Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْكامِ الجِهادِ. ومِن جُمْلَتِها المَنعُ مِنَ الغُلُولِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذا المَعْنى وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الغُلُولُ هو الخِيانَةُ، وأصْلُهُ أخْذُ الشَّيْءِ في الخُفْيَةِ، يُقالُ أغَلَّ الجازِرُ والسّالِخُ إذا أبْقى في الجِلْدِ شَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ عَلى طَرِيقِ الخِيانَةِ، والغِلُّ الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ. والغِلالَةُ الثَّوْبُ الَّذِي يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والغَلَلُ الماءُ الَّذِي يَجْرِي في أُصُولِ الشَّجَرَةِ لِأنَّهُ مُسْتَتِرٌ بِالأشْجارِ وتَغَلَّلَ الشَّيْءُ إذا تَخَلَّلَ وخَفِيَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن بَعَثْناهُ عَلى عَمَلٍ فَغَلَّ شَيْئًا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ» “ وقالَ: ”«هَدايا الوُلاةِ غُلُولٌ» “ وقالَ: ”«لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ» “ وقالَ: ”«لا إغْلالَ ولا إسْلالَ» “ وأيْضًا يُقالُ: أغَلَّهُ إذا وجَدَهُ غالًّا، كَقَوْلِكَ: أبْخَلْتُهُ وأفْحَمْتُهُ. أيْ وجَدْتُهُ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿يَغُلَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَخُونَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿يَغُلَّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يُخانَ.

واخْتَلَفُوا في أسْبابِ النُّزُولِ، فَبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الأُولى. وبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ.

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَفِيهِ رِواياتٌ:

الأُولى: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِمَ في بَعْضِ الغَزَواتِ وجَمَعَ الغَنائِمَ، وتَأخَّرَتِ القِسْمَةُ لِبَعْضِ المَوانِعِ، فَجاءَ قَوْمٌ وقالُوا: ألا تُقَسِّمُ غَنائِمَنا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَوْ كانَ لَكم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ما حَبَسْتُ عَنْكم مِنهُ دِرْهَمًا أتَحْسَبُونَ أنِّي أغُلُّكم مَغْنَمَكم» ؟“ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ، كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِمْ، فَسَألُوهُ أنْ يَتْرَكَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ: رَوى عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ الجُهّالِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّ أشْرافَ النّاسِ طَمِعُوا أنْ يَخُصَّهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَنائِمِ بِشَيْءٍ زائِدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الخامِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ طَلائِعَ فَغَنِمُوا غَنائِمَ فَقَسَّمَها ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

السّادِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ تَرَكَ الرُّماةُ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ وقالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ وأنْ لا يُقَسِّمُ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسِّمْها يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ فَلا نَقْسِمُ لَكم» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُرادُ مِنَ الآيَةِ …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أتْبَعَهُ بِتَفْصِيلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وبَيَّنَ أنَّ جَزاءَ

صفحة ٦١

المُطِيعِينَ ما هو، وجَزاءَ المُسِيئِينَ ما هو، فَقالَ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في فِعْلِ الغُلُولِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِالكُفْرِ بِهِ والِاشْتِغالِ بِمَعْصِيَتِهِ.

الثّالِثُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ.

الرّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا حَمَلَ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ دَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ إلى أنْ يَحْمِلُوا عَلى المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَهُ بَعْضُهم وتَرَكَهُ آخَرُونَ. فَقالَ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وقالَ القاضِي: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ صَحِيحٌ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وكُلُّ مَن أخْلَدَ إلى مُتابَعَةِ النَّفْسِ والشَّهْوَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لا يَبْطُلُ لِأجْلِ خُصُوصِ السَّبَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمِنَ اتَّقى فاتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ أيِ احْتَمَلَهُ ورَجَعَ بِهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: (رُضْوانَ اللَّهِ) بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ وهُما مَصْدَرانِ، فالضَّمُّ كالكُفْرانِ، والكَسْرُ كالحِسْبانِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ مِن صِلَةِ ما قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وكانَ مَأْواهُ جَهَنَّمَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَمُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَهَنَّمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ صِفَتِها.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] واحْتَجَّ القَوْمُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ المُطِيعِينَ في النّارِ، وأنْ يُدْخِلَ المُذْنِبِينَ الجَنَّةَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، ولَوْلا أنَّهُ مُمْتَنِعٌ في العُقُولِ، وإلّا لَما حَسُنَ هَذا الِاسْتِبْعادُ، وأكَّدَ القَفّالُ ذَلِكَ فَقالَ: لا …

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ.

المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الكَلامِ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ حَسُنَ هَذا الحَذْفُ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ

صفحة ٦٢

أعْمالِهِمْ قَدْ صَيَّرَتْهم بِمَنزِلَةِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ في ذَواتِها. فَكانَ هَذا المَجازُ أبْلَغَ مِنَ الحَقِيقَةِ، والحُكَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ والحَقِيقَةِ، فَبَعْضُها ذَكِيَّةٌ وبَعْضُها بَلِيدَةٌ، وبَعْضُها مُشْرِقَةٌ نُورانِيَّةٌ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظُلْمانِيَّةٌ، وبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها نَذِلَةٌ، واخْتِلافُ هَذِهِ الصِّفاتِ لَيْسَ لِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ البَدَنِيَّةِ، بَلْ لِاخْتِلافِ ماهِيّاتِ النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» “ وقالَ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ النّاسَ في أنْفُسِهِمْ دَرَجاتٌ، لا أنَّ لَهم دَرَجاتٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هم: عائِدٌ إلى لَفْظِ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ ولَفْظُ ”مَن“ يُفِيدُ الجَمْعَ في المَعْنى، فَلِهَذا صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هُمْ﴾ عائِدًا إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْتَوُونَ﴾ صِيغَةُ الجَمْعِ وهو عائِدٌ إلى ”مَن“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هم: ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، وذِكْرُ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الضَّمِيرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأوَّلِ، أوْ إلى الثّانِي، أوْ إلَيْهِما مَعًا، والِاحْتِمالاتُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ.

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وتَقْدِيرُهُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ سَواءٌ، لا بَلْ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ وأنَّهُ أوْلى، وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الغالِبَ في العُرْفِ اسْتِعْمالُ الدَّرَجاتِ في أهْلِ الثَّوابِ، والدَّرَكاتِ في أهْلِ العِقابِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وهو أنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ وصْفًا لِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ في الأكْثَرِ جارِيَةٌ بِأنَّ ما كانَ مِنَ الثَّوابِ والرَّحْمَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ، وما كانَ مِنَ العِقابِ لا يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] وقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] فَلَمّا أضافَ هَذِهِ الدَّرَجاتِ إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ صِفَةُ أهْلِ الثَّوابِ.

ورابِعُها: أنَّهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٢١] .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ عائِدًا عَلى ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والحُجَّةُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأقْرَبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قالَ: والمُرادُ أنَّ أهْلَ النّارِ مُتَفاوِتُونَ في مَراتِبِ العَذابِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنْعامِ: ١٣٢] وعَنْ رَسُولِ …

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَطَأ مَن نَسَبَهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ وُلِدَ في بَلَدِهِمْ ونَشَأ فِيما بَيْنَهم، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُ طُولَ عُمُرِهِ إلّا الصِّدْقُ والأمانَةُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ الخِيانَةُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ خَطَأهم في نِسْبَتِهِ إلى الخِيانَةِ والغُلُولِ قالَ: لا أقْنَعُ بِذَلِكَ، ولا أكْتَفِي في حَقِّهِ بِأنْ أُبَيِّنَ بَراءَتَهُ عَنِ الخِيانَةِ والغُلُولِ، ولَكِنِّي أقُولُ: إنَّ وُجُودَهُ فِيكم مِن أعْظَمِ نِعْمَتِي عَلَيْكم فَإنَّهُ يُزَكِّيكم عَنِ الطَّرِيقِ الباطِلَةِ، ويُعَلِّمُكُمُ العُلُومَ النّافِعَةَ لَكم في دُنْياكم وفي دِينِكم، فَأيُّ عاقِلٍ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَنْسُبَ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ إلى الخِيانَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ مِنكم ومِن أهْلِ بَلَدِكم ومِن أقارِبِكم، وأنْتُمْ أرْبابُ الخُمُولِ والدَّناءَةِ، فَإذا شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى وخَصَّهُ بِمَزايا الفَضْلِ والإحْسانِ مِن جَمِيعِ العالَمِينَ، حَصَلَ لَكم شَرَفٌ عَظِيمٌ

صفحة ٦٤

بِسَبَبِ كَوْنِهِ فِيكم، فَطَعْنُكم فِيهِ واجْتِهادُكم في نِسْبَةِ القَبائِحِ إلَيْهِ عَلى خِلافِ العَقْلِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَ في الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ بِحَيْثُ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ وجَبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُعِينَهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تُحارِبُوا أعْداءَهُ وأنْ تَكُونُوا مَعَهُ بِاليَدِ واللِّسانِ والسَّيْفِ والسِّنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ العَوْدُ إلى تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ في مُجاهَدَةِ الكُفّارِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلْمَنِّ في كَلامِ العَرَبِ مَعانٍ:

أحَدُها: الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] .

وثانِيها: أنْ تَمُنَّ بِما أعْطَيْتَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] .

وثالِثُها: القَطْعُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ .

ورابِعُها: الإنْعامُ والإحْسانُ إلى مَن لا تَطْلُبُ الجَزاءَ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ والمَنّانُ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى: المُعْطِي ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ مِنهُ عِوَضًا وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ هَذا الرَّسُولَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ إحْسانٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ وجْهَ الإحْسانِ في بِعْثَتِهِ كَوْنُهُ داعِيًا لَهم إلى ما يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ اللَّهِ ويُوَصِّلُهم إلى ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا عامٌّ في حَقِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذا الإنْعامِ إلّا أهْلُ الإسْلامِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ خَصَّ تَعالى هَذِهِ المِنَّةَ بِالمُؤْمِنِينَ، ونَظِيرُهُ …

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم طَعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ نَسَبُوهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهم: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما انْهَزَمَ عَسْكَرُهُ مِنَ الكُفّارِ في يَوْمِ أُحُدٍ: وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: أنّى هَذا، وأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ هَذا الِانْهِزامُ إنَّما حَصَلَ بِشُؤْمِ عِصْيانِكم، فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الآيَةِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ المُرادُ مِنها واقِعَةُ أُحُدٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ مَعْناهُ قَدْ أصَبْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَزَمُوهم أيْضًا في الأوَّلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمّا عَصَوْا هَزَمَهُمُ المُشْرِكُونَ، فانْهِزامُ المُشْرِكِينَ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ، وانْهِزامُ المُسْلِمِينَ حَصَلَ مَرَّةً واحِدَةً، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وطَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا الوَجْهِ فَقالَ: كَما أنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ نالُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ولَكِنَّهم ما هَزَمُوا المُسْلِمِينَ البَتَّةَ، أمّا يَوْمَ أُحُدٍ فالمُسْلِمُونَ هَزَمُوا المُشْرِكِينَ أوَّلًا ثُمَّ انْقَلَبَ الأمْرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أُمُورَ الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، فَلَمّا هَزَمْتُمُوهم مَرَّتَيْنِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَهْزِمُوكم مَرَّةً واحِدَةً.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: سَبَبُ تَعَجُّبِهِمْ أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نَنْصُرُ الإسْلامَ الَّذِي هو دِينُ الحَقِّ، ومَعَنا الرَّسُولُ، وهم يَنْصُرُونَ دِينَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرَ، فَكَيْفَ صارُوا مَنصُورِينَ عَلَيْنا !

صفحة ٦٧

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما أدْرَجَهُ عِنْدَ حِكايَةِ السُّؤالِ وهو قَوْلُهُ ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، فَإذا أصَبْتُمْ مِنهم مِثْلَيْ هَذِهِ الواقِعَةِ، فَكَيْفَ تَسْتَبْعِدُونَ هَذِهِ الواقِعَةَ ؟ .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّكم إنَّما وقَعْتُمْ في هَذِهِ المُصِيبَةِ بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكم وذَلِكَ لِأنَّهم عَصَوُا الرَّسُولَ في أُمُورٍ:

أوَّلُها: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: المَصْلَحَةُ في أنْ لا نَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ بَلْ نَبْقى هَهُنا، وهم أبَوْا إلّا الخُرُوجَ، فَلَمّا خالَفُوهُ تَوَجَّهَ إلى أُحُدٍ.

وثانِيها: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن فَشَلِهِمْ.

وثالِثُها: ما وقَعَ بَيْنَهم مِنَ المُنازَعَةِ.

ورابِعُها: أنَّهم فارَقُوا المَكانَ وفَرَّقُوا الجَمْعَ.

وخامِسُها: اشْتِغالُهم بِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، وإعْراضُهم عَنْ طاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في …

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى أنَّها أصابَتْهم بِذَنْبِهِمْ ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها أصابَتْهم لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ عَنِ المُنافِقِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُرادُ يَوْمَ أُحُدٍ، والجَمْعانِ:

أحَدُهُما: جَمْعُ المُسْلِمِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والثّانِي: جَمْعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ أبِي سُفْيانَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (فَبِإذْنِ اللَّهِ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إذْنَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ وتَرْكِ المُدافَعَةِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم، لِأنَّ الإذْنَ في الشَّيْءِ لا يَدْفَعُ المَأْذُونَ عَنْ مُرادِهِ، فَلَمّا كانَ تَرْكُ المُدافَعَةِ مِن لَوازِمِ الإذْنِ أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ المُدافِعَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

الوَجْهُ الثّانِي: فَبِإذْنِ اللَّهِ: أيْ بِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] أيْ إعْلامٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى العِلْمِ. طَعَنَ الواحِدِيُّ فِيهِ فَقالَ: الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، ولا تَقَعُ التَّسْلِيَةُ إلّا إذا كانَ واقِعًا بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] .

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ الأمْرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُحارَبَةِ، ثُمَّ صارَتْ تِلْكَ المُحارَبَةُ مُؤَدِّيَةً إلى ذَلِكَ الِانْهِزامِ، صَحَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أنْ يُقالَ حَصَلَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ وحُكْمُهُ بِهِ، وهَذا أوْلى لِأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، والتَّسْلِيَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا قِيلَ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرْضَوْنَ بِما قَضى اللَّهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ والمَعْنى لِيُمَيِّزَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نافَقَ الرَّجُلُ فَهو مُنافِقٌ إذا أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ وأضْمَرَ خِلافَها، والنِّفاقُ اسْمٌ إسْلامِيٌّ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُحْرَ اليَرْبُوعِ لَهُ بابانِ: القاصِعاءُ والنّافِقاءُ، فَإذا طُلِبَ مِن أيِّهِما كانَ خَرَجَ مِنَ الآخَرِ، فَقِيلَ لِلْمُنافِقِ إنَّهُ

صفحة ٦٩

مُنافِقٌ، لِأنَّهُ وضَعَ لِنَفْسِهِ طَرِيقَيْنِ، إظْهارَ الإسْلامِ وإضْمارَ الكُفْرِ، فَمِن أيِّهِما طَلَبْتَهُ خَرَجَ …

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّ هَذا القائِلَ مَن هو ؟ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى القِتالِ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولٍ لَمّا خَرَجَ بِعَسْكَرِهِ إلى أُحُدٍ قالُوا: لِمَ نُلْقِي أنْفُسَنا في القَتْلِ، فَرَجَعُوا وكانُوا ثَلاثُمِائَةً مِن جُمْلَةِ الألْفِ الَّذِينَ خَرَجَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ أبُو جابِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَ حُضُورِ العَدُوِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ هَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يَعْنِي إنْ كانَ في قَلْبِكم حُبُّ الدِّينِ والإسْلامِ فَقاتِلُوا لِلدِّينِ والإسْلامِ، وإنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ، فَقاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكم وأهْلِيكم وأمْوالِكم، يَعْنِي كُونُوا إمّا مِن رِجالِ الدِّينِ، أوْ مِن رِجالِ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ادْفَعُوا عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ سَوادِنا إنْ لَمْ تُقاتِلُوا مَعَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَثْرَةَ أحَدُ أسْبابِ الهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدَّمُوا طَلَبَ الدِّينِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا في كُلِّ المُهِمّاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾ وهَذا هو الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُنافِقُونَ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لا يَقْتَتِلانِ البَتَّةَ، فَلِهَذا رَجَعْنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ نَعْلَمُ ما يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لا يُقالُ لَهُ

صفحة ٧٠

قِتالٌ، وإنَّما هو إلْقاءُ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ هو الوَجْهَ الأوَّلَ فَهو فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الظَّنَّ في أحْوالِ الدُّنْيا قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ، وأماراتُ حُصُولِ القِتالِ كانَتْ ظاهِرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْ قِيلَ لِهَذا المُنافِقِ الَّذِي ذَكَرَ هَذا الجَوابَ: فَيَنْبَغِي لَكَ لَوْ شاهَدْتَ مَن شَهَرَ سَيْفَهُ في الحَرْبِ أنْ لا تَقْدَمَ عَلى مُقاتَلَتِهِ لِأنَّكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ قِتالًا، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ التَّصَرُّفاتِ في أُمُورِ الدُّنْيا، بَلِ الحَقُّ أنَّ الجِهادَ واجِبٌ عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ المُحارَبَةِ، ولا أماراتِ أقْوى مِن قُرْبِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ عِنْدَ جَبَلِ أُحُدٍ، فَدَلَّ ذِكْرُ هَذا الجَوابِ عَلى غايَةِ الخِزْيِ والنِّفاقِ، وأنَّهُ كانَ غَرَضُهم مِن ذِكْرِ هَذا الجَوابِ إمّا التَّلْبِيسَ، وإمّا الِاسْتِهْزاءَ. وأمّا إنْ كانَ مُرادُ المُنافِقِ هو الوَجْهَ الثّانِيَ فَهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ والإعانَةِ لَمْ يَكُنِ الخُرُوجُ إلى ذَلِكَ القِتالِ إلْقاءًا لِلنَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ.

* * *

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَهم عِنْدَما ذَكَرُوا هَذا …

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم كَما قَعَدُوا واحْتَجُّوا لِقُعُودِهِمْ، فَكَذَلِكَ ثَبَّطُوا غَيْرَهم واحْتَجُّوا لِذَلِكَ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِإخْوانِهِمْ إنَّ الخارِجِينَ لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا، فَخَوَّفُوا مَن مُرادُهُ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ ﷺ في مُحارَبَةِ الكُفّارِ بِالقَتْلِ لَمّا عَرَفُوا ما جَرى يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ الطِّباعِ مَحَبَّةُ الحَياةِ، فَكانَ وُقُوعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القُلُوبِ يَجْرِي مَجْرى ما يُورِدُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الوَسْواسِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ”الَّذِينَ“ وُجُوهٌ:

أحَدُها: النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ ”الَّذِينَ نافَقُوا“ .

وثانِيها: الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَكْتُمُونَ“ .

وثالِثُها: الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هُمُ الَّذِينَ.

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ ”بِالَّذِينَ قالُوا“ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقالَ الأصَمُّ: هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، وهَذا القَوْلُ فَهو واقِعٌ فِيمَن قَدْ تَخَلَّفَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في القُعُودِ ”ما قُتِلُوا“، فَهو كَلامٌ مُتَأخِّرٌ عَنِ الجِهادِ قالَهُ لِمَن خَرَجَ إلى الجِهادِ ولِمَن هو قَوِيُّ النِّيَّةِ في ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ شُبْهَةً فِيما بَعْدَهُ صارِفًا لَهم عَنِ الجِهادِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا لِإخْوانِهِمْ: أيْ قالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المُرادِ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ، الأُخُوَّةِ في النَّسَبِ، أوِ الأُخُوَّةِ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الدّارِ، أوْ في عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ في عِبادَةِ الأوْثانِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الواوُ في قَوْلِهِ: (وقَعَدُوا) لِلْحالِ، ومَعْنى هَذا القُعُودِ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ، يَعْنِي مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ لَوْ قَعَدُوا كَما قَعَدْنا وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا لَسَلِمُوا ولَمْ يُقْتَلُوا. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الفَرْقَ ظاهِرٌ، فَإنَّ التَّحَرُّزَ عَنِ القَتْلِ مُمْكِنٌ، أمّا التَّحَرُّزُ عَنِ المَوْتِ فَهو غَيْرُ مُمْكِنٍ البَتَّةَ ؟

والجَوابُ: هَذا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لا يَتَمَشّى إلّا إذا اعْتَرَفْنا بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا

صفحة ٧٢

قُلْنا لا يَدْخُلُ الشَّيْءُ في الوُجُودِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، اعْتَرَفْنا بِأنَّ الكافِرَ لا يَقْتُلُ المُسْلِمَ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ المَوْتِ فَرْقٌ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ. أمّا إذا قُلْنا بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، كانَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْتِ والقَتْلِ ظاهِرًا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَتُفْضِي إلى فَسادِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ المُفْضِيَ إلى ذَلِكَ يَكُونُ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ثَبَّطُوا الرّاغِبِينَ في الجِهادِ بِأنْ قالُوا: الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ، كَما قالُوا في حَقِّ مَن خَرَجَ إلى الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، والقَتْلُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، فَوَجَبَ الحَذَرُ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُمُ الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ باطِلٌ، بِأنَّ القَتْلَ إنَّما يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كَما أنَّ المَوْتَ يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ القَتْلَ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، ومَن لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ القَتْلَ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. ثُمَّ أجابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في هَذِهِ الآيَةِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وكَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ والمَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ القَتْلِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ القُرْبَةِ والكَرامَةِ، وأعْطاهُ أفْضَلَ أنْواعِ الرِّزْقِ وأوْصَلَهُ إلى أجَلِّ مَراتِبِ الفَرَحِ والسُّرُورِ ؟ فَأيُّ عاقِلٍ يَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذا القَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شُهَداءِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، لِأنَّ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الشُّهَداءِ إلّا مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمُنافِقُونَ إنَّما يُنَفِّرُونَ المُجاهِدِينَ عَنِ الجِهادِ لِئَلّا يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ مِثْلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ فَضائِلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى التَّشَبُّهِ بِمَن جاهَدَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ وقُتِلَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ فَرُبَّما وصَلَ إلى نَعِيمِ الدُّنْيا ورُبَّما لَمْ يَصِلْ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَهو حَقِيرٌ وقَلِيلٌ، ومَن أقْبَلَ عَلى الجِهادِ فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ قَطْعًا وهو نَعِيمٌ عَظِيمٌ، ومَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا فَهو دائِمٌ مُقِيمٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الإقْبالَ عَلى الجِهادِ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ أحْياءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو الحَقِيقَةَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، أوِ

صفحة ٧٣

المُرادُ أنَّهم أحْياءٌ في الحالِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ أوْ إثْباتَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَهَذا ضَبْطُ الوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذِهِ الآيَةِ.

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن مُتَكَلِّمِي المُعْتَزِلَةِ، مِنهم أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ما حَكى، كانُوا يَقُولُونَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ فَيُقْتَلُونَ ويَخْسَرُونَ الحَياةَ، ولا يَصِلُونَ إلى خَيْرٍ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ …

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ثَبَّطُوا الرّاغِبِينَ في الجِهادِ بِأنْ قالُوا: الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ، كَما قالُوا في حَقِّ مَن خَرَجَ إلى الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، والقَتْلُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، فَوَجَبَ الحَذَرُ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُمُ الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ باطِلٌ، بِأنَّ القَتْلَ إنَّما يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كَما أنَّ المَوْتَ يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ القَتْلَ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، ومَن لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ القَتْلَ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. ثُمَّ أجابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في هَذِهِ الآيَةِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وكَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ والمَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ القَتْلِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ القُرْبَةِ والكَرامَةِ، وأعْطاهُ أفْضَلَ أنْواعِ الرِّزْقِ وأوْصَلَهُ إلى أجَلِّ مَراتِبِ الفَرَحِ والسُّرُورِ ؟ فَأيُّ عاقِلٍ يَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذا القَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شُهَداءِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، لِأنَّ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الشُّهَداءِ إلّا مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمُنافِقُونَ إنَّما يُنَفِّرُونَ المُجاهِدِينَ عَنِ الجِهادِ لِئَلّا يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ مِثْلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ فَضائِلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى التَّشَبُّهِ بِمَن جاهَدَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ وقُتِلَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ فَرُبَّما وصَلَ إلى نَعِيمِ الدُّنْيا ورُبَّما لَمْ يَصِلْ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَهو حَقِيرٌ وقَلِيلٌ، ومَن أقْبَلَ عَلى الجِهادِ فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ قَطْعًا وهو نَعِيمٌ عَظِيمٌ، ومَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا فَهو دائِمٌ مُقِيمٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الإقْبالَ عَلى الجِهادِ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ أحْياءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو الحَقِيقَةَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، أوِ

صفحة ٧٣

المُرادُ أنَّهم أحْياءٌ في الحالِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ أوْ إثْباتَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَهَذا ضَبْطُ الوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذِهِ الآيَةِ.

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن مُتَكَلِّمِي المُعْتَزِلَةِ، مِنهم أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ما حَكى، كانُوا يَقُولُونَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ فَيُقْتَلُونَ ويَخْسَرُونَ الحَياةَ، ولا يَصِلُونَ إلى خَيْرٍ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ …

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.