Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 181–190 of 200

181

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾

القِراءاتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ كالَّتِي تَقَدَّمَتْ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٧٨] سَواءٌ.

قالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ وأداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قالُوا: ومَعْنى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ هو الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمِهِ فَيَسْألُهُ عن فَضْلِ ما عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ أقْرَعٌ مِنَ الناسِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ".» والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ بِبَيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ ذَلِكَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "سَيُطَوَّقُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْناهُ: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ فَهو مِنَ الطاقَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولَيْسَ مِنَ التَطْوِيقِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: ﴿ "سَيُطَوَّقُونَ"﴾ سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِلسُّدِّيِّ وغَيْرِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿ "سَيُطَوَّقُونَ":﴾ سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يَضْطَرِبُ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ البُخْلَ هو بِالعِلْمِ الَّذِي تَفَضَّلَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ عَلَّمَهم إيّاهُ. وإعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" رَفْعٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مُقَدَّرٌ بِالصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ بُخْلَهم هو "خَيْرًا"، و"هُوَ" فاصِلَةُ العِمادِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ودَلَّ قَوْلُهُ: "يَبْخَلُونَ" عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ كَما دَلَّ السَفِيهُ عَلى السَفَهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ إذا نُهِيَ السَفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَفِيهُ إلى خِلافِ

فالمَعْنى جَرى إلى السَفَهِ وأمّا مَن قَرَأ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، تَقْدِيرُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم. قالَ الزَجّاجُ: وهي مِثْلُ ﴿ "واسْألِ القَرْيَةَ".﴾ [يوسف: ٨٢]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ﴾ خِطابٌ عَلى ما يَفْعَلُهُ البَشَرُ دالٌّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللهَ تَعالى، وإنْ كانَ مِلْكُهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "واللهُ بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى ذِكْرِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويُطَوَّقُونَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وذَلِكَ عَلى الرُجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: …

Aal-i-Imraan 3:181Listen in Qur'an →
182

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth and because Allah is not ever unjust to [His] servants."

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾.

قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: و"قَتْلُهُمْ" بِرَفْعِ اللامِ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"يَقُولُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونِ الجَمْعِ، فَإمّا أنَّها نُونُ العَظَمَةِ، وإمّا هي لِلْمَلائِكَةِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولَةٌ بِها، و"قَتْلَهُمْ" بِنَصْبِ اللامِ عَطْفًا عَلى "ما"، "وَنَقُولُ" بِالنُونِ عَلى نَحْوِ "سَنَكْتُبُ" والمَعْنى في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ ذُوقُوا". وقالَ أبُو مُعاذٍ النَحْوِيُّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ" "وَيُقالُ لَهم ذُوقُوا". وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عنهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "سَتُكْتَبُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ "ما قالُوا" بِمَعْنى: سَتُكْتَبُ مَقالَتُهم.

وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَيُحْصِي عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. والكُتُبُ فِيما حَكى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ هو في صُحُفٍ تُقَيِّدُهُ المَلائِكَةُ فِيها، تِلْكَ الصُحُفُ المَكْتُوبَةُ هي الَّتِي تُوزَنُ، وفِيها يَخْلُقُ اللهُ الثِقَلَ والخِفَّةَ بِحَسَبِ العَمَلِ المَكْتُوبِ فِيها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ الإهْمالِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِما تَفْهَمُ العَرَبُ مِنهُ غايَةَ الضَبْطِ والتَقْيِيدِ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ تُكْتَبُ وأعْمالُهُمْ، ويَتَّصِلُ ذَلِكَ بِأفْعالِ آبائِهِمْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يُقالُ لِجَمِيعِهِمْ: "ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ" وخَلَطَتِ الآيَةُ الآباءَ مَعَ الأبْناءِ في الضَمائِرِ، إذِ الآباءُ هُمُ الَّذِينَ طَرَّقُوا لِأبْنائِهِمُ الكُفْرَ وإذِ الأبْناءُ راضُونَ بِأفْعالِ الآباءِ مُتَّبِعُونَ لَهم.

والذَوْقُ مَعَ العَذابِ مُسْتَعارٌ، عِبارَةٌ عَنِ المُباشَرَةِ، إذِ الذَوْقُ مِن أبْلَغِ أنْواعِها وحاسَّتُهُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا، والحَرِيقُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ داخِلٌ فِيما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ونَسَبَ هَذا التَقْدِيمَ إلى اليَدِ إذْ هي الكاسِبَةُ لِلْأعْمالِ في غالِبِ أمْرِ الإنْسانِ، فَأُضِيفَ كُلُّ كَسْبٍ إلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ هَذا بِعَدْلٍ مِنهُ فِيهِمْ ووَضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعِهِ، والتَقْدِيرُ: وبِـ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ وجَمَعَ "عَبْدًا" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ، لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ صِفَةٌ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] قالَ الزَجّاجُ: "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ، وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والرَصْفِ، وهَذِهِ المَقالَةُ قالَتْها أحْبارُ يَهُودَ مُدافَعَةً لِأمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أيْ أنَّكَ لا …

Aal-i-Imraan 3:182Listen in Qur'an →
183

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] those who said, "Indeed, Allah has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾.

قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: و"قَتْلُهُمْ" بِرَفْعِ اللامِ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"يَقُولُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونِ الجَمْعِ، فَإمّا أنَّها نُونُ العَظَمَةِ، وإمّا هي لِلْمَلائِكَةِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولَةٌ بِها، و"قَتْلَهُمْ" بِنَصْبِ اللامِ عَطْفًا عَلى "ما"، "وَنَقُولُ" بِالنُونِ عَلى نَحْوِ "سَنَكْتُبُ" والمَعْنى في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ ذُوقُوا". وقالَ أبُو مُعاذٍ النَحْوِيُّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ" "وَيُقالُ لَهم ذُوقُوا". وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عنهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "سَتُكْتَبُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ "ما قالُوا" بِمَعْنى: سَتُكْتَبُ مَقالَتُهم.

وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَيُحْصِي عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. والكُتُبُ فِيما حَكى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ هو في صُحُفٍ تُقَيِّدُهُ المَلائِكَةُ فِيها، تِلْكَ الصُحُفُ المَكْتُوبَةُ هي الَّتِي تُوزَنُ، وفِيها يَخْلُقُ اللهُ الثِقَلَ والخِفَّةَ بِحَسَبِ العَمَلِ المَكْتُوبِ فِيها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ الإهْمالِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِما تَفْهَمُ العَرَبُ مِنهُ غايَةَ الضَبْطِ والتَقْيِيدِ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ تُكْتَبُ وأعْمالُهُمْ، ويَتَّصِلُ ذَلِكَ بِأفْعالِ آبائِهِمْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يُقالُ لِجَمِيعِهِمْ: "ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ" وخَلَطَتِ الآيَةُ الآباءَ مَعَ الأبْناءِ في الضَمائِرِ، إذِ الآباءُ هُمُ الَّذِينَ طَرَّقُوا لِأبْنائِهِمُ الكُفْرَ وإذِ الأبْناءُ راضُونَ بِأفْعالِ الآباءِ مُتَّبِعُونَ لَهم.

والذَوْقُ مَعَ العَذابِ مُسْتَعارٌ، عِبارَةٌ عَنِ المُباشَرَةِ، إذِ الذَوْقُ مِن أبْلَغِ أنْواعِها وحاسَّتُهُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا، والحَرِيقُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ داخِلٌ فِيما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ونَسَبَ هَذا التَقْدِيمَ إلى اليَدِ إذْ هي الكاسِبَةُ لِلْأعْمالِ في غالِبِ أمْرِ الإنْسانِ، فَأُضِيفَ كُلُّ كَسْبٍ إلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ هَذا بِعَدْلٍ مِنهُ فِيهِمْ ووَضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعِهِ، والتَقْدِيرُ: وبِـ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ وجَمَعَ "عَبْدًا" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ، لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ صِفَةٌ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] قالَ الزَجّاجُ: "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ، وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والرَصْفِ، وهَذِهِ المَقالَةُ قالَتْها أحْبارُ يَهُودَ مُدافَعَةً لِأمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أيْ أنَّكَ لا …

Aal-i-Imraan 3:183Listen in Qur'an →
184

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ

Then if they deny you, [O Muhammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.

قوله عزّ وجلّ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾.

هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينٌ لِإبْطالِهِمْ، أيْ: قَدْ جاءَكم رُسُلٌ بِالآياتِ الباهِرَةِ البَيِّنَةِ، وفي جُمْلَتِها ما قُلْتُمْ مِن أمْرِ القُرْبانِ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم يا بَنِي إسْرائِيلَ؟ المَعْنى: بَلْ هَذا مِنكم تَعَلُّلٌ وتَعَنُّتٌ، ولَوْ أتَيْتُكم بِالقُرْبانِ لَتَعَلَّلْتُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، والِاقْتِراحُ لا غايَةَ لَهُ، ولا يُجابُ كُلُّ مُقْتَرِحٍ، ولَمْ يُجِبِ اللهُ مُقْتَرِحًا إلّا وقَدْ أرادَ تَعْذِيبَهُ وألّا يُمْهِلَهُ، كَقَوْمِ صالِحٍ وغَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ في اقْتِراحِ قُرَيْشٍ فَأبى، وقالَ: « "بَلْ أدْعُوهم وأُعالِجُهُمْ"».ثُمَّ أنَّسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالأُسْوَةِ والقُدْوَةِ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ أيْ: فَلا يَعْظُمْ عَلَيْكَ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و"بِالزُبُرِ" بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ، وسُقُوطُها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُتَّجِهٌ، لِأنَّ الواوَ شَرِكَتِ "الزُبُرَ" في الباءِ الأُولى فاسْتُغْنِيَ عن إعادَةِ الباءِ، وإعادَتُها أيْضًا مُتَّجِهَةٌ لِأجْلِ التَأْكِيدِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَتْ في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عامِرٍ إعادَةُ الباءِ في قَوْلِهِ: "وَبِالكِتابِ المُنِيرِ".

"والزُبُرُ": الكِتابُ المَكْتُوبُ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ إذا كَتَبْتُهُ، وزَبَرْتُهُ إذا قَرَأْتُهُ، والشاهِدُ لِأنَّهُ الكِتابُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ لِمَن طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمانِ؟

وقالَ الزَجّاجُ: زَبَرْتُ كَتَبْتُ، وذَبَرْتُ بِالذالِ: قَرَأْتُ، و"المُنِيرِ": وزْنُهُ مُفْعِلٌ مِنَ النُورِ، أيْ سَطَعَ نُورُهُ:

Aal-i-Imraan 3:184Listen in Qur'an →
185

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

قوله عزّ وجلّ:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾

هَذا خَبَرٌ واعِظٌ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَّتِهِ عن أمْرِ الدُنْيا وأهْلِها، وعْدٌ في الآخِرَةِ، فَبِالفِكْرَةِ في المَوْتِ يَهُونُ أمْرُ الكُفّارِ وتَكْذِيبُهُمْ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ حَيَّةٍ، والذَوْقُ هُنا: اسْتِعارَةٌ، "وَإنَّما" حاصِرَةٌ عَلى التَوْفِيَةِ الَّتِي هي عَلى الكَمالِ، لِأنَّ مَن قُضِيَ لَهُ بِالجَنَّةِ فَهو ما لَمْ يَدْخُلْها غَيْرُ مُوَفّىً. وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الأُجُورِ لِشَرَفِها وإشارَةً إلى مَعْرِفَتِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ المَعْنى: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ تَقَعُ فِيهِ الأُجُورُ وتَوْفِيَةُ العِقابِ. و"زُحْزِحَ" مَعْناهُ: أُبْعِدَ، والمَكانُ الزَحْزَحُ: البَعِيدُ. و"فازَ" مَعْناهُ: نَجا مِن خَطَرِهِ وخَوْفِهِ، و"الغُرُورِ" الخَدْعُ والتَرْجِيَةُ بِالباطِلِ، والحَياةُ الدُنْيا وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ فَهي مَتاعٌ قَلِيلٌ تَخْدَعُ المَرْءَ وتُمَنِّيهِ الأباطِيلَ.

وعَلى هَذا فَسَّرَ الآيَةَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: مَتاعُ الغُرُورِ كَزادِ الراعِي، يُزَوَّدُ الكَفَّ مِنَ التَمْرِ أوِ الشَيْءَ مِنَ الدَقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَبَنَ، قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ إلى أنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ لا يَكْفِي مَن تَمَتَّعَ بِهِ ولا يُبَلِّغُهُ سَفَرَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والغُرُورُ في هَذا المَعْنى مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "عَشِّ ولا تَغْتَرَّ"، أيْ لا تَجْتَزِئْ بِما لا يَكْفِيكَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: "مَتاعُ الغُرُورِ": القَوارِيرُ، أيْ: لا بُدَّ لَها مِنَ الانْكِسارِ والفَسادِ، فَكَذَلِكَ أمْرُ الحَياةِ الدُنْيا كُلُّهُ.

وهَذا تَشْبِيهٌ مِن عِكْرِمَةَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ "الغَرُورِ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: "ذائِقَةٌ"، بِالتَنْوِينِ "المَوْتَ" بِالنَصْبِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ، « "لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها" ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ..»

Aal-i-Imraan 3:185Listen in Qur'an →
186

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾

هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ، والمَعْنى: لَتُخْتَبَرُنَّ ولَتُمْتَحَنُنَّ في أمْوالِكم بِالمَصائِبِ والأرْزاءِ، وبِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي سائِرِ تَكالِيفِ الشَرْعِ، والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ بِالمَوْتِ والأمْراضِ، وفَقْدِ الأحِبَّةِ بِالمَوْتِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: السَبَبُ في ذَلِكَ قَوْلُ فِنْحاصَ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزُهْرِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإنَّهُ كانَ يَهْجُو النَبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُسْلِمِينَ، حَتّى بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَن قَتَلَهُ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ في السِيرَةِ.

والأذى اسْمٌ جامِعٌ في مَعْنى الضَرَرِ وهو هُنا يَشْمَلُ أقْوالَهم فِيما يَخُصُّ النَبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ مِن سَبِّهِمْ وأقْوالِهِمْ في جِهَةِ اللهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. ونَدَبَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ إلى الصَبْرِ والتَقْوى، وأخْبَرَ أنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ، أيْ مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحُ، ولَيْسَ رُكُوبُ الأمْرِ دُونَ رَوِيَّةٍ عَزْمًا إلّا عَلى مَقْطَعِ المُشِيحِينَ مِن فُتّاكِ العَرَبِ كَما قالَ:

؎ إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عن ذِكْرِ الحَوادِثِ جانِبا

وقالَ النَقّاشُ: العَزْمُ والحَزْمُ بِمَعْنىً واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا خَطَأٌ. والحَزْمُ: جَوْدَةُ النَظَرِ في الأُمُورِ وتَنْقِيحُهُ والحَذَرُ مِنَ الخَطَإ فِيهِ، والعَزْمُ: قَصْدُ الإمْضاءِ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾... الآيَةُ، تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ، ثُمَّ هو مَعَ ذَلِكَ خَبَرٌ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. والعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وأخَذَ هَذا المِيثاقَ وهو عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ خاصَّةً، أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ.

قالَ مُسْلِمٌ البَطِينُ: سَألَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ جُلَساءَهُ عن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقامَ رَجُلٌ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَألَهُ فَقالَ لَهُ: نَزَلَتْ في يَهُودَ، أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَتُبَيِّنُنَّهُ" فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "فَنَبَذُوهُ" عائِدًا عَلى الناسِ الَّذِينَ بَيَّنَ الأنْبِياءُ لَهم. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: …

Aal-i-Imraan 3:186Listen in Qur'an →
187

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾

هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ، والمَعْنى: لَتُخْتَبَرُنَّ ولَتُمْتَحَنُنَّ في أمْوالِكم بِالمَصائِبِ والأرْزاءِ، وبِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي سائِرِ تَكالِيفِ الشَرْعِ، والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ بِالمَوْتِ والأمْراضِ، وفَقْدِ الأحِبَّةِ بِالمَوْتِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: السَبَبُ في ذَلِكَ قَوْلُ فِنْحاصَ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزُهْرِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإنَّهُ كانَ يَهْجُو النَبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُسْلِمِينَ، حَتّى بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَن قَتَلَهُ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ في السِيرَةِ.

والأذى اسْمٌ جامِعٌ في مَعْنى الضَرَرِ وهو هُنا يَشْمَلُ أقْوالَهم فِيما يَخُصُّ النَبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ مِن سَبِّهِمْ وأقْوالِهِمْ في جِهَةِ اللهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ. ونَدَبَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ إلى الصَبْرِ والتَقْوى، وأخْبَرَ أنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ، أيْ مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحُ، ولَيْسَ رُكُوبُ الأمْرِ دُونَ رَوِيَّةٍ عَزْمًا إلّا عَلى مَقْطَعِ المُشِيحِينَ مِن فُتّاكِ العَرَبِ كَما قالَ:

؎ إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عن ذِكْرِ الحَوادِثِ جانِبا

وقالَ النَقّاشُ: العَزْمُ والحَزْمُ بِمَعْنىً واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا خَطَأٌ. والحَزْمُ: جَوْدَةُ النَظَرِ في الأُمُورِ وتَنْقِيحُهُ والحَذَرُ مِنَ الخَطَإ فِيهِ، والعَزْمُ: قَصْدُ الإمْضاءِ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾... الآيَةُ، تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ، ثُمَّ هو مَعَ ذَلِكَ خَبَرٌ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. والعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وأخَذَ هَذا المِيثاقَ وهو عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ خاصَّةً، أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ.

قالَ مُسْلِمٌ البَطِينُ: سَألَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ جُلَساءَهُ عن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقامَ رَجُلٌ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَألَهُ فَقالَ لَهُ: نَزَلَتْ في يَهُودَ، أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَتُبَيِّنُنَّهُ" فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "فَنَبَذُوهُ" عائِدًا عَلى الناسِ الَّذِينَ بَيَّنَ الأنْبِياءُ لَهم. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: …

Aal-i-Imraan 3:187Listen in Qur'an →
188

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.»

وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ. وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ. وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَقَرَأ …

Aal-i-Imraan 3:188Listen in Qur'an →
189

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.»

وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ. وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ. وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَقَرَأ …

Aal-i-Imraan 3:189Listen in Qur'an →
190

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.»

وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ. وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ. وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَقَرَأ …

Aal-i-Imraan 3:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.