Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿وما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يُغَلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تَوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. ومَوْقِعُهُ عَقِبَ جُمْلَةِ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم. الآيَةَ، لِأنَّها أفادَتْ أنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ والخَذْلَ بِيَدِهِ، يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيضَ عَلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ لِيَكُونَ لَطِيفًا بِمَن يُرْضُونَهُ. وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ النَّصائِحُ والمَواعِظُ مُوَجَّهَةً إلَيْهِمْ لِيَعْمَلُوا بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ مِن غَزَواتِهِمْ، نُبِّهُوا إلى شَيْءٍ يَسْتَخِفُّ بِهِ الجَيْشُ في الغَزَواتِ، وهو الغُلُولُ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَيَحْذَرُوهُ ويَكُونُوا مِمّا هو أدْعى لِغَضَبِ اللَّهِ أشَدَّ حَذَرًا فَهَذِهِ مُناسَبَةُ التَّحْذِيرِ مِنَ الغُلُولِ ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أنَّ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ هو تَعَجُّلُهم إلى أخْذِ الغَنائِمِ. والغُلُولُ: تَعَجُّلٌ بِأخْذِ شَيْءٍ مِن غالِّ الغَنِيمَةِ.

ولا تَجِدُ غَيْرَ هَذا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتَعْقِيبِ آيَةِ النَّصْرِ بِآيَةِ الغُلُولِ، فَإنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ الَّتِي أتَتِ السُّورَةُ عَلى قِصَّتِها لَمْ يَقَعْ فِيها غُلُولٌ ولا كائِنٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِيها غَنِيمَةٌ وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن قَضِيَّةِ غُلُولٍ وقَعَتْ يَوْمَ بَدْرٍ

صفحة ١٥٥

فِي قَطِيفَةٍ حَمْراءَ أوْ في سَيْفٍ لا يَسْتَقِيمُ هُنا، لِبُعْدِ ما بَيْنَ غَزْوَةِ بَدْرٍ وغَزْوَةِ أُحُدٍ، فَضْلًا عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في حِرْصِ الأعْرابِ عَلى قِسْمَةِ الغَنائِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ الواقِعِ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ بِخَمْسِ سِنِينَ وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ: يُغَلَّ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الغَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الغَيْنِ.

والفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الغُلُولِ وهو أخْذُ شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ بِدُونِ إذْنِ أمِيرِ الجَيْشِ، والغُلُولُ مَصْدَرٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، ويُطْلَقُ الغُلُولُ عَلى الخِيانَةِ في المالِ مُطْلَقًا.

وصِيغَةُ وما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يُغَلَّ صِيغَةُ جَحُودٍ تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإذا اسْتُعْمِلَتْ في الإنْشاءِ كَما هُنا أفادَتِ المُبالَغَةَ في النَّهْيِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ نَهْيُ جَيْشِ النَّبِيءِ عَنْ أنْ يَغُلُّوا لِأنَّ الغُلُولَ في غَنائِمِ النَّبِيءِ ﷺ غُلُولٌ لِلنَّبِيءِ، إذْ قِسْمَةُ الغَنائِمِ إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ فَمَعْنى أنَّ النَّبِيءَ لا يَغُلُّ أنَّهُ لا يَقَعُ الغُلُولُ في جَيْشِهِ فَإسْنادُ الغُلُولِ إلى النَّبِيءِ مَجازٌ لِمُلابَسَةِ جَيْشِ النَّبِيءِ نَبِيئَهم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِجَيْشِ نَبِيءٍ أنْ يَغُلَّ.

ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ومَن بَعْدَهم تَأْوِيلاتٌ لِلْمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فِيها سَماجَةٌ.

ومَعْنى ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يَأْتِي بِهِ مُشَهَّرًا مَفْضُوحًا بِالسَّرِقَةِ.

ومِنَ اللَّطائِفِ ما في البَيانِ والتَّبْيِينِ لِلْجاحِظِ: أنَّ مَزْيَدًا رَجُلًا مِنَ الأعْرابِ سَرَقَ نافِجَةَ مِسْكٍ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَسْرِقُها وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

صفحة ١٥٧

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَهو كالبَيانِ لِتَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِلْمُماثَلَةِ المُسْتَفادَةِ مِن كافِ التَّشْبِيهِ فَهو بِمَعْنى لا يَسْتَوُونَ. والِاتِّباعُ هُنا بِمَعْنى التَّطَلُّبِ: شَبَّهَ حالَ المُتَوَخِّي بِأفْعالِهِ رِضى اللَّهِ بِحالِ المُتَطَلِّبِ لِطِلْبَةٍ فَهو يَتْبَعُها حَيْثُ حَلَّ لِيَقْتَنِصَها، وفي هَذا التَّشْبِيهِ حُسْنُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مُحْتاجٌ إلى فَرْطِ اهْتِمامٍ. وفي فِعْلِ باءَ مِن قَوْلِهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ صاحِبِ المَعاصِي بِالَّذِي خَرَجَ يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ فَرَجَعَ بِما يَضُرُّهُ، أوْ رَجَعَ بِالخَيْبَةِ كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ حالُ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عادَ الضَّمِيرُ لـِ (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ) لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، ولِقَرِينَةِ قَوْلِهِ دَرَجاتٌ لِأنَّ الدَّرَجاتِ مَنازِلُ رِفْعَةٍ.

وقَوْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ لِمَنازِلِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

صفحة ١٥٧

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَهو كالبَيانِ لِتَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِلْمُماثَلَةِ المُسْتَفادَةِ مِن كافِ التَّشْبِيهِ فَهو بِمَعْنى لا يَسْتَوُونَ. والِاتِّباعُ هُنا بِمَعْنى التَّطَلُّبِ: شَبَّهَ حالَ المُتَوَخِّي بِأفْعالِهِ رِضى اللَّهِ بِحالِ المُتَطَلِّبِ لِطِلْبَةٍ فَهو يَتْبَعُها حَيْثُ حَلَّ لِيَقْتَنِصَها، وفي هَذا التَّشْبِيهِ حُسْنُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مُحْتاجٌ إلى فَرْطِ اهْتِمامٍ. وفي فِعْلِ باءَ مِن قَوْلِهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ صاحِبِ المَعاصِي بِالَّذِي خَرَجَ يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ فَرَجَعَ بِما يَضُرُّهُ، أوْ رَجَعَ بِالخَيْبَةِ كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ حالُ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عادَ الضَّمِيرُ لـِ (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ) لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، ولِقَرِينَةِ قَوْلِهِ دَرَجاتٌ لِأنَّ الدَّرَجاتِ مَنازِلُ رِفْعَةٍ.

وقَوْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ لِمَنازِلِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِتَذْكِيرِ رِجالِ يَوْمِ أُحُدٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ومُناسَبَةِ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ فِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ عَلى مُصِيبَةِ الهَزِيمَةِ حَظًّا عَظِيمًا، إذْ قَدْ

صفحة ١٥٨

شاعَ تَصْبِيرُ المَحْزُونِ وتَعْزِيَتُهُ بِتَذْكِيرِهِ ما هو فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، ولَهُ مَزِيدُ ارْتِباطٍ بِقَوْلِهِ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وكَذَلِكَ جاءَتْ آيُ هَذا الغَرَضِ في قِصَّةِ أُحُدٍ ناشِئًا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، مُتَفَنِّنَةً في مَواقِعِها بِحَسَبِ ما سَمَحَتْ بِهِ فُرَصُ الفَراغِ مِن غَرَضٍ والشُّرُوعِ في غَيْرِهِ فَما تَجِدُ طَرّادَ الكَلامِ يَغْدُو طَلْقًا في حَلْبَةِ الِاسْتِطْرادِ إلّا وتَجِدُ لَهُ رَواحًا إلى مُنْبَعَثِهِ.

والمَنُّ هُنا: إسْداءُ المِنَّةِ أيِ النِّعْمَةِ، ولَيْسَ هو تَعْدادُ النِّعْمَةِ، عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ ذِكْرُ هَذا المَنِّ مَنًّا بِالمَعْنى الآخَرِ، والكُلُّ مَحْمُودٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَنَّ إنَّما كانَ مَذْمُومًا لِما فِيهِ مِن إبْداءِ التَّطاوُلِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، وطَوْلُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَجْحُودٍ.

والمُرادُ بِ (المُؤْمِنِينَ) هُنا المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ أُمَّتِهِمُ العَرَبِيَّةِ.

و(إذْ) ظَرْفٌ لِـ (مَنَّ) لِأنَّ الإنْعامَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ حَصَلَ أوْقاتَ البَعْثِ.

ومَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ المُماثَلَةُ لَهم في الأشْياءِ الَّتِي تَكُونُ المُماثَلَةُ فِيها سَبَبًا لِقُوَّةِ التَّواصُلِ، وهي هُنا النَّسَبُ، واللُّغَةُ، والوَطَنُ. والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ مِن بَنِي فُلانٍ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ مِن صَمِيمِهِمْ لَيْسَ انْتِسابُهُ إلَيْهِمْ بِوَلاءٍ أوْ لَصْقٍ، وكَأنَّ هَذا وجْهُ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلَيْهِ الَّتِي هي في مَعْنى المُماثَلَةِ، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ أيْ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا يُوجِبُ أُنْسَهم بِهِ والرُّكُونَ إلَيْهِ وعَدَمَ الِاسْتِيحاشِ مِنهُ، وكَوْنُهُ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ يَجْعَلُهم سَرِيعِينَ إلى فَهْمِ ما يَجِيءُ بِهِ، وكَوْنُهُ جارًا لَهم ورَبِيًّا فِيهِمْ يُعَجِّلُ لَهُمُ التَّصْدِيقَ بِرِسالَتِهِ، إذْ يَكُونُونَ قَدْ خَبَرُوا أمْرَهُ، وعَلِمُوا فَضْلَهُ، وشاهَدُوا اسْتِقامَتَهُ ومُعْجِزاتِهِ. وعَنِ النِّقاشِ: قِيلَ لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا ولَها وِلادَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا تَغْلِبَ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى.

صفحة ١٥٩

وهَذِهِ المِنَّةُ خاصَّةٌ بِالعَرَبِ ومَزِيَّةٌ لَهم، زِيادَةً عَلى المِنَّةِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ، فالعَرَبُ وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الدَّعْوَةَ قَبْلَ النّاسِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ظُهُورَ الدِّينِ بَيْنَهم لِيَتَلَقَّوْهُ التَّلَقِّيَ الكامِلَ المُناسِبَ لِصَفاءِ أذْهانِهِمْ وسُرْعَةِ فَهْمِهِمْ لِدَقائِقِ اللُّغَةِ، ثُمَّ يَكُونُوا هم حَمَلَتَهُ إلى البَشَرِ، فَيَكُونُوا أعْوانًا عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ، ولِمَن تَخَلَّقَ بِأخْلاقِ العَرَبِ وأتْقَنَ لِسانَهم والتَبَسَ بِعَوائِدِهِمْ وأذْواقِهِمُ اقْتِرابٌ مِن هَذِهِ المَزِيَّةِ وهو مُعْظَمُها، إذْ لَمْ …

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

عُطِفَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ التَّعْجِيبِيُّ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ قَوْلَهم أنّى هَذا مِمّا يُنْكَرُ ويَتَعَجَّبُ السّامِعُ مِن صُدُورِهِ مِنهم بَعْدَ ما عَلِمُوا ما أتَوْا مِن أسْبابِ المُصِيبَةِ، إذْ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى ذِي فِطْنَةٍ، وقَدْ جاءَ مَوْقِعُ هَذا الِاسْتِفْهامِ بَعْدَ ما تَكَرَّرَ: مِن تَسْجِيلِ تَبِعَةِ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ بِما ارْتَكَبُوا مِن عِصْيانِ أمْرِ الرَّسُولِ، ومِنَ العَجَلَةِ إلى الغَنِيمَةِ، وبَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالرِّضا بِما وقَعَ، وذَكَّرَهُمُ النَّصْرَ الواقِعَ يَوْمَ بَدْرٍ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ هُنا إنْكارَ تَعَجُّبِهِمْ مِن إصابَةِ الهَزِيمَةِ إيّاهم.

صفحة ١٦١

ولَمّا اسْمُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَيَدُلُّ عَلى وُجُودِ جَوابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وهو مُلازِمُ الإضافَةِ إلى جُمْلَةِ شَرْطِهِ، فالمَعْنى: قُلْتُمْ لَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ: أنّى هَذا.

وجُمْلَةُ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها صِفَةٌ لِ (مُصِيبَةٌ)، ومَعْنى أصَبْتُمْ غَلَبْتُمُ العَدُوَّ ونِلْتُمْ مِنهُ مِثْلَيْ ما أصابَكم بِهِ، يُقالُ: أصابَ إذا غَلَبَ، قالَ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ:

ثُمَّ انْصَرَفْتُ وقَدْ أصَبْتُ ولَمْ أُصَبْ جَذَعَ البَصِيرَةِ قارِحَ الإقْدامِ

والمُرادُ بِمِثْلَيْها المُساوِيانِ في الجِنْسِ أوِ القِيمَةِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ المُماثَلَةِ أيْ: إنَّكم قَدْ نِلْتُمْ مِثْلَيْ ما أصابَكم، والمُماثَلَةُ هُنا مُماثَلَةٌ في القَدْرِ والقِيمَةِ، لا في الجِنْسِ، فَإنَّ رَزايا الحَرْبِ أجْناسٌ: قَتْلٌ، وأسْرٌ، وغَنِيمَةٌ، وأسْلابٌ، فالمُسْلِمُونَ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ القَتْلُ: إذْ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وكانُوا قَدْ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، فَهَذا أحَدُ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ إنَّهم أصابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ أسْرى يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ مِثْلٌ آخَرُ في المِقْدارِ إذِ الأسِيرُ كالقَتِيلِ، أوْ أُرِيدَ أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ أصابُوا قَتْلى إلّا أنَّ عَدَدَهم أقَلُّ فَهو مِثْلٌ في الجِنْسِ لا في المِقْدارِ والقِيمَةِ.

و(أنّى) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى مِن أيْنَ قَصَدُوا بِهِ التَّعَجُّبَ والإنْكارَ، وجُمْلَةُ قُلْتُمْ أنّى هَذا جَوابُ لَمّا، والِاسْتِفْهامُ بِـ (أنّى) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ.

ثُمَّ ذُيِّلَ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ عَلى نَصْرِكم وعَلى خِذْلانِكم، فَلَمّا عَصَيْتُمْ وجَرَرْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ الغَضَبَ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الخِذْلانَ.

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

صفحة ١٦٢

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ.

والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

صفحة ١٦٣

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا.

و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

صفحة ١٦٢

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ.

والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

صفحة ١٦٣

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا.

و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

صفحة ١٦٢

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ.

والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

صفحة ١٦٣

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا.

و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ١٦٥

قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.

والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ

صفحة ١٦٦

الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ١٦٥

قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.

والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ

صفحة ١٦٦

الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.