Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات.

وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟

* طالب: عن القتال في سبيل الله.

* الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟

* الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

* الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية.

والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟

هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك.

وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ …

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ استجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا.

هؤلاء الذين ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وفي قراءة: ﴿الْقُرْحُ﴾ ، هؤلاء ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع.

ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية:

التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــىبَـــــدَلَا

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ القائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليكأخرجه الطبري في التفسير (٢ / ٣٨٨) من حديث ابن عباس.، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿حَسْبُنَا﴾ يعني كافينا، ﴿اللَّهُ﴾ الله جل جلاله.

وهذه الجملة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا.

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا.

﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ نعم: فعل إنشاء يُقصد به …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ استجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا.

هؤلاء الذين ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وفي قراءة: ﴿الْقُرْحُ﴾ ، هؤلاء ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع.

ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية:

التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــىبَـــــدَلَا

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ القائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليكأخرجه الطبري في التفسير (٢ / ٣٨٨) من حديث ابن عباس.، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿حَسْبُنَا﴾ يعني كافينا، ﴿اللَّهُ﴾ الله جل جلاله.

وهذه الجملة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا.

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا.

﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ نعم: فعل إنشاء يُقصد به …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [ آل عمران ١٧٤].*

قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي ﷺ لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرّة على المسلمين خرجوا، فلما بلغوا ما بلغوا من الطريق، بلغوا حمراء الأسد، وجدوا المشركين قد ذهبوا؛ لأن المشركين صرفهم الله، وقالوا: نرجع في العام القادم؛ يقول عز وجل: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ انقلبوا؛ يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد. ﴿انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ما هذه النعمة؟ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو، ولم يحصل حرب؛ لماذا؟ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع، وأما قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ ففُسّرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين.

وقوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لم يصبهم ما يسوءهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا.

﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿رِضْوَانَ﴾ و﴿رُضْوَان﴾ بضم الراء وكسرها؛ ومن اتبع رضوان الله؛ اتبعوا ما يرضي الله عز وجل، بماذا؟ بالاستجابة للرسول ﷺ، بالاستجابة لله ورسوله؛ فإن الاستجابة لله ورسوله سبب لرضا الله عز وجل، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يرضى الله عنهم.

﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ﴾: بمعنى (صاحب)، ﴿فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ على العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضّل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول بما أصابهم من الثواب.

* ومنها: أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كُتب له أجره كاملًا، ولهذا شواهد؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ١٠٠].

* ومنها: قول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»أخرجه البخاري (٢٩٩٦) عن أبي موسى الأشعري. فالإنسان إذا سعى في العمل، ولكنه لم يدركه فإنه يُكتب له أجره كاملًا، حتى طالِب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يُكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه، فيناله الأجر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ والرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات أيش؟ الفعليّة، لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بالمشيئة، كل صفة معلّقة بسبب فإنها -بلا شك- تتعلق بالمشيئة؛ فرضوان الله معلّق بأيش؟ بفعل ما يرضيه؛ وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلّقة بمشيئته.

أرأيتم ماذا يفسّر أهل التعطيل رضا الله؟ يفسرونه بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، ما هو من صفاته، مخلوق مفعول؛ أو يفسرونه بأيش؟ بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة؛ أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه؛ ولا شك أن هذا؛ أعني تفسير الرضا بإرادة الثواب أو بالثواب نفسه، لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه؛ ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: لا؛ رضي يعني أثاب، أو رضي يعني أراد أن يثيب؛ أنحن أعلم بالله من نفسه؟! أبدًا والله ما نحن أعلم؛ إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيته؛ ولكن هل رضاه كرضانا؟ لا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] فكما أن سمعه وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها قدر المخلوقين، وكذلك هو لا يماثل المخلوقين، فكذلك …

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه ونفيه عما سواه؛ إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق؛ يعني الحصر ليس له طريق واحد فقط؛ له طرق:

منها: (إنما)، ومنها: تقديم ما حقّه التأخير، ومنها: النفي والإثبات، مثل: لا قائم إلا زيد؛ ومنها: إذا كانت الجملة اسمية معرفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة.

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني ما الشيطان إلا مخوّف لأوليائه؛ وقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تضمّن إشارة؛ أي: مشارًا إليه، ومخاطبًا، تضمن إشارة ومخاطبًا؛ الإشارة (ذا) والخطاب (الكاف)؛ الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطَب.

فإذا طلبنا من خالد النزال أن يشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة من الذكور؟ أن يشير إلى جماعة من الذكور مخاطبًا جماعة من الذكور؟

* الطالب: أولئك؟

* الشيخ: أولئك؟ لا.

* الطالب: أولئكم.

* الشيخ: أولئكم؛ لأن المشار إليه جماعة (أولاء)؛ والمخاطب جماعة تأتي بالميم كذا؟

وإذا طلبنا من خليل أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟ عبد الملك، أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟

* الطالب: أولئكنّ.

* الشيخ: أولئكنّ، هكذا يقولون، صح؟

* الطالب: نعم، صحيح.

* الشيخ: صحيح، (أولاءِ) المشار إليه جماعة ذكور؛ (كُنّ) النون للنسوة، أولئكن.

* طالب: النون مسهّلة يا شيخ؟

* الشيخ: لا، لا، مشددة طيب إذنْ معناه لازم نأخذ تمارين ما دام المسألة هكذا؟

أشر إلى اثنين مخاطبًا اثنتين؟

* الطالب: اثنين؟ ذلكما.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: ذلكما.

* الشيخ: ذلكما. خطأ.

* طالب: ذانكما.

* الشيخ: ذانكما صح؟ (ذان) هذه مثنى، و(الكاف وميم ألف) مثنى مخاطب. أشر إلى جماعة نسوة مخاطبًا جماعة نسوة؟

* طالب: أولات.

* الشيخ: كيف أولات؟ منين جبتها؟! لا تتعجل.

* طالب: ذلكن.

* الشيخ: كيف؟ ويش المطلوب؟

* الطالب: نسوة تخاطب مجموعة نسوة؟

* الشيخ: طيب، مشيرًا إلى نسوة تخاطب جماعة نسوة؟

* طالب: أولئكن.

* الشيخ: ويش تقولون؟

* طلبة: صحيح.

* الشيخ: صحيح، أولئكن. يلّا أشِر إلى مثنى مؤنث مخاطبًا جماعة ذكور؟

* طالب: تينكم.

* الشيخ: أيش تينكم؟! لماذا نصبت تين؟

* الطالب: تان.

* الشيخ: تانِكم صحّ؟ صحيح.

* طالب: لا يا شيخ.

* الشيخ: لا، صحيح.

* الطالب: مثنى مؤنث..

* الشيخ: مثنّى مؤنث إي (تان)، مخاطَب جماعة ذكور، صح. على كل حال انتبهوا يا جماعة، اسم الإشارة يراعى به أيش؟

* طالب: المشار..

* الشيخ: لا، يُراعى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطَب؛ في اللغة العربية ثلاث لغات؛ اللغة الأولى: أن يراعى المخاطَب إفرادًا وتثنية وجمعًا مذكرًا ومؤنثًا؛ فتقول: (ذلكَ) مخاطبًا رجلًا واحدًا، (ذلكِ) امرأة واحدة، (ذَلِكما) مخاطبًا الاثنين ذكورًا أو إناثًا، (ذلكُنّ) مخاطبًا جماعة نسوة، (ذلكُم) مخاطبًا جماعة ذكور؛ فالكاف تتبع المخاطَب، اسم الإشارة يتبع المشار إليه.

أنا قلت: في اللغة العربية بالنسبة للكاف: ثلاث لغات؛ الأولى: أن يُراعى المخاطَب في الكاف، وتحول إلى حسب المخاطب.

الثاني: أن تكون بالكاف المفردة مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث؛ فتقول مخاطبًا جماعة ذكور: (ذلكَ)، مخاطبًا اثنين: (ذلكَ)، مخاطبًا واحدًا: (ذلكَ)؛ في النسوة كاف مفردة لكن مكسورة، تقول: (ذلكِ) تخاطب امرأة واحدة، (ذلكِ) تخاطب امرأتين، (ذلكِ) تخاطب جماعة نسوة؛ هذه كم لغة؟ لغتان.

الثالثة: فتح الكاف مطلقًا؛ فتقول لأي واحد تخاطبه تقول: (ذلكَ)؛ وهذا باعتبار المبتدئين أسهل، افتح الكاف وإذا غلطك أحد قل: هذه لغة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ ويش راعى هنا؟ راعى في اسم الإشارة المشار إليه وهو الشيطان واحد، وراعى في الكاف الجماعة المخاطَبين فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ …

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران ١٧٦].

في قوله: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان؛ القراءة الأولى: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ من الثلاثي (حزَنه يحزُنه)، والقراءة الثانية: ﴿يُحْزِنْك﴾ من الرباعي (أَحْزَنَهُ)؛ ﴿وَلَا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يسارعون إليه، ولكنه عدّى يسارع بـ(في) إشارة إلى أن هؤلاء يسارعون إلى الكفر ويتوغلون فيه؛ انتبه وهذا من باب التضمين؛ وقد مر علينا أن علماء النحو اختلفوا فيما إذا عُدّي الفعل بغير الحرف المعتاد، فقال بعضهم: إن التجوز في أيش؟ في الحرف، وقال بعضهم: إن التجوز في الفعل؛ والفرق بين القولين أنه على القول الأول نحول معنى الحرف الموجود إلى الحرف المناسب للفعل؛ وعلى الثاني نحول الفعل إلى المعنى المناسب للحرف؛ فهمتم يا جماعة؟

وأوضح مثال من ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] المعروف أن ﴿يَشْرَبُ﴾ تتعدى بـ(مِن)، وهنا تعدت بالباء؛ فقال بعض النحويين: الباء بمعنى (مِن)، والتقدير: يشرب منها عباد الله؛ وقال بعض العلماء: يشرب بمعنى (يرْوَى)، ومعلوم أن الرّيّ يستلزم الشرب؛ فتكون يشرب هنا دالة على معنى الشرب باللزوم وعلى الرِّيّ؛ ويكون هذا أبلغ مما لو قلنا: يشرب منه؛ لأن الإنسان قد يشرب ولا يروى؛ وهذا الأخير هو مذهب نحاة البصرة؛ أي أنهم يحولون الفعل إلى معنى أيش؟ مناسب للحرف ليكون الفعل دالًّا على معناه اللفظي وعلى معناه التضمني أو المعنى اللزومي.

* طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قلنا: إن الشيطان يجوز في إعرابه وجهان؛ خبر، والثاني يكون بدلًا أو عطف..

* الشيخ: نعم.

* الطالب: القاعدة هذه مطّردة: أن كل ما صح أن يكون بدلًا صح أن يكون عطف بيان؟

* الشيخ: إي نعم، إلا ما استثني؛ قال ابن مالك:

وَصَالِحًا لِبَدَلِيَّـــــــــــةٍيُــــــــــــــــــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلَامُ يَعْمُـــــــرَا؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْـــــــــــــــرِيِّ ∗∗∗ وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْمَرْضِـــــــــيِّ

في هاتين المسألتين فقط.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، خاف قاطع طريق ولم يخرج إلى صلاة الجماعة فترك واجبًا، هل يُلام على ذلك؟

* الشيخ: هل الخوف مُحقَّق؟

* الطالب: محقق.

* الشيخ: طيب إذا كان محققًا فإن الجماعة تسقط عنه، وحينئذٍ..

* الطالب: لا يكون هناك أسباب ثانية للخوف.

* الشيخ: لا، لا يكون ترك واجب، ما دام وجوب الجماعة يسقط بالخوف بقي الآن غير واجب عليه.

* طالب: شيخ، المؤمن لا يكون جبانًا، والحديث: «أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نَعَمْ». فكيف هذا؟

* الشيخ: الجبن -بارك الله فيك- نوعان؛ جبن طبيعي وهو الأول، الخوف؛ أما الجبن الذي يؤدي إلى ترك الواجب، هذا ما يمكن للمؤمن.

* طالب: قلنا: إن المصيبة إذا وقعت على المؤمن زِيد في إيمانه، وكذلك إذا وقعت لغير المسلم يلجأ إلى الله، فالكافر إذا (...) دعوة بيجوز اللجوء إلى الله.

* الشيخ: إي، لكن فرق بين هذا وهذا؛ زيادة إيمان المؤمن بالمصائب زيادة إيمان بقدر، ورضا بما صنع الرب؛ أما إيمان الكافر فهذا إيمان ضرورة؛ ولهذا ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] إيمان ضرورة ما هو بإيمان رضا واقتناع وتسليم؛ المؤمن يرضى ويقتنع ويسلّم، فتجده منشرح الصدر؛ أما ذاك لا؛ إنما يؤمن من أجل حصول غرضه الدنيوي فقط؛ ولهذا إذا حصل له الغرض الدنيوي عاد إلى ما كان عليه. واضح؟

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أصح قولًا يا شيخ؟ القول بالتضمن أو القول (...)؟

* الشيخ: الذي أرى أن الأصح القول بالتضمّن أو بالتضمين؛ لكن القول بالتضمين ما يتسنى لكل واحد، إنما يفهمه شخص طالب علم، يفهم التلازم بين المعنى المراد وبين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ؛ وفيه صعوبة، ولهذا نقول: إن …

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الآية صلتها بما قبلها أنها كالتوكيد لها. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾ أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يُباع ويشترى؛ فالاشتراء هنا بمعنى الاختيار، وترك الطرف الآخر.

وقوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ إذا قال قائل: هم لم يؤمنوا؟

قلنا: لكن اختيارهم للكفر أخرجهم من الفطرة التي كانوا عليها وهي التوحيد، فهم اشتروا الكفر بعد الإيمان، وسبق معنى الكفر، وأما الإيمان فإنه في اللغة قيل: التصديق، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] وقيل: الإقرار، والإقرار أخص من التصديق، واستدل هؤلاء بأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلا بد أن تتعدّى بما تتعدّى به، ومن المعلوم أن الإيمان لا يتعدى كما يتعدى التصديق؛ فإنك تقول: صدّقته ولا تقول: آمنتُه. لا تقول: آمنته؛ إذن فليس معناهما واحدًا، بل معنى الإيمان الإقرار؛ وهذا في اللغة، أما في الشرع فهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، ليس مجرد الإقرار بإيمان، بل لا بد من أن يقبل ما جاء به الرسول ويُذعن له؛ ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع أنه مقرّ بما جاء به الرسول ﷺ، لكنه لم يقبله ولم يُذعن له فلم يكن مؤمنًا؛ وإذا كان هذا هو الإيمان -أي الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان- فإنه يتضمّن جميع شرائع الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان شامل للاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب أيضًا، عمل القلب والجوارح، وقول اللسان، واعتقاد القلب؛ أربعة أشياء، كلها من الإيمان.

﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٧] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ كالآيات السابقة تمامًا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هنا قال: إنه أليم، وهناك قال: إنه عظيم، فيجتمع في عذابهم -والعياذ بالله- العِظم والألم. و﴿أَلِيمٌ﴾ هنا بمعنى (مؤلم)، وليست بمعنى شديد، فهي بمعنى اسم الفاعل من الرباعي من (آلمه يؤلمه إيلامًا فهو مؤلم). وهل يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: مثاله؟

* طالب: نبيه.

* الشيخ: نبيه بمعنى نابه.

* الطالب: (سَمِيع) بمعنى (مُسْمِع).

* الشيخ: إي نعم، صح، السميع بمعنى (مُسمِع) على حد قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــي وَأَصْحَابِـــــيهُجُـــــــوعُ

الداعي السميع: يعني المسمع.

* في هذه الآية الكريمة: بيان شدة رغبة الكفار بالكفر؛ لأنهم اشتروه اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذونها -والعياذ بالله- عن رغبة، يأخذون الكفر عن رغبة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، وهذه أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعًا طيبة به نفسه، والعياذ بالله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل، وأنه لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾.

* ومن فوائدها: كمال سلطان الله، حيث إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لم يضروا الله شيئًا، مع أن المعروف أن الملك كلما قلّت جنوده ضعفت قوته إلا الله عز وجل فإنه لا يضره شيء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر ٣٧] يصارخون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فينادون توبيخًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ …

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٧٩-١٨٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، الخطاب في هذه الآية لمن؟

* طالب: للنبي ﷺ.

* الشيخ: للنبي ﷺ، ولا تصح لكل من يتأتى خطابه؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لا، يصح، ما الذي يفيده هذا النهي؟

* طالب: يفيد بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حزنه وحسرته وندمه على عدم إيمان الكفار.

* الشيخ: أحسنت؛ يعني يفيد حزن النبي عليه الصلاة والسلام على عدم إسلام هؤلاء الكفار، وعلى مسارعتهم في الكفر.

قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ لماذا عدّى ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بـ(في) مع أن المعروف أنها تعدى بـ(إلى)؟ المعروف أن سارع تتعدى بـ(إلى) مثل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فلماذا عُدّيت هنا بـ(في)؟

* طالب: قد يكون يا شيخ أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم كفار.

* الشيخ: إي، لكن كيف نخرّج أنها عُديت بـ(في) مع أنها تُعدى بـ(إلى)؟

* الطالب: ما يمكن المقصود أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: هم كفار ويزدادون كفرًا.

* الشيخ: ما هو بواضح، الظاهر أنك تريد معنى، لكن لم تصل إلى التعبير عنه.

* طالب: مر علينا في الدرس أن (في) بمعنى (إلى).

* الشيخ: (في) بمعنى (إلى)، أحسنت هذا وجه؛ الثاني؟

* طالب: معنى يسارعون يقعون.

* طالب آخر: شيخ، سبب المسارعة هو الدخول في الكفر.

* الشيخ: نعم، يعني إذنْ التضمين هنا بالفعل لا بالحرف؛ على المعنى الأول التضمين بالحرف ضُمّن معنى (إلى)، وعلى الثاني التضمين في الفعل. أيهما أفصح؟

* طالب: في الفعل أفصح.

* الشيخ: أفصح.

* الطالب: لأنه يتضمن المعنى وزائد..

* الشيخ: يتضمن المعنى وزيادة؛ هل لك أن تأتي بمثال سوى هذا يوضح الموضوع؟

* الطالب: قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾.

* الشيخ: نعم، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يشرب تتعدى بأيش في الأصل؟

* الطالب: بـ(مِن)؟

* الشيخ: بـ(مِن)، وهنا عُدّيت بالباء؛ خرِّجها على الوجهين؟

* الطالب: عينٌ يُشرب منها.

* الشيخ: هذا وجه؛ يعني الباء ضُمنت معنى (مِن).

* الطالب: الثاني: تضمن بالفعل هو عين يروى ويشرب بها.

* الشيخ: منها.

* الطالب: عين.

* الشيخ: عينًا يشرب.

* الطالب: يشرب ويَرْوى بها.

* الشيخ: عينًا إي يروى بها. وإذا قلنا: يَرْوى بها فيتضمن الشرب؛ لأنه لا ريّ إلا بعد الشرب. واضح؟

* طالب: ما يحتاج إلى (...).

* الشيخ: ما يحتاج إلى (...). كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران ١٧٩-١٨٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، الخطاب في هذه الآية لمن؟

* طالب: للنبي ﷺ.

* الشيخ: للنبي ﷺ، ولا تصح لكل من يتأتى خطابه؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لا، يصح، ما الذي يفيده هذا النهي؟

* طالب: يفيد بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حزنه وحسرته وندمه على عدم إيمان الكفار.

* الشيخ: أحسنت؛ يعني يفيد حزن النبي عليه الصلاة والسلام على عدم إسلام هؤلاء الكفار، وعلى مسارعتهم في الكفر.

قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ لماذا عدّى ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بـ(في) مع أن المعروف أنها تعدى بـ(إلى)؟ المعروف أن سارع تتعدى بـ(إلى) مثل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فلماذا عُدّيت هنا بـ(في)؟

* طالب: قد يكون يا شيخ أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم كفار.

* الشيخ: إي، لكن كيف نخرّج أنها عُديت بـ(في) مع أنها تُعدى بـ(إلى)؟

* الطالب: ما يمكن المقصود أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: هم كفار ويزدادون كفرًا.

* الشيخ: ما هو بواضح، الظاهر أنك تريد معنى، لكن لم تصل إلى التعبير عنه.

* طالب: مر علينا في الدرس أن (في) بمعنى (إلى).

* الشيخ: (في) بمعنى (إلى)، أحسنت هذا وجه؛ الثاني؟

* طالب: معنى يسارعون يقعون.

* طالب آخر: شيخ، سبب المسارعة هو الدخول في الكفر.

* الشيخ: نعم، يعني إذنْ التضمين هنا بالفعل لا بالحرف؛ على المعنى الأول التضمين بالحرف ضُمّن معنى (إلى)، وعلى الثاني التضمين في الفعل. أيهما أفصح؟

* طالب: في الفعل أفصح.

* الشيخ: أفصح.

* الطالب: لأنه يتضمن المعنى وزائد..

* الشيخ: يتضمن المعنى وزيادة؛ هل لك أن تأتي بمثال سوى هذا يوضح الموضوع؟

* الطالب: قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾.

* الشيخ: نعم، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يشرب تتعدى بأيش في الأصل؟

* الطالب: بـ(مِن)؟

* الشيخ: بـ(مِن)، وهنا عُدّيت بالباء؛ خرِّجها على الوجهين؟

* الطالب: عينٌ يُشرب منها.

* الشيخ: هذا وجه؛ يعني الباء ضُمنت معنى (مِن).

* الطالب: الثاني: تضمن بالفعل هو عين يروى ويشرب بها.

* الشيخ: منها.

* الطالب: عين.

* الشيخ: عينًا يشرب.

* الطالب: يشرب ويَرْوى بها.

* الشيخ: عينًا إي يروى بها. وإذا قلنا: يَرْوى بها فيتضمن الشرب؛ لأنه لا ريّ إلا بعد الشرب. واضح؟

* طالب: ما يحتاج إلى (...).

* الشيخ: ما يحتاج إلى (...). كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ فيها ثلاث قراءات، الأولى: ﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ﴾ ، والثانية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾، والثالثة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالخطاب، وكلها قراءات سبعية يُسن للإنسان أن يقرأ بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أنه لا ينبغي أن يقرأ بالقراءة الخارجة عن المصحف أمام العامة؛ لأن ذلك قد يوجب فتنة.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: لا يظن الذين يبخلون بما آتاهم الله، والبخل هو المنع، البخل هو المنع مع شُحّ، ولهذا عُدِّي بالباء، ولم يقل: يبخلون ما آتاهم، بل قال: يبخلون به، أي: يمنعوه مع شُحّ، يشحون به.

وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ﴾ أي: أعطاهم الله من فضله، وفيه إشارة إلى أن هذا البخل في غير موضعه؛ لأنهم بخلوا بشيء ليس من كسبهم ولا من كدّهم، بل هو من الله، وبخلوا به أن يصرفوه فيما أمرهم الله به، وهذا غاية ما يكون من الحمق أن الذي أعطاك وقال: اصرفه في كذا، تبخل، فإن هذا من الحمق البالغ؛ إذ إن الأمر يقتضي أن الذي أعطاك إذا أمرك أن تصرفه في كذا أن أيش؟ أن تصرفه كما أمر؛ لأنه فضله.

وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من خيره؛ لأن الفضل في الأصل هو الزيادة، فالإنسان قد يعمل أحيانًا عملًا يؤمّل أنه يكسب فيه ألفًا فيكسب ألفين أو أكثر من فضل الله عز وجل، وقد يخسر.

وقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثانٍ لـ(يحسب)، والمفعول الأول محذوف تقديره: بخلهم هو خيرًا لهم، ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم خيرًا لهم، بل هو شرّ لهم، كما ذكر الله عز وجل.

وقوله: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ (خير) هنا اسم تفضيل، فلا بد من مفضل ومفضل عليه، فما هو المفضل والمفضل عليه؟ المفضل عليه هو البخل، يعني: هو خيرًا لهم من العطاء؛ يعني: لا يظنوا أن البخل خير من العطاء، فهم يظنون أن البخل أفضل من العطاء، وهذا الظن خطأ، هذا ظن خطأ؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.. وكم من إنسان يزداد ماله بالصدقة، ولا تنقص الصدقة مالًا مع الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] ومعنى ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلفه.

يقول عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ شر لهم من أي شيء؟ من العطاء، هو شر من العطاء، والعطاء ليس فيه شر، لكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم؛ حيث يظنون أنهم إذا أنفقوا ضاق عليهم الرزق، فيقول القائل منهم: أنا عندي ألف إذا أنفقت منه مئة نقص وصار تسع مئة، فيظنون أن هذا شرّ، فيقول عز وجل: إن المانع هو الشر، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ شر لهم من أي شيء؟ من العطاء؛ فالعطاء خير والمنع شر. ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾.

ثم قال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ السين يقول علماء النحو: إنها للتنفيس وتفيد التحقيق؛ التنفيس معناه حصول الشيء عن قرب، والتحقيق واضح؛ يعني أن كلمة: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أبلغ في التحقيق من كلمة يُطوّقون؛ لأن السين تفيد التحقيق، وتفيد أيضًا التنفيس وهو الشيء عن قرب، فتفيد ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أن هؤلاء سوف يعاقبون هذه العقوبة حتمًا وعن قُرب، من أين أخذنا الحتمية؟

* الطلبة: من السين.

* الشيخ: من السين الدالة على تحقق الوقوع، وأخذنا القرب؛ لأن التنفيس الذي تدل عليه السين معناه القرب، فإذا قال قائل: إن تحققه معلوم، لكن كيف يكون قريبًا؟ قلنا: إن يوم القيامة قريب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، فيوم القيامة وإن كان بعيدًا في نظر الناس، لكنه في الحقيقة قريب، وانظر إلى الأيام كيف تنطوي بسرعة حتى تنتهي لتعرف أن يوم …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.