: قد جاءتكم رسل بأكثر مما تدعون الآن، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات التي تبين صدق رسالتهم، والثاني: ﴿بِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: بالقربان الذي تأكله النار، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني ومع ذلك كذبتموهم وقتلتموهم.

فإن قال قائل: لماذا عدل الله عز وجل عن المطالبة بصدق ما ادعوه؟

قلنا: هذا من باب التنزّل مع الخصم، يعني على فرض أن الأمر كما قلتم فقد اعتديتم حتى فيما جيء به من مطلوبكم، اعتديتم على الرسل، وأرجو أن ننتبه لهذا، أولًا من ادعى دعوى فإننا نعامله بمراتب؛ المرتبة الأولى: صحة ما قال، المرتبة الثانية: مخالفته لما قال، فهنا لم يطالبهم الله عز وجل بصحة ما قالوا من باب موافقة الخصم، أقول: من باب موافقة الخصم، أحسن من التنزّل؛ لأن اللي معنا قرآن، أنا قلت بالأول: تنزل، بناء على العبارة المعروفة عند العلماء، ونحن نقول هنا: موافقة الخصم، فهنا قد وافق الخصم، قال: نعم، هب أن الأمر كما قلتم، وأنه عُهِد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسول بقربان تأكله النار ومع ذلك قتلتموه، إذن فطلبكم هذه الآية المعينة ليس عن صدق؛ لأنها قد جاءتكم ومع ذلك كذبتم الرسل وقتلتموهم، فهنا عدل عن المطالبة بصحة الدعوى من باب موافقة الخصم، أي أنكم لا تريدون أن تصدقوا الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، حين قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، فهم طالبوا بالقربان (...) تأكله النار، مع أن الذي ذكرنا أنه (...)؟

* الشيخ: لا، بقربان، لكن القربان هم يتقربون بقربانهم، يعني حتى يأتينا بمشروعية قربان نتقرب به وتأكله النار، ما هو اللي يأتي بالقربان.

* طالب: هكذا ظاهر الآيات.

* الشيخ: إي، لكن العلماء فسروها بذلك، أنهم هم يتقربون بالقربان تأكله النار.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الأمم السابقة إذا تقرب بقربان من البهائم فهل تأكله النار مثل المتاع؟

* الشيخ: الظاهر إذا كان مشروعًا تأكله النار، من البهائم وغيرها إذا كان مشروعًا مثل البهائم، أما إذا كان بغير البهائم فالأمر ما فيه إشكال.

* طالب: مثل الغنائم.

* الشيخ: الغنائم هم قالوا: عامة.

* طالب: بالنسبة للأمة الإسلامية هل أحلت لأول غزوة غزوها (...)؟

* الشيخ: لا هو المعروف في بدر أنه ما قسموها إلا بقسمة النبي عليه الصلاة والسلام، قسمها هو، ولم تكن …

Aal-i-Imraan 3:183Listen in Qur'an →
184

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ

Then if they deny you, [O Muhammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.

ثم قال الله تعالى مسليًا لرسوله ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ فيها قراءة: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي زيادة الباء.

يقول عز وجل: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، والفاعل قريش وأهل الكتاب، كل من كذّب الرسول، ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ هذه (فقد): الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأنه مقرون بـ (قد)، وقوله: ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾، في آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤]، فلماذا جاء التذكير والتأنيث؟ نقول: لأن الرسل جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه ثبوت التاء وحذفها، قال ابن مالك رحمه الله:

وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِـــــــــمِمِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعَ إِحْدَىاللَّبِنْ

اللبن إحداها لبنة، فاللبنة تذكر وتؤنث، وجميع الجموع تذكر وتؤنث ما عدا جمع المذكر السالم على رأي ابن مالك، ويضاف إليها على رأي ابن هشام جمع المؤنث السالم، ويقابله من قال بأن جميع الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها حتى السالم من مذكر أو مؤنث، ومنه قول الزمخشري يرد به على أعدائه يقول: لا أبالي بجمعِهم، كلُّ جمعٍ مؤنثٌ.

المؤنث لا يقابل الرجال، الشاهد قوله: كل جمع مؤنث، والذي يظهر -والله أعلم- أن الرأي الصحيح رأي ابن هشام؛ أن السالم من الجمع المذكر يجب تذكيره، ومن الجمع المؤنث يجب تأنيثه، أما جمع التكسير فيجوز فيها التذكير والتأنيث، هنا: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾.

وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الرسول كما مر علينا كثيرًا هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، هؤلاء الرسل جاؤوا بالبينات، جملة ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ﴿رُسُلٌ﴾، ويجوز أن تكون حالًا، أما جواز أن تكون صفة فظاهر؛ لأن (رسل) منكر فالذي يأتي من بعده يكون صفة، وأما جواز كونها حالًا مع أن الذي قبلها منكر فلأن هذه النكرة وُصِفت، وإذا وصفت النكرة جاز وقوع الحال منها؛ لأنها إذا وُصفت تخصصت.

﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ البينات هي الآيات، البينات الشرعية والكونية، فالآيات الشرعية هي الكتب التي جاؤوا بها، والآيات الكونية هي ما يسمى بالمعجزات الحسية.

﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والمراد به ما اشتمل على المواعظ والزواجر، هذا الزبر، ولهذا كان الزبور الذي أوتيه داود أكثره مواعظ وزواجر.

﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، والمنير بمعنى المنير للظلمات، وهذا العطف ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هذا من باب عطف الصفة على الصفة الأخرى؛ لأن الزبر تتضمن الكتاب المنير، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١-٤]، فقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ هذا من باب عطف الصفات، ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ﴾ أيضًا من باب عطف الصفات، فالتغاير هنا تغاير صفة وليس تغاير أداة.

* في هذه الآية من الفوائد: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام.

* ويتفرع عليها: أن يتسلى الإنسان بكل ما أصاب غيره، فمثلًا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤذَى فليتسلَّ، بأيش؟ بأذية غيره؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصيب بمثل ما أصيب به لا شك أنه ينسى الحزن، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا تقول:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَوْلِــــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــي

الشاهد هنا قولها: أسلي النفس عنه بالتأسي، فالإنسان إذا نظر يمينًا وشمالًا، وإذا هذا مصاب بعقله، وهذا مصاب ببدنه، وهذا مصاب بأهله، وهذا مصاب بماله يتسلى، كذلك الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال الله له: قد …

Aal-i-Imraan 3:184Listen in Qur'an →
185

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخره، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ (كل) من صيغ العموم، والنفس قد يراد بها الروح، وقد يراد بها البدن بالروح، وكلاهما صحيح، فالموت يذوقه البدن وتذوقه الروح.

وقوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: ذائقة طعمه، أي لا بد أن تموت، ولكن الله عبر بالذوق لأنه أبلغ في الحصول؛ لأن الذوق يحصل به حق اليقين، وقد قسم العلماء اليقين إلى ثلاث درجات: علم، وعين، وحق؛ فالعلم بالخبر، والعين بالمشاهدة، والحق بالذوق، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، وقد أخفاها في كيس والقائل صدوق، فبماذا تسمي هذا؟ تسميه بعلم اليقين، فإذا كشفها فهو عين اليقين، فإذا أكلها المخبَر فهو حق اليقين، ولهذا عبّر عز وجل بالذائقة؛ لأن الموت حق لا بد لكل حي من موت إلا الحي القيوم عز وجل.

وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ هل المراد: من بني آدم ومن الجن ممن على الأرض، بحيث نقول: إن الملائكة لا يموتون؟ الجواب: لا، كل أحد يموت، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر ٦٨]، ذكر العلماء أنه يستثنى من هذا ممن لا يموت وممن خُلِقوا للبقاء، يستثنى الوِلدان الذين في الجنة، والحور اللاتي في الجنة، فإنهم خُلِقوا للبقاء فلا يموتون، أما الملائكة وجميع الخلق فإنهم يموتون.

وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذه حصر، يعني: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة، والمراد بالتوفية هنا توفية الكمال، وإلا فإن الإنسان قد يوفى أجره في الدنيا ويُدَّخر له أيضًا زيادة على ذلك، والكافر أيضًا ربما يوفى أجره في الدنيا، أي: ما عمل من خير فإنه يُطعم به في الدنيا، لكن في الآخرة ليس له خلاق.

وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بعد قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قد يُشعر بأن المراد بيوم القيامة هنا ما هو أعم من القيامة الكبرى، فيشمل القيامة الصغرى التي تكون لكل موجود من ذوات النفوس.

قال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، (زحزح) أي: دُفِع ببطء، وذلك لأن النار -أعاذني الله وإياكم منها- محفوفة بالشهوات، والشهوات تميل إليها النفوس، فلا يكاد الإنسان ينصرف عن هذه الشهوات إلا بزحزحة؛ لأنه مقبل عليها بقوة، ولهذا قال: ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾، أي: دُفِع عنها بمشقة وشدة، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾؛ لأنه نجا من المرهوب وحصل على المطلوب.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، (ما) هذه نافية ولم تعمل عمل (ليس)؛ لأن النفي انتقض، وإذا انتقض النفي بطل عمله، كما قال ابن مالك:

........................ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ...........

فإن كان إن انتقض فهي مهملة.

وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وصفها بالدنيا لوجهين؛ الوجه الأول: لدنوها زمنًا، والوجه الثاني: لدنوها قدرًا، أما دنوها زمنًا فظاهر؛ لأنها قبل الآخرة، وأما دنوها قدرًا فقد قال النبي ﷺ:« «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»البخاري (٢٧٩٣)، وأحمد (٢٨٦٢) واللفظ له من حديث أبي هريرة. موضع السوط، السوط يمكن لنقل: إنه متر، خير من الدنيا وما فيها، من الدنيا ليست دنياك التي أنت فيها، وليست دنياك الخاصة بك أنت، بل الدنيا من أولها إلى آخرها، إذن الحياة هذه بالنسبة للآخرة دنيئة ودانية من الدنوّ وهو الانحطاط.

وقوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: إلا متعة تغرّ صاحبها وتخدعه، وكم من أناس زُيِّنَت لهم الدنيا فانخدعوا بها، وكان مآلهم إلى السحيق -والعياذ بالله- لأنهم اغتروا بها.

* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:

أولًا: أن الموت حق لا بد منه؛ لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. …

Aal-i-Imraan 3:185Listen in Qur'an →
186

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٦ - ١٨٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ هذه الجملة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ مؤكدة كما هو معلوم بثلاثة مؤكدات؟

* طالب: نون التوكيد، واللام، والقسم المقدر.

* الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم، أي: والله لتبلون.

والابتلاء: الاختبار، والله سبحانه تعالى أحيانًا يختبر بالخير وأحيانًا يختبر بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكما قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. وذلك أن الإنسان دائر بين حالين؛ إما شيء يُسر به ويفرح به، فهذا وظيفته الشكر، وإما شيء يسوؤه ويحزِنه فهذا وظيفته الصبر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وقال: ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب..

هنا يقول عز وجل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ في أموالكم: إما من قِبل الله عز وجل كالجوائح، وإما من قبل المخلوقين؛ كتسلط المشركين على أموال المسلمين، وكل ذلك من البلوى، كل هذا من البلوى الذي يبتلي الله به العباد.

وقوله: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يشمل أيضًا البلوى المتصلة والمنفصلة. البلوى المتصلة ما يحصل على الإنسان من بلوى من الله عز وجل في بدنه، مثل المرض والعجز وما أشبه ذلك. والبلوى المنفصلة ما تكون في الأولاد؛ لأن الأولاد من أنفسنا؛ يُبتلى الإنسان في ولده، في أهله، في زوجته، في غير ذلك، هذا أيضًا من الابتلاء.

ثم إن الابتلاء الذي يكون إما من الله عز وجل، وإما من المخلوق، يبتلى الإنسان في نفسه من المخلوقين، يؤذونه أحيانًا بالضرب، وأحيانًا بالقول، وأحيانًا بالقتل؛ كما قتلوا الأنبياء بغير حق.

﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.

﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم الوثنيون؛ كقريش وغيرهم، تسمعن منهم ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ أذى بأيش؟ بالقول؛ لأنه هو الذي يسمع، مثل أن يعيروكم أو يسبوا دينكم، أو يسبوا نبيكم، وقد قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ساحر كذاب، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، وقالوا: إنه مجنون ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] وقالوا: إنه كاهن، ووصفوه بكل عيب. ولا شك أن هذا يؤذي …

Aal-i-Imraan 3:186Listen in Qur'an →
187

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة العامل، ويقدره العلماء بقولهم: (اذكر إذ)، (واذكر إذ أخذ الله) يعني: اذكر هذا للناس مبينًا ما حصل.

وقوله: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا من الوثاق، وهو الحبل الذي يُشد به الإنسان ويربط، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] يعني الحبل الذي تربطونهم به وتأسرونهم به، فالميثاق بمعنى العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا لأنه كالرباط للمعاهد.

وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى، أخذ الله عليهم العهد والميثاق بما أعطاهم من الكتاب أن يبينوه للناس، ولهذا قال: لتبيننه، اللام موطئة للقسم، أي أُخذ عليهم عهد بهذا: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، هنا قال: لتبينن ولا تكتمونه، فكيف يصح قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؟ لأن البيان ضد أيش؟ ضد الكتمان، ولكن نقول: المعنى: لتبيننه بيانًا لا كتمان فيه.

والكتمان نوعان: إما إخفاء بعض الآيات، وإما تحريف الآيات إلى معانٍ أخرى، فإن هذا يعد كتمًا؛ لأن الذي يحرف الآيات إلى معانٍ أخرى لم يبين الآيات على ما هي عليه، بل كتم المعنى الحقيقي المراد إلى معنًى آخر، فالكتم إذن نوعان: إخفاء لبعض الآيات كما قال الله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ للناس ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١]، وإما أن يكون الكتم كتم المعنى، أي لا يُبين المعنى، وإنما يُحرف.

فالكتم إذن نوعان: إخفاء الألفاظ، والثاني: إخفاء المعاني، بحيث لا يغير اللفظ لكن يغير المعنى، فهذا كتمان.

ومن ذلك مثلًا أن النصارى قالوا: إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي بشّر به عيسى؛ لأن الذي بشر به عيسى اسمه أحمد، وهذا اسمه محمد، هذا كتمان، كتمان معنى ولا لفظ؟

* طلبة: معنى.

* الشيخ: معنى.

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فإن قال قائل: هل يشعر العالم بهذا الميثاق، وأنه جرى بينه وبين الله عز وجل صفقة عهد؟

الجواب: لا يشعر، لكن إيتاء الله العلم له يعتبر ميثاقًا، يعني كون الله يهبه علمًا هذا ميثاق، ما أعطاك هذا العلم إلا من أجل أن تبينه، وإن كان الإنسان لا يستحضر أنه جرى بينه وبين ربه عهد كما يعاهَد أهل الذمة مثلًا، ولكن إيتاء الله عز وجل العلم له هذا عهد أن يبينه.

قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: ﴿نَبَذُوهُ﴾ أي: نبذوا العهد، نبذوا الميثاق، أي طرحوه، ومع ذلك لم يطرحوه بين أيديهم، بل طرحوه وراء ظهورهم، وهو كناية عن شدة إعراضهم عما آتاهم الله من الكتاب، حيث نبذوه نبذًا، ولم ينبذوه أمامهم، بل وراء ظهورهم، فيكون هذا أشد في كراهية ما أنزل الله وفي الاستكبار عنه والإعراض عنه.

﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ أي استبدلوا به ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي بهذا العهد والميثاق ثمنًا قليلًا، ما هو الثمن القليل الذي اشتروه؟ إبقاء رئاستهم وجاههم وسلطانهم على قومهم؛ لأن هؤلاء الأحبار والقسيسين لو تبعوا محمدًا زالت رئاستهم ووجاهتهم، وصاروا كعامة الناس، فقالوا: نكذب محمدًا ونبقى على ما كنا عليه من الرئاسة والجاه والتقديم. إذن ما هو الثمن؟ ما هو المبيع وما هو الثمن؟

المبيع العهد، والثمن: الجاه والرئاسة وما أشبه ذلك، ووصف الله هذا بأنه قليل، وصدق الله، فإن جميع ما في الدنيا قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. فهذا الذي استبدلوه هو ثمن قليل زهيد، لا …

Aal-i-Imraan 3:187Listen in Qur'an →
188

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

ثم قال الله عز وجل: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فيها قراءات: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، و﴿لَا تَحْسِبَنَّ﴾ بكسر السين، وفيها قراءة: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء بدل التاء، فالقراءة ثلاثة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، ﴿لَا تَحْسِبَنَّ﴾ ، ﴿لَا يَحْسبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ ، فعلى قراءة التاء يكون الخطاب موجهًا إما للنبي ﷺ وإما لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، والمعنى الثاني أعم وأشمل، يعني: لا تحسبن أيها المخاطب.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الذين: محلها من الإعراب أنها مفعول أول لـ(تحسبن)، فأين المفعول الثاني؟

* طالب: (فلا تحسبن).

* الشيخ: فعل (فلا تحسبن).

* الطالب: جملة (فلا تحسبن).

* الشيخ: ما تصح، المفعول الثاني إما أن نقول: إنه محذوف قبل الجملة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾، ويكون المعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ناجين، ثم فرع عليه قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ويحتمل أن قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ جملة مؤكدة لقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ هو المفعول الثاني. والأول أقرب؛ أي: لا تحسبنهم ناجين، فلا تحسبنهم بمفازة.

وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ فيها قراءتان أيضًا، بل ثلاث قراءات: ﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ و﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، و﴿فَلَا يَحْسِبُنَّهُمْ﴾ ، يعني لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب.

نرجع الآن إلى التفسير: يقول عز وجل: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾، أي: يفرحون فرح أشر وبطر ومنّة على الله وعلى رسول الله ﷺ، ﴿بِمَا أَتَوْا﴾، أي بما أتوا من الأعمال التي يتقربون بها إلى الله، على زعمهم، ولكنهم يفرحون بها منةً على الله ورسوله.

وقوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أي يحبون أن الناس يحمدونهم على شيء لم يفعلوه، مثل أن يتظاهروا للناس بالصلاح من أجل أن يثنى عليهم، وهم لم يفعلوا الصلاح، ومثل ما فعل أهل الكتاب؛ كتموا صفة النبي ﷺ ولم يبينوها، فقالوا: الآن غلبنا محمدًا، حيث قلنا: إنه ليس هو المبشَّر به. ففرحوا بما أتوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

كذلك المنافقون يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فأما المسلم إذا فرح بما أنعم الله عليه من العمل، وأحب أن يحمَد بما لم يفعل، لا رياءً، ولكن من طبيعة البشر أنه يحب أن يحمده الناس، فإن هذا لا يدخل في الآية، فالذي يدخل في الآية الصنفان: الصنف الأول: أهل الكتاب الذين فرحوا بما أتوا من كتمان صفة النبي ﷺ وعدم الإيمان به، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، حيث يتظاهرون للناس بأنه لو جاء الرسول الذي بشر به عيسى لآمنّا به. والصنف الثاني من؟ المنافقون، فإن المنافقين يفرحون بما أتوا، ويقولون: نحن أسلمنا أمام محمد وأصحابه، وهم على العكس من ذلك، ولهذا قال: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ من الإخلاص والمحبة لله ورسوله واتباع رسوله ﷺ.

قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ المفازة مكان الفوز، أي لا تحسبنهم بمكان يفوزون به وينجون به من العذاب، بل هم منغمسون في العذاب، والعياذ بالله.

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الجملة هذه استئنافية، لمّا بيّن أنهم ليسوا بمفازة من العذاب وليسوا ناجين أكد هذا بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أليم: بمعنى مؤلم، فهي فعيل بمعنى مُفعِل، وفعيل بمعنى مفعل تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

السميع بمعنى المسمع.

* في هذه الآية الكريمة فوائد، وهي: تحذير من يفرح بما أتى …

Aal-i-Imraan 3:188Listen in Qur'an →
189

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.

قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.

هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟

* طالب: بالعجز.

* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.

وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟

* طالب: غير وارد.

* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:

لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................

ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.

إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.

فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني …

Aal-i-Imraan 3:189Listen in Qur'an →
190

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding.

ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة استئنافية.

قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣] ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.

هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس، فتشمل الأرَضين السبع.

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟

* طالب: بالعجز.

* الشيخ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.

وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟

* طالب: غير وارد.

* الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:

لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ ∗∗∗ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ؎بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ∗∗∗ ....................

ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.

إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.

فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني …

Aal-i-Imraan 3:190Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.