Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 181–190 of 200

181

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَ ذَلِكَ اليَهُودُ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةُ: ٢٤٥] وقالُوا: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذًا أغْنِياءٌ وهو فَقِيرٌ، ومَعْنى سَماعِ اللهِ لَهُ، أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ أعَدَّ لَهُ كَفاءً مِنَ العِقابِ.

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِكِتابَةِ ما قالُوا في الصَحائِفِ، أوْ سَنَحْفَظُهُ إذِ الكِتابُ مِنَ الخَلْقِ لِيَحْفَظَ ما فِيهِ، فَسُمِّيَ بِهِ مَجازًا، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي،

﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما، جَعَلَ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ قَرِينَةً لَهُ، إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ أخَوانِ، وأنَّ مَن قَتَلَ الأنْبِياءَ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ الِاجْتِراءُ عَلى مِثْلِ هَذا القَوْلِ ﴿وَنَقُولُ﴾ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: عَذابَ النارِ كَما أذَقْتُمُ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ. قالَ الضَحّاكُ: ويَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. وإنَّما أُضِيفَ إلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ بِأمْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: "سَنَكْتُبُ". "سَيُكْتَبُ"، "وَقَتْلُهُمْ"، ويَقُولُ: حَمْزَةُ.

Aal-i-Imraan 3:181Listen in Qur'an →
182

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth and because Allah is not ever unjust to [His] servants."

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عِقابِهِمْ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِما قَدَّمْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والإضافَةُ إلى اليَدِ، لِأنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ يَكُونُ بِالأيْدِي، فَجَعَلَ كُلَّ عَمَلٍ كالواقِعِ بِالأيْدِي عَلى سَبِيلِ التَغْلِيبِ، ولِأنَّهُ يُقالُ لِلْآمِرِ بِالشَيْءِ: فاعِلُهُ، فَذِكْرُ الأيْدِي لِلتَّحْقِيقِ، يَعْنِي: أنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ لا غَيْرِهِ بِأمْرِهِ.

﴿وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وبِأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ، فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ جُرْمٍ.

Aal-i-Imraan 3:182Listen in Qur'an →
183

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] those who said, "Indeed, Allah has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي: أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم ﴿إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَوْراةِ، وأوْصانا.

﴿ألا نُؤْمِنَ﴾ بِألّا نُؤْمِنَ.

﴿لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾ أيْ: يُقَرِّبَ قُرْبانًا فَتَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، لِأنَّ أكْلَ النارِ القُرْبانَ سَبَبُ الإيمانِ لِلرَّسُولِ الآتِي بِهِ، لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو إذًا وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ سِوى القُرْبانِ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أيْ: بِالقُرْبانِ. يَعْنِي: قَدْ جاءَ أسْلافُكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ عَلى مِلَّتِهِمْ، وراضُونَ بِفِعْلِهِمْ.

﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ امْتِناعُكم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِ هَذا، فَلِمَ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِينِ أتَوْا بِهِ؟! ولِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في قَوْلِكُمْ: إنَّما نُؤَخِّرُ الإيمانَ لِهَذا.

Aal-i-Imraan 3:183Listen in Qur'an →
184

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ

Then if they deny you, [O Muhammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ، فَلا يَهُولَنَّكَ، فَقَدْ فَعَلَتِ الأُمَمُ بِأنْبِيائِها كَذَلِكَ ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظاهِراتِ ﴿والزُبُرِ﴾ الكُتُبِ، جَمْعُ زَبُورٍ، مِنَ الزَبْرِ، وهو الكِتابَةُ (وَبِالزُبُرِ) شامِيٌّ.

﴿والكِتابِ﴾ جِنْسُهُ ﴿المُنِيرِ﴾ المُضِيءِ قِيلَ: هُما واحِدٌ في الأصْلِ. وإنَّما ذُكِرا لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. فالزَبُورُ: كِتابٌ فِيهِ حِكَمٌ زاجِرَةٌ. والكِتابُ المُنِيرُ هُوَ: الكِتابُ الهادِي.

Aal-i-Imraan 3:184Listen in Qur'an →
185

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم إيّاكَ، فَمَرْجِعُ الخَلْقِ إلَيَّ، فَأُجازِيهِمْ عَلى التَكْذِيبِ، وأُجازِيكَ عَلى الصَبْرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ ثَوابَ أعْمالِكم عَلى الكَمالِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ الدُنْيا لَيْسَتْ بِدارِ الجَزاءِ.

﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ بَعُدَ، والزَحْزَحَةُ: الإبْعادُ.

﴿عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ ظَفِرَ بِالخَيْرِ. وقِيلَ: فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُطْلَقُ، وقِيلَ: الفَوْزُ: نَيْلُ المَحْبُوبِ، والبُعْدُ عَنِ المَكْرُوهِ.

﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شَبَّهَ الدُنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ، حَتّى يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ. والشَيْطانُ: هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّما هَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ فَإنَّها مَتاعُ بِلاغٍ، وعَنِ الحَسَنِ: كَخُضْرَةِ النَباتِ، ولَعِبِ البَناتِ، لا حاصِلَ لَها.

Aal-i-Imraan 3:185Listen in Qur'an →
186

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ واللهِ لَتَبْلَوُنَّ، أيْ: لَتُخْتَبَرُنَّ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وبِما يَقَعُ فِيها مِنَ الآفاتِ.

﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، والجِراحِ، وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أنْواعِ المَخاوِفِ والمَصائِبِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَفْسَ هي الجِسْمُ المُعايَنُ دُونَ ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الباطِلِ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ والفَلاسِفَةُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَصارى.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ كالطَعْنِ في الدِينِ، وصَدِّ مَن أرادَ الإيمانَ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى أذاهم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُخالَفَةَ أمْرِ اللهِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ فَإنَّ الصَبْرَ والتَقْوى ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ العَزْمُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ. خُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِ ما سَيَلْقَوْنَ مِنَ الشَدائِدِ والصَبْرِ عَلَيْها، حَتّى إذا لَقُوها -وَهم مُسْتَعِدُّونَ- لا يُرْهِقُهم ما يُرْهِقُ مَن تُصِيبُهُ الشِدَّةُ بَغْتَةً، فَيُنْكِرُها، وتَشْمَئِزُّ مِنها نَفْسُهُ.

Aal-i-Imraan 3:186Listen in Qur'an →
187

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ أخْذِ اللهِ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَنِ الناسِ، بِالتاءِ عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسْراءُ: ٤]. وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، لِأنَّهم غَيْبٌ، والضَمِيرُ لِلْكِتابِ، أكَّدَ عَلَيْهِمْ إيجابَ بَيانِ الكِتابِ واجْتِنابَ كِتْمانِهِ.

﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَنَبَذُوا المِيثاقَ، وتَأْكِيدَهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لَمْ يُراعُوهُ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، والنَبْذُ وراءَ الظَهْرِ مَثَلٌ في الطَرْحِ، وتَرْكِ الِاعْتِدادِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العُلَماءِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنّاسِ، وما عَلِمُوهُ، وألّا يَكْتُمُوا مِنهُ شَيْئًا لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَلَمَةِ، وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةٍ، أوْ دَفْعِ أذِيَّةٍ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ، وفي الحَدِيثِ: « "مِن كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أهْلِهِ ألْجَمَهُ اللهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ". »﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾

Aal-i-Imraan 3:187Listen in Qur'an →
188

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

والخِطابُ في ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والثانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ، تَقْدِيرُهُ: لا تَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ ﴿بِما أتَوْا﴾ بِما فَعَلُوا، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، وجاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ.

﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٦١] ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٢٧]. وقَرَأ النَخَعِيُّ: (بِما آتَوْا) أيْ: أعْطَوْا.

﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ بِمَنجاةِ مِنهُ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَوْراةِ، فَكَتَمُوا الحَقَّ، وأخْبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ، واسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ فَأطْلَعَ اللهُ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ، وسَلّاهُ بِما أنْزَلَ مِن وعِيدِهِمْ، » أيْ: لا تَحْسَبَنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ عَلَيْكَ، ويُحِبُّونَ أنْ تَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِن إخْبارِكَ بِالصِدْقِ عَمّا سَألْتَهم عَنْهُ ناجِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِن إظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وتَوَصُّلِهِمْ بِذَلِكَ إلى أغْراضِهِمْ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيَفْرَحُ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ بِما لَيْسَ فِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:188Listen in Qur'an →
189

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أمْرَهُمْ، وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِمَن قالَ: ﴿إنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آلُ عِمْرانَ:١٨١] ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى عِقابِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:189Listen in Qur'an →
190

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ﴾ لَأدِلَّةً واضِحَةً عَلى صانِعٍ قَدِيمٍ، عَلِيمٍ، حَكِيمٍ، قادِرٍ.

﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِمَن خَلُصَ عَقْلُهُ عَنِ الهَوى خُلُوصَ اللُبِّ عَنِ القِشْرِ، فَيَرى أنَّ العَرَضَ المُحْدَثَ في الجَواهِرِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الجَواهِرِ، لِأنَّ جَوْهَرًا ما لا يَنْفَكُّ عَنْ عَرَضٍ حادِثٍ، وما لا يَخْلُو عَنِ الحادِثِ فَهو حادِثٌ، ثُمَّ حُدُوثُها يَدُلُّ عَلى مُحْدِثِها، وذا قَدِيمٌ، وإلّا لاحْتاجَ إلى مُحْدِثٍ آخَرَ إلى ما لا يَتَناهى، وحُسْنُ صُنْعِهِ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ، وإتْقانُهُ يَدُلُّ عَلى حِكْمَتِهِ، وبَقاؤُهُ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ. قالَ ﷺ: « "وَيْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها". » وحُكِيَ فِيها أنَّهُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَن إذا عَبَدَ اللهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَهُ فَتًى فَلَمْ تُظِلَّهُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً فَرَطَتْ مِنكَ في مُدِّتِكَ؟! قالَ: ما أذْكُرُ. قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ؟! قالَ، لَعَلَّ. قالَتْ: فَما أُوتِيتْ إلّا مِن ذاكَ.

Aal-i-Imraan 3:190Listen in Qur'an →

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.