Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ١٦٥

قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.

والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ

صفحة ١٦٦

الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا …

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ١٦٥

قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.

والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ

صفحة ١٦٦

الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ

صفحة ١٦٩

وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .

وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ

صفحة ١٦٩

وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .

وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ

صفحة ١٦٩

وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .

وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ أنْ يَحْزَنَ مِن فِعْلِ قَوْمٍ يَحْرِصُونَ عَلى الكُفْرِ، أيْ عَلى أعْمالِهِ، ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَتَوَغَّلُونَ فِيهِ ويُعَجِّلُونَ إلى إظْهارِهِ وتَأْيِيدِهِ والعَمَلِ بِهِ عِنْدَ سُنُوحِ الفُرَصِ، ويَحْرِصُونَ عَلى إلْقائِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ يُسارِعُونَ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مِنَ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يُسارِعُونَ مَعْنى يَقَعُونَ، فَعُدِّيَ بِفي، وهي طَرِيقَةُ الكَشّافِ وشُرُوحِهِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ

صفحة ١٧٣

تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَ حالَ حِرْصِهِمْ وجَدِّهِمْ في تَكْفِيرِ النّاسِ وإدْخالِ الشَّكِّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ وانْتِهازِهِمُ الفُرَصَ بِحالِ الطّالِبِ المُسارِعِ إلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ يَخْشى أنْ يَفُوتَهُ وهو مُتَوَغِّلٌ فِيهِ مُتَلَبِّسٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِفي الدّالَّةِ عَلى سُرْعَتِهِمْ سُرْعَةِ طالِبِ التَّمْكِينِ، لا طالِبِ الحُصُولِ، إذْ هو حاصِلٌ عِنْدَهم، ولَوْ عُدِّيَ بِإلى لَفُهِمَ مِنهُ أنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا عِنْدَ المُسارَعَةِ. قِيلَ: هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: قَوْمٌ أسْلَمُوا ثُمَّ خافُوا مِنَ المُشْرِكِينَ فارْتَدُّوا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أنْ يُحْزِنَهُ تَسارُعُهم إلى الكُفْرِ بِعِلَّةٍ يُوقِنُ بِها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ومَوْقِعُ إنَّ في مِثْلِ هَذا المَقامِ إفادَةُ التَّعْلِيلِ، وإنَّ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

ونَفْيُ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ مُرادٌ بِهِ نَفْيُ أنْ يُعَطِّلُوا ما أرادَهُ إذْ قَدْ كانَ اللَّهُ وعَدَ الرَّسُولَ إظْهارَ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وكانَ سَعْيُ المُنافِقِينَ في تَعْطِيلِ ذَلِكَ، نَهى اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَحْزُنَ لِما يَبْدُو لَهُ مِنَ اشْتِدادِ المُنافِقِينَ في مُعاكَسَةِ الدَّعْوَةِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهم لَنْ يَسْتَطِيعُوا إبْطالَ مُرادِ اللَّهِ، تَذْكِيرًا لَهُ بِأنَّهُ وعَدَهُ بِأنَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ.

ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا النَّهْيِ: هو أنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ، وإنْ بَلَغَتْ مُرْتَقى الكَمالِ، لا تَعْدُو، تَعْتَرِيها في بَعْضِ أوْقاتِ الشِّدَّةِ أحْوالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ: مِن تَأْثِيرِ مَظاهِرِ الأسْبابِ، وتَوَقُّعِ حُصُولِ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ عِنْدَها، كَما وقَعَ لِلرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ. وهو في العَرِيشِ، وإذا انْتَفى إضْرارُهُمُ اللَّهَ انْتَفى إضْرارُهُمُ المُؤْمِنِينَ فِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَحْزُنْكَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ الحُزْنَ، وقَرَأهُ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جَزائِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في الآخِرَةِ، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ السَّلامَةَ مِن كَيْدِهِمْ في الدُّنْيا، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهم وسَلَبَهُمُ التَّوْفِيقَ فَكانُوا مُسارِعِينَ في الكُفْرِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ. والحَظُّ: النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ نافِعٍ.

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

صفحة ١٧٤

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] قُصِدَ بِهِ، مَعَ التَّأْكِيدِ، إفادَةُ هَذا الخَبَرِ اسْتِقْلالًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، وفي اخْتِلافِ الصِّلَتَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّ مَضْمُونَ كُلِّ صِلَةٍ مِنهُما هو سَبَبُ الخَبَرِ الثّابِتِ لِمَوْصُولِها، وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] المُتَقَدِّمُ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

كَدُخانِ نارٍ ساطِعٌ أسْنامُها

بَعْدَ قَوْلِهِ:

كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها

مَعَ زِيادَةِ بَيانِ اشْتِهارِهِمْ هم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.

والِاشْتِراءُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِبْدالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] والمَقْصُودُ مُقابَلَةُ الإعْلامِ بِخِلافِ الحُسْبانِ في حالَتَيْنِ: إحْداهُما تَلُوحُ لِلنّاظِرِ حالَةَ ضُرٍّ، والأُخْرى تَلُوحُ حالَةَ خَيْرٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ كِلْتا الحالَتَيْنِ عَلى خِلافِ ما يَتَراءى لِلنّاظِرِينَ.

ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] إذْ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِحُزْنِهِ، لِأنَّهم لا يَضُرُّونَ اللَّهَ شَيْئًا، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ خَبَرًا لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ وإخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ: أنْ لا يَحْسَبُوا أنَّ بَقاءَهم نَفْعٌ لَهم بَلْ هو إمْلاءٌ لَهم يَزْدادُونَ بِهِ آثامًا، لِيَكُونَ أخْذُهم بَعْدَ

صفحة ١٧٥

ذَلِكَ أشَدَّ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفاعِلُ الفِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِتاءِ الخِطابِ.

فالخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانٍ لَمْ يَقَعْ، فالنَّهْيُ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ أوْ عَنْ حُسْبانٍ هو خاطِرٌ خَطَرَ لِلرَّسُولِ ﷺ غَيْرَ أنَّهُ حُسْبانُ تَعَجُّبٍ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ أنَّ الإمْلاءَ لَيْسَ خَيْرًا لَهم، أوِ المُخاطَبُ الرَّسُولُ والمَقْصُودُ غَيْرُهُ، مِمَّنْ يَظُنُّ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِثْلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، أوِ المُرادُ مِنَ الخِطابِ كُلُّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ.

وعَلى قِراءَةِ - الياءِ التَّحْتِيَّةِ - فالنَّهْيُ مَقْصُودٌ بِهِ بُلُوغَهُ إلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ، ويُمِرَّ عَيْشَهم بِهَذا الوَعِيدِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَحْسَبُونَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ. والإمْلاءُ: الإمْهالُ في الحَياةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَأْخِيرُ حَياتِهِمْ، وعَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ في الحَرْبِ، حَيْثُ فَرِحُوا بِالنَّصْرِ يَوْمَ أُحُدٍ، وبِأنَّ قَتْلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا أكْثَرَ مِن قَتْلاهم.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإمْلاءِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْمالِهِمْ في كَيْدِ المُسْلِمِينَ وحَرْبِهِمْ وعَدَمُ الأخْذِ عَلى أيْدِيهِمْ بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطِّوَلَ في المَرْعى، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَلْوِ بِالواوِ وهو سَيْرُ البَعِيرِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ قالُوا: أمْلَيْتُ لِلْبَعِيرِ والفَرَسِ إذا وسَّعْتُ لَهُ في القَيْدِ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنَ الخَبَبِ والرَّكْضِ، فَشُبِّهَ فِعْلُهُ بِشِدَّةِ السَّيْرِ، وقالُوا: أمْلَيْتُ لِزَيْدٍ في غَيِّهِ أيْ تَرَكْتُهُ: عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وأمْلى اللَّهُ لِفُلانٍ أخَّرَ عِقابَهُ، قالَ تَعالى ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] واسْتُعِيرَ التَّمَلِّي لِطُولِ المُدَّةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ فَقالُوا: مَلَّأكَ اللَّهُ حَبِيبَكَ تَمْلِيئَةً، أيْ أطالَ عُمُرَكَ مَعَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ (أنَّ) أُخْتُ إنَّ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ولَيْسَتِ الزّائِدَةُ، وقَدْ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ كَلِمَةً واحِدَةً كَما تُكْتَبُ إنَّما المُرَكَّبَةُ مِن (إنَّ) أُخْتِ أنَّ و(ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ، الَّتِي هي حَرْفُ حَصْرٍ بِمَعْنى (ما) و(إلّا)، وكانَ القِياسُ أنْ …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو رُجُوعٌ إلى بَيانِ ما في مُصِيبَةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ دُنْيا وأُخْرى، فَهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦] بَيَّنَ هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ دَوامَ اللَّبْسِ في حالِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ واخْتِلاطِهِمْ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ زَمانًا كانَتِ الحِكْمَةُ في مِثْلِهِ تَقْتَضِي بَقاءَهُ وذَلِكَ أيّامَ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ هِجْرَتِهِمْ وشِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الِاقْتِناعِ مِنَ النّاسِ بِحُسْنِ الظّاهِرِ حَتّى لا يَبْدَأ الِانْشِقاقُ مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الإيمانُ في النُّفُوسِ، وقَرَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ المُقامَ في أمْنٍ، أرادَ اللَّهُ تَعالى تَنْهِيَةِ الِاخْتِلاطِ وأنْ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وكانَ المُنافِقُونَ يَكْتُمُونَ نِفاقَهم لَمّا رَأوْا أمْرَ المُؤْمِنِينَ في إقْبالٍ، ورَأوُا انْتِصارَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهم ويُظْهِرَ نِفاقَهم، بِأنْ أصابَ المُؤْمِنِينَ بِقَرْحِ الهَزِيمَةِ حَتّى أظْهَرَ المُنافِقُونَ فَرَحَهم بِنُصْرَةِ المُشْرِكِينَ، وسَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِفاقَهم بادِيًا لِلْعِيانِ كَما قالَ:

صفحة ١٧٨

جَزى اللَّهُ المَصائِبَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِها عَدُوِّي مِن صَدِيقِي

وماصَدَقَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ هو اشْتِباهُ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في ظاهِرِ الحالِ.

وحَرْفا ”عَلى“ الأوَّلُ والثّانِي، في قَوْلِهِ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّمَكُّنُ مِن مَعْنى مَجْرُورِها ويَتَبَيَّنُ الوَصْفُ المُبْهَمُ في الصِّلَةِ بِما ورَدَ بَعْدَ ”حَتّى“ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَيُعْلَمُ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو عَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ.

ومَعْنى ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَفْيُ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا لِلَّهِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلامِ الجُحُودِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] إلَخْ.

فَقَوْلُهُ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ الخالِصِ والمُنافِقِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَلَيْهِ مُخاطَبٌ بِهِ المُسْلِمُونَ كُلُّهم بِاعْتِبارِ مَن فِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصِ مِنَ النِّفاقِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُلْ: لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ الخِطابِ أكْثَرُ مِنَ المُرادِ بِلَفْظِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ عَلى ما هم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةٌ لِلْجُحُودِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ المُفِيدُ أنَّ هَذا الوَذْرَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ بَعْدَ وقْتِ الإخْبارِ ولا واقِعًا مِنهُ تَعالى إلى أنْ يَحْصُلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، فَإذا حَصَلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ صارَ هَذا الوَذْرَ مُمْكِنًا، فَقَدْ تَتَعَلَّقُ …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

﴿ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

عَطْفٌ عَلى (ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا أُنْزِلَ في شَأْنِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ، كَما حَكى اللَّهُ

صفحة ١٨١

عَنْهم في سُورَةِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ بِحالٍ أنْ يَكُونَ نازِلًا في شَأْنِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُبَرَّءُونَ مِن هَذا الفِعْلِ ومِن هَذا الحُسْبانِ، ولِذَلِكَ قالَ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَنعِ الزَّكاةِ، أيْ فِيمَن مَنَعُوا الزَّكاةَ، وهَلْ يَمْنَعُها يَوْمَئِذٍ إلّا مُنافِقٌ. ولَعَلَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى حُسْبانِهِ خَيْرًا أنَّهم حَسِبُوا أنْ قَدِ اسْتَبْقَوْا مالَهم وتَنَصَّلُوا عَنْ دَفْعِهِ بِمَعاذِيرَ قُبِلَتْ مِنهم.

أمّا شُمُولُها لِمَنعِ الزَّكاةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِعُمُومِ صِلَةِ المَوْصُولِ إنْ كانَ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، فَبِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِتاءِ الخِطابِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَحْسِبَنَّ - بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ السِّينِ.

وقَوْلُهُ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ، وقَدْ يُبْنى كَلامُهُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ مَعَ الأفْعالِ الَّتِي تَطْلُبُ اسْمًا وخَبَرًا، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ فَصْلًا مَعَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، يَعْنِي فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا ضَمِيرُ فَصْلٍ ولِذَلِكَ حَكى أبُو البَقاءِ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرًا واقِعًا مَوْقِعَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مِن إنابَةِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ عَنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ، ولَعَلَّ الَّذِي حَسَّنَهُ أنَّ المَعادَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا يُهْتَدى إلَيْهِ بِضَمِيرِ النَّصْبِ، بِخِلافِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ كالعُمْدَةِ في الكَلامِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البُخْلِ المُسْتَفادِ مِن يَبْخَلُونَ، مِثْلُ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، ومِثْلُ قَوْلِهِ:

إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ

ثُمَّ إذا كانَ ضَمِيرَ فَصْلٍ فَأحَدُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ

صفحة ١٨٢

ضَمِيرِ الفَصْلِ عَلَيْهِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَوْقِيَّةِ فالمَحْذُوفُ مُضافٌ حَلَّ المُضافُ إلَيْهِ مَحَلَّهُ، أيْ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا، وعَلى قِراءَةِ التَّحْتِيَّةِ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بُخْلَهم خَيْرًا.

والبُخْلُ - بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ - ويُقالُ: بَخَلٌ بِفَتْحِهِما، وفِعْلُهُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ مَضْمُومُ العَيْنِ في الماضِي والمُضارِعِ. وبَقِيَّةُ العَرَبِ تَجْعَلُهُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ، وبِلُغَةِ غَيْرِ …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.