Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَما يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ فَهم يَسْتَبْشِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما رُزِقُوا مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما أعادَ لَفْظَ ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ كانَ بِأحْوالِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، والِاسْتِبْشارُ الثّانِي كانَ بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ خاصَّةً.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ذَكَرَ فَرَحَهم بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ، والفَرَحُ عَيْنُ الِاسْتِبْشارِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الِاسْتِبْشارَ هو الفَرَحُ التّامُّ فَلا يَلْزَمُ التَّكْرارُ.

والثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ حُصُولُ الفَرَحِ بِما حَصَلَ في الحالِ، وحُصُولُ الِاسْتِبْشارِ بِما عَرَفُوا أنَّ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ تَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ النِّعْمَةُ هي الثَّوابُ والفَضْلُ هو التَّفَضُّلُ الزّائِدُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِبْشارَهم بِسَعادَةِ إخْوانِهِمْ أتَمُّ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِسَعادَةِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ في الذِّكْرِ هو بِأحْوالِ الإخْوانِ، وهَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ فَرَحَ الإنْسانِ بِصَلاحِ أحْوالِ إخْوانِهِ ومُتَعَلِّقِيهِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن فَرَحِهِ بِصَلاحِ أحْوالِ نَفْسِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ ”وإنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى: وبِأنَّ اللَّهَ، والتَّقْدِيرُ: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وبِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، والقِراءَةُ الأُولى أتَمُّ وأكْمَلُ لِأنَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَقَطْ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ وطَلَبِ الأجْرِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامَ الأوَّلَ أكْمَلُ لِأنَّ كَوْنَ العَبْدِ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ اللَّهِ أتَمُّ مِنِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ أجْرِ عَمَلِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إيصالِ الثَّوابِ والسُّرُورِ العَظِيمِ إلى الشُّهَداءِ

صفحة ٧٩

لَيْسَ حُكْمًا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ الأجْرَ والثَّوابَ ولا يُضِيعُهُ ألْبَتَّةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ عِنْدَنا دالَّةٌ عَلى العَفْوِ عَنْ فُسّاقِ أهْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ، فَلَوْ بَقِيَ بِسَبَبِ فِسْقِهِ في النّارِ مُؤَبَّدًا مُخَلَّدًا لَما وصَلَ إلَيْهِ أجْرُ إيمانِهِ، فَحِينَئِذٍ يَضِيعُ أجْرُ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ.

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ المُؤْمِنِينَ عَلى غَزْوَتَيْنِ، تُعْرَفُ إحْداهُما بِغَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والثّانِيَةُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وكِلاهُما مُتَّصِلَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ، أمّا غَزْوَةُ حَمْراءِ الأسَدِ فَهي المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ هو الخَفْضَ عَلى النَّعْتِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ وهو الأصَحُّ: أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ وبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا أكْثَرَهم ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ فَلِمَ تَرَكْناهم ؟ بَلِ الواجِبُ أنْ نَرْجِعَ ونَسْتَأْصِلَهم، فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأرادَ أنْ يُرْهِبَ الكُفّارَ ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ ومِن أصْحابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ أصْحابَهُ إلى الخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ وقالَ: لا أُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ الآنَ مَعِي إلّا مَن كانَ مَعِي في القِتالِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ، قِيلَ كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وهو مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى عُنُقِهِ ساعَةً، ثُمَّ كانَ المَحْمُولُ يَحْمِلُ الحامِلَ ساعَةً أُخْرى، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِإثْخانِ الجِراحاتِ فِيهِمْ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَتَوَكَّأُ عَلى صاحِبِهِ ساعَةً، ويَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ ساعَةً.

والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ لَمّا رَجَعَ النّاسُ إلَيْهِ ﷺ بَعْدَ الهَزِيمَةِ فَشَدَّ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى كَشَفَهم، وكانُوا قَدْ هَمُّوا بِالمُثْلَةِ فَدَفَعَهم عَنْها بَعْدَ أنْ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا، وصَلّى عَلَيْهِمْ ﷺ ودَفَنَهم بِدِمائِهِمْ، وذَكَرُوا أنَّ صَفِيَّةَ جاءَتْ لِتَنْظُرَ إلى أخِيها حَمْزَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلزُّبَيْرِ: رُدَّها لِئَلّا تَجْزَعَ مِن مُثْلَةِ أخِيها، فَقالَتْ: قَدْ بَلَغَنِي ما فُعِلَ بِهِ، وذَلِكَ يَسِيرٌ في جَنْبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِلزُّبَيْرِ: فَدَعْها تَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقالَتْ خَيْرًا واسْتَغْفَرَتْ لَهُ. وجاءَتِ امْرَأةٌ قَدْ قُتِلَ زَوْجُها وأبُوها وأخُوها وابْنُها فَلَمّا رَأتِ النَّبِيَّ ﷺ وهو حَيٌّ قالَتْ: إنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ هَدَرٌ. فَهَذا ما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ

صفحة ٨٠

الآيَةِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَجابَ: بِمَعْنى أجابَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وقِيلَ: أجابَ، فَعَلَ الإجابَةَ، واسْتَجابَ: طَلَبَ أنْ يَفْعَلَ الإجابَةَ، لِأنَّ الأصْلَ في الِاسْتِفْعالِ طَلَبُ الفِعْلِ، والمَعْنى: أجابُوا وأطاعُوا اللَّهَ في أوامِرِهِ وأطاعُوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ الجِراحاتُ القَوِيَّةُ.

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: (أحْسَنُوا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِائْتِمارُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقَوْا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، والمُكَلَّفُ عِنْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ العَظِيمَ.

الثّانِي: أحْسَنُوا في طاعَةِ الرَّسُولِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واتَّقَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِجابَةُ لِلرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ الأمْرُ بِهِمْ في الجِراحاتِ ما بَلَغَ مِن بَعْدِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ النُّهُوضِ.

الثّالِثُ: أحْسَنُوا فِيما أتَوْا بِهِ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واتَّقَوُا ارْتِكابَ شَيْءٍ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا واتَّقَوْا كُلُّهم لا بَعْضُهم.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا عَزَمَ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ نادى: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى فَنَقْتَتِلُ بِها إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ: قُلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا حَضَرَ الأجَلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ مَعَ قَوْمِهِ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ نُعَيْمٌ مُعْتَمِرًا، فَقالَ: يا نُعَيْمُ إنِّي وعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أرْجِعَ، ولَكِنْ إنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ ولَمْ أخْرُجْ زادَ بِذَلِكَ جَراءَةً، فاذْهَبْ إلى المَدِينَةِ فَثَبِّطْهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم: ما هَذا بِالرَّأْيِ، أتَوْكم في دِيارِكم وقَتَلُوا أكْثَرَكم فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، فَوَقَعَ هَذا الكَلامُ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنهم، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ

صفحة ٨١

إلَيْهِمْ ولَوْ وحْدِي“ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، ومَعَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَهَبُوا إلى أنْ وصَلُوا إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وهي ماءٌ لِبَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم يَجْتَمِعُونَ فِيها كُلَّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، …

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: (أحْسَنُوا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِائْتِمارُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقَوْا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، والمُكَلَّفُ عِنْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ العَظِيمَ.

الثّانِي: أحْسَنُوا في طاعَةِ الرَّسُولِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واتَّقَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِجابَةُ لِلرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ الأمْرُ بِهِمْ في الجِراحاتِ ما بَلَغَ مِن بَعْدِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ النُّهُوضِ.

الثّالِثُ: أحْسَنُوا فِيما أتَوْا بِهِ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واتَّقَوُا ارْتِكابَ شَيْءٍ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا واتَّقَوْا كُلُّهم لا بَعْضُهم.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا عَزَمَ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ نادى: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى فَنَقْتَتِلُ بِها إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ: قُلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا حَضَرَ الأجَلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ مَعَ قَوْمِهِ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ نُعَيْمٌ مُعْتَمِرًا، فَقالَ: يا نُعَيْمُ إنِّي وعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أرْجِعَ، ولَكِنْ إنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ ولَمْ أخْرُجْ زادَ بِذَلِكَ جَراءَةً، فاذْهَبْ إلى المَدِينَةِ فَثَبِّطْهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم: ما هَذا بِالرَّأْيِ، أتَوْكم في دِيارِكم وقَتَلُوا أكْثَرَكم فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، فَوَقَعَ هَذا الكَلامُ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنهم، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ

صفحة ٨١

إلَيْهِمْ ولَوْ وحْدِي“ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، ومَعَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَهَبُوا إلى أنْ وصَلُوا إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وهي ماءٌ لِبَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم يَجْتَمِعُونَ فِيها كُلَّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، …

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (الشَّيْطانُ) خَبَرُ (ذَلِكم) بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ و(يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ (الشَّيْطانُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ و(يُخَوِّفُ) الخَبَرُ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الرَّكْبُ، وقِيلَ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وسُمِّيَ شَيْطانًا لِعُتُوِّهِ وتَمَرُّدِهِ في الكُفْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ بِالوَسْوَسَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالشَّيْطانِ إنَّما خَوَّفُوا المُؤْمِنِينَ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي وحُذِفَ الجارُّ، ومِثالُ حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، ومِثالُ حَذْفِ الجارِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] مَعْناهُ: لِيُنْذِرَكم بِبَأْسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ لِيُنْذِرَكم بِيَوْمِ التَّلاقِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عَلى قَوْلِ القائِلِ: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ الأمْوالَ، أيْ أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أوْلى مِنِ ادِّعاءٍ جارٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا) أيْ لِيُنْذِرَكم بَأْسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أيْ لِيُنْذِرَكم يَوْمَ التَّلاقِ، والتَّخْوِيفُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ القِتالَ، وخَوَّفْتُهُ القِتالَ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“ .

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ ويُؤْثِرُونَ أمْرَهُ، فَأمّا أوْلِياءُ اللَّهِ، فَإنَّهم لا يَخافُونَهُ إذا خَوَّفَهم ولا يَنْقادُونَ لِأمْرِهِ ومُرادِهِ مِنهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ فِيهِ مَحْذُوفانِ، والثّانِي فِيهِ مَحْذُوفٌ واحِدٌ، والثّالِثُ لا حَذْفَ فِيهِ. وأمّا الأوْلِياءُ فَهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ الكِنايَةُ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عائِدَةٌ

صفحة ٨٤

إلى الأوْلِياءِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ عائِدَةٌ إلى ”النّاسِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا (وخافُونِ) فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ عَلى خَوْفِ النّاسِ.

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ، والباقُونَ كُلُّهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ حَزَنَهُ يَحْزُنُهُ عَلى ما قَرَأ بِهِ أكْثَرُ القُرّاءِ، وحُجَّةُ نافِعٍ أنَّهُما لُغَتانِ يُقالُ: حَزَنَ يَحْزُنُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ، وأحْزَنَ يُحْزِنُ كَأكْرَمَ يُكْرِمُ لُغَتانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ رَسُولَهُ آمِنًا مِن شَرِّهِمْ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ مَن يُسارِعُ في الكُفْرِ بِأنْ يَقْصِدَ جَمْعَ العَساكِرِ لِمُحارَبَتِكَ، فَإنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَ اللَّهَ، ولا بُدَّ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَنْ يَضُرُّوا النَّبِيَّ وأصْحابَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ضَرَرٍ مَخْصُوصٍ، لِأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ ألْحَقُوا أنْواعًا مِنَ الضَّرَرِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى أنَّ مَقْصُودَهم مِن جَمْعِ العَساكِرِ إبْطالُ هَذا الدِّينِ وإزالَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَحْصُلُ لَهم، بَلْ يَضْمَحِلُّ أمْرُهم وتَزُولُ شَوْكَتُهم، ويَعْظُمُ أمْرُكَ ويَعْلُو شَأْنُكَ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومُسارَعَتُهم هي أنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ وقْعَةِ أُحُدٍ ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا طالِبُ مُلْكٍ، فَتارَةً يَكُونُ الأمْرُ لَهُ، وتارَةً عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ما غُلِبَ، وهَذا كانَ يُنَفِّرُ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، فَكانَ الرَّسُولُ يَحْزَنُ بِسَبَبِهِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا خَوْفًا مِن قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ الغَمُّ في قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهم بِسَبَبِ تِلْكَ الرِّدَّةِ يُلْحِقُونَ بِهِ مَضَرَّةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ رِدَّتَهم لا تُؤَثِّرُ في لُحُوقِ ضَرَرٍ بِكَ. قالَ القاضِي: ويُمْكِنُ أنْ يَقْوى هَذا الوَجْهُ بِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ عَلى الكُفْرِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ يُسارِعُ في الكُفْرِ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ.

الثّانِي: أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن قَدْ آمَنَ، فاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُحْبِطَ.

الثّالِثُ: أنَّ الحُزْنَ إنَّما يَكُونُ عَلى فَواتِ أمْرٍ مَقْصُودٍ، فَلَمّا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الِانْتِفاعَ بِإيمانِهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا حَزِنَ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ لِفَواتِ التَّكْثِيرِ بِهِمْ، فَآمَنُهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وعَرَّفَهُ أنَّ وُجُودَ إيمانِهِمْ كَعَدَمِهِ في أنَّ أحْوالَهُ لا تَتَغَيَّرُ.

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمَتاعِ

صفحة ٨٥

الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ …

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وحَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى المُرْتَدِّينَ لا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ الآيَةِ الأُولى عَلى المُرْتَدِّينَ، وحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى اليَهُودِ، ومَعْنى اشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ مِنهم، أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ويَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلى أعْدائِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ وتَرَكُوا ما

صفحة ٨٦

كانُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوُا الإيمانَ وأخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا عَنْهُ كَما يَفْعَلُ المُشْتَرِي مِن إعْطاءِ شَيْءٍ وأخْذِ غَيْرِهِ بَدَلًا عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم مَتى كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، فَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ كَفَرُوا وتَرَكُوا الإيمانَ، فَكانَ ذَلِكَ كَأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: (الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكفر لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرارِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ أوَّلًا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاضْطِرابِ وضَعْفِ الرَّأْيِ وقِلَّةِ الثَّباتِ، ومِثْلُ هَذا الإنْسانِ لا خَوْفَ مِنهُ ولا هَيْبَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ.

وثانِيها: أنَّ أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها، ومِثْلُ هَذا مِمّا لا يُقْدِمُ الإنْسانُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ إلّا بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ وكَثْرَةِ الفِكْرِ، وهَؤُلاءِ يُقْدِمُونَ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ في مِثْلِ هَذا المُهِمِّ العَظِيمِ بِأهْوَنِ الأسْبابِ وأضْعَفِ المُوجِباتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وشِدَّةِ حَماقَتِهِمْ، فَأمْثالُ هَؤُلاءِ لا يَلْتَفِتُ العاقِلُ إلَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يُنازِعُونَكَ في الدِّينِ، لا بِناءً عَلى الشُّبُهاتِ، بَلْ بِناءً عَلى الحَسَدِ والمُنازَعَةِ في مَنصِبِ الدُّنْيا، ومَن كانَ عَقْلُهُ هَذا القَدْرَ، وهو أنَّهُ يَبِيعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيا السَّعادَةَ العَظِيمَةَ في الآخِرَةِ كانَ في غايَةِ الحَماقَةِ، ومِثْلُهُ لا يَقْدِرُ في إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ، فَهَذا هو الفائِدَةُ في إعادَةِ هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ لِتَثْبِيطِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم إنَّما ثَبَّطُوهم لِأنَّهم خَوَّفُوهم بِأنْ يُقْتَلُوا كَما قُتِلَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينِ لا يَقْبَلُها المُؤْمِنُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وإنَّما الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَقاءَ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ لَيْسَ خَيْرًا مِن قَتْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ، لِأنَّ هَذا البَقاءَ صارَ وسِيلَةً إلى الخِزْيِ في الدُّنْيا والعِقابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وقَتْلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ صارَ وسِيلَةً إلى الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، فَتَرْغِيبُ أُولَئِكَ المُثَبِّطِينَ في مِثْلِ هَذِهِ الحَياةِ وتَنْفِيرُهم عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَتْلِ لا يَقْبَلُهُ إلّا جاهِلٌ. فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. لا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. فَلا تَحْسَبُنَّهم“ في الأرْبَعَةِ بِالتّاءِ وضَمَّ الباءِ في قَوْلِهِ (تَحْسَبُنَّهم) وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ إلّا قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبَنَّهم“ [آل عمران: ١٨٨] فَإنَّهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ كُلَّها بِالتّاءِ، واخْتِلافُ القُرّاءِ في فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ:

صفحة ٨٧

فَقَوْلُهُ: (يَحْسَبَنَّ) فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعِلٌ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولًا يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ نَحْوُ حَسِبْتُ، وقَوْلُهُ: حَسِبْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، وحَسِبْتُ أنْ يَقُومَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤] وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نُصِبَ بِأنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ، و﴿أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ بَدَلٌ عَنْهُ. و﴿خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ إمْلاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم. ومِثْلُهُ مِمّا جَعَلَ ”أنَّ“ مَعَ الفِعْلِ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فَقَوْلُهُ: (أنَّها لَكم) بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: (أنَّما) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (الَّذِي) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، وحَذَفَ الهاءَ مِن ”نُمْلِي“ لِأنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الهاءِ مِن صِلَةِ الَّذِي كَقَوْلِكَ: الَّذِي رَأيْتُ زَيْدٌ.

والآخَرُ: أنْ يُقالَ: ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلائِي لَهم خَيْرٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ وإذا كانَ …

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الأحْوالَ الَّتِي وقَعَتْ في تِلْكَ الحادِثَةِ مِنَ القَتْلِ والهَزِيمَةِ، ثُمَّ دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم مَعَ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ إلى الخُرُوجِ لِطَلَبِ العَدُوِّ، ثُمَّ دُعائِهِ إيّاهم مَرَّةً أُخْرى إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ

صفحة ٩٠

صارَ دَلِيلًا عَلى امْتِيازِ المُؤْمِنِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ خافُوا ورَجَعُوا وشَمَتُوا بِكَثْرَةِ القَتْلى مِنكم، ثُمَّ ثَبَّطُوا وزَهَّدُوا المُؤْمِنِينَ عَنِ العَوْدِ إلى الجِهادِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لا يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُنافِقِينَ بِكم وإظْهارِهِمْ أنَّهم مِنكم ومِن أهْلِ الإيمانِ بَلْ كانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ إلْقاءُ هَذِهِ الحَوادِثِ والوَقائِعِ حَتّى يَحْصُلَ هَذا الِامْتِيازُ، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في الأفْعالِ، والباقُونَ ”يَمِيزَ“ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ الأُولى وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ الأخِيرَةِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهُما لُغَتانِ يُقالُ مِزْتُ الشَّيْءَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ فَأنا أُمَيِّزُهُ مَيْزًا أوْ أُمَيِّزُهُ تَمْيِيزًا، ومِنهُ الحَدِيثُ ”«مَن مازَ أذًى عَنْ طَرِيقٍ فَهو لَهُ صَدَقَةٌ» “ وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ أنَّ المَيْزَ يُفِيدُ فائِدَةَ التَّمْيِيزِ وهو أخَفُّ في اللَّفْظِ فَكانَ أوْلى، وحَكى أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَقُولُ: التَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَمِيزُ بِالتَّخْفِيفِ، واللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فَذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في الفَرْقِ والتَّفْرِيقِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وهو مُطاوِعُ المَيْزِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ: أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وفي المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ كَثْرَةٌ، فَلَفْظُ التَّمْيِيزِ هَهُنا أوْلى، ولَفْظُ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا إلّا أنَّهُ لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ بِهِما جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ لا اثْنانِ مِنهُما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ وأشْباهِهِ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، أيِ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ، واخْتَلَفُوا بِأيِّ شَيْءٍ مَيَّزَ بَيْنَهم، وذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: بِإلْقاءِ المِحَنِ والمَصائِبِ والقَتْلِ والهَزِيمَةِ، فَمَن كانَ مُؤْمِنًا ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، ومَن كانَ مُنافِقًا ظَهَرَ نِفاقُهُ وكُفْرُهُ.

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ وعَدَ بِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ عَظُمَتْ دَوْلَتُهُ وذَلَّ الكُفْرُ وأهْلُهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ هَذا الِامْتِيازُ.

وثالِثُها: القَرائِنُ الدّالَّةُ …

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهادِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ في الجِهادِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ بِبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فاعِلُ ”يَحْسَبَنَّ“ ضَمِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ ضَمِيرَ أحَدٍ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيِ الكَذِبُ، ومِثْلُهُ:

إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ

أيِ السَّفَهُ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

هُمُ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ هُمُ ∗∗∗ والآخِذُونَ بِهِ والسّادَةُ الأُوَلُ

فَقَوْلُهُ ”بِهِ“ يُرِيدُ بِالمُلْكِ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ المُلُوكِ.

صفحة ٩٢

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ تُسَمِّيهِ البَصْرِيُّونَ فَصْلًا، والكُوفِيُّونَ عِمادًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ”يَبْخَلُونَ“ فَهو بِمَنزِلَةِ ما إذا ذَكَرَ البُخْلَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ البُخْلَ خَيْرًا لَهم، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ لِلْمُبْتَدَأِ حَقِيقَةً، ولِلْخَبَرِ حَقِيقَةً، وكَوْنُ حَقِيقَةُ المُبْتَدَأِ مَوْصُوفًا بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ أمْرٌ زائِدٌ عَلى حَقِيقَةِ المُبْتَدَأِ وحَقِيقَةِ الخَبَرِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةُ أمْرًا زائِدًا عَلى الذّاتَيْنِ فَلا بُدَّ مِن صِيغَةٍ ثالِثَةٍ دالَّةٍ عَلى هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةِ وهي كَلِمَةُ ”هو“ .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَمِّ البُخْلِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ الخَيْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مالًا، وأنْ يَكُونَ عِلْمًا.

فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ ورَدَ عَلى البُخْلِ بِالمالِ، والمَعْنى: لا يَتَوَهَّمَنَّ هَؤُلاءِ البُخَلاءُ أنَّ بُخْلَهم هو خَيْرٌ لَهم، بَلْ هو شَرٌّ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْقى عِقابُ بُخْلِهِمْ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَعَ أنَّهُ لا تَبْقى تِلْكَ الأمْوالُ عَلَيْهِمْ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا البُخْلِ: البُخْلُ بِالعِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يَكْتُمُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ الكِتْمانُ بُخْلًا، يُقالُ: فُلانٌ يَبْخَلُ بِعِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّمَ اليَهُودَ والنَّصارى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا كَتَمُوا ما في …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.