Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 181–190 of 200

181

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

Allah has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allah is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ

صفحة ١٨٤

وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .

وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن …

Aal-i-Imraan 3:181Listen in Qur'an →
182

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth and because Allah is not ever unjust to [His] servants."

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ

صفحة ١٨٤

وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .

وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن …

Aal-i-Imraan 3:182Listen in Qur'an →
183

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] those who said, "Indeed, Allah has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ .

أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] لِذِكْرِ قَوْلَةٍ أُخْرى شَنِيعَةٍ مِنهم، وهي كَذِبُهم عَلى اللَّهِ في أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، أيْ حَتّى يَذْبَحَ قُرْبانًا فَتَأْكُلَهُ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَتِلْكَ عَلامَةُ القَبُولِ، وقَدْ كانَ هَذا حَصَلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ذُبِحَ أوَّلُ قُرْبانٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْهُ. كَما في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. إلّا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لا تَطَّرِدُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ كَما زَعَمَهُ اليَهُودُ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَجِيءُ عَلى ما يُناسِبُ تَصْدِيقَ الأُمَّةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ .

صفحة ١٨٦

وهَذا الضَّرْبُ مِنَ الجَدَلِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، أيْ إذا سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ امْتِناعُكم مِنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأجْلِ انْتِظارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوكم بِها وقَتَلْتُمُوهم، ولا يَخْفى أنَّ التَّسْلِيمَ يَأْتِي عَلى مَذْهَبِ الخَصْمِ إذْ لا شَكَّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا أنْبِياءَ مِنهم بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِمْ، مِثْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى وأشْعِياءَ وأرْمِياءَ، فالإيمانُ بِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم جاءُوا بِالقُرْبانِ تَأْكُلُهُ النّارُ عَلى قَوْلِهِمْ، وقَتْلُهم آخِرًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ عَدَمَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في اليَهُودِ وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، فَلا عَجَبَ أنْ يَأْتِيَ خَلَفُهم بِمِثْلِ ما أتى بِهِ سَلَفُهم.

وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ ما زَعَمُوهُ مِنَ العَهْدِ لَهم بِذَلِكَ كَذِبٌ ومَعاذِيرُ باطِلَةٌ.

وإنَّما قالَ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ عُدِلَ إلى المَوْصُولِ لِلِاخْتِصارِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ ذَلِكَ لَهم ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ نَرِثُ مالَهُ ووَلَدَهُ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا عَجَبَ أوْ فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ في الأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ مِثْلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيما جِئْتَ بِهِ. و”البَيِّناتُ“: الدَّلائِلُ عَلى الصِّدْقِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلِ رَسُولٍ، أيْ مَزْبُورٍ بِمَعْنى مَخْطُوطٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَبَرَ إذا زَجَرَ أوْ حَبَسَ لِأنَّ الكِتابَ يُقْصَدُ …

Aal-i-Imraan 3:183Listen in Qur'an →
184

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ

Then if they deny you, [O Muhammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.

﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ .

أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] لِذِكْرِ قَوْلَةٍ أُخْرى شَنِيعَةٍ مِنهم، وهي كَذِبُهم عَلى اللَّهِ في أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، أيْ حَتّى يَذْبَحَ قُرْبانًا فَتَأْكُلَهُ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَتِلْكَ عَلامَةُ القَبُولِ، وقَدْ كانَ هَذا حَصَلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ذُبِحَ أوَّلُ قُرْبانٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْهُ. كَما في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. إلّا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لا تَطَّرِدُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ كَما زَعَمَهُ اليَهُودُ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَجِيءُ عَلى ما يُناسِبُ تَصْدِيقَ الأُمَّةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ .

صفحة ١٨٦

وهَذا الضَّرْبُ مِنَ الجَدَلِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، أيْ إذا سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ امْتِناعُكم مِنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأجْلِ انْتِظارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوكم بِها وقَتَلْتُمُوهم، ولا يَخْفى أنَّ التَّسْلِيمَ يَأْتِي عَلى مَذْهَبِ الخَصْمِ إذْ لا شَكَّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا أنْبِياءَ مِنهم بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِمْ، مِثْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى وأشْعِياءَ وأرْمِياءَ، فالإيمانُ بِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم جاءُوا بِالقُرْبانِ تَأْكُلُهُ النّارُ عَلى قَوْلِهِمْ، وقَتْلُهم آخِرًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ عَدَمَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في اليَهُودِ وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، فَلا عَجَبَ أنْ يَأْتِيَ خَلَفُهم بِمِثْلِ ما أتى بِهِ سَلَفُهم.

وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ ما زَعَمُوهُ مِنَ العَهْدِ لَهم بِذَلِكَ كَذِبٌ ومَعاذِيرُ باطِلَةٌ.

وإنَّما قالَ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ عُدِلَ إلى المَوْصُولِ لِلِاخْتِصارِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ ذَلِكَ لَهم ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ نَرِثُ مالَهُ ووَلَدَهُ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا عَجَبَ أوْ فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ في الأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ مِثْلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيما جِئْتَ بِهِ. و”البَيِّناتُ“: الدَّلائِلُ عَلى الصِّدْقِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلِ رَسُولٍ، أيْ مَزْبُورٍ بِمَعْنى مَخْطُوطٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَبَرَ إذا زَجَرَ أوْ حَبَسَ لِأنَّ الكِتابَ يُقْصَدُ …

Aal-i-Imraan 3:184Listen in Qur'an →
185

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِأصْلِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَفْنِيدُ المُنافِقِينَ في مَزاعِمِهِمْ أنَّ النّاسَ لَوِ اسْتَشارُوهم في القِتالِ لَأشارُوا بِما فِيهِ سَلامَتُهم فَلا يَهْلِكُوا، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما يَدْفَعُ تَوَهُّمَهم أنَّ الِانْهِزامَ كانَ خِذْلانًا مِنَ اللَّهِ وتَعَجُّبَهم مِنهُ كَيْفَ يَلْحَقُ قَوْمًا خَرَجُوا لِنَصْرِ الدِّينِ وأنْ لا سَبَبَ لِلْهَزِيمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ في تِلْكَ الرَّزِيَّةِ فَوائِدَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ في كُلِّ حالٍ فَقالَ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ. وبَيَّنَ لَهم أنَّ قَتْلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَزِنُوا لَهم إنَّما هم أحْياءٌ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لا يُضَيِّعُ اللَّهُ أجَرَهم ولا فَضْلَ ثَباتِهِمْ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ سَلامَةَ الكُفّارِ لا يَنْبَغِي أنْ تُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ ولا أنْ

صفحة ١٨٨

تَسُرَّ الكافِرِينَ، وأبْطَلَ في خِلالِ ذَلِكَ مَقالَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وبِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِما هو جامِعٌ لِلْغَرَضَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ المُصِيبَةَ والحُزْنَ إنَّما نَشَآ عَلى مَوْتِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أنَّ المَوْتَ لَمّا كانَ غايَةَ كُلِّ حَيٍّ فَلَوْ لَمْ يَمُوتُوا اليَوْمَ لَماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَأْسَفُوا عَلى مَوْتِ قَتْلاكم في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا يَفْتِنْكُمُ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِ المُؤْمِنِينَ - فِيما أصابَهم مِنَ الحُزْنِ عَلى قَتْلاهم وعَلى هَزِيمَتِهِمْ - مَنزِلَةَ مَن لا يَتَرَقَّبُ مِن عَمَلِهِ إلّا مَنافِعَ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ والغَنِيمَةُ، مَعَ أنَّ نِهايَةَ الأجْرِ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ تُكْمَلُ لَكم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ حَصَلَتْ لَهم أُجُورٌ عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا عَلى تَأْيِيدِهِمْ لِلدِّينِ: مِنها النَّصْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِنها كَفُّ أيْدِي المُشْرِكِينَ عَنْهم في أيّامِ مَقامِهِمْ بِمَكَّةَ إلى أنْ تَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ.

والذَّوْقُ هُنا أُطْلِقَ عَلى وِجْدانِ المَوْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اسْتِعْمالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى حُصُولِ المَوْتِ، قالَ تَعالى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] ويُقالُ: ذاقَ طَعْمَ المَوْتِ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ …

Aal-i-Imraan 3:185Listen in Qur'an →
186

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِإيقاظِ المُؤْمِنِينَ إلى ما يَعْتَرِضُ أهْلَ الحَقِّ وأنْصارَ الرُّسُلِ مِنَ البَلْوى، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّهم إنْ كانُوا مِمَّنْ تُوهِنُهُمُ الهَزِيمَةُ فَلَيْسُوا أحْرِياءَ بِنَصْرِ الحَقِّ، وأكَّدَ الفِعْلَ بِلامِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ الِابْتِلاءِ، إذْ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْكِيدِ مِنَ الخَفِيفَةِ.

فَأصْلُ ”لَتُبْلَوُنَّ“ لَتُبْلَوُونَنَّ فَلَمّا تَوالى ثَلاثُ نُوناتٍ ثَقُلَ في النُّطْقِ فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ فالتَقى ساكِنانِ: واوُ الرَّفْعِ ونُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، فَحُذِفَتْ واوُ الرَّفْعِ لِأنَّها لَيْسَتْ أصْلًا في الكَلِمَةِ فَصارَ لَتُبْلَوُنَّ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَصْرِيفِ قَوْلِهِ تَعالى ”ولَتَسْمَعُنَّ“ وفي تَوْكِيدِهِ.

صفحة ١٩٠

والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، ويُرادُ بِهِ هُنا لازِمَةٌ وهو المُصِيبَةُ، لِأنَّ في المَصائِبِ اخْتِبارًا لِمِقْدارِ الثَّباتِ. والِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو نَفَقاتُ الجِهادِ، وتَلاشِي أمْوالِهِمُ الَّتِي تَرَكُوها بِمَكَّةَ. والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ هو القَتْلُ والجِراحُ. وجُمِعَ مَعَ ذَلِكَ سَماعُ المَكْرُوهِ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في يَوْمِ أُحُدٍ وبَعْدَهُ.

والأذى هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولِذَلِكَ وصَفَهُ هُنا بِالكَثِيرِ، أيِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ غالِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى الفَشَلِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ لَهُمُ النَّصْرُ، وأمَرَهم بِالتَّقْوى أيِ الدَّوامِ عَلى أُمُورِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى بَثِّهِ وتَأْيِيدِهِ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى الِابْتِلاءِ في الأمْوالِ والأنْفُسِ فَيَشْمَلُ الجِهادَ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى الأذى فَفي وقْتَيِ الحَرْبِ والسِّلْمِ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةً عَدَمَ الإذْنِ بِالقِتالِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآياتِ السَّيْفِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وهي بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ. قالَهُ القَفّالُ.

وقَوْلُهُ ”فَإنَّ ذَلِكَ“ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى بِتَأْوِيلٍ: فَإنَّ المَذْكُورَ. و﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ الأُمُورِ العَزْمِ، ووَصَفَ الأُمُورَ وهو جَمْعٌ بِعَزْمٍ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ أصْلَ عَزْمٍ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَلْزَمُ لَفْظُهُ حالَةً واحِدَةً، وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ المَعْزُومِ عَلَيْها. والعَزْمُ إمْضاءُ الرَّأْيِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ بَعْدَ تَبْيِينِ السَّدادِ. قالَ تَعالى ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمُرادُ هُنا العَزْمُ في الخَيِّراتِ قالَ تَعالى ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .

ووَقَعَ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ دَلِيلًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ تَنالُوا ثَوابَ أهْلِ العَزْمِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

Aal-i-Imraan 3:186Listen in Qur'an →
187

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ .

صفحة ١٩١

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] فَإنَّ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ مِن أكْبَرِ الأذى لِلْمُسْلِمِينَ. وإنَّ الطَّعْنَ في كَلامِهِ وأحْكامِ شَرِيعَتِهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] والقَوْلُ في مَعْنى أخْذِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ونَحْوِهِ.

و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وهَذا المِيثاقُ أُخِذَ عَلى سَلَفِهِمْ مِن عَهْدِ رَسُولِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ، وكانَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ لِعُلَماءِ أُمَّتِهِمْ في سائِرِ أجْيالِهِمْ إلى أنْ يَجِيءَ رَسُولٌ.

وجُمْلَةُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلْمِيثاقِ، فَهي حِكايَةُ اليَمِينِ حِينَ اقْتُرِحَتْ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ جاءَتْ بِصِيغَةِ خِطابِهِمْ بِالمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى، حَيْثُ كانَ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ هَذا العَهْدَ غائِبِينَ في وقَتِ الإخْبارِ عَنْهم. ولِلْعَرَبِ في مِثْلِ هَذِهِ الحِكاياتِ وُجُوهٌ: بِاعْتِبارِ كَلامِ الحاكِي، وكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ وجْهانِ كالمَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في نَحْوِ: أقْسَمَ زَيْدٌ لا يَفْعَلُ كَذا، وأُقْسِمُ لا أفْعَلُ كَذا، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] قُرِئَ بِالنُّونِ والتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ لَنُبَيِّتَنَّهُ لَتُبَيِّتَنَّهُ لَيُبَيِّتَنَّهُ، إذا جُعِلَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا فَإذا جُعِلَ أمْرًا جازَ وجْهانِ: في لَنُبَيِّتَنَّهُ النُّونُ والتّاءُ الفَوْقِيَّةُ. والقَوْلُ في تَصْرِيفِ وإعْرابِ لَتُبَيِّنُنَّهُ كالقَوْلِ في لَتُبْلَوُنَّ المُتَقَدِّمِ قَرِيبًا.

وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأمْرَيْنِ: هُما الكِتابُ أيْ عَدَمُ إجْمالِ مَعانِيهِ أوْ تَحْرِيفِ تَأْوِيلِهِ، وعَدَمُ كِتْمانِهِ أيْ إخْفاءِ شَيْءٍ مِنهُ. فَقَوْلُهُ ولا تَكْتُمُونَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ ولَمْ يُقْرَنْ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّها لا تُقارِنُ الفِعْلَ المَنفِيَّ لِتَنافِي مُقْتَضاهُما.

وقَوْلُهُ ”فَنَبَذُوهُ“ عُطِفَ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ لِلْإشارَةِ إلى مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ، والَّذِينَ نَبَذُوهُ هم عُلَماءُ اليَهُودِ في عُصُورِهِمُ الأخِيرَةِ القَرِيبَةِ مِن عَهْدِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي بَيْنَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ نَبْذِهِمْ إيّاهُ مَنظُورٌ

صفحة ١٩٢

فِيهِ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِالنَّبْذِ عَقِبَ الوَقْتِ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ أخْذُ المِيثاقِ، وهو وقْتُ تَأهُّلِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُلَمائِهِمْ لِتَبْيِينِ الكِتابِ وإعْلانِهِ فَهو إذا أنِسَ مِن نَفْسِهِ المَقْدِرَةَ عَلى فَهْمِ الكِتابِ والتَّصَرُّفِ في مَعانِيهِ بادَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ المَقْدِرَةَ وسِيلَةً لِسُوءِ التَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في لازِمِ التَّعْقِيبِ، وهو شِدَّةُ المُسارَعَةِ لِذَلِكَ عِنْدَ اقْتِضاءِ الحالِ إيّاهُ والِاهْتِمامِ بِهِ وصَرْفِ الفِكْرَةِ فِيهِ. …

Aal-i-Imraan 3:187Listen in Qur'an →
188

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

﴿لا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسِبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

تَكْمِلَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِبَيانِ حالَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اخْتِلالَ أمانَتِهِمْ في تَبْلِيغِ الدِّينِ، وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ جاءَ بِهِ فَرِيقٌ آخَرُ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّوَصُّلِ إلى ذِكْرِ صِلَتِهِ العَجِيبَةِ مِن حالِ مَن يَفْعَلُ الشَّرَّ والخِسَّةَ ثُمَّ لا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الِانْكِسارِ لِما فَعَلَ أوْ تَطَلُّبِ السِّتْرِ عَلى شَنْعَتِهِ، بَلْ يَرْتَقِي فَيَتَرَقَّبُ ثَناءَ النّاسِ عَلى سُوءِ صُنْعِهِ، ويَتَطَلَّبُ المَحْمَدَةَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ الخِطابُ، والمَوْصُولُ هُنا بِمَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، فَمَعْنى ﴿يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو نَبْذُ الكِتابِ والِاشْتِراءُ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وإنَّما فَرِحُوا بِما نالُوا بِفِعْلِهِمْ مِن نَفْعٍ في الدُّنْيا.

ومَعْنى ﴿يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أنَّهم يُحِبُّونَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم حَفَظَةُ الشَّرِيعَةِ وحُرّاسُها والعالِمُونَ بِتَأْوِيلِها، وذَلِكَ خِلافُ الواقِعِ. هَذا ظاهِرُ مَعْنى الآيَةِ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأحَبُّوا الحَمْدَ بِأنَّهم عُلَماءٌ بِكُتُبِ الدِّينِ.

وفِي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الغَزْوِ بِالمَعاذِيرِ، فَيَقْبَلُ مِنهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ بِأنَّ لَهم نِيَّةَ المُجاهِدِينَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ قالَ لِبَوّابِهِ اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ

صفحة ١٩٤

فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِما أتى وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما لَكَمَ ولِهَذِهِ ؟ إنَّما دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ، فَسَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوْهُ أنَّهم قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِما أخْبَرُوهُ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] حَتّى قَوْلِهِ ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ الآيَةَ.

والمَفازَةُ: مَكانُ الفَوْزِ. وهو المَكانُ الَّذِي مَن يَحِلُّهُ يَفُزْ بِالسَّلامَةِ مِنَ العَدُوِّ سُمِّيَتِ البَيْداءُ الواسِعَةُ مَفازَةً لِأنَّ المُنْقَطِعَ فِيها يَفُوزُ بِنَفْسِهِ مِن أعْدائِهِ وطَلَبَةِ الوَتَرِ عِنْدَهُ وكانُوا يَتَطَلَّبُونَ الإقامَةَ فِيها. قالَ النّابِغَةُ:

أوْ أضَعُ البَيْتَ في صَمّاءَ مُظْلِمَةٍ تُقَيِّدُ العِيرَ لا يَسْرِي بِها السّارِي

تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُها ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُدْعى أُمُّ صَبّارِ

ولَمّا كانَتِ المَفازَةُ مُجْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْفَوْزِ الحاصِلِ فِيها بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ . وحَرْفُ (مِن) مَعْناهُ البَدَلِيَّةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، أوْ بِمَعْنى عَنْ بِتَضْمِينِ مَفازَةٍ مَعْنى مَنجاةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، …

Aal-i-Imraan 3:188Listen in Qur'an →
189

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَكْتُمُونَ مِن خَلائِقِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:189Listen in Qur'an →
190

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: …

Aal-i-Imraan 3:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.