Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 161–170 of 200

161

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

ولَمّا كانَ الغُلُولُ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخِذْلانِ؛ أوْ أعْظَمَها؛ والنَّزاهَةُ عَنْهُ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ النَّصْرِ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ تَعْقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ الغُلُولِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ فَإنَّهُ لا يُخْذَلُ إلّا بِالذُّنُوبِ؛ ومِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِلْخِذْلانِ الغُلُولُ؛ فَيَكُونُ المُرادُ بِتَنْزِيهِهِ ﷺ عَنْهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ إقْبالَهم عَلى نَهْبِ الغَنائِمِ قَبْلَ وقْتِهِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ أنْ يَغُلُّوا بِإخْفاءِ ما انْتَهَبُوهُ؛ أوْ بَعْضِهِ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْخَوْفِ مِن أنْ يَغُلَّ رَئِيسُهُمْ؛ وحاشاهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْخَوْفِ مِن مُطْلَقِ الخِيانَةِ؛ بِألّا يُقَسِّمَهُ ﷺ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ؛ وحاشاهُ مِن كُلِّ ذَلِكَ؛ وأمّا المُبادَرَةُ إلى النَّهْبِ لِغَيْرِ هَذا القَصْدِ؛ فَخِفَّةٌ؛ وطَيْشٌ؛ وعَبَثٌ؛ لا يُصَوَّبُ عاقِلٌ إلَيْهِ؛ إذا تَقَرَّرَ هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فَلْيَتَوَكَّلُوا في كَبْتِ العَدُوِّ؛ وتَحْصِيلِ ما مَعَهُ مِنَ الغَنائِمِ؛ فَلا يُقْبِلُوا عَلى ذَلِكَ إقْبالًا يَتَطَرَّقُ مِنهُ احْتِمالٌ لِظَنِّ السَّوْءِ بِهادِيهِمْ في أنْ يَغُلَّ“؛ وهو الَّذِي أخْبَرَهم بِتَحْرِيمِ الغُلُولِ؛ وبِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخِذْلانِ؛ وما نَهى ﷺ قَطُّ عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ؛ وبَعِيدٍ مِنهُ؛ وما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَفْتَحُوا طَرِيقًا إلى هَذا الِاحْتِمالِ؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: ما تَأتّى؛ وما صَحَّ؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ولا عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿لِنَبِيٍّ﴾؛ أيْ: أيِّ نَبِيٍّ كانَ؛ فَضْلًا عَنْ سَيِّدِ الأنْبِياءِ؛ وإمامِ الرُّسُلِ؛ ﴿أنْ يَغُلَّ﴾؛ تَبْشِيعًا لِفِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى هَذا الِاحْتِمالِ؛ زَجْرًا مِن مُعاوَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى تَجْوِيزِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ؛ وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ - غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو - بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ العَيْنِ؛ مَجْهُولًا مِن: ”أغَلَّ“؛ المَعْنى: ”وما كانَ لَهُ وما صَحَّ أنْ يُوجَدَ غالًّا؛ أوْ يُنْسَبَ إلى الغُلُولِ؛ أوْ يُظَنَّ بِهِ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ“؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وحْدَهُ: ”فَلا تَأْتُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِما يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ؛ كالغُلُولِ؛ وما يُدانِيهِ فَتُخْذَلُوا؛ فَإنَّهُ ما كانَ لَكم أنْ تَغُلُّوا“؛ و”ما كانَ“؛ أيْ: ما حَلَّ لِنَبِيٍّ؛ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ قَطُّ؛ أنْ يَغُلَّ؛ أيْ: لَمْ أخُصَّكم بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ؛ بَلْ ما كانَ في شَرْعِ نَبِيٍّ قَطُّ إباحَةُ الغُلُولِ؛ فَلا تَفْعَلُوهُ؛ ولا تُقارِبُوهُ بِنَحْوِ الِاسْتِباقِ إلى النَّهْبِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ كَمالَ التَّوَكُّلِ؛ فَإنَّهُ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ؛ فَيُوجِبَ لَهُ الخِذْلانَ؛ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ - قالَ الهَيْثَمِيُّ - ورِجالُهُ ثِقاتٌ -: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - قالَ: «”بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا؛ فَرُدَّتْ رايَتُهُ؛ ثُمَّ بَعَثَ؛ فَرُدَّتْ؛ ثُمَّ بَعَثَ فَرُدَّتْ بِغُلُولٍ؛ رَأْسِ غَزالٍ مِن ذَهَبٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾“». ولَمّا كانَ فِعْلُهم ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِقَصْدِهِمُ الغُلُولَ؛ ولِخَوْفِهِمْ مِن غُلُولِ غَيْرِهِمْ؛ عَمَّمَ في التَّهْدِيدِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ﴾؛ أيْ: يَقَعْ مِنهُ ذَلِكَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿يَأْتِ بِما غَلَّ …

Aal-i-Imraan 3:161Listen in Qur'an →
162

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

So is one who pursues the pleasure of Allah like one who brings upon himself the anger of Allah and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ظُلْمٌ أصْلًا تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى مَن حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالأمانِيِّ الكاذِبَةِ؛ فَظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِواءِ حالِ المُحْسِنِ؛ وغَيْرِهِ؛ أوْ فَعَلَ فِعْلًا؛ وقالَ قَوْلًا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ كالمُنافِقِينَ؛ وكالمُقْبِلِينَ عَلى الغَنِيمَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾؛ أيْ: طَلَبَ بِجِدٍّ؛ واجْتِهادٍ؛ ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ بِالإقْبالِ عَلى ما أمَرَ بِهِ الصّادِقُ؛ فَصارَ إلى الجَنَّةِ؛ ونِعْمَ الصَّبْرُ؛ ﴿كَمَن باءَ﴾؛ أيْ: رَجَعَ مِن تَصَرُّفِهِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الرِّبْحَ؛ أوْ حَلَّ؛ وأقامَ؛ ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ بِأنْ فَعَلَ ما يَقْتَضِي السُّخْطَ؛ بِالمُخالَفَةِ؛ ثُمَّ الإدْبارِ؛ لَوْلا العَفْوُ؛ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: جَزاءً بِما جَعَلَ أسْبابَ السُّخْطِ مَأْواهُ؛ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾؛ أيْ: هي.

Aal-i-Imraan 3:162Listen in Qur'an →
163

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

They are [varying] degrees in the sight of Allah, and Allah is Seeing of whatever they do.

ولَمّا أفْهَمَ الإنْكارُ عَلى مَن سَوّى بَيْنَ النّاسِ أنَّهم مُتَمايِزُونَ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾؛ أيْ: مُتَبايِنُونَ تَبايُنَ الدَّرَجاتِ؛ ولَمّا كانَ اعْتِبارُ التَّفاوُتِ لَيْسَ بِما عِنْدَ الخَلْقِ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى في حُكْمِهِ؛ وعِلْمِهِ؛ وإنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَلَقَهُمْ؛ فَهو عالِمٌ بِهِمْ حِينَ خَلَقَهُمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أيْ: بِالبَصَرِ؛ والعِلْمِ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إيجادِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا خَلْقُهُ وتَقْدِيرُهُ؛ ولَيْسَ لَهم فِيهِ إلّا نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ بِالكَسْبِ؛ فَهو يُجازِيهِمْ بِحَسَبِ تِلْكَ الأعْمالِ؛ فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ أنَّهُ يُساوِي بَيْنَهم في المَآلِ؛ وقَدْ فاوَتَ بَيْنَهم في الحالِ؛ وهو الحَكَمُ العَدْلُ؟! فَعُلِمَ بِما في هَذا الخِتامِ مِن إحاطَتِهِ بِتَفاصِيلِ الأعْمالِ صِحَّةُ ما ابْتُدِئَ بِهِ الكَلامُ مِنَ التَّوْفِيَةِ.

Aal-i-Imraan 3:163Listen in Qur'an →
164

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

Certainly did Allah confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book and wisdom, although they had been before in manifest error.

ولَمّا أرْشَدَهم إلى هَذِهِ المَراشِدِ؛ وبَيَّنَ لَهم بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ؛ وبانَ بِهَذِهِ القِصَّةِ قَدْرُ مَن أسْدى إلَيْهِمْ ذَلِكَ عَلى لِسانِهِ ﷺ بِما لَهُ مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي مِن أعْظَمِها كَوْنُهُ مِن جِنْسِهِمْ؛ يَمِيلُ إلَيْهِمْ؛ ويَرْحَمُهُمْ؛ ويَعْطِفُ عَلَيْهِمْ؛ فَيَأْلَفُونَهُ؛ فَيُعَلِّمُهُمْ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِيَسْتَمْسِكُوا بِغُرَزِهِ؛ ولا يَلْتَفِتُوا لَحْظَةً عَنْ لُزُومِ هَدْيِهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُؤَكِّدًا لِما اقْتَضاهُ الحالُ مِن فِعْلٍ يَلْزَمُ مِنهُ النِّسْبَةُ إلى الغُلُولِ -: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ خَصَّهُمْ؛ لِأنَّهُمُ المُجْتَبُونَ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾؛ أيْ: فِيما بَيْنَهُمْ؛ أوْ بِسَبَبِهِمْ؛ ﴿رَسُولا﴾ وزادَهم رَغْبَةً فِيهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: نَوْعًا؛ وصِنْفًا؛ يَعْلَمُونَ أمانَتَهُ؛ وصِيانَتَهُ؛ وشَرَفَهُ؛ ومَعالِيَهُ؛ وطَهارَتَهُ؛ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ وبَعْدَها؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾؛ أيْ: فَيَمْحُو بِبَرَكَةِ نَفْسِ التِّلاوَةِ كَبِيرًا مِن شَرِّ الجانِّ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا ورَدَ في مَنافِعِ القُرْآنِ؛ مِمّا عَرَفْناهُ؛ وما لَمْ نَعْرِفْهُ أكْثَرُ؛ ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾؛ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن أوَضارِ الدُّنْيا؛ والأوْزارِ؛ بِما يَفْهَمُهُ بِفَهْمِهِ الثّاقِبِ؛ مِن دَقائِقِ الإشاراتِ؛ وبَواطِنِ العِباراتِ؛ وقَدَّمَ التَّزْكِيَةَ لِاقْتِضاءِ مَقامِ المُعاتَبَةِ عَلى الإقْبالِ عَلى الغَنِيمَةِ ذَلِكَ؛ كَما مَضى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ: تِلاوَةً؛ بِكَوْنِهِ مِن نَوْعِهِمْ؛ يَلَذُّ لَهُمُ التَّلَقِّي مِنهُ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ تَفْسِيرًا؛ وإبانَةً؛ وتَحْرِيرًا؛ ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا﴾؛ ولَمّا كانُوا قَدْ مَرَّتْ لَهم أزْمانٌ وهم عَلى دِينِ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ؛ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أيْ: ظاهِرٍ؛ وهو مِن شِدَّةِ ظُهُورِهِ كالَّذِي يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِإيضاحِ لَبْسِهِ؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَّمَهم مِنَ الحِكْمَةِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما أوْجَبَ نُصْرَتَهم في أوَّلِ النَّهارِ؛ فَلَمّا خالَفُوهُ حَصَلَ الخِذْلانُ.

Aal-i-Imraan 3:164Listen in Qur'an →
165

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uhud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves." Indeed, Allah is over all things competent.

ولَمّا أزالَ شُبْهَةَ النِّسْبَةِ إلى الغُلُولِ بِحَذافِيرِها؛ وأثْبَتَ ما لَهُ مِن أضْدادِها؛ مِن مَعالِي الشِّيَمِ؛ وشَمائِلِ الكَرَمِ؛ صَوَّبَ إلى شُبْهَةِ قَوْلِهِمْ: ”لَوْ كانَ رَسُولًا ما انْهَزَمَ أصْحابُهُ عَنْهُ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أوَلَمّا﴾؛ أيْ: أتَرَكْتُمْ ما أرْشَدَكم إلَيْهِ الرَّسُولَ الكَرِيمَ؛ الحَلِيمُ؛ العَلِيمُ؛ الحَكِيمُ؟ ولَمّا ﴿أصابَتْكُمْ﴾؛ أيْ: في هَذا اليَوْمِ ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ لِمُخالَفَتِكم لِأمْرِهِ؛ وإعْراضِكم عَنْ إرْشادِهِ؛ ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾؛ أيْ: في ”بَدْرٍ“؛ وأنْتُمْ في لِقاءِ العَدُوِّ؛ وكَأنَّما تُساقُونَ إلى المَوْتِ؛ عَلى الضِّدِّ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِامْتِثالِكم لِأمْرِهِ؛ وقَبُولِكم لِنُصْحِهِ؛ ﴿قُلْتُمْ أنّى﴾؛ مِن أيْنَ؟ وكَيْفَ أصابَنا ﴿هَذا﴾ ؟ أيْ: بَعْدَ وعْدِنا النَّصْرَ؛ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ الوَعْدَ كانَ مُقَيَّدًا بِالصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وقَدْ تَرَكْتُمُ المَرْكَزَ؛ وأقْبَلْتُمْ عَلى الغَنائِمِ قَبْلَ الأمْرِ بِهِ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ ذَلِكَ بِاخْتِيارِهِمُ الفِداءَ يَوْمَ ”بَدْرٍ“؛ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]؛ وأباحَ لَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - الفِداءَ بَعْدَ أنْ عاتَبَهُمْ؛ وشَرَطَ عَلَيْهِمْ إنِ اخْتارُوهُ أنْ يُقْتَلَ مِنهم في العامِ المُقْبِلِ بِعَدِّ الأسْرى؛ فَرَضُوا؛ وقالُوا: نَسْتَعِينُ بِما نَأْخُذُهُ مِنهم عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ نُرْزَقُ الشَّهادَةَ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والخِذْلانِ؛ ونَصْبِ أسْبابِ كُلٍّ مِنهُما؛ ﴿قَدِيرٌ﴾ وقَدْ وعَدَكم بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في العامِ الماضِي؛ حِينَ خَيَّرَكم فاخْتَرْتُمُ الفِداءَ؛ وخالَفَ مَن خالَفَ مِنكُمُ الآنَ؛ فَكانَ ذِكْرُ المُصِيبَةِ الَّتِي كانَ سَبَبُها مُخالَفَةَ ما رَتَّبَهُ ﷺ؛ بَعْدَ خَتْمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِالتَّذْكِيرِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ؛ عَلى ما تَرى مِنَ البَلاغَةِ.

Aal-i-Imraan 3:165Listen in Qur'an →
166

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And what struck you on the day the two armies met was by permission of Allah that He might make evident the [true] believers.

ولَمّا كانَتْ نِسْبَةُ المُصِيبَةِ إلَيْهِمْ رُبَّما أوْهَمَتْ مَن لَمْ تَرْسَخْ قَدَمُهُ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ أنَّ بَعْضَ الأفْعالِ خارِجٌ عَمّا مُرادُهُ ( تَعالى)؛ قالَ: ﴿وما أصابَكُمْ﴾؛ ولَمّا اسْتَغْرَقَتِ الحَرْبُ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَعَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾؛ أيْ: حِزْبُ اللَّهِ؛ وحِزْبُ الشَّيْطانِ؛ في ”أُحُدٍ“؛ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِ مَن لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ؛ وقَضائِهِ؛ وإثْباتُ أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ نَحْوُ ما ذَكَرَ عِنْدَ التَّوْلِيَةِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ؛ مِن نِسْبَةِ الإحْياءِ؛ والإماتَةِ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيُؤَدِّبَكم بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ؛

Aal-i-Imraan 3:166Listen in Qur'an →
167

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allah or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] fighting, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allah is most Knowing of what they conceal -

ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى حِدَتِهِ أتَمَّ وآكَدَ مِن تَعْلِيقِهِ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ؛ أعادَ العامِلَ لِذَلِكَ؛ وإشْعارًا بِأنَّ أهْلَ النِّفاقِ أسْفَلُ رُتْبَةً مِن أنْ يَجْتَمِعُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ في شَيْءٍ؛ فَقالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾؛ أيْ: عِلْمًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِكُمْ؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ وعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نافَقُوا﴾؛ ما أظْهَرَ نِفاقَهُمْ؛ أوْ يَكُونُ حالًا مِن فاعِلِ ”نافَقُوا“؛ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾؛ أيْ: أوْجِدُوا القِتالَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ الرَّبِّ الَّذِي شَرَعَهُ؛ ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾؛ أيْ: عَنْ أنْفُسِكُمْ؛ وأحِبّائِكُمْ؛ عَلى عادَةِ النّاسِ؛ لا سِيَّما العَرَبَ؛ ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: نَتَيَقَّنُ؛ ﴿قِتالا﴾؛ أيْ: أنَّهُ يَقَعُ قِتالٌ؛ ﴿لاتَّبَعْناكُمْ﴾؛ أيْ: لَكِنَّهُ لا يَقَعُ فِيما نَظُنُّ قِتالٌ؛ ورَجَعُوا.

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى هَذا القَوْلِ ظاهِرًا في نِفاقِهِمْ؛ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ هَذا حالُهُمْ؛ ﴿أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾؛ عِنْدَ كُلِّ مَن سَمِعِ قَوْلَهُمْ؛ أوْ رَأى فِعْلَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ أوِ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِالأفْواهِ الَّتِي مِنها ما هو أبْعَدُ مِنَ اللِّسانِ؛ لِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ؛ فَقَوْلُهم إلى أصْواتِ الحَيَوانِ أقْرَبُ مِنهُ إلى كَلامِ الإنْسانِ؛ ذِي العَقْلِ واللِّسانِ؛ لِأنَّهم -: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾؛ ولَمّا أفْهَمُ هَذا أنَّهُ لا يُجاوِزُ ألْسِنَتَهم فَلا حَقِيقَةَ لَهُ؛ ولا ثَباتَ عِنْدَهُمْ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾؛ بَلْ لا شَكَّ عِنْدَهم في وُقُوعِ القِتالِ؛ عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنهُمْ؛ كَما عَلِمُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿بِما يَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ؛ وهم لا يَعْلَمُونَهُ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ؛ وإذا كانَ نَسُوهُ بِتَطاوُلِ الزَّمانِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لا يَنْساهُ.

Aal-i-Imraan 3:167Listen in Qur'an →
168

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

ولَمّا حَكى عَنْهم ما لا يَقُولُهُ ذُو إيمانٍ؛ أتْبَعَهُ ما لا يَتَخَيَّلُهُ ذُو مُرُوَّةٍ؛ ولا عِرْفانٍ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلَّذِينِ نافَقُوا -: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إخْوانِهِمْ؛ والحالُ أنَّهم قَدْ أسْلَمُوهُمْ؛ ﴿وقَعَدُوا﴾؛ أيْ: عَنْهُمْ؛ خِذْلانًا لَهُمْ؛ ﴿لَوْ أطاعُونا﴾؛ أيْ: في الرُّجُوعِ؛ ﴿ما قُتِلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لِلْغَضَبِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِإعْراضِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأجانِبِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ الغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِي؛ لِما تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا مِنَ ادِّعاءِ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ المَوْتِ؛ ﴿فادْرَءُوا﴾؛ أيْ: ادْفَعُوا بِعِزٍّ؛ ومَنعَةٍ؛ ومَيِّلُوا؛ ﴿عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾؛ أيْ: حَتّى لا يَصِلَ إلَيْكم أصْلًا؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّ المَوْتَ يُغْنِي مِنهُ حَذَرٌ؛ فَقَدِ انْتَظَمَ الكَلامُ بِما قَبْلَ الجُمْلَةِ الواعِظَةِ أتَمَّ انْتِظامٍ؛ عَلى أنَّهُ قَدْ لاحَ لَكَ أنَّ مُلاءَمَةَ الجُمَلِ الواعِظَةِ لِما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ لَيْسَ بِدُونِ مُلاءَمَةِ ما قَبْلَها مِن صُلْبِ القِصَّةِ؛ لِما بَعْدَها مِنهُ.

Aal-i-Imraan 3:168Listen in Qur'an →
169

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

And never think of those who have been killed in the cause of Allah as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

ولَمّا أزاحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - العِلَلَ؛ وشَفى الغَلَلَ؛ وخَتَمَ بِأنَّهُ لا مَفَرَّ مِنَ القَدْرِ؛ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ أهْلِ الإيمانِ إلّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الأسَفِ عَلى فَقْدِ الإخْوانِ؛ وكانَ سُرُورُ المَفْقُودِ يُبْرِدُ غِلَّةُ المَوْجُودُ؛ بَشَّرَهم بِحَياتِهِمْ؛ وما نالُوهُ مِن لَذّاتِهِمْ؛ ولَمّا كانَ العَرَبُ بِعِيدِينَ قَبْلَ الإسْلامِ مِنَ اعْتِقادِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ؛ خاطَبَ الَّذِي لا رَيْبَ في عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ”قُلْ“؛ مُحَبِّبًا في الجِهادِ؛ إزالَةً لِما بَغَّضَهُ بِهِ المُنافِقُونَ مِن أنَّهُ سَبَبُ المَوْتِ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾؛ أيْ: وقَعَ لَهُمُ القَتْلُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِهِ؛ ﴿أمْواتًا﴾؛ أيْ: الآنَ؛ ﴿بَلْ﴾؛ هم ﴿أحْياءٌ﴾؛ وبَيَّنَ زِيادَةَ شَرَفِهِمْ؛ مُعَبِّرًا عَنْ تَقَرُّبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ؛ فَكَيْفَ في حالِ قَتْلِهِمْ فِيهِ؟ حَياةً لَيْسَتْ كالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَحَقَّقَ حَياتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؛ أيْ: رِزْقًا يَلِيقُ بِحَياتِهِمْ؛

Aal-i-Imraan 3:169Listen in Qur'an →
170

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Rejoicing in what Allah has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ مِن ذَلِكَ الفَوْزِ الكَبِيرِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ حاسَبَهم عَلى أقَلِّ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ لَمْ تُوَفَّ جَمِيعُ أعْمالِهِمْ بِها؛ لَأنَّ أعْمالَهم مِن نِعَمِهِ؛ فَأعْلَمَنا - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا؛ تَسْلِيَةً؛ وحُسْنَ تَعْزِيَةٍ أنْ لَمْ يَفُتْ مِنهم إلّا حَياةُ الكَدَرِ الَّتِي لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في بَقائِها؛ وإنْ طالَ المَدى؛ وبَقِيَتْ لَهم حَياةُ الصَّفاءِ الَّتِي لا انْفِكاكَ لَها؛ ولا آخِرَ لِنَعِيمِها؛ بِغَمٍّ يَلْحَقُهُمْ؛ ولا فِتْنَةٍ تَنالُهُمْ؛ ولا حُزْنٍ يَعْتَرِيهِمْ؛ ولا دَهْشٍ يُلِمُّ بِهِمْ في وقْتِ الحَشْرِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا غَفْلَةَ لَهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِحُزْنِ مَن خَلَّفُوهُ؛ ومُرَغِّبًا لَهم في الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ وهَذا - واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ - مَعْنى الشَّهادَةِ؛ أيْ: إنَّهم لَيْسَتْ لَهم حالُ غَيْبَةٍ؛ لِأنَّ دائِمَ الحَياةِ بِلا كَدَرٍ أصْلًا كَذَلِكَ.

Aal-i-Imraan 3:170Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.