وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.
﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ في محل رفع، اسم كان و «لنبيّ» خبرٌ مقدَّمٌ، أي: ما كان له غلول أو إغلال على حسب القراءتينِ.
وقرا ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، وعاصم، بفتح الياء وضم الغين - من غل - مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يصح أن يقع من النبي غلول؛ لتنافيهما، فلا يجوز أن يتوهَّمَ ذلك فيه ألبتة.
وقرأ الباقون «يُغَلَّ» مبنياً للمفعول، وهذه القراءة فيها احتمالانِ:
أحدهما: أن يكون من «غَلَّ» ثلاثياً، والمعنى: ما صح لنبيٍّ أن يخونه غيره ويَغُلَّهُ، فهو نفيٌ في معنى النهي، أي: لا يَغُلَّهُ أحدٌ.
ثانيهما: أن يكون من «أغَلَّ» رباعياً، وفيها وجهانِ:
أحدهما: أن يكون من «أغَلَّهُ» أي: نسبه إلى الغُلُولِ، كقولهم: أكذبته إذا نسبته إلى الكذب - وهذا في المعنى كالذي قبله، أي: نفي في معنى النهي، أي: لا يَنْسبه أحدٌ إلى الغلولِ.
قال ابن قتيبة: ولو كان الرمادُ هذا المعنى لقيل: يُغَلَّلُ كما يقال: يُفَسَّق، ويُخَوَّن، ويُفَجَّر، والأولى أن يقال: إنه من «أغللته» أي: وجدته غالاً، كما يقال: «أبخَلْتُهُ» .
الثاني: أن يكون من «أغلَّهُ» أي: وَجَدتهُ محموداً وبخيلاً.
والظاهر أن قراءة «يَغُلَّ» بالبناء للفاعل - لا يُقَدَّر فيها مفعول محذوف؛ لأن الغرض نفي هذه الصفةِ عن النبيِّ من غير نظر إلى تعلق بمفعول، كقولك: وهو يُعْطِي ويمنع - تريد إثبات هاتين الصفتين، وقدر له أبو البقاء مفعولاً، فقال: تقديره أن يغل المال أو الغنيمة.
واختار أبو عبيدة والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا: «لأن الفعل الوارد بعد» ما كان لكذا أن يفعل «أكثر ما يجيء منسوباً إلى الفاعل نحو: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: 145] ، ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: 179] و ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله﴾ [يوسف: 38] ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ [يوسف: 76] ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً﴾ [التوبة: 115] ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ [آل عمران: 179] ويقال: ما كان ليضرب، فوجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ويأكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة، وقال: ليس في الكلام ما كان لكَ أن تُقرب - بضم التاء، وأيضاً فهذه القرءة اختيار ابن عباسٍ، فقيل له: إن ابن مسعودٍ يقرأ: يُغل فقال ابنُ عباس: كان النبيُّ يقصدون قتله فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة.
قال شهاب الدين، ورجحها بعضهم بقوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ فهذا يوافق هذه القراءة، ولا حجة في ذلك؛ لأنها موافقة للأخرى.
و «الغلول» في الأصل تدرع الخيانة وتوسطها و «الغلل» تَدْرُّع الشيء وتوسطه، قال: [الوافر]
1684 - تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ سَرَابٌ ... وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ
قيل: تَغَلْغَلَ الشيء إذا تخلل بخفية.
قال: [الوافر]
1685 - تَغَلْغَلَ حُبُّ مَيَّةَ فِي فُؤادِي ... والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب، والغلول الذي هو الأخذُ في خفية مأخوذةٌ من هذا المعنى.
ومنه: أغل الجازر - إذا سرق وترك في الإهاب شيئاً من اللحم. وفرَّقت العرب بين الأفعال والمصادر، فقالوا: غَلَّ يَغَلُّ غلولاً - بالضم في المصدر والمضارع - إذا خان. وغَلَّ يَغِلُّ غِلاًّ - بالكسر فيهما - الحقد قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43] أي: حِقْد.
قال القرطبيُّ: «والغالّ: أرض مطمئنة، ذات شجرٍ، ومنابت الساج والطلح، يقال لها: غال. والغال: - أيضاً: نبت، والجمع: غُلاَّن - بالضم» .
فصل
اختلفوا في أسباب النزولِ: فرُوِيَ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غنم في بعض الغزوات، وجمع الغنائم، وتأخرت القسمةُ؛ لبعض الموانع، وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَوْ كَانَ لَكُمْ مِثْلُ أحُدِ ذَهَباً مَا حَبَسْتُ عَنْكُمْ دِرْهَماً، أَتَحْسَبُونَ أنِّي أغُلُّكُمْ مَغْنَمَكُم» …