Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 171–180 of 200

171

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

They receive good tidings of favor from Allah and bounty and [of the fact] that Allah does not allow the reward of believers to be lost -

ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم بِما نالُوهُ؛ ذَكَرَ سُرُورَهم بِما عَلِمُوهُ لِمَن هو عَلى دِينِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: تُوجَدُ لَهُمُ البُشْرى وُجُودًا عَظِيمَ الثَّباتِ؛ حَتّى كَأنَّهم يُوجِدُونَها كُلَّما أرادُوا؛ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الشَّهادَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُبَشَّرَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: عَلى إخْوانِهِمْ في آخِرَتِهِمْ؛ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا يُفْقَدُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ هم كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ؛ وهَذا أعْظَمُ البُشْرى لِمَن تُرِكُوا عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يَلْحَقُونَهم في مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّبَبَ واحِدٌ؛ وهو مِنحَةُ اللَّهِ لَهم بِالقَتْلِ فِيهِ؛ أوْ مُطْلَقُ الإيمانِ لِمُطْلَقِ ما هم فِيهِ مِنَ السَّعادَةِ بِغَيْرِ قَيْدِ الشَّهادَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم لِأنْفُسِهِمْ تارَةً؛ ولِإخْوانِهِمْ أُخْرى؛ كَرَّرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَنْ غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَنٍّ؛ فَقالَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ كَبِيرَةٍ ﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ عَظِيمٍ؛ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي لا يَقْدُرُهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ؛ ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يُوَفِّيهِمْ أجْرَهم عَلى أعْمالِهِمْ؛ ويَفْضُلُ عَلَيْهِمْ؛ ولَوْ شاءَ لَحاسَبَهم عَلى سَبِيلِ العَدْلِ؛ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ.

Aal-i-Imraan 3:171Listen in Qur'an →
172

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ

Those [believers] who responded to Allah and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allah is a great reward -

ولَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُصِيبَهم قَرْحٌ؛ ومَدَحَ أحْوالَ الشُّهَداءِ؛ تَرْغِيبًا في الشَّهادَةِ؛ وأحْوالَ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ تَرْغِيبًا في النَّسْجِ عَلى مِنوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَعْلِيقِ السَّعادَةِ بِوَصْفِ الإيمانِ؛ أخَذَ يَذْكُرُ ما أثْمَرَ لَهم إيمانُهم مِنَ المُبادَرَةِ إلى الإجابَةِ إلى ما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ أمْرِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ إلّا صَرِيحُ النِّفاقِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الإجابَةَ في الجِهادِ؛ إيجادًا مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا؛ ثابِتًا؛ بِما عِنْدَهم مِن خالِصِ الإيمانِ؛ ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾؛ أيْ: لا لِغَرَضِ مَغْنَمٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَظَّمَ صِدْقَهم بِقَوْلِهِ - مُثْبِتًا الجارَّ؛ لِإرادَةِ ما يَأْتِي مِن إحْدى الغَزْوَتَيْنِ؛ لا اسْتِغْراقِ ما بَعْدَ الزَّمانِ -: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾

ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ الأحْكامِ بِالأوْصافِ حامِلًا عَلى التَّحَلِّي بِها عِنْدَ المَدْحِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِما يَصْلُحُ لِلْبَيانِ والبَعْضِ؛ لِيَدُومَ رَغَبُهُمْ؛ ورَهَبُهُمْ؛ فَقالَ: ﴿مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مِن تَتِمَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها إشارَةٌ إلى غَزْوَةِ ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ أوْ غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ فَإنَّ الوَعْدَ كانَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واللَّهُ الهادِي؛ ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ أنَّ البَيْضاوِيَّ قالَ - تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ -: «”إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلى“بَدْرٍ”؛ المَوْعِدِ؛ في سَبْعِينَ راكِبًا“؛» وفي تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّ الرُّكْبانَ مِنَ الجَيْشِ كانَ ذَلِكَ عَدَدَهُمْ؛ وأنَّ الباقِينَ كانُوا مُشاةً؛ فَلَعَلَّهُ؛ وإلّا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ وأمّا في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بَعْدَ انْفِصالِهِمْ مِن ”أُحُدٍ“؛ بِالرُّجُوعِ؛ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهُمْ؛ وأنْ يُرِيَهم مِن نَفْسِهِ؛ وأصْحابِهِ قُوَّةً؛ فَنادى مُنادِيهِ يَوْمَ الأحَدِ - الغَدَ مِن يَوْمِ ”أُحُدٍ“ - بِطَلَبِ العَدُوِّ؛ وألّا يَخْرُجَ مَعَهُ إلّا مَن كانَ حاضِرًا مَعَهُ بِالأمْسِ؛ فَأجابُوا بِالسَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ فَخَرَجَ في أثَرِهِمْ؛ واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ ولا يَشُكُّ في أنَّهم أجابُوا كُلُّهُمْ؛ ولَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ؛ وقَدْ كانُوا في ”أُحُدٍ“؛ نَحْوَ سَبْعِمِائَةٍ؛ ولَمْ يَأْذَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ مَعَهُ لِأحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واسْتَأْذَنَهُ رِجالٌ لَمْ يَشْهَدُوها؛ فَمَنَعَهُمْ؛ إلّا ما كانَ مِن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فَإنَّهُ أذِنَ لَهُ؛ لِعِلَّةٍ ذَكَرَها في التَّخَلُّفِ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ مَحْمُودَةٍ.

قالَ الواقِدِيُّ: «”ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِوائِهِ؛ وهو مَعْقُودٌ لَمْ يُحَلَّ مِنَ الأمْسِ؛ فَدَفَعَهُ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويُقالُ: إلى أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَأْسُهُ مَشْجُوجٌ؛ وهو مَجْرُوحٌ؛ في وجْهِهِ أثَرُ الحَلْقَتَيْنِ؛ ومَشْجُوجٌ في جَبْهَتِهِ في أُصُولِ الشَّعْرِ؛ ورُباعِيَّتُهُ قَدْ سَقَطَتْ؛ وشَفَتُهُ قَدْ كُلِمَتْ مِن باطِنِها؛ وهو مُتَوَهِّنٌ مَنكِبُهُ الأيْمَنُ بِضَرْبَةِ ابْنِ قَمِيئَةَ؛ ورُكْبَتاهُ مَجْحُوشَتانِ - بِأبِي هُوَ؛ وأُمِّي؛ ووَجْهِي؛ وعَيْنِي - فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ؛ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ؛ …

Aal-i-Imraan 3:172Listen in Qur'an →
173

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

Those to whom hypocrites said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allah, and [He is] the best Disposer of affairs."

ولَمّا كانَ قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ عِنْدَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - صِدْقًا؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِما قامَ عِنْدَهم مِنَ القَرائِنِ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُتَواتِرِ الَّذِي تَمالَأ عَلَيْهِ الخَلائِقُ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ أعْلى النّاسِ شَجاعَةً؛ وأوْفاهم قُوَّةً؛ وأعْرَقَهم أصالَةً؛ فَكانُوا كَأنَّهم جَمِيعُ النّاسِ؛ كانَ التَّعْبِيرُ - بِصِيغَةِ العُمُومِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾؛ أيْ: نُعَيْمٌ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ؛ ﴿إنَّ النّاسَ﴾؛ يَعْنِي قُرَيْشًا؛ ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - أمْدَحَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِنَ التَّعْبِيرِ عَمَّنْ أخْبَرَهُمْ؛ ومَن جَمَعَ لَهُمْ؛ بِخاصِّ اسْمِهِ؛ أوْ وصْفِهِ. ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِإقْدامِهِمْ عَلى اللِّقاءِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ الَّذِي لَمْ يَشُكُّوا في صِدْقِهِ؛ ثَباتَ الإيمانِ وقُوَّةَ الإيقانِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَزادَهُمْ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿إيمانًا﴾؛ لِأنَّهُ ما ثَناهم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ ازْدِراءً بِالخَلائِقِ؛ اعْتِمادًا عَلى الخالِقِ؛ ﴿حَسْبُنا﴾؛ أيْ: كافِينا؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ في القِيامِ بِمَصالِحِنا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو شَأْنَ الوَكِيلِ؛ وكانَ في الوُكَلاءِ مَن يُذَمُّ؛ قالَ: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾؛ أيْ: المَوْكُولُ إلَيْهِ؛ المُفَوَّضُ إلَيْهِ جَمِيعُ الأُمُورِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: ”هَذِهِ الكَلِمَةُ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ؛ وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ“؛ وقالَ: ”كانَ آخِرُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ:“حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"؛

Aal-i-Imraan 3:173Listen in Qur'an →
174

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

So they returned with favor from Allah and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allah, and Allah is the possessor of great bounty.

ولَمّا كانَ اعْتِمادُهم عَلى اللَّهِ سَبَبًا لِفَلاحِهِمْ؛ قالَ ﴿فانْقَلَبُوا﴾؛ أيْ: فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُمُ انْقَلَبُوا؛ أيْ: مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿بِنِعْمَةٍ﴾؛ وعَظَّمَها بِإضافَتِها إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿وفَضْلٍ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الدُّنْيا ما طابَ لَهم مِن طَيِّبِ الثَّناءِ؛ بِصِدْقِ الوَعْدِ؛ ومَضاءِ العَزْمِ؛ وعَظِيمِ الفَناءِ؛ والجُرْأةِ إلى ما نالُوهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾؛ أيْ: مِنَ العَدُوِّ الَّذِي خُوِّفُوهُ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ﴿واتَّبَعُوا﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ بِطاعَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغايَةِ جَهْدِهِمْ؛ ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ فَحازُوا أعْظَمَ فَضْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ عَلى مَن يُرْضِيهِ؛ فَسَتَنْظُرُونَ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُونَ؛ فَلْيُبْشِرِ المُجِيبُ؛ ويَغْتَمَّ ويَحْزَنِ المُتَخَلِّفُ؛ ولِعِظَمِ الأمْرِ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ كَثِيرًا.

Aal-i-Imraan 3:174Listen in Qur'an →
175

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

ولَمّا جَزاهم - سُبْحانَهُ - عَلى أمْثالِ ذَلِكَ؛ بِما وقَعَ لَهم مِن فَوْزِهِمْ بِالسَّلامَةِ؛ والغَنِيمَةِ؛ بِفَضْلِ مَن حازَ أوْصافَ الكَمالِ؛ وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ بِما لَهُ مِن رِداءِ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ ورَغَّبَهم فِيما لَدَيْهِ؛ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَزِيدُهم بَصِيرَةً مِن أنَّ المُخَوِّفَ لَهم مَن كَيْدُهُ ضَعِيفٌ؛ وأمْرُهُ هَيِّنٌ؛ خَفِيفٌ؛ واهٍ؛ سَخِيفٌ؛ وهو الشَّيْطانُ؛ وساقَ ذَلِكَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن حِيازَتِهِمْ لِلْفَضْلِ؛ وبُعْدِهِمْ عَنِ السُّوءِ؛ بِأنَّ ولِيَّهُمُ اللَّهُ؛ وعَدُوَّهُمُ الشَّيْطانُ؛ فَقالَ - التِفاتًا إلَيْهِمْ بِزِيادَةٍ في تَنْشِيطِهِمْ؛ أوْ تَشْجِيعِهِمْ؛ وتَثْبِيتِهِمْ -: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: القائِلُ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ النّاسُ؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: الطَّرِيدُ البَعِيدُ المُحْتَرِقُ.

ولَمّا نُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي زَيَّنَهُ لَهُمْ؛ حَتّى أُشْرِبَتْهُ القُلُوبُ؛ وامْتَلَأتْ بِهِ الصُّدُورُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا عَساهُ يَصْنَعُ؟ فَقالَ: ﴿يُخَوِّفُ﴾؛ أيْ: يُخَوِّفُكُمْ؛ ﴿أوْلِياءَهُ﴾؛ لَكِنَّهُ أسْقَطَ المَفْعُولَ الأوَّلَ؛ إشارَةً إلى أنَّ تَخْوِيفَهُ يَؤُولُ إلى خَوْفِ أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَ الرَّحْمَنِ إذا ثَبَتُوا لِأجْلِهِ أنْجَزَ لَهم ما وعَدَهم مِنَ النُّصْرَةِ عَلى أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ وإلى أنَّ مَن خافَ مِن تَخْوِيفِهِ؛ وعَمِلَ بِمُوجِبِ خَوْفِهِ؛ فَفِيهِ وِلايَةٌ لَهُ؛ تُصَحِّحُ إضافَتَهُ إلَيْهِ؛ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ.

ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ يُشَوِّشُ بِالخَوْفِ مِن أوْلِيائِهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ خَوْفِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ولِيَّهُمُ الشَّيْطانُ؛ ﴿وخافُونِ﴾؛ أيْ: فَلا تَعْصُوا أمْرِي؛ ولا تَتَخَلَّفُوا أبَدًا عَنْ رَسُولِي؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُباعِدِينَ لِأوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ بِوَصْفِ الإيمانِ.

Aal-i-Imraan 3:175Listen in Qur'an →
176

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

And do not be grieved, [O Muhammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allah at all. Allah intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

ولَمّا مَدَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُسارِعِينَ في طاعَتِهِ؛ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ أعْقَبَهُ بِذَمِّ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ؛ والنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ مِن أجْلِهِمْ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ - كالمُنافِقِينَ الرّاجِعِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ ثُمَّ المُقاتِلِينَ القائِلِينَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ - أُرْجِفُوا إلى أبِي عامِرٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ لِأخْذِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ ثُمَّ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ؛ أوْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ ثُمَّ مَنِ اسْتَجابَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ؛ وأُرْجِفُ بِما قالُوا في ثَبْطِ المُؤْمِنِينَ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُخْطِرُ بِالبالِ تَمادِي أيّامِ الكُفْرِ وأهْلِهِ غالِبِينَ؛ ويَقْدَحُ في رَجاءِ قَصْرِ مُدَّتِهِ؛ ويُوجِبُ الحُزْنَ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْظَمِ الخَلْقِ؛ وأشْفَقِهِمْ؛ وأحَبِّهِمْ في صَلاحِهِمْ -: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعَ مَن يُسابِقُ خَصْمًا؛ ﴿فِي الكُفْرِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: دِينَهُ؛ بِإذْلالِ أنْصارِهِ؛ والقائِمِينَ بِهِ؛ وحَذَفَ المُضافَ تَفْخِيمًا لَهُ؛ وتَرْغِيبًا فِيهِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ هو المُضافَ إلَيْهِ.

ولَمّا نَفى ما خِيفَ مِن أمْرِهِمْ؛ كانَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنِ الحاكِمِ لَهم عَلى المُسارَعَةِ؛ فَقِيلَ - جَوابًا -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا﴾؛ أيْ: نَصِيبًا؛ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُسارَعَةُ في ذَلِكَ عَظِيمَةً؛ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ قَدْ عَمَّ جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ المُسارَعَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ قَدْ مَلَأ أبْدانَهُمْ؛ ونُفُوسَهُمْ؛ وأرْواحَهم.

Aal-i-Imraan 3:176Listen in Qur'an →
177

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allah at all, and for them is a painful punishment.

ولَمّا كانَ قَبُولُ نُعَيْمٍ؛ ورَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ لِذَلِكَ الجَعْلِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ الكُفْرِ؛ شَرى الكُفْرَ بِالإيمانِ؛ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ﴾؛ أيْ: فَأخَذُوهُ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: فَتَرَكُوهُ؛ وأكَّدَ نَفْيَ الضَّرَرِ وأبَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ الإعْلاءِ لِلْإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ لِما نالُوهُ مِن لَذَّةِ العِوَضِ في ذَلِكَ الشَّرْيِ؛ كَما هي العادَةُ في كُلِّ مُتَجَدِّدٍ مِنَ الأرْباحِ؛ والفَوائِدِ.

Aal-i-Imraan 3:177Listen in Qur'an →
178

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

ولَمّا كانَ مِمّا اشْتُرِيَ بِهِ الكُفْرُ رُجُوعُ المُنافِقِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْإمْلاءِ لَهُمْ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿أنَّما نُمْلِي﴾؛ أيْ: أنَّ إمْلاءَنا؛ أيْ: إمْهالَنا؛ وإطالَتَنا؛ ﴿لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾؛ ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الخَيْرَ بِهَذا النَّهْيِ؛ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أيْ: اسْتِدْراجًا؛ ﴿لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾؛ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ؛ فَإذا بَلَغَ النِّهايَةَ أوْجَبَ الأخْذَ؛ ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ المُسْفِرُ عَنِ السَّلامَةِ مَظِنَّةً لِعِزِّهِمْ في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ؛ عِنْدَ مَن ظَنَّ حُسْنَ ذَلِكَ الرَّأْيِ؛ عُوِّضُوا عَنْهُ الإهانَةَ الدّائِمَةَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾

Aal-i-Imraan 3:178Listen in Qur'an →
179

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allah reveal to you the unseen. But [instead], Allah chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allah and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

ولَمّا كانَ مُطْلَقَ المُسارَعَةِ أعَمَّ مِمّا بِالعِوَضِ؛ وهو أعَمُّ مِمّا بِالرُّجُوعِ؛ جاءَ نَظْمُ الآياتِ عَلى ذاكَ؛ ولَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ جُمْلَةً مِنَ المُغَيَّباتِ؛ مِن أعْظَمِها تَمْيِيزُ المُخْلِصِ فِعْلًا؛ أوْ قَوْلًا؛ مِن غَيْرِهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ ذَلِكَ مِن أسْرارِها؛ عَلى وجْهٍ يُشِيرُ إلى النَّعْيِ عَلى المُنافِقِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ أنْفُسَهم بِالرُّجُوعِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِخِطابِ الأتْباعِ إلى مَزِيدِ عِلْمِهِ ﷺ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ لَدَيْهِ؛ وعَظِيمِ قُرْبِهِ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ما كانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ التَّمْيِيزِ غَيْرَ مَحْمُودٍ؛ عَبَّرَ بِفِعْلِ الوَذَرِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ لِإظْهارِ شَرَفِ الوَصْفِ؛ تَعْظِيمًا لِأهْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الثّابِتِينَ في وصْفِ الإيمانِ؛ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ؛ ومَن قارَبَهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى حالِ الإشْكالِ؛ لِلِاقْتِناعِ بِدَعْوى اللِّسانِ؛ دَلِيلًا عَلى الإيمانِ؛ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ بِأنْ يَفْضَحَ المُبْطِلَ؛ وإنْ طالَ سَتْرُهُ؛ بِتَكالِيفَ شاقَّةٍ؛ وأحْوالٍ شَدِيدَةٍ؛ لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا المُخْلَصُ مِنَ العِبادِ؛ المُخْلِصُونَ في الِاعْتِقادِ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾؛ لِاخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ ﴿لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لَمْ يُبْرَزْ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ بِوَجْهٍ؛ لِتَعْلَمُوا بِهِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ؛ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها في الظّاهِرِ؛ والقَوْلُ لِشِدَّةِ الأسَفِ عَلى إخْوانِهِمْ؛ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَجْتَبِي﴾؛ أيْ: يَخْتارُ اخْتِيارًا بَلِيغًا؛ ﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: فَيُخْبِرُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ بِما يُرِيدُ مِنَ المُغَيَّباتِ؛ كَما أخْبَرَ أنَّهم بِرُجُوعِهِمْ لِلْكُفْرِ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ؛ وأنَّهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ؛ قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: في عالَمِ الغَيْبِ؛ والشَّهادَةِ؛ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ في أنَّهُ أرْسَلَهُمْ؛ وفي أنَّهم صادِقُونَ في كُلِّ ما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا كانَ لَكم ما تَقَدَّمَ؛ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ؛ الألِيمِ؛ المُهِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ ورُسُلِهِ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِالمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ؛ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ؛ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: مِنهُ أنَّهُ لا يَضُرُّكم كَيْدُ أعْدائِكم شَيْئًا؛ كَما تَقَدَّمَ وعْدُكم بِهِ.

Aal-i-Imraan 3:179Listen in Qur'an →
180

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And let not those who [greedily] withhold what Allah has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allah belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ مَبانِي السُّورَةِ الإنْفاقُ؛ وتَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةِ مَدْحُ المُتَّقِينَ بِهِ؛ وحَثُّهم عَلَيْهِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ سارَعُوا في الكُفْرِ؛ أبُو سُفْيانَ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ عَلى مَن يَخْذُلُ الصَّحابَةَ؛ ونُعَيْمٌ؛ أوْ عَبْدُ القَيْسِ؛ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ؛ وكانَ المُبادِرُونَ إلى الجِهادِ قَدْ تَضَمَّنَ فِعْلُهُمُ السَّماحَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ الأنْفُسِ؛ والأمْوالِ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الحَياةِ الَّتِي هي خَيْرٌ مِن حَياتِهِمُ الَّتِي أذْهَبُوها في حُبِّهِ؛ والرِّزْقِ الَّذِي هو أفْضَلُ مِمّا أنْفَقُوا في سَبِيلِهِ؛ ذَمَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الباخِلِينَ بِالأنْفُسِ؛ والأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَقالَ - رادًّا الخِطابَ إلَيْهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ لِسُرُورِهِ؛ وأوْثَقُ في إنْجازِ الوَعْدِ -: ولا تَحْسَبَنَّ؛ أيْ: أنْتَ؛ يا خَيْرَ البَرِيَّةِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ وعِنْدَ الباقِينَ الفاعِلُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ وعِزِّ كَمالِهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: لِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ؛ بِبُخْلِهِمْ؛ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِتَثْمِيرِ المالِ بِذَلِكَ؛ ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أيْ: البُخْلُ؛ ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّهم - مَعَ جَعْلِ اللَّهِ البُخْلَ مَتْلَفَةً لِأمْوالِهِمْ - ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ مَن يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ بِغايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿ما بَخِلُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يُجْعَلُ لَهم - بِوَعْدٍ صادِقٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ بَعْدَ الإمْلاءِ لَهم - طَوْقًا؛ بِأنْ يَجْعَلَهُ شُجاعًا؛ أيْ: حَيَّةً عَظِيمَةً مَهُولَةً؛ تَلْزَمُ الإنْسانَ مِنهُمْ؛ مُحِيطَةً بِعُنُقِهِ؛ تَضْرِبُهُ في جانِبَيْ وجْهِهِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَرِثُهُ مِنهُمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَوَّلَهم فِيهِ؛ فَيَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخْوِيلِ عَذابًا عَلَيْهِمْ؛ رَوى البُخارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ؛ لَهُ زَبِيبَتانِ؛ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ -؛ يَقُولُ: أنا مالُكَ؛ أنا كَنْزُكَ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ».

ولَمّا كانَ هَذا طَلَبًا مِنهم لِلْإنْفاقِ؛ وكانَ الطّالِبُ مِنّا مُحْتاجًا إلى ما يَطْلُبُهُ؛ وكانَ ذُو المالِ إذا عَلِمَ أنَّهُ ذاهِبٌ؛ وأنَّ مالَهُ مَوْرُوثٌ عَنْهُ؛ تَصَرَّفَ فِيهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) بِغِناهُ عَلى وجْهٍ يُجَرِّئُهم عَلى الإنْفاقِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”لِأنَّهُ ثَمَرَةُ كَوْنِهِ مِن فَضْلِهِ فَلِلَّهِ كُلُّ ما في أيْدِيهِمْ“ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: اللَّذَيْنِ هَذا مِمّا فِيهِما؛ بِأنْ يُعِيدَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ الأحْياءِ؛ وإنْ أمْلى لَهُمْ؛ ويُفْنِيَ سائِرَ ما وهَبَهم مِنَ الأعْراضِ؛ ويَكُونَ هو الوارِثَ لِذَلِكَ كُلِّهِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ وكانَ البُخْلُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الَّتِي يُسْتَطاعُ إخْفاؤُها؛ ودَعْوى الِاتِّصافِ بِضِدِّها؛ كانَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ولَمّا كانَ مَنصِبَ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَ في غايَةِ النَّزاهَةِ؛ صَرَفَ …

Aal-i-Imraan 3:180Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.