Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

أولًا: القراءات:

يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فيها قراءة: ﴿لِنَبِيءٍ﴾ .

﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ فيها قراءة: ﴿أَنْ يُغَلَّ﴾ .

ما الفرق بين القراءتين في: ﴿لِنَبِيٍّ﴾ و﴿لِنَبِيءٍ﴾ ؟

أما: ﴿لِنَبِيءٍ﴾ فهي على وزن فعيل من النبأ، على وزن فعيل من النبأ بالهمزة؛ وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول أو بمعناهما جميعًا؟

* طلبة: يشملهما.

* الشيخ: يشملهما، فالنبيء فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه منبئ، فعيل بمعنى مفعول لأنه مُنْبَّأٌ، الرسول ﷺ مُنَبَّأٌ مُنَبِّئٌ، على قراءة: ﴿لِنَبِيٍّ﴾ بالياء، قيل: إنه مسهل، وأن أصله (لنبيء) فسهلت الهمزة إلى ياء؛ وقيل: بل هو مشتق من النَّبْوَة وهي الارتفاع؛ وعلى هذا فيكون (لنبي) أصله (لِنَبِيوٍ)، لكن لعلة تصريفية صارت الواو ياء، فما هو الميزان أو ما هي القاعدة في هذا أن تجعل الواو ياء؟

يقولون: إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، فإذا قلنا: لنبيو فقد اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فصار لنبي، هل يمكن أن نقول على هذه القراءة: إنه مشتق من الوجهين: من النبأ ومن النبوة؟

يمكن بناء على ما سبق من أن الكلمة في القرآن إذا احتملت معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما جميعًا؛ لأن معاني القرآن واسعة.

أما: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ففيها قراءة: ﴿أَنْ يُغَلَّ﴾ والفرق بينهما ظاهر؛ ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ مبنية للفاعل، ﴿أن يُغَلَّ﴾ مبنية للمفعول.

أما على وجه: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ فالمعنى أن الله نفى أن النبي يغل، وغلول النبي يحتمل معنيين: غلول المال وغلول العلم؛ فغلول العلم كتمه، وغلول المال إخفاؤه وأخذه، وكل هذا منتف عن النبي شرعًا، ولم نعلم أنه واقع قدرًا، ولا يمكن أن يقع قدرًا فيما نعلم، فالنبي لا يمكن أن يكتم ما أنزل الله إليه ولا يمكن أن يسرق من مال المسلمين.

أما على: ﴿أن يُغَلَّ﴾ فمعناه أن النبي يَغُلُّه غيرُه، يعني ما كان لنبي أن يُغَلَّ شرعًا، وقدرًا؟

قد يغل، قدرًا قد يُغَلَّ، كما وقع هذا في عهد النبي ﷺ.

ثم قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الإعراب الآن ما زلنا في أول التفسير.

الإعراب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الإشكال في: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾

* الطالب: الإشكال في (يأت) هنا؛ حذفت الياء -يا شيخ- لأنه مجذوم في جواب الشرط.

* الشيخ: مجذوم في جواب الشرط. لماذا صارت مكسورة، وجواب الشرط يكون مجزومًا؟

* الطالب: عن (...) يا شيخ.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: تعويض عن حذف الياء كسرت الياء.

* الشيخ: التاء مكسورة من قبل حتى لو كانت الياء موجودة، لو قلت: يأتي.

* الطالب: إذن خلاص يا شيخ.

* الشيخ: ويش خلاص؟

* الطالب: يعني: الفعل يكسر آخره إذا حذفت الياء كالمجزوم يكسر آخره.

* الشيخ: إعرابًا.

* الطالب: نعم، إعرابًا.

* الشيخ: لا تجزم بشيء.

* طالب: لفظًا لا إعرابًا.

* الشيخ: لفظًا لا إعرابًا؛ يعني: تبقى الكسرة التي قبل الياء دليلًا على الياء المحذوفة، إذن يأتي مجزومًا على هذا الحال، جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها.

﴿بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إعراب ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟ (يوم) مفعول غل؟

* طالب: مفعول به

* الشيخ: متعلقة بأيش؟

* طالب: متعلقة بالفعل (غَلَّ).

* الشيخ: بالفعل (غَلَّ)؛ يعني: يأتي بما غل يوم القيامة؟

* طالب: ينصب على الظرفية.

* الشيخ: هي مفعول فيه، وينصب على الظرفية معناها واحد لكن متعلقة بأيش؟

* الطالب: بـ(يأتي).

* الشيخ: بـ(يأتي)؟ أيهما أصوب يا جماعة؟

* طلبة: الأخير.

* الشيخ: الأخير، الأخير لأن يوم القيامة ما فيه غلول.

أما قوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ الظاهر أنه ما فيه …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٦٢] الهمزة هنا للاستفهام، وليها حرف عطف؛ وقد ذكرنا -فيما سبق- أنه إذا جاءت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فإن لعلماء النحو في ذلك رأيين:

الرأي الأول: أن الهمزة داخلة على جملة مقدّرة تناسب المقام؛ والفاء عاطفة على تلك الجملة.

والرأي الثاني: أن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة ولم يحذف شيء، ولكنها مقدَّمة عن موضعها؛ لأن لها الصدارة؛ وأن الفاء في مثل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: (فأمن اتبع)، ولكن لما كان الاستفهام له الصدارة قُدّمت على حرف العطف؛ وقلنا: إن هذا أسهل؛ ووجه سهولته أنه لا يحتاج إلى تكلف تقدير المحذوف؛ لأنه أحيانًا يصعب عليك أن تُقدّر المحذوف؛ وربما تقدر محذوفًا ويُقدّر غيرك غيره؛ إذن نعتمد أن الهمزة للاستفهام، وأن الفاء عاطفة على ما قبلها.

﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ﴾ (من) هنا اسم استفهام أو اسم موصول؟

* طالب: اسم موصول.

* الشيخ: التقدير (أفالذي اتبع)؛ إذن هي اسم موصول؛ لأن لا نجعل أداة الاستفهام داخلة على اسم الاستفهام أو على الجملة الاستفهامية. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ أي: تتبعه، أي: تتبع ما يرضي الله عز وجل؛ فكل ما يرضي الله يقوم به: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني كالذي باء أي: رجع ﴿بَاءَ﴾ بمعنى: رجع، أي: كالذي رجع بسخط من الله ضد الرضوان.

من هو الذي يتعرّض للرضوان والذي يتعرض للسخط؟ المطِيع يتعرض للرضوان، والعاصي للسخط.

﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ الواو يحتمل أن تكون للاستئناف، ويكون المراد بها الإخبار عن مآل هذا الذي باء بسخط من الله؛ ويحتمل أن تكون عاطفة على جملة صلة الموصول وهي: ﴿بَاءَ﴾ أي: كمن باء وكمن مأواه جهنم.

﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ مأواه: أي: مرجعه الذي يأوي إليه إيواءً لا مغادرة بعده؛ و﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها، وسُمّيت بهذا الاسم المشتق من الْجُهْمة، الْجُهْمة تتضمن السواد واللَّبس؛ لأن جهنم سوداء عميقة بعيدة العمق؛ وقيل: إن جهنم لفظ معرّب، معرب من (كهنّام)، وكهنّام أصلها النار؛ اسم النار، يعني يقال: نار كهنّام؛ ما أدري هذه لغة باكستانية ولَّا..؟

* طالب: فارسية.

* الشيخ: فارسية إي نعم، ما عندنا فوارس؟

* طالب: هذه ليست فارسية.

* الشيخ: ليست فارسية؛ على كل حال إحنا بلغنا أنها معرّبة من هذا؛ يعني أن أصلها في غير اللغة العربية (كهنّام)، ثم بالتعريب صار جهنم.

وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (بئس) جملة إنشائية لإفادة الذم؛ و(نِعْمَ) جملة إنشائية لإنشاء المدح، و(بئس) و(نِعْمَ) يحتاجان إلى شيئين؛ إلى فاعل ومخصوص؛ كلما جاءتك (نِعْمَ) و(بئس) فإنها تحتاج إلى فاعل ومخصوص؛ فهنا ﴿الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المصير فاعل، والمخصوص؟

* طلبة: محذوف.

* الشيخ: محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ أي: جهنم؛ أو: وبئس المصير مصيره؛ يعني يجوز هذا وهذا.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان أنه لا يستوي من يتّبع رضوان الله ممن يبوء بسخطه؛ لقوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾ والاستفهام هنا لأي شيء؟ للنفي، الاستفهام للنفي.

* ومن فوائدها: إثبات وصف الله بالرضا؛ يعني إثبات أن الرضا صفة من صفات الله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. ومن قاعدة أهل السنة والجماعة أن كل وصف وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا أن نؤمن به، وأن نصف الله به، فنقول: إن لله رضوانًا وأنه يرضى. والرضا صفة فعل أو صفة لازمة ذاتية؟

* طلبة: صفة فعل.

* الشيخ: صفة فعل؛ لأن الرضا له سبب، وكل صفة من صفات الله لها سبب فإنها من الصفات الفعليّة؛ عرفتم؟

أنكر بعض الناس الصفات الفعلية لله، أنكروها متعلّلين بعلّتين:

العلّة الأولى: أن صفات …

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: من؟ يعود الضمير على من اتبع رضوان الله وعلى من باء بسخط من الله؛ ولكن هنا يشكل علينا أنه أعاد الضمير بصيغة الجمع (هم) مع أن (مَن) وصلتها بصيغة الإفراد، ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾؛ والجواب عن ذلك سهل: لأن اسم الموصول يفيد العموم، فيجوز أن يعود الضمير إليه باعتبار لفظه، ويجوز أن يعود إليه باعتبار معناه؛ ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] ما قال: أولئك هو المتقي، بل قال: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فأعاد الضمير على معنى اسم الموصول وهو الجمع؛ قال: ﴿هُمُ﴾ أي: الذين اتبعوا رضوان الله والذين باؤوا بسخط من الله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ درجات: منازل، منازل عند الله، يختلفون؛ فكل من كان أتبع لرضا الله كان أرفع عند الله، وكلما كان أبعد من الله كان أنزل؛ فهم درجات: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في المراتب؛ فما ميزان هذه الدرجات؟ أشرنا إليها، كل من كان أتبع لرضوان الله كان أرفع درجات عند الله، والعكس بالعكس.

﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿بَصِيرٌ﴾ اسم فاعل يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم؛ فيكون بصير بمعنى (عليم)، أو بصير بمعنى (رائي)؛ وهل لله بصر؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. . ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي يعملونه من ظاهر وباطن وخير وشر.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس عند الله منازل مختلفة.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح؛ زيادة الإيمان هل هي زيادة اليقين، أو زيادة الأقوال، أو زيادة الأفعال، أو الجميع؟

* طلبة: الجميع.

* الشيخ: نعم، الجميع؛ فاليقين يتفاضل لا شك؛ والأقوال تتفاضل، ليس من قال: لا إله إلا الله عشرًا كمن قالها عشرين مثلًا.

الأفعال كذلك تتفاضل، ليس من صلّى ستّ ركعات كمن صلّى عشر ركعات؛ أليس كذلك؟ وهذا هو ما جرى عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد باليقين والقول والفعل؛ كيف يزيد اليقين هل اليقين يتفاضل؟ نعم، يتفاضل بنص القرآن، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] هذا دليل من القرآن؛ دليل من الواقع أن الإنسان كلما كثر المخبرون بالخبر ازداد يقينًا، وإذا شاهد ازداد أكثر؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»أخرجه أحمد في المسند (١٨٤٢، ٢٤٤٧) والمستدرك للحاكم (٣٢٨٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. أما زيادة الأقوال والأفعال هذا شيء واضح ولا إشكال فيه.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلو لله عز وجل، إثبات العلو؛ لقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ والعندية تعني عنديّة المكان؛ وإذا كانوا درجات فالدرجات ترتفع شيئًا فشيئًا؛ فيؤخذ منها إثبات علو الله؛ وهذا أمر متفق عليه ومُجمع عليه بين السلف، وقد دلّت عليه الأدلة الخمسة كلها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والخامس: الفطرة؛ يعني علوّ الله عز وجل دل عليه هذه الأدلة الخمسة: الكتاب والسنة..

* الطلبة: والإجماع.

* الشيخ: والإجماع..

* الطلبة: والعقل.

* الشيخ: والعقل..

* الطلبة: والفطرة.

* الشيخ: والفطرة؛ الكتاب والسنة مملوءان من ذلك؛ والإجماع يقول شيخ الإسلام: والله يعلم أني بعد البحث التام …

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ﴾ ﴿لَقَدْ﴾: كلما وجدت في القرآن (لقد) فإنها جملة مؤكدة، بكم مؤكد؟

* الطلبة: بثلاثة.

* الشيخ: بثلاثة مؤكدات، كلما جاءت (لقد) في القرآن فإنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدّر، واللام، وقد؛ إذ تقدير الكلام: والله لقد مَنّ الله.

فإذا قائل: ما الداعي للقسم مع كون الأمر ظاهرًا؟ لأن القسم إنما يقال للشاكّ أو المنكِر، للشاكّ المتردّد تحلف له، أو المنكر تحلف له أيضًا؛ فلماذا أقسم الله في هذه الآية على أنه مانّ على المؤمنين ببعث محمد ﷺ؟ ولو قال: لقد مَنّ الله على الناس؛ لكن قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يعرفون أن ذلك مِنّة؟

نقول: إن الداعي للقسم ليس هو الإنكار أو الشك من المخاطَب بل قد يكون الداعي للقسم أهمية المقسم عليه، وإن لم يكن هناك شك؛ هذه الآية من هذا النوع، يعني المقصود بذلك بيان أهمية هذه المنّة العظيمة التي لا يعادلها شيء.

* طالب: أقول: عندما جاء عن الضمير في ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ﴾ معلوم أن المرتبة بسخط..

* الشيخ: أن أيش؟

* الطالب: معلوم أن المرتبة في سخط الله النار أنها دركات رجعنا إلى (...).

* الشيخ: أسمعتم الإشكال؟ يقول: النار دركات والجنة درجات؟ نقول: الدرجات إذا جاءت عامة دخل هذا وهذا؛ يعني صلحت لهذا وهذا، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢] أما إذا خُصّت بأهل النار فإنه يقال: دركات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء ١٤٥].

* طالب: شيخ، يعني من قال: إن الصفات الفعلية أن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال.

* الشيخ: ارفع صوتك.

* الطالب: إن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال؛ الصفات الفعلية؟

* الشيخ: نعم، نقول لمن قال ذلك: إنك أنت لست بكامل وأنت بليد؛ إذا فعلها الله عز وجل فلا شك أن الكمال في فعلها، كل الصفات كمال؛ إذا أنجى الله المؤمنين وأثابهم هذه صفة فعلية، هل هي كمال ولَّا نقص؟ كمال؛ الله عز وجل مستغنٍ عن جميع الخلق، لكنه يُظهر من كماله لهم ما يتبين به كماله؛ فنحن نعلم أن من أثاب الطائعين فهو كمال، ومن عاقب المجرمين فهو كمال؛ ولهذا قال: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].

* طالب: قد يقول يا شيخ: إنه قبل ذلك يعني ما كان في نفسه ما اتصف..

* الشيخ: لا لا، أبدًا؛ نقول: هو قبل وجودها كمال وبعد وجودها كمال؛ لأنه لما اقتضت الحكمة وجودها فوُجدت صارت كمالًا، ولما اقتضت الحكمة عدمها وعُدمت صارت كمالًا.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى مع (...) في سورة النحل: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ٤٥ - ٤٧] فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ في سياق هذه الآيات التي هي يعني تتضمن شدة العذاب لهؤلاء ما توجيهكم يعني توجيه الآيات؟

* الشيخ: الله عز وجل قال: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾ يخاطب المؤمنين: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فمن رحمته ورأفته بالمؤمنين أن يهلك أعداءهم؛ لأن هلاك أعدائهم لا شك أنه رأفة ورحمة بهم.

* طالب: قلنا: إن النار مؤبّدة، معلوم أن من كل ألف يدخل النار تسع مئة وتسعة وتسعون رجلًا والجنة يدخلها واحد، وأن الجنة محض فضل.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: محض فضل بخلاف النار، ما يخالف هذا قول الله في الحديث القدسي: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة رضي …

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ الهمزة هنا تلاها حرف عطف، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن الهمزة إذا وَلِيَها حرفُ عطف فلعلماء النحو في ذلك قولان:

أحدهما: أن العطف على شيء مقدر يناسب المقام.

والثاني: أن العطف على ما سبق، وعلى هذا الوجه تكون الهمزة مقدمة عن موضعها، وموضعها بعد حرف العطف. وقلنا: إن هذا أسهل على الْمُعرِب؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدَّر، وأحيانًا قد يصعب على الإنسان أن يقدِّر شيئًا مناسبًا.

وقوله: ﴿لَمَّا﴾، (لما) هذه هنا شرطية، ودليل كونها شرطية أنها تحملت فعل الشرط وجوابه؛ فعل الشرط في قوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾.

و(لما) تأتي على عدة وجوه؛ تأتي بمعنى (إلا)، وتأتي بمعنى (حين)، وتأتي بمعنى (لم)، وتأتي شرطية، ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق٤] هذه بمعنى (إلا)، يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه (لما) بمعنى (لم)، وإن كان بينهما فروق لكن هي بمعنى (لم)؛ نافية، وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ [يونس ٩٨]، فإن بعض العلماء قال: (لَمَّا) هنا بمعنى (حين)، فهذه وجوه أربعة لـ(لما) الواردةِ في كتاب الله عز وجل.

وقوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، يعني: حلَّت بكم، ﴿مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، أي: حلَّ بكم مثلاها، وما هذه المصيبة؟ هذه المصيبة ما حل بهم في أُحُد؛ فإنه قُتل منهم سبعون رجلًا، على رأسهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمُّ النبي ﷺ.

وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ هذا يشير - سبحانه وتعالى- إلى ما حصل في يوم بدر؛ فإن يوم بدر قُتِل فيه من المشركين سبعون رجلًا، وأُسِرَ منهم سبعون رجلًا، فسبعون مع سبعين ضِعْفَا سبعين، ولهذا ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾.

فإن قال قائل: كيف قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ مع أن المقتول سبعون، والمأسورَ سبعون، والأسر ليس القتل؟

قلنا: إن الأسر يحصل به من الإذلال مثل ما يحصل به من القتل وربما يكون أكثر، ربما يكون أكثر؛ لأن المقتول يُقتل ويستريح، لكن المأسور يُستذل، ولهذا يخيَّر الإمام في المأسورين بين أمور: بين أن يقتلهم، وبين أن يسترِقَّهم، وبين أن يفديهم بمال أو أسير، وبين أن يطلقهم، أربعة أمور، يخير الإمام في الأسرى بين هذه الأمور الأربعة، ما هي؟

* الطلبة: الفداء بمال.

* الشيخ: الفداء بمال أو بمسلم بأسير مسلم.

* طالب: الرق.

* الشيخ: الرق.

* الطلبة: القتل.

* الشيخ: القتل.

* الطلبة: (...).

* الشيخ: الْمَنُّ بدون شيء، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ يعني: الأَسْرَ، ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد٤]، فالحاصل أن الأسر فيه الإذلال كالقتل، إن لم يكن مثلَه فهو أشد منه لا يقصر عنه.

﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ﴾ هذا جواب (لما)، يعني إذا أصابتكم مصيبة ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، يعنى كيف أُصبنا ونحن جنود الله ومع رسول الله ﷺ، كيف تأتينا الهزيمة؟ قال الله عز وجل: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ هذه (أنَّى) استفهامية، وتأتي شرطية، ففي قولك: أنَّى تقمْ أقمْ، هذه شرطية؛ وفي مثل هذه الآية استفهامية، يعني: كيف يكون هذا؟ ﴿أَنَّى هَذَا﴾ وهذا الاستفهام للتعجب ولا أظن أن يكون للإنكار؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لا يُنكرون من قدَر الله شيئًا، ولكنهم يتعجبون: كيف يصيبُنا هذا ونحن جند الله ومع رسول الله ﷺ؟!

قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾، يعني قل لهم يا محمد: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهنا أمر الله نبيه أن يقول، ولم يقل عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا …

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟

﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله.

قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: «اعل هُبل»أخرجه البخاري برقم (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله.

وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله القدري أو الشرعي؟

* الطلبة: القدري.

* الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس٥٩]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟

* الطلبة: إذنًا شرعيًّا.

* الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما.

وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللام في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ للتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا.

وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟

* الطلبة: ظهور.

* الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة.

ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، المؤمنين قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما المنافقون فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى آخره، فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فإن كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣]، ولهذا أتى بالفعل الدال على التجدد، وأيضًا ليناسب قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾.

وقوله: …

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟

﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله.

قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: «اعل هُبل»أخرجه البخاري برقم (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله.

وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله القدري أو الشرعي؟

* الطلبة: القدري.

* الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس٥٩]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟

* الطلبة: إذنًا شرعيًّا.

* الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما.

وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللام في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ للتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا.

وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟

* الطلبة: ظهور.

* الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة.

ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، المؤمنين قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما المنافقون فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى آخره، فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فإن كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣]، ولهذا أتى بالفعل الدال على التجدد، وأيضًا ليناسب قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾.

وقوله: …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

الشيخ: إذن في المستقبل إن شاء الله.

يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ هنا بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ السابقة في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أو صفة، ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وكونها صفةً أولى، بل هو المتعين، وذلك لأن البدل يكون هو المقصود بالحكم، هو المقصود بالحكم، انتبهوا للفرق، البدل هو المقصود بالحكم دون المبدل منه، فإذا قلت: أكرِمْ زيدًا عمْرًا، عمرًا بدل من زيد، فمن الذي يُكرَم؟

* الطلبة: عمرو.

* الشيخ: عمرو، إذا قلت: كُلِ الرغيفَ ثلثَه.

* الطلبة: الثلث.

* الشيخ: الثلث، ولهذا لو أكل النصف لأكل السدس بغير حق، فإذا قال: أنت قلت لي: كُلِ الرغيفَ؟ قلت: لكني أبدلت وقلت: ثلثَه، فالسدس الذي أكلته زائدًا الآن يعتبر أكلًا بغير حق، فتكون آثمًا، ولصاحب الرغيف أن يطالبك بقيمة السدس، على كل حال البدل هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:

التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا

وعلى هذا فيتعين أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ الثانية أيش؟

* طلبة: صفة.

* الشيخ: صفة لـ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، واسم الموصول يصح أن يكون صفة؛ لأنه بصلته يكون بمعنى المشتق.

﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾، قوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: إخوانهم ظاهرًا، هذا هو الصحيح، وقال بعضهم: لإخوانهم في النسب، والمعنى الأول أصح؛ لأنهم لا يخاطبون إخوانهم في النسب فقط بل يخاطبون كل من استشهد في غزوة أحد، وليس كل من استشهد أخًا لواحد من المنافقين؛ فيكون المراد بإخوانهم؟

* الطلبة: في الظاهر.

* الشيخ: أي ظاهرًا؛ لأن المنافقين مع المؤمنين كأنهم مؤمنون، ولهذا لما استؤذن النبي ﷺ في قتلهم قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» »متفق عليه؛ البخاري برقم (٣٥١٨)، ومسلم برقم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر رضي الله عنه.، إذن فهم ظاهرًا؟

* طالب: إخوان.

* الشيخ: إخوان وأصحاب، فلهذا نقول: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الصواب المراد لإخوانهم ظاهرًا؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.

وقوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾، قعدوا عن أيش؟

* الطلبة: عن القتال.

* الشيخ: عن القتال، والله سبحانه وتعالى يسمي المتخلفين عن القتال قعودًا، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء٩٥]، فسمى المتخلفين عن القتال قعدة، وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة٤٦]، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة٤٦].

إذن ﴿وَقَعَدُوا﴾ يعني عن القتال، والجملة في قوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾ في محل نصب على الحال بتقدير (قد)، أي: وقد قعدوا، وهذا أولى من أن نجعل الجملة معطوفة على الصلة، يعني: ﴿قَالُوا﴾ و﴿قَعَدُوا﴾؛ لأن قولهم حال كونهم قعودًا أشد، فهم جمعوا بين الأمرين؛ بين السوء في القول والسوء في الفعل، ماذا قالوا؟ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ بأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج، ولكن النبي ﷺ والصادقين من المؤمنين أَبَوْا إلا أن يخرجوا، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وفي قراءة: ﴿مَا قُتِّلُوا﴾ .

ماذا قالوا؟ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨] بأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج، ولكن النبي ﷺ والصادقين من المؤمنين أبَوا إلا أن يخرجوا.

وفي أثناء الطريق انخزل عبد الله بن أُبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا والعياذ بالله، ولهذا قال: ﴿لَوْ …

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات.

وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟

* طالب: عن القتال في سبيل الله.

* الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟

* الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

* الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية.

والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟

هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك.

وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. فيها قراءتان: ﴿قُتِّلُوا﴾ و﴿قُتِلُوا﴾، وكذلك ﴿تَحْسَب﴾ و﴿تَحْسِب﴾ كلاهما سبعيتان.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي ﷺ، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات.

وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ » فقال ﷺ كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.. ما الذي سئل عنه الرسول ﷺ؟

* طالب: عن القتال في سبيل الله.

* الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟

* الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

* الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية.

والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟

هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك.

وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ في سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.