Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

لما بيَّنَ - تعالى - أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بيَّن - هنا - أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رُزِقوا من النعيم ولذلك أعاد لفظَ لاستبشارِ.

فإن قيلَ: أليس الذي ذكر فَرَحَهم بأحوالِ أنفسهم والفرحُ عينُ الاستبشارِ - فلزم التكرارُ؟ فالجوابُ من وجهين:

أحدهما: أن الاستبشارَ هو الفرحُ التامُّ، فلا يلزم التكرارُ.

الثاني: لَعَلَّ المرادَ حصولُ الفرحِ بما حصل في الحالِ، وحصولُ الاستبشارِ بما عرفوا أنّ النعمةَ العظيمةَ تحصيل لهم في الآخرةِ.

فإن قيلَ: ما الفرقُ بين النعمةِ والفَضْلِ، فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ؟

فالجواب: أن النعمةَ هي الثواب، والفَضْل: هو التفضُّل الزائد.

وقيل: النعمة: المغفرة، والفَضْل: الثواب الزائد.

وقيل: للتأكيد.

روى الترمذيّ عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لِلشَّهِيْدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خَصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ، ويَرَى مَقْعَدَهُ مَنَ الْجَنَّةِ، ويُجارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ الْفَزَعَ الأكْبَرَ، وَيُوضَعٌُ عَلَى رَأسِهِ تَاجُ الْوقارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ويُزَوَّج اثنينِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقارِبِه» ، قال: هذا حديثٌ حَسَنٌ، صحيحٌ، غريبٌ، وهذا تفسيرُ النعمةِ والفضلِ، وهذا في الترمذيِّ وابن ماجه ستٌّ، وهي في العدد سبعةٌ.

فصل

وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الإنسانَ يكون فَرحُهُ واستبشارُهُ - بصلاحِ حالِ إخوانِهِ - أتم من استبشاره بسَعَادةِ نَفْسِهِ، لأنهُ - تعالى - مَدَحهم على ذلك بكونهم أوَّلَ ما استبشروا فرحا بإخوانهم، ثم ذكر - بعده - استبشارهم بأنفسهم، فقال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ .

قوله: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ﴾ قرأ الكِسائيُّ بِكَسْرِ «أن» على الاستئنافِ.

وقال الزمخشري: إن قراءة الكسرِ اعتراضٌ.

واستشكلَ كونها اعتراضاً؛ لأنها لم تقع بين شيئن متلازمين.

ويمكن أن يُجاب عنه بأن «الذين استجابوا» يجوز أن يكون تابعاً ل «الذين لم يلحقوا» - نعتاً، أو بدلاً، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور الاعتراض.

ويؤيدُ كونها الاستئناف قراءةُ عبد الله ومصحفُه: والله لا يضيع، وقرأ باقي السبعةِ بالفتحِ؛ عَطْفاً على قوله: «بنعمة» لأنها بتأويل مصدر، أي: يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل منه وعدم إضاعةِ الله أجْرَ المؤمنين.

فإن قيل: لم قال: «يستبشرون» من غير عطف؟

فالجوابُ فيه أوجهٌ:

أحدها: أنه استئنافٌ متعلِّقٌ بهم أنفسهم، دون «الذين لم يلحقوا بهم» لاختلافِ متعلِّقٍ البشارتين.

الثاني: أنه تأكيدٌ الأولِ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل مُتَعَلِّقِ الاستبشارِ الأولِ، وإليهِ ذَهَبَ الزمخشري.

الثالثُ: انه بدلٌ من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً: أنه لما كان متعلقه بياناً لمتعلق الأول حَسُن أن يقال: بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعلٌ من فعل موافقٍ له لفظاً ومعنًى؟ وهذا في المعنى يئول إلى وجه التأكيد.

الرابعُ: أنه حال من فاعل «يحزنون» و «يحزنون» عاملٌ فيه، أي: ولا هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ، لوجهين:

أحدهما: أن الظاهر اختلافُ مَنْ نفي عنه الحُزْن ومن استبشرَ.

الثاني: أن نفي الحزن ليس مقيَّداً ليكون أبلغ في البشارة، والحال قَيْدٌ فيه، فيفوت هذا المعنى.

فصل

والمقصودُ - من هذا الكلام - أن أيصال الثواب العظيم إلى الشهداء ليس مخصوصاً بهم، بل كل مؤمنٍ يستحق شيئاً من الأجر والثوابِ، فإن الله تعالى يوصِّل ثوابه إليه، ولا يُضيعه.

قوله: «الذين استجابوا» فيه ستة أوْجُهٍ:

أحدها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

وقال مَكيٌّ: ابتداء وخبره «من بعدما أصابهم القرح» وهذا غلطٌ؛ لأن هذا ليس بمفيد ألبتة، بل «من بعد» متعلقٌ ب «استجابوا» . …

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

لما بيَّنَ - تعالى - أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بيَّن - هنا - أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رُزِقوا من النعيم ولذلك أعاد لفظَ لاستبشارِ.

فإن قيلَ: أليس الذي ذكر فَرَحَهم بأحوالِ أنفسهم والفرحُ عينُ الاستبشارِ - فلزم التكرارُ؟ فالجوابُ من وجهين:

أحدهما: أن الاستبشارَ هو الفرحُ التامُّ، فلا يلزم التكرارُ.

الثاني: لَعَلَّ المرادَ حصولُ الفرحِ بما حصل في الحالِ، وحصولُ الاستبشارِ بما عرفوا أنّ النعمةَ العظيمةَ تحصيل لهم في الآخرةِ.

فإن قيلَ: ما الفرقُ بين النعمةِ والفَضْلِ، فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ؟

فالجواب: أن النعمةَ هي الثواب، والفَضْل: هو التفضُّل الزائد.

وقيل: النعمة: المغفرة، والفَضْل: الثواب الزائد.

وقيل: للتأكيد.

روى الترمذيّ عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لِلشَّهِيْدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خَصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ، ويَرَى مَقْعَدَهُ مَنَ الْجَنَّةِ، ويُجارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ الْفَزَعَ الأكْبَرَ، وَيُوضَعٌُ عَلَى رَأسِهِ تَاجُ الْوقارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ويُزَوَّج اثنينِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقارِبِه» ، قال: هذا حديثٌ حَسَنٌ، صحيحٌ، غريبٌ، وهذا تفسيرُ النعمةِ والفضلِ، وهذا في الترمذيِّ وابن ماجه ستٌّ، وهي في العدد سبعةٌ.

فصل

وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الإنسانَ يكون فَرحُهُ واستبشارُهُ - بصلاحِ حالِ إخوانِهِ - أتم من استبشاره بسَعَادةِ نَفْسِهِ، لأنهُ - تعالى - مَدَحهم على ذلك بكونهم أوَّلَ ما استبشروا فرحا بإخوانهم، ثم ذكر - بعده - استبشارهم بأنفسهم، فقال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ .

قوله: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ﴾ قرأ الكِسائيُّ بِكَسْرِ «أن» على الاستئنافِ.

وقال الزمخشري: إن قراءة الكسرِ اعتراضٌ.

واستشكلَ كونها اعتراضاً؛ لأنها لم تقع بين شيئن متلازمين.

ويمكن أن يُجاب عنه بأن «الذين استجابوا» يجوز أن يكون تابعاً ل «الذين لم يلحقوا» - نعتاً، أو بدلاً، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور الاعتراض.

ويؤيدُ كونها الاستئناف قراءةُ عبد الله ومصحفُه: والله لا يضيع، وقرأ باقي السبعةِ بالفتحِ؛ عَطْفاً على قوله: «بنعمة» لأنها بتأويل مصدر، أي: يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل منه وعدم إضاعةِ الله أجْرَ المؤمنين.

فإن قيل: لم قال: «يستبشرون» من غير عطف؟

فالجوابُ فيه أوجهٌ:

أحدها: أنه استئنافٌ متعلِّقٌ بهم أنفسهم، دون «الذين لم يلحقوا بهم» لاختلافِ متعلِّقٍ البشارتين.

الثاني: أنه تأكيدٌ الأولِ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل مُتَعَلِّقِ الاستبشارِ الأولِ، وإليهِ ذَهَبَ الزمخشري.

الثالثُ: انه بدلٌ من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً: أنه لما كان متعلقه بياناً لمتعلق الأول حَسُن أن يقال: بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعلٌ من فعل موافقٍ له لفظاً ومعنًى؟ وهذا في المعنى يئول إلى وجه التأكيد.

الرابعُ: أنه حال من فاعل «يحزنون» و «يحزنون» عاملٌ فيه، أي: ولا هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ، لوجهين:

أحدهما: أن الظاهر اختلافُ مَنْ نفي عنه الحُزْن ومن استبشرَ.

الثاني: أن نفي الحزن ليس مقيَّداً ليكون أبلغ في البشارة، والحال قَيْدٌ فيه، فيفوت هذا المعنى.

فصل

والمقصودُ - من هذا الكلام - أن أيصال الثواب العظيم إلى الشهداء ليس مخصوصاً بهم، بل كل مؤمنٍ يستحق شيئاً من الأجر والثوابِ، فإن الله تعالى يوصِّل ثوابه إليه، ولا يُضيعه.

قوله: «الذين استجابوا» فيه ستة أوْجُهٍ:

أحدها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

وقال مَكيٌّ: ابتداء وخبره «من بعدما أصابهم القرح» وهذا غلطٌ؛ لأن هذا ليس بمفيد ألبتة، بل «من بعد» متعلقٌ ب «استجابوا» . …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

في قوله: «الذين» ما تقدم في: «الذين» قبله، إلا في رفعه بالابتداء.

وهذه الآية نزلت في غزوة بدر الصُّغْرَى، «روى ابن عباسٍ أن أبا سفيانَ لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مَكَّةَ - قال: يا محمدُ موعدنا موسم بدر الصغرى، فنقتتل بها - إن شِئْتَ - فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعمر: قُلْ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ الله - فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان في أهل مكةَ، حتى نزل» مجنة «من ناحية» مَرَّ الظهران «فألقى الله تعالى الرُّعب في قلبه، فبدا له أن يرجعَ فلقي نُعَيم بن مسعود الشْجَعِيّ - وقد قَدِم معتمراً - فقال أبو سفيان: يا نعيمُ، إني واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدرٍ، وإن هذا عام جَدْبٍ، ولا يُصْلِحُنا إلا عام نَرْعَى فيه الشجر ونشرب فيه اللبنَ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، ولكن إن خَرَجَ مُحَمّدٌ - ولم أخرُجْ - زاد بذلك جُرْأةً، وَلأنْ يكونَ الخُلْفُ من قِبَلِهِمْ أحَبُّ من أن يكون من قِبَلي، فالْحَق بالمدينة فَثَبِّطْهُم، ولك عندي عشرةٌ من الإبل، أضعها على يد سُهَيْلِ بْنِ عمرو ويضمنها. قال: فجاء سُهَيلٌ، فقال له نعيمٌ: يا أبا يزيدَ أتضمنُ لي هذه القلائصِ، فأنطلق إلى مُحَمَّدٍ فأثبطه؟ قال: نَعَمْ، فخرج نُعَيْمٌ، حتى أتى المدينة، فوجد المسلمين يتجهَّزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعَدَنَا أبو سفيان لموسم بدر الصُّغْرَى أن نقتتل بها، فقال: بئس الذي رأيتم، أتَوْكُمْ في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا الشريد، أفتريجون أن تخرجوا إليهم؟ فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، وقد جمعوا لكم عند الموسم.

فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم، فلما عرفوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لأخرجنّ إليهم ولو وحدي» . فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشُّجَاعُ فإنه تأهَّبَ للقتالِ، وقالوا «حسبنا الله ونعم الوكيل» . ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومعه نحو سبعين رجلاً - فيهم ابنُ مسعود حتى وافَوْا بدر الصغرى - وهي ماء لِبَني كنانةَ، وكانت موضعٍ سوقٍ لهم، يجتمعون فيه كل عام ثمانية أيام - ولم يَلْقَ رسولُ الله - وأصحابه أحداً من المشركين ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقاتٌ وتجاراتٌ، فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً، وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان إلى مكة، وسَمَّى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق.» هذا سبب نزول الآية.

والمراد ب «الناس» نُعَيم بن مسعود - في قول مجاهد وعكرمة - فهو من العامِّ الذي أرِيدَ به الخاصّ، كقوله تعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس﴾ [النساء: 54] يعني محمداً وحده، وإنما جاز إطلاقُ لفظِ «الناس» على الواحد؛ لأن الإنسانَ الواحدَ إذا كان له أتباع يقولون مثل قوله، أو يَرْضَونَ بقوله فإنه يحسن - حينئذٍ - إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا﴾ [البقرة: 72] وقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55] وهم لم يفعلوا ذلك، وإنما فعله أسلافهم، إلا انهم لما تابعوهم وصوَّبوا فِعْلَهُمْ، حَسُن إضافة ذلك إليهم.

وقال ابنُ عَبَّاس، ومحمد بن إسحاقَ، وجماعة: أراد بالنَّاسِ: الرَّكْبَ من بني عبد القيسِ «قد جمعوا لكم» يعني أبا سفيان وأصحابه.

وقال السُّدِّيُّ: هم المنافقون، قالوا للمسلمين - حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي سفيان -: القوم قد أَتَوْكُمْ في دياركم، فقتلوا أكثركم، فإن ذَهَبْتُمْ إليهم لم يَبْقَ منكم أحدٌ، لا سيما وقد جمعوا لكم جَمْعاً عظيماً «فاخشوهم» أي: فخافوهم.

قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ في فاعل «فزادهم» ثلاثة أوجهٍ:

الأول - وهو الأظهرُ -: أنه ضميرٌ يعود على المصدر المفهوم من «قال» أي فزادهم …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

في قوله: «الذين» ما تقدم في: «الذين» قبله، إلا في رفعه بالابتداء.

وهذه الآية نزلت في غزوة بدر الصُّغْرَى، «روى ابن عباسٍ أن أبا سفيانَ لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مَكَّةَ - قال: يا محمدُ موعدنا موسم بدر الصغرى، فنقتتل بها - إن شِئْتَ - فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعمر: قُلْ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ الله - فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان في أهل مكةَ، حتى نزل» مجنة «من ناحية» مَرَّ الظهران «فألقى الله تعالى الرُّعب في قلبه، فبدا له أن يرجعَ فلقي نُعَيم بن مسعود الشْجَعِيّ - وقد قَدِم معتمراً - فقال أبو سفيان: يا نعيمُ، إني واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدرٍ، وإن هذا عام جَدْبٍ، ولا يُصْلِحُنا إلا عام نَرْعَى فيه الشجر ونشرب فيه اللبنَ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، ولكن إن خَرَجَ مُحَمّدٌ - ولم أخرُجْ - زاد بذلك جُرْأةً، وَلأنْ يكونَ الخُلْفُ من قِبَلِهِمْ أحَبُّ من أن يكون من قِبَلي، فالْحَق بالمدينة فَثَبِّطْهُم، ولك عندي عشرةٌ من الإبل، أضعها على يد سُهَيْلِ بْنِ عمرو ويضمنها. قال: فجاء سُهَيلٌ، فقال له نعيمٌ: يا أبا يزيدَ أتضمنُ لي هذه القلائصِ، فأنطلق إلى مُحَمَّدٍ فأثبطه؟ قال: نَعَمْ، فخرج نُعَيْمٌ، حتى أتى المدينة، فوجد المسلمين يتجهَّزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعَدَنَا أبو سفيان لموسم بدر الصُّغْرَى أن نقتتل بها، فقال: بئس الذي رأيتم، أتَوْكُمْ في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا الشريد، أفتريجون أن تخرجوا إليهم؟ فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، وقد جمعوا لكم عند الموسم.

فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم، فلما عرفوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لأخرجنّ إليهم ولو وحدي» . فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشُّجَاعُ فإنه تأهَّبَ للقتالِ، وقالوا «حسبنا الله ونعم الوكيل» . ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومعه نحو سبعين رجلاً - فيهم ابنُ مسعود حتى وافَوْا بدر الصغرى - وهي ماء لِبَني كنانةَ، وكانت موضعٍ سوقٍ لهم، يجتمعون فيه كل عام ثمانية أيام - ولم يَلْقَ رسولُ الله - وأصحابه أحداً من المشركين ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقاتٌ وتجاراتٌ، فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً، وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان إلى مكة، وسَمَّى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق.» هذا سبب نزول الآية.

والمراد ب «الناس» نُعَيم بن مسعود - في قول مجاهد وعكرمة - فهو من العامِّ الذي أرِيدَ به الخاصّ، كقوله تعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس﴾ [النساء: 54] يعني محمداً وحده، وإنما جاز إطلاقُ لفظِ «الناس» على الواحد؛ لأن الإنسانَ الواحدَ إذا كان له أتباع يقولون مثل قوله، أو يَرْضَونَ بقوله فإنه يحسن - حينئذٍ - إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا﴾ [البقرة: 72] وقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55] وهم لم يفعلوا ذلك، وإنما فعله أسلافهم، إلا انهم لما تابعوهم وصوَّبوا فِعْلَهُمْ، حَسُن إضافة ذلك إليهم.

وقال ابنُ عَبَّاس، ومحمد بن إسحاقَ، وجماعة: أراد بالنَّاسِ: الرَّكْبَ من بني عبد القيسِ «قد جمعوا لكم» يعني أبا سفيان وأصحابه.

وقال السُّدِّيُّ: هم المنافقون، قالوا للمسلمين - حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي سفيان -: القوم قد أَتَوْكُمْ في دياركم، فقتلوا أكثركم، فإن ذَهَبْتُمْ إليهم لم يَبْقَ منكم أحدٌ، لا سيما وقد جمعوا لكم جَمْعاً عظيماً «فاخشوهم» أي: فخافوهم.

قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ في فاعل «فزادهم» ثلاثة أوجهٍ:

الأول - وهو الأظهرُ -: أنه ضميرٌ يعود على المصدر المفهوم من «قال» أي فزادهم …

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

«إنما» حرف مكفوف ب «ما» عن العمل وقد تقدم الكلام فيها أول الكتاب. وفي إعراب هذه الجملة خمسةُ أوجهٍ:

الأول: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، «والشيطان» خبره، و «يخوف أولياءه» حال؛ بدليل وقوع الحالِ الصريحةِ في مثل هذا التركيب، نحو قوله: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: 52] .

الثاني: أن يكون «الشيطان» بدلاً، أو عطف بيان، و «يخوف» الخبر، ذكره أبو البقاء.

الثالث: أن يكون «الشيطان» نعتاً لاسم الإشارة، و «يخوف» على أن يرادَ ب «الشيطان» نعيم، أو أبو سفيان - ذكره الزمخشري قال أبو حيّان: «وإنما قال: والمراد ب» الشيطان «نعيم، أو أبو سفيان؛ لأنه لا يكون نعتاً - والمراد به إبليس - لأنه إذ ذاك - يكون علماً بالغلبة، إذ أصله صفة - كالعيُّوق - ثم غلب على إبليس كما غلب العيُّوق على النَّجْمِ الَّذِي ينطلق عليه» وفيه نظرٌ.

الرابع: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، و «الشيطان» خبر، و «يخوف» جملةٌ مستأنفةٌ، بيان لشيطنته، والمراد بالشَّيْطانِ هو المثبط للمؤمنين.

الخامس: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، و «الشيطان» مبتدأ ثانٍ، و «يخوف» خبر الثاني، والثاني وخبره خبرُ الأول؛ قاله ابنُ عطيةَ، وقال: «وهذا الإعرابُ خير - في تناسق المعنى - من أن يكون» الشيطان «خبر» ذلكم «لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة» .

ورَدَّ عليه أبو حيّان هذا الإعراب - إن كان الضمير في «أولياءه» عائداً على «الشيطان» لخُلُوِّ الجملة الواقعة خبراً عن رابط يربطها بالمبتدأ - وليست نفس المبتدأ في المعنى، نحو: هِجِّيرى أبِي بكر لا إلَه إلا الله وإن كان عائداً على «ذلكم» - ويراد ب «ذلكم» غير الشيطان جاز، وصار نظير: إنما هند زيد [يضرب غلامها] ، والمعنى: إنما ذلكم الركب، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أنتم أولياؤه، أي: أولياء الركب، أو أولياء أبي سفيان - والمشار إليه ب «ذلكم» هل هو عين أو معنى؟ فيه احتمالان:

أحدهما: أنه إشارةٌ إلى ناسٍِ مخصوصين - كَنُعَيْم وأبيب سفيانَ وأشياعهما - على ما تقدم.

الثاني: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبارِ الركبِ وإرسال أبي سفيان وجزع من جزع - وعلى هذا التقدير فلا بُدَّ من حذف مضافٍ، أي: فعل الشيطان، وقدَّره الزمخشري: قول الشيطانِ، أي: قوله السابق، وهو: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم﴾ [آل عمران: 173] وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان - فالإخبار ب «الشيطان» عن «ذلكم» مجاز؛ لأن الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار - ليست نفس الشيطان، وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جَازَ ذلك.

قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ قد تقدم ما محله من الإعراب. والتضعيفُ فيه للتعدية، فإنه قَبْلَ التَّضْعيف متعدٍّ إلى واحدٍ، وبالتضعيف يكتسب ثانياً، وهو من باب «أعطى» ، فيجوز حذف مفعوليه، أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجُهاً:

أحدها: أنْ يكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، تقديره: يخوفكم أولياءه، ويقوِّي هذا التقديرَ قراءة ابن عبَّاسٍ وابن مسعود هذه الآية كذلك، والمراد ب «أولياءه» - هنا - الكفارُ، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ، أي: شر أوليائه؛ لأن الذوات لا يخاف منها.

الثاني: أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف، و «أولياءه» هو الأول، والتقدير: يخوف أولياءه شَرَّ الكفار، ويكون المراد ب «أولياءه» - على هذا الوجه - المنافقين ومَنْ في قلبه مرضٌ ممن تخلف عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الخروج.

والمعنى: أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسنُ والسُّدِّي.

الثالث: أن المفعولين محذوفان، و «أولياءه» نعتٌ - على إسقاط حرف الجر - والتقدير: يخوفكم الشر بأوليائه. والباء للسبب، أي: بسبب أوليائه فيكونون هم كآلةِ التخويف لكم.

قالوا: ومثل حذف المفعول الثاني …

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

«إنما» حرف مكفوف ب «ما» عن العمل وقد تقدم الكلام فيها أول الكتاب. وفي إعراب هذه الجملة خمسةُ أوجهٍ:

الأول: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، «والشيطان» خبره، و «يخوف أولياءه» حال؛ بدليل وقوع الحالِ الصريحةِ في مثل هذا التركيب، نحو قوله: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: 52] .

الثاني: أن يكون «الشيطان» بدلاً، أو عطف بيان، و «يخوف» الخبر، ذكره أبو البقاء.

الثالث: أن يكون «الشيطان» نعتاً لاسم الإشارة، و «يخوف» على أن يرادَ ب «الشيطان» نعيم، أو أبو سفيان - ذكره الزمخشري قال أبو حيّان: «وإنما قال: والمراد ب» الشيطان «نعيم، أو أبو سفيان؛ لأنه لا يكون نعتاً - والمراد به إبليس - لأنه إذ ذاك - يكون علماً بالغلبة، إذ أصله صفة - كالعيُّوق - ثم غلب على إبليس كما غلب العيُّوق على النَّجْمِ الَّذِي ينطلق عليه» وفيه نظرٌ.

الرابع: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، و «الشيطان» خبر، و «يخوف» جملةٌ مستأنفةٌ، بيان لشيطنته، والمراد بالشَّيْطانِ هو المثبط للمؤمنين.

الخامس: أن يكون «ذلكم» مبتدأ، و «الشيطان» مبتدأ ثانٍ، و «يخوف» خبر الثاني، والثاني وخبره خبرُ الأول؛ قاله ابنُ عطيةَ، وقال: «وهذا الإعرابُ خير - في تناسق المعنى - من أن يكون» الشيطان «خبر» ذلكم «لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة» .

ورَدَّ عليه أبو حيّان هذا الإعراب - إن كان الضمير في «أولياءه» عائداً على «الشيطان» لخُلُوِّ الجملة الواقعة خبراً عن رابط يربطها بالمبتدأ - وليست نفس المبتدأ في المعنى، نحو: هِجِّيرى أبِي بكر لا إلَه إلا الله وإن كان عائداً على «ذلكم» - ويراد ب «ذلكم» غير الشيطان جاز، وصار نظير: إنما هند زيد [يضرب غلامها] ، والمعنى: إنما ذلكم الركب، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أنتم أولياؤه، أي: أولياء الركب، أو أولياء أبي سفيان - والمشار إليه ب «ذلكم» هل هو عين أو معنى؟ فيه احتمالان:

أحدهما: أنه إشارةٌ إلى ناسٍِ مخصوصين - كَنُعَيْم وأبيب سفيانَ وأشياعهما - على ما تقدم.

الثاني: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبارِ الركبِ وإرسال أبي سفيان وجزع من جزع - وعلى هذا التقدير فلا بُدَّ من حذف مضافٍ، أي: فعل الشيطان، وقدَّره الزمخشري: قول الشيطانِ، أي: قوله السابق، وهو: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم﴾ [آل عمران: 173] وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان - فالإخبار ب «الشيطان» عن «ذلكم» مجاز؛ لأن الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار - ليست نفس الشيطان، وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جَازَ ذلك.

قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ قد تقدم ما محله من الإعراب. والتضعيفُ فيه للتعدية، فإنه قَبْلَ التَّضْعيف متعدٍّ إلى واحدٍ، وبالتضعيف يكتسب ثانياً، وهو من باب «أعطى» ، فيجوز حذف مفعوليه، أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجُهاً:

أحدها: أنْ يكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، تقديره: يخوفكم أولياءه، ويقوِّي هذا التقديرَ قراءة ابن عبَّاسٍ وابن مسعود هذه الآية كذلك، والمراد ب «أولياءه» - هنا - الكفارُ، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ، أي: شر أوليائه؛ لأن الذوات لا يخاف منها.

الثاني: أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف، و «أولياءه» هو الأول، والتقدير: يخوف أولياءه شَرَّ الكفار، ويكون المراد ب «أولياءه» - على هذا الوجه - المنافقين ومَنْ في قلبه مرضٌ ممن تخلف عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الخروج.

والمعنى: أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسنُ والسُّدِّي.

الثالث: أن المفعولين محذوفان، و «أولياءه» نعتٌ - على إسقاط حرف الجر - والتقدير: يخوفكم الشر بأوليائه. والباء للسبب، أي: بسبب أوليائه فيكونون هم كآلةِ التخويف لكم.

قالوا: ومثل حذف المفعول الثاني …

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

اعلم أنه لا يبعد حَمْلَ الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على اليهود. ومعنى: ﴿اشتروا الكفر بالإيمان﴾ أنهم كانوا يعرفون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويؤمنون به قبل مَبْعَثِه، فلما بُعِثَ كفروا به، وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الإيمان، وأخذوا الكفر بدلاً عنه، كما يفعلُ المشتري من إعطاء شيء وأخْذ غيره بدلاً عنه.

ولا يبعد أيضاً - حَمْلُ هذه الآيةِ على المنافقينَ؛ لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا، وتركوا الإيمان، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان.

فإن قيل: ما فائدة التكرار في الآيتين في قوله: ﴿لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ ؟

فالجوابُ: أن فائدةَ التكرارِ أمورٌ:

أحدهما: أن الذين اشتروا الكفرَ بالإيمانِ لا شك أنهم كانوا كافرين أولاً، ثم آمنوا، ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدلُّ على شدَّة الاضطرابِ، وضَعْفِ الرأي، وقِلَّةِ الثباتِ، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه، ولا هيبةَ له، ولا قدرةَ له على إلحاق الضَّرَر بالغير.

ثانيها: أن أمر [الدّينِ] أهمّ الأمورِ وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه - على الفعل، أو على التَّركِ - إلا بعد إمعانٍ النّظَرِ، وكَثْرة الفِكْر، وهؤلاء يُقْدِمون على الفعل، أو على الترك في هذا المهم بأهونِ الأسبابِ وأضعفِ الموجباتِ، وهذا يدلُّ على قِلَّةِ عقولهم، وشدة حماقتهم، وأمثال هؤلاء لا يَلْتَفِتُ العاقلُ إليهم.

ثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدّينِ لا بِنَاءً على الشُّبُهات، بل بناءً على الحَسَدِ والمنازعة في منصب الدُّنْيَا، ومَنْ كان عَقْلَه بهذا القَدْر - وهو بيع السعادة العظيمة الأخروية بالقليل الفاني من سعادة الدنيا - كان في غاية الحماقة، ومِثْلهُ لا يقدر على إلحاق ضرر بالغير، والله أعلم.

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

قرأ الجمهور «يحسبن» بالغيبة، وحمزة بالخطاب، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا «أنما» ونصبوا «خير» وأنكرها ابن مجاهدٍ - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب بالغيبة وكسر «إنما» . وحكى عنه الزمخشري - أيضاً - أنه قرأ بكسر «أنما» الأولى وفتح الثانية مع الغيبة، فهذه خَمْسُ قراءاتٍ.

فأما قراءة الجمهور، فتخريجها واضح، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى «الذين» و «أن» وما اتصل بها سادَّة مسد المفعولين - عند سيبويه - أو مسدَّ أحدهما، والآخر محذوف عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب، يراد به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي لا يحسبن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فعلى هذا أن يكون «الذين كفروا» مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، لتتحد هذه القراءة - على هذا الوجه - مع قراءة حمزة رَحِمَهُ اللَّهُ، وسيأتي تخريجها.

و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية، فيكون العائد محذوفاً، لاستكمال الشروط، أي: الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية - أي: إملاءنا - وهي اسم «إن» و «خير» خبرها.

قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن تكون كافةً، وزائدة؛ إذ لو كان كذلك لانتصب» خير «ب» نملي «واحتاجت» أن «إلى خبر، إذا كانت» ما «زائدة، أو قدر الفعل يليها، وكلاهما ممتنع» انتهى. وهي من الواضحات. وكتبوا «أنماط - في الموضعين - متصلة، وكان من حق الأولى الفصل؛ لأنها موصولة.

وأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم، حتى أنه نُقل عن ابن أبي حاتم أنها لحن.

قال النحاس: وتابَعَهُ على ذلك [جماعة] وهذا لا يُلتفت إليه، لتواترها، وفي هنا تخريجها ستة أوجُهٍ:

أحدها: أن يكون فاعل» تحسبن «ضمير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و» الذين كفروا» مفعول أول، و «أنما نملي لهم خير» مفعول ثان، ولا بُدَّ - على هذا التخريج - من حَذْفِ مضافٍ، إما من الأول، تقديره: ولا تحسبن شأنَ الذين، وإما من الثَّاني، تقديره: أصحاب أن إملاءنا خير لهم.

وإنما احتجْنَا إلى هذا التأويل؛ لأن» أنما نملي «بتأويل مصدر، والمصدر معنى من المعاني لا يَصْدُقُ على» الذين كفروا «والمفعول الثاني في هذا البابِ هُوَ الأولُ في المعنى.

الثاني: أن يكون» أنما نملي لهم «بدلاً من» الذين كفروا» . وإلى هذا ذهب الكسائي، والفرّاء، وتبعهما جماعة، منهم الزَّجَّاج والزمخشري، وابنُ الباذش، قال الكسائي والفرّاء: وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد، والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي.

قال الفرّاءُ: ومثله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ [الزخرف: 66] أي «ما ينظرون إلا أن تأتيهم. انتهى.

ورد بعضهم قولَ الكسائيِّ والفرَاءِ، بأن حَذْفَ المفعولِ الثاني - في هذه الأفعالِ - لا يجوز عند أحد. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ؛ لأن الممنوعَ إنما هو حذف الاقتصارِ - وقد تقدم تحقيق ذلك.

وقال ابنُ الباذش: ويكون المفعول الثاني قد حُذِف؛ لدلالة الكلامِ عليه، ويكون التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا خَيْريَّةَ إملاءنا لهم ثابتة، أو واقعة.

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف صح مَجِيءُ البدلِ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصارُ بفعل الحسبانِ على مفعولٍ واحدٍ؟

قلتُ: صحَّ ذلك من حيثُ إنّ التعويلَ على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى، ألا تراك تقول: جَعَلْتُ متاعَك بعضَه فوقَ بَعْضٍ، مع امتناع سكوتك على: متاعك.

وهذا البدلُ بدلُ اشتكالٍ - وهو الظاهرُ - أو يدل كُلٍّ من كُلٍّ، ويكون على حَذْف مضافٍ، تقديره: ولا تحسبن إملاء الذين، فحذف» إملاء «وأبدل منه:» أنما نملي «قولان مشهوران.

الثالثُ: وهو أغربها -: أن يكون» الذين كفروا «فاعلاً ب» تحسبن «على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ [الشعراء: 105] أي: ولا تحسبن القوم الذين كفروا، …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

اللام في «ليذر» تُسمَّى لامَ الجحودِ، ويُنْصَب بعدها المضارع بإضمار «أن» ولا يجوز إظهارها. والفرق بين لام «كي» أن هذه - على المشهور - شرطها أن تكون بعد كون منفي، ومنهم من يشترط مضي الكونِ، ومنهم من لم يشترط الكون.

وفي خبر «كان» - هنا - وما أشبه قولان:

أحدهما: قولُ البصريينَ - أنه محذوفٌ، وأن اللامَ مقوية لتعدية ذلك الخبرِ المقدَّر لِضَعْفه، والتقدير: ما كان الله مُريداً لأن يَذَر، و «أن يذر» هو مفعول «مريداً» والتقديرُ: ما كان اللهُ مُريداً ترك المؤمنين.

الثاني: قول الكوفيين - أن اللامَ زائدةٌ لتأكيدِ النفي، وأن الفعل بعدها هو خبرُ كانَ واللامُ عندهم هي العاملةُ النصْبَ في الفعل بنفسها، لا بإضمار «أن» والتقدير عندهم: ما كان الله ليذرَ المؤمنين.

وضعَّف أبو البقاء مذهبَ الكوفيين بأنّ النصب قد وُجِد بعد هذه اللامِ، فإن كان النصبُ بها نفسها فليست زائدةً، وإن كان النصبُ بإضمار «أن» فسَد من جهة المعنى لأن «أن» وما في حيزها بتأويل مصدر، والخبر في باب «كان» هو الاسم في المعنى، فيلزم أن يكون المصدر - الذي هو معنى من المعاني - صادقاً على اسمها، وهو مُحَالٌ.

وجوابه: أما قوله: إن كان النصبُ بها فليست زائدةً ممنوع؛ لأن العملَ لا يمنع الزيادةَ، ألا ترى انَّ حروف الجَرِّ تُزاد، وهي عاملة وكذلك «أن» عند الأخفشِ، و «كان» في قول الشاعر: [الوافر]

1700 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَجِيرَان لَنَا كَانُوا كِرَام

كما تقدم تحقيقه و «يذر» فعل لا يتصرف - كَيَدَعُ - استغناء عنه بتصرُّف [مرادفه]- وحُذِفت الواو من «يذر» من غير موجب تصريفي، وإنما حُمِلَت على «يدع» لأنها بمعناها، و «يدع» حُذِفت منه الواوُ لموجب، وهو وقوع الواو بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرة وأما الواو في «يذر» فوقعت بين ياء وفتحةٍ أصليةٍ. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا﴾ [البقرة: 278] .

فصل

وجه النظم: أن هذه الآية من بقية أحُد، فأخبر - تعالى - أن الأحوالَ التي وقعتْ في تلك الحادثةِ - من القتل والهزيمة، ثم دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى الخروج إلى العدو مع من كان بهم من الجراحاتِ، ثم دعاهم مرة أخْرَى إلى بدرٍ الصُّغْرَى، لموعد أبي سفيانَ - دليلٌ على امتيازِ المؤمنين من المنافقين، فأخبر - تعالى - بأنه لا يجوزُ - في حكمته - أن يترككم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم، وإظهارهم أنهم منكم - بل يجب في حكمته أن يُمَيِّز الخبيث - وهو المنافق - من الطيب - وهو المؤمن -.

فصل في سبب النزول

قال الكلبيُّ: قالت قريشُ: يا محمدُ، تزعم أن من خالفك، فهو في النَّارِ، واللهُ عليه غَضْبَانُ، وأن من اتبعك، وهو على دينك، فهو في الجَنَّةِ، واللهُ عَنْهُ راضٍ. فأخْبِرْنا بمن يُؤمنُ بك، ومَن لا يُؤمنُ؛ فأنزل الله هذه الآية.

وقال السُّديُّ: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عُرِضَتْ عليَّ أمَّتِي فِي صُورَتِهَا في العِلِّيِّينَ، كَمَا عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ وأعْلِمتُ مَنْ يُؤْمِنُ ومَنْ يَكْفُرُ» فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا: استهزاءً -: زعم محمدٌ أنه يعلم من يؤمن به، ومَنْ يكفرُ، ممن لم يُخْلَقْ بَعْدُ، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقام على المنبر فحمد اللهَ، وأَثْنَى عليه، ثم قال: «مَا بَالُ أقْوامٍ طَعَنُوا فِي عِلمي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ - فِيمَا بَيْنَكُم وبَيْنَ السَّاعَةِ - إلاَّ نَبَّأتُكمُ بِهِ» فقام عبد الله بن حذافة السهميّ، وقال: مَنْ أبي، يا رسول اللهِ؟ فقال: «حُذَافة» فقام عُمَرُ، فقال: يا رسول الله، رضينا بالله رَبَّاً، وبالإسلامِ ديناً، وبالقرآن إماماً، وبك نبيًّا، فاعفُ عنا، عفا الله عنك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «فَهَل أنْتُمْ مُنْتَهٌونَ» - مرتين - ثم نزل …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

لمَّا حرَّضهم على بذل النفس في الجهاد - فيما تقدم - حرضهم على بذل المال في الجهاد، وبيَّن الوعيد لمن يبخل.

قرأ حمزة بالخطاب في «تَحْسَبَنَّ» والباقون بالغيبة فأما قراءة حمزة ف «الّذِينَ» مفعول أول، و «خَيْراً» هو المفعول الثّاني، ولا بد من حَذْف مضَاف؛ ليصدقَ الخبرُ على «المبتدأ، وتقديره: ولا تحسبن بُخْل الّذين يبخلون.

قال أبو البقاء:» وهو ضَعِيفٌ؛ لأن فيه إضمار البخلِ قبل ذِكْر ما يدل عليه» .

وفيه نظر؛ لأن دلالة المحذوفِ قد تكون متقدمةً، وقد تكون متأخرة، وليس هذا من بابِ الإضمارِ في شيءٍ، حتَّى يشترطَ فيه تقدُّم ما يدل على ذلك الضمير.

و «هو» فيه وجهان:

الأول: أنه فَصل بين مفعولي «يَحْسَبَنَّ» .

والثاني - قاله أبو البقاء -: أنه توكيدٌ، وهو خطأٌ؛ لأنَّ المضمَرَ لا يؤكِّد المظهر. والمفعولُ الأولُ اسم مظهرٌ، ولكنه حُذِف - كما تقدم - وبعضُهم يُعَبِّر عنه، فيقول: أُضْمِر المفعولُ الأولُ - يعني حذف فلا يعبر عنه بهذه العبارة.

و «هو» - في هذه المسألة - تتعينُ فصيلتُه لأنه لا يخلو إمّا أن يكونَ مبتدأً، أو بدلاً، أو توكيداً، والأول مُنْتَفٍ؛ لنَصْب ما بعده - وهو خير - وكذلك الثاني؛ لأنه كان يلزمُ أن يوافقَ ما قبله في الإعراب، فكان ينبغي أن يقال: إياه، لا» هُوَ «وكذلك الثالثُ - كما تقدم.

أما قراءة الجماعة، فيجوز أن يكونَ الفعلُ مُسْنَداً إلى ضميرِ غائبٍ - إما الرسولُ، أو حاسب ما - ويجوز أن يكونَ مسنداً إلى الذين فإن كان مسنداً إلى ضمير غائب، ف» الذِينَ «مفعول أولٌ، على حذف مضافٍ، ما تقدّم في قراءة حمزة، أي: بُخْل الذين، والتقدير: ولا يحسبنَّ الرسولُ - أو أحد - بُخْلَ الذين يبخلون خيراً لأنفسهم. و» هُوَ «فَصْل - كما تقدم - فتتحد القراءتان معنى وتخريجاً. وإن كان مسنداً إلى» الذِينَ «ففي المفعول الأول وجهان:

أحدهما: أنه محذوف؛ لدلالة» يَبْخَلُونَ «عليه، كأنه قيل: ولا يحسبن الباخلون بُخْلَهم هو خيراً لهم و» هو» فَصْل.

قال ابن عطية: «ودل على هذا البخل» يَبْخَلون» كما دَلَّ «السَّفيه» على السَّفهِ في قول الشاعر:

1701 - إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ ... وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إلى خِلاَفِ

أي: جرى إلى السفه.

قال أبو حيّان: وليست الدلالةُ فيهما سواء، لوجهين:

أحدهما: أن الدالَّ في الآية هو الفعلُ، وفي البيتِ هُوَ اسم الفاعِل، ودلالةُ الفعلِ على المصدرِ أقوى من دلالة اسم الفاعل، ولذلك كَثر إضمار المصدرِ؛ لدلالة الفعل عليه - في القرآن وكلام العربِ - ولم يؤثر دلالةُ اسم الفاعل على المصدر، إنما جاء في هذا البيتِ، أو في غيره أن وُجد أن في الآية حَذفاً لظاهرٍ؛ إذ قدَّروا المحذوف «بخلهم» وأما فهو إضمارٌ لا حذفٌ.

الوجه الثاني: أن المفعول نفس «هُوَ» وهو ضمير البخل الذي دلَّ عليه «يَبْخَلُونَ» - كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8]- قاله أبو البقاء. وهو غلطٌ أيضاً، لأنه كان ينبغي أن يأتي به بصيغة المنصوب، فيقول: «إياه» لكونه منصوباً ب «يَحْسَبَن» ولا ضرورة بنا إلى أن نَدَّعِيَ أنه من باب استعارة الرفع مكان النصب كقولهم: ما أنا كأنت، ولا أنتَ كأنا.

وفي الآية وجهٌ غريبٌ، خرَّجه أبو حيَّان، قال: «وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال، إذا جعلنا الفعل مسنداً لِ» الذِينَ «وذلك أن» يَحْسَبْنَّ «يطلب مفعولين، و» يَبْخَلُونَ «يطلب مفعولاً بحرف جَر فقوله» ما أتاهم «يَطْلبه» يَحْسَبَنَّ «على أن يكون المفعول الأول، ويكون» هُوَ «فَصْلاً، و» خَيْراً «المفعول الثاني، ويطلبه» يَبْخَلونَ «بتوسُّط حرف الجَر، فأعمل الثانيَ - على الفصح في لسان العرب، وعلى ما جاء في القرآن - وهو» يَبْخَلونَ «فعدي بحرف الجر، وأخذ معمواه، وحذف معمول» يَحْسَبَنَّ «الأول، وبقي معموله الثاني؛ لأنه لم يتنازع فيه، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأولِ، وساغ حذفه - وحده - كما …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.