Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 181–190 of 200

181

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِبَذْلِ النَّفْسِ

صفحة ٩٥

وبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في حِكايَةِ شُبُهاتِ القَوْمِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِهِ قالَتِ الكُفّارُ: إنَّهُ تَعالى لَوْ طَلَبَ الإنْفاقَ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، لَأنَّ الَّذِي يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ يَكُونُ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ الفَقْرُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالًا، كانَ كَوْنُهُ طالِبًا لِلْمالِ مِن عَبِيدِهِ مُحالًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في إسْنادِ هَذا الطَّلَبِ إلى اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي في طَرِيقِ النَّظْمِ: أنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ بِأمْوالِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتْ تَجِيءُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا طَلَبَ مِنهم بَذْلَ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ قالُوا لَهُ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَما طَلَبْتَ الأمْوالَ لِهَذا الغَرَضِ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِفَقِيرٍ حَتّى يَحْتاجَ في إصْلاحِ دِينِهِ إلى أمْوالِنا، بَلْ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ تَطْلُبُ أمْوالَنا لِأجْلِ أنْ تَجِيئَها نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يَذْكُرُ ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وقالَ آخَرُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتِ اليَهُودُ: نَرى إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ وهو فَقِيرٌ، وهو يَنْهانا عَنِ الرِّبا ثُمَّ يُعْطِينا الرِّبا، وأرادُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ هَذا القائِلِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى اليَهُودِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: إنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّهُ بَخِيلٌ بِالعَطاءِ، وذَلِكَ الجَهْلُ مُناسِبٌ لِلْجَهْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيها: ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ عَلى ما رَوَيْناهُ في …

Aal-i-Imraan 3:181Listen in Qur'an →
182

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth and because Allah is not ever unjust to [His] servants."

قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِبَذْلِ النَّفْسِ

صفحة ٩٥

وبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في حِكايَةِ شُبُهاتِ القَوْمِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِهِ قالَتِ الكُفّارُ: إنَّهُ تَعالى لَوْ طَلَبَ الإنْفاقَ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، لَأنَّ الَّذِي يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ يَكُونُ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ الفَقْرُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالًا، كانَ كَوْنُهُ طالِبًا لِلْمالِ مِن عَبِيدِهِ مُحالًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في إسْنادِ هَذا الطَّلَبِ إلى اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي في طَرِيقِ النَّظْمِ: أنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ بِأمْوالِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتْ تَجِيءُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا طَلَبَ مِنهم بَذْلَ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ قالُوا لَهُ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَما طَلَبْتَ الأمْوالَ لِهَذا الغَرَضِ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِفَقِيرٍ حَتّى يَحْتاجَ في إصْلاحِ دِينِهِ إلى أمْوالِنا، بَلْ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ تَطْلُبُ أمْوالَنا لِأجْلِ أنْ تَجِيئَها نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يَذْكُرُ ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وقالَ آخَرُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتِ اليَهُودُ: نَرى إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ وهو فَقِيرٌ، وهو يَنْهانا عَنِ الرِّبا ثُمَّ يُعْطِينا الرِّبا، وأرادُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ هَذا القائِلِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى اليَهُودِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: إنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّهُ بَخِيلٌ بِالعَطاءِ، وذَلِكَ الجَهْلُ مُناسِبٌ لِلْجَهْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيها: ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ عَلى ما رَوَيْناهُ في …

Aal-i-Imraan 3:182Listen in Qur'an →
183

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] those who said, "Indeed, Allah has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِلْكُفّارِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وتَقْرِيرُها أنَّهم قالُوا: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ ما فَعَلْتَ ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وزَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ وغَيْرِهِمْ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وقَدْ عَهِدَ إلَيْنا في التَّوْراةِ أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، ويَكُونُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ، تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَإنْ جِئْتَنا بِهَذا صَدَّقْناكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ عَطاءٌ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ الثُّرُوبَ وأطايِبَ اللَّحْمِ فَيَضَعُونَها في وسَطِ بَيْتٍ والسَّقْفُ مَكْشُوفٌ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ ويُناجِي رَبَّهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ خارِجُونَ واقِفُونَ حَوْلَ البَيْتِ فَتَنْزِلُ نارٌ بَيْضاءُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ ولا دُخانَ لَها فَتَأْكُلُ كُلَّ ذَلِكَ القُرْبانِ.

واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ فِيما ادَّعاهُ اليَهُودُ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ ولَكِنَّهُ مَعَ شَرْطٍ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: مَن جاءَكم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ. فَإنَّهُما إذا أتَيا فَآمِنُوا بِهِما فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. قالَ: وكانَتْ هَذِهِ العادَةُ باقِيَةً إلى مَبْعَثِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ارْتَفَعَتْ وزالَتْ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ادِّعاءَ هَذا الشَّرْطِ كَذِبٌ عَلى التَّوْراةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ

صفحة ٩٩

حَقًّا لَكانَتْ مُعْجِزاتُ كُلِّ الأنْبِياءِ هَذا القُرْبانَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كانَتْ أشْياءَ سِوى هَذا القُرْبانِ.

وثانِيها: أنَّ نُزُولَ هَذِهِ النّارِ وأكْلَها لِلْقُرْبانِ مُعْجِزَةٌ فَكانَتْ هي وسائِرُ المُعْجِزاتِ عَلى السَّواءِ، فَلَمْ يَكُنْ في تَعْيِينِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وتَخْصِيصِها فائِدَةٌ، بَلْ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ القَطْعُ بِنُبُوَّتِهِ سَواءٌ ظَهَرَتْ هَذِهِ المُعْجِزَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ.

وثالِثُها: أنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ وإنْ جاءَ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ فَلا تَقْبَلُوا قَوْلَهُ إلّا أنْ يَجِيءَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ، أوْ يُقالَ: جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ يُطالِبُ بِالمُعْجِزَةِ سَواءٌ كانَتِ المُعْجِزَةُ هي مَجِيءَ النّارِ، أوْ شَيْءٌ آخَرُ، …

Aal-i-Imraan 3:183Listen in Qur'an →
184

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ

Then if they deny you, [O Muhammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .

فِي قَوْلِهِ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ) وُجُوهٌ:

أحَدُها: فَإنْ كَذَّبُوكَ في قَوْلِكَ إنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ جاءُوا إلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ بِالقُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ فَكَذَّبُوهم وقَتَلُوهم، فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ: نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ وغَيْرُهم.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ: إنْ كَذَّبُوكَ في أصْلِ النُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أوْجَهُ، لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ، ولِأنَّ تَكْذِيبَهم في أصْلِ النُّبُوَّةِ أعْظَمُ، ولِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّكْذِيبُ في ذَلِكَ الحِجاجِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيانُ أنَّ هَذا التَّكْذِيبَ لَيْسَ أمْرًا مُخْتَصًّا بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ، بَلْ شَأْنُ جَمِيعِ الكُفّارِ تَكْذِيبُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والطَّعْنُ فِيهِمْ، مَعَ أنَّ حالَهم في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ وفي نُزُولِ الكُتُبِ إلَيْهِمْ كَحالِكَ، ومَعَ هَذا فَإنَّهم صَبَرُوا عَلى ما نالَهم مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ واحْتَمَلُوا إيذاءَهم في جَنْبِ تَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ، فَكُنْ مُتَأسِّيًا بِهِمْ سالِكًا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ في هَذا المَعْنى، وإنَّما صارَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ وخَفَّتْ، فَأمّا البَيِّناتُ فَهي الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ، وأمّا الزُّبُرُ فَهي الكُتُبُ، وهي جَمْعُ زَبُورٍ، والزَّبُورُ الكِتابُ، بِمَعْنى المَزْبُورِ أيِ المَكْتُوبَ، يُقالُ زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ كُلُّ كِتابٍ ذِي حِكْمَةٍ، وعَلى هَذا:

صفحة ١٠١

الأشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الزَّبُورِ مِنَ الزَّبْرِ الَّذِي هو الزَّجْرُ، يُقالُ: زَبَرْتُ الرَّجُلَ إذا زَجَرْتَهُ عَنِ الباطِلِ، وسُمِّيَ الكِتابُ زَبُورًا لِما فِيهِ مِنَ الزَّبْرِ عَنْ خِلافِ الحَقِّ، وبِهِ سُمِّيَ زَبُورُ داوُدَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”وبِالزُّبُرِ“ أعادَ الباءَ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا ”المُنِيرِ“ فَهو مِن قَوْلِكَ أنَرْتُ الشَّيْءَ أيْ أوْضَحْتُهُ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ البَيِّناتِ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الزُّبُرَ والكِتابَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ إنَّ مُعْجِزاتِهِمْ كانَتْ مُغايِرَةً لِكُتُبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ ما كانَتْ كُتُبُهم مُعْجِزَةً لَهم، فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ ما كانَ شَيْءٌ مِنها مُعْجِزَةً، وأمّا القُرْآنُ فَهو وحْدَهُ كِتابٌ ومُعْجِزَةٌ، وهَذا أحَدُ خَواصِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ ”الكِتابِ المُنِيرِ“ عَلى ”الزُّبُرِ“ مَعَ أنَّ الكِتابَ المُنِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الزُّبُرِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا العَطْفُ لِأنَّ الكِتابَ المُنِيرَ أشْرَفُ الكُتُبِ وأحْسَنُ الزُّبُرِ، فَحَسُنَ العَطْفُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقالَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ووَجْهُ زِيادَةِ الشَّرَفِ فِيهِ إمّا كَوْنُهُ …

Aal-i-Imraan 3:184Listen in Qur'an →
185

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُبالَغَةُ في إزالَةِ الحُزْنِ مِن قَلْبِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ عاقِبَةَ الكُلِّ المَوْتُ، وهَذِهِ الغُمُومُ والأحْزانُ تَذْهَبُ وتَزُولُ ولا يَبْقى شَيْءٌ مِنها، والحُزْنُ مَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارٌ يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَتَوَفَّرُ عَلى عَمَلِ كُلِّ واحِدٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في غايَةِ القُوَّةِ في إزالَةِ الحُزْنِ والغَمِّ عَنْ قُلُوبِ العُقَلاءِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَمّى بِالنَّفْسِ، قالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ وأيْضًا النَّفْسُ والذّاتُ واحِدٌ فَعَلى هَذا يَدْخُلُ الجَماداتُ تَحْتَ اسْمِ النَّفْسِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا عُمُومُ المَوْتِ في الجَماداتِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَمُوتَ الدّاخِلُونَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ، وهَذا العُمُومُ يَقْتَضِي مَوْتَ الكُلِّ، وأيْضًا يَقْتَضِي وُقُوعَ المَوْتِ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولِأهْلِ النّارِ لِأنَّ كُلَّهم نُفُوسٌ.

وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُكَلَّفُونَ الحاضِرُونَ في دارِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ فَإنَّ هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا فِيهِمْ، وأيْضًا العامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ذائِقَةُ“ فاعِلَةٌ مِنَ الذَّوْقِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ وأُرِيدَ بِهِ الماضِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الجَرُّ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ضارِبُ عَمْرٍو أمْسِ، فَإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ والِاسْتِقْبالَ جازَ الجَرُّ والنَّصْبُ،

صفحة ١٠٢

تَقُولُ: هو ضارِبُ زَيْدٍ غَدًا، وضارِبٌ زِيدًا غَدًا، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] و”كاشِفاتُ ضُرِّهِ“ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ لِلِاسْتِقْبالِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”ذائِقَةً المَوْتَ“ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”المَوْتَ“ وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذائِقَةُ المَوْتَ“ بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:

ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا

وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَأْتِي في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ المَوْتَ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ولا تَزالُ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الحالَةُ إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ كانَ المَوْتُ ضَرُورِيًّا في هَذِهِ الحَياةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النَّفْسَ ذائِقَةَ المَوْتِ، والذّائِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ الذَّوْقِ، …

Aal-i-Imraan 3:185Listen in Qur'an →
186

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ بَعْدَ أنْ آذَوُا الرَّسُولَ والمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَيُؤْذُونَهم أيْضًا في المُسْتَقْبَلِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُهم، مِنَ الإيذاءِ بِالنَّفْسِ والإيذاءِ بِالمالِ، والغَرَضُ مِن هَذا الإعْلامِ أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ وتَرْكِ الجَزَعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَعْلَمْ نُزُولَ البَلاءِ عَلَيْهِ فَإذا أُنْزِلَ البَلاءُ عَلَيْهِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أمّا إذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ، فَإذا نَزَلَ لَمْ يَعْظُمْ وقْعُهُ عَلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّها واوُ جَمْعٍ فَحُرِّكَتْ بِما كانَ يَجِبُ لِما قَبْلَها مِنَ الضَّمِّ، ومِثْلُهُ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] .

صفحة ١٠٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (لَتُبْلَوُنَّ) لَتُخْتَبَرُنَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى الِاخْتِبارُ لِأنَّهُ طَلَبَ المَعْرِفَةَ لِيَعْرِفَ الجَيِّدَ مِنَ الرَّدِيءِ، ولَكِنَّ مَعْناهُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُعامِلُ العَبْدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ ما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ والفَقْرِ وما يَنالُهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ والهَزِيمَةِ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، ومِن حَيْثُ أُلْزِمُوا الصَّبْرَ في الجِهادِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشَّدِيدَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالبَدَنِ والمالِ، وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والجِهادُ. قالَ القاضِي: والظّاهِرُ يَحْتَمِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنْواعُ الإيذاءِ الحاصِلَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكانُوا يَطْعَنُونَ في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولَقَدْ هَجاهُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وأمّا المُشْرِكُونَ فَهم كانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويَجْمَعُونَ العَساكِرَ عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويُثَبِّطُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَحْمُولًا عَلى الكُلِّ إذْ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الثّانِي.

ثُمَّ قالَ تَعالى عَطْفًا عَلى الأمْرَيْنِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: «بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ أبا بَكْرٍ إلى فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ يَسْتَمِدُّهُ، فَقالَ فِنْحاصُ: قَدِ احْتاجَ رَبُّكَ إلى أنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ …

Aal-i-Imraan 3:186Listen in Qur'an →
187

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ شُبُهًا طاعِنَةً في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأجابَ عَنْهُ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أُمَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أنْ يَشْرَحُوا ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِ وصِدْقِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، والمُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكم إيرادُ الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ مَعَ أنَّ كُتُبَكم ناطِقَةٌ ودالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم ذِكْرُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ احْتِمالَ الأذى مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ إيذائِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ أنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانُوا يُحَرِّفُونَها ويَذْكُرُونَ لَها تَأْوِيلاتٍ فاسِدَةً، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها الصَّبْرُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”لَيُبَيِّنُنَّهُ ولا يَكْتُمُونَهُ“ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ الَّذِي كانَ حاصِلًا في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ، أيْ فَقالَ لَهم: لَتُبَيِّنُنَّهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] بِالتّاءِ

صفحة ١٠٦

والياءِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٤] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ أخْذِ المِيثاقِ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْرَدُوا الدَّلائِلَ في جَمِيعِ أبْوابِ التَّكالِيفِ وألْزَمُوهم قَبُولَها، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما أخَذَ المِيثاقَ مِنهم عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَذَلِكَ التَّوْكِيدُ والإلْزامُ هو المُرادُ بِأخْذِ المِيثاقِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَأُونَ ”وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ“ فَقالَ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ إلْزامَ هَذا الإظْهارِ لا شَكَّ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِعُلَماءِ القَوْمِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ما في الكِتابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: هو عائِدٌ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يَعُودُ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم بِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللّامُ لامُ التَّأْكِيدِ …

Aal-i-Imraan 3:187Listen in Qur'an →
188

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ هَذا الأذى أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا بِهِ مِن أنْواعِ الخَبَثِ والتَّلْبِيسِ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ البِرِّ والتَّقْوى والصِّدْقِ والدِّيانَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ يَتَأذّى بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَأمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلَيْها، وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِفَتْحِ الباءِ.

والثّانِي: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِضَمِّ الباءِ، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ وفَتَحَ الباءَ فِيهِما جَعَلَ التَّقْدِيرَ: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ، أوْ أيُّها السّامِعُ، ومَن ضَمَّ الباءَ فِيهِما جَعَلَ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ ”الَّذِينَ يَفْرَحُونَ“، والثّانِي: ”بِمَفازَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَتْ إعادَتُهُ لِطُولِ الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: لا تَظُنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ في كَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في قَوْلِهِ: ”لا يَحْسَبَنَّ“ فَفِيها أيْضًا وجْهانِ:

الأوَّلُ: بِفَتْحِ الباءِ وبِضَمِّها فِيهِما، جَعَلَ الفِعْلَ لِلرَّسُولِ ﷺ والباقِي كَما عَلِمْتَ.

والوَجْهُ الثّانِي: بِفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي وهو قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَعَلَ الفِعْلَ لِلَّذِينَ يَفْرَحُونَ ولَمْ يَذْكُرْ واحِدًا مِن مَفْعُولَيْهِ، ثُمَّ أعادَ قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبُنَّ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَوْلُهُ: (هم) رُفِعَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهم يَفْرَحُونَ بِفِعْلِهِمْ ويُحِبُّونَ أيْضًا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ يُحَرِّفُونَ نُصُوصَ التَّوْراةِ ويُفَسِّرُونَها بِتَفْسِيراتٍ باطِلَةٍ ويُرَوِّجُونَها عَلى الأغْمارِ مِنَ النّاسِ، ويَفْرَحُونَ بِهَذا الصُّنْعِ ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ الدِّينِ والدِّيانَةِ والعَفافِ والصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْتَ إذا أنْصَفْتَ عَرَفْتَ أنَّ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ كَذَلِكَ، فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ويَفْرَحُونَ بِوِجْدانِ

صفحة ١٠٨

مَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ العَفافِ والصِّدْقِ والدِّينِ.

والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا الحَقَّ وأخْبَرُوا بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ …

Aal-i-Imraan 3:188Listen in Qur'an →
189

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ هَذا الأذى أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا بِهِ مِن أنْواعِ الخَبَثِ والتَّلْبِيسِ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ البِرِّ والتَّقْوى والصِّدْقِ والدِّيانَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ يَتَأذّى بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَأمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلَيْها، وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِفَتْحِ الباءِ.

والثّانِي: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِضَمِّ الباءِ، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ وفَتَحَ الباءَ فِيهِما جَعَلَ التَّقْدِيرَ: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ، أوْ أيُّها السّامِعُ، ومَن ضَمَّ الباءَ فِيهِما جَعَلَ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ ”الَّذِينَ يَفْرَحُونَ“، والثّانِي: ”بِمَفازَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَتْ إعادَتُهُ لِطُولِ الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: لا تَظُنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ في كَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في قَوْلِهِ: ”لا يَحْسَبَنَّ“ فَفِيها أيْضًا وجْهانِ:

الأوَّلُ: بِفَتْحِ الباءِ وبِضَمِّها فِيهِما، جَعَلَ الفِعْلَ لِلرَّسُولِ ﷺ والباقِي كَما عَلِمْتَ.

والوَجْهُ الثّانِي: بِفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي وهو قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَعَلَ الفِعْلَ لِلَّذِينَ يَفْرَحُونَ ولَمْ يَذْكُرْ واحِدًا مِن مَفْعُولَيْهِ، ثُمَّ أعادَ قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبُنَّ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَوْلُهُ: (هم) رُفِعَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهم يَفْرَحُونَ بِفِعْلِهِمْ ويُحِبُّونَ أيْضًا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ يُحَرِّفُونَ نُصُوصَ التَّوْراةِ ويُفَسِّرُونَها بِتَفْسِيراتٍ باطِلَةٍ ويُرَوِّجُونَها عَلى الأغْمارِ مِنَ النّاسِ، ويَفْرَحُونَ بِهَذا الصُّنْعِ ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ الدِّينِ والدِّيانَةِ والعَفافِ والصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْتَ إذا أنْصَفْتَ عَرَفْتَ أنَّ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ كَذَلِكَ، فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ويَفْرَحُونَ بِوِجْدانِ

صفحة ١٠٨

مَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ العَفافِ والصِّدْقِ والدِّينِ.

والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا الحَقَّ وأخْبَرُوا بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ …

Aal-i-Imraan 3:189Listen in Qur'an →
190

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ .

صفحة ١٠٩

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جَذْبُ القُلُوبِ والأرْواحِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الأحْكامِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُبْطِلِينَ عادَ إلى إنارَةِ القُلُوبِ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والإلَهِيَّةِ والكِبْرِياءِ والجَلالِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ. «قالَ ابْنُ عُمَرَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَتْ وأطالَتْ ثُمَّ قالَتْ: كُلُّ أمْرِهِ عَجَبٌ، أتانِي في لَيْلَتِي فَدَخَلَ في لِحافِي حَتّى ألْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، ثُمَّ قالَ لِي: يا عائِشَةُ هَلْ لَكِ أنْ تَأْذَنِي لِي اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ مُرادَكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، فَقَرَأ مِنَ القُرْآنِ وجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، ثُمَّ قالَ: ما لِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها» . ورُوِيَ: «ويْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْ فِيها» . وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ويَقُولُ: إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ» . وحُكِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَها فَتًى مِن فِتْيانِهِمْ فَما أظَلَّتْهُ السَّحابَةُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً صَدَرَتْ مِنكَ في مُدَّتِكَ، قالَ: ما أذْكُرُ، قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَّماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: فَما أُتِيتَ إلّا مِن ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرَها هُنا أيْضًا، وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وخَتَمَها هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ وذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ خَمْسَةَ أنْواعٍ أُخْرى، حَتّى كانَ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ: وهي السَّماواتُ والأرْضُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، فَهَذِهِ أسْئِلَةٌ ثَلاثَةٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ الآيَةِ الواحِدَةِ بِاللَّفْظِ الواحِدِ في سُورَتَيْنِ ؟

والسُّؤالُ الثّانِي: لِمَ اكْتَفى هَهُنا بِإعادَةِ ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ وحَذَفَ الخَمْسَةَ الباقِيَةَ ؟

والسُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ هُناكَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقالَ هَهُنا: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ؟ .

فَأقُولُ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ: إنَّ سُوَيْداءَ البَصِيرَةِ تَجْرِي مَجْرى سَوادِ البَصَرِ، فَكَما أنَّ سَوادَ البَصَرِ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْتَقْصِيَ في النَّظَرِ إلى شَيْئَيْنِ، …

Aal-i-Imraan 3:190Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.