Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ الناصِرِينَ﴾ ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ﴾

الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَبَّنُوا المُسْلِمِينَ وقالُوا في أمْرِ أُحُدٍ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُهْزَمْ، والَّذِينَ قالُوا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، إلى نَحْوِ هَذِهِ الأقْوالِ، ثُمَّ اللَفْظُ يَقْتَضِي كُلَّ كافِرٍ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عن طاعَتِهِمْ. و"بَلِ" تَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ ودُخُولٌ في غَيْرِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهَذا تَثْبِيتٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ" "بَلِ اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَنُلْقِي" اسْتِعارَةٌ، إذْ حَقِيقَةُ الإلْقاءِ إنَّما هي في الأجْرامِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎ هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "سَنُلْقِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ: "سَيُلْقِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى "هُوَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ الباقُونَ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ. وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عُنُقٌ وعُنْقٌ وكِلاهُما حَسَنٌ فَصِيحٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ بِالكُفّارِ؛ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وقالَ: انْظُرِ القَوْمَ، فَإنْ كانُوا قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ ورَكِبُوا الإبِلَ فَهم مُتَشَمِّرُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى الخَيْلِ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فَمَضى عَلِيٌّ فَرَآهم قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَسُرَّ وسُرَّ المُسْلِمُونَ. ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَّزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ يُرِيهِ الجَلَدَ، فَبَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ؛ وإنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أحِينَ قَتَلْناهم وهَزَمْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَرِيدُ نَنْصَرِفُ عنهُمُ؟ ارْجِعْ بِنا إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ قَدْ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو عَلى كُفْرِهِ، إلّا أنَّ خُزاعَةَ كُلَّها كانَتْ تَمِيلُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: واللهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ ساءَنا ما أصابَكَ؛ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ. فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والناسُ بِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنَ الانْصِرافِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَخَّرَ اللهُ ذَلِكَ الرَجُلَ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ، وألْقى بِسَبَبِهِ الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الخَبَرَ رَكِبَ حَتّى لَحِقَ بِأبِي سُفْيانَ بِالرَوْحاءِ، وقُرَيْشٌ قَدْ أجْمَعُوا الرَجْعَةَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وأصْحابِهِ، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ، قَدِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَن كانَ تَخَلَّفَ عنهُ، ونَدِمُوا عَلى ما …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مِن يُرِيدُ الدُنْيا ومِنكم مِن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عنهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عنكم واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾

جاءَتِ المُخاطَبَةُ في هَذِهِ الآياتِ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الأُمُورُ الَّتِي عاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى عَلَيْها لَمْ يَقَعْ فِيها جَمِيعُهُمْ، ولِذَلِكَ وُجُوهٌ مِنَ الفَصاحَةِ: مِنها وعْظُ الجَمِيعِ وزَجْرُهُ، إذْ مَن لَمْ يَفْعَلْ مُعَدٌّ أنْ يَفْعَلَ إنْ لَمْ يُزْجَرْ، ومِنها السَتْرُ والإبْقاءُ عَلى مَن فَعَلَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ النَصْرَ يَوْمَئِذٍ، عَلى خَبَرِ اللهِ تَعالى إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فَصَدَقَ اللهُ الوَعْدَ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صافَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ورَتَّبَ الرُماةَ، عَلى ما قَدْ ذَكَرْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَبارَزَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أبا سَعْدِ بْنَ أبِي طَلْحَةَ وهو صاحِبُ لِواءِ المُشْرِكِينَ، وحَمَلَ الزُبَيْرُ وأبُو دُجانَةَ فَهَزّا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، ونَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ، فَأبْلى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعاصِمُ بْنُ أبِي الأقْلَحِ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ وقُتِلَ مِنهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾. والحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيعُ، يُقالُ حَسَّهم إذا اسْتَأْصَلَهم قَتْلًا، وحَسَّ البَرْدُ النَباتَ، وقالَ رُؤْبَةُ:

؎ إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسًا تَأْكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ اليَبِيسا

قالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحاسَّةِ، والمَعْنى في حَسَّ: أفْسَدَ الحَواسَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ. والإذْنُ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِالمُمَكَّنِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "حَتّى" غايَةً مُجَرَّدَةً، كَأنَّهُ قالَ: إلى أنْ فَشِلْتُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ "إذا" بِمَعْنى "إذْ" لِأنَّ الأمْرَ قَدْ كانَ تَقَضّى، وإنَّما هي حِكايَةُ حالٍ، فَتَسْتَغْنِي "إذا" عَلى هَذا النَظَرِ عن جَوابٍ، والأظْهَرُ الأقْوى أنَّ "إذا" عَلى بابِها تَحْتاجُ إلى الجَوابِ، وتَكُونُ "حَتّى" كَأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ عَلى نَحْوِ دُخُولِها عَلى الجُمَلِ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "إذا"، فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: "تَنازَعْتُمْ"، والواوُ زائِدَةٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الجَوابُ قَوْلُهُ: "صَرَفَكُمْ" و"ثُمَّ" زائِدَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ لا يُشْبِهُ نَظَرَ أبِي عَلِيٍّ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وفُرْسانِ الصِناعَةِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: انْهَزَمْتُمْ ونَحْوُهُ. والفَشَلُ: اسْتِشْعارُ العَجْزِ وتَرْكُ الجِدِّ، وهَذا مِمّا فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ قَوْمٌ. والتَنازُعُ هو الَّذِي وقَعَ بَيْنَ الرُماةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، ألْحِقُونا بِالمُسْلِمِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَثْبُتُ كَما أُمِرْنا. و"عَصَيْتُمْ" عِبارَةٌ عن ذَهابِ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُماةِ حَتّى تَمَكَّنَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِن غِرَّةِ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ يَعْنِي مِن هَزْمِ القَوْمِ، قالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾

العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "عَفا".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " تُصْعِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَدَ ومَعْناهُ: ذَهَبَ في الأرْضِ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والصَعِيدُ، وجْهُ الأرْضِ، وصُعْدَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ، فَأصْعَدَ مَعْناهُ: دَخَلَ في الصَعِيدِ، كَما أنَّ أصْبَحَ دَخَلَ في الصَباحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والعَرَبُ تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ وغَيْرِها، إذا اسْتَقْبَلُوا سَفَرًا بَعِيدًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِحادِي الإبِلِ:

؎ قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلى الإصْعادِ فالآنَ صَرَّحْتِ وصاحَ الحادِي

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ واليَزِيدِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "إذْ تَصْعَدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ، مِن صَعِدَ إذا عَلا، والمَعْنى بِهَذا صُعُودٌ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَلْوُونَ" مُبالَغَةٌ في صِفَةِ الِانْهِزامِ، وهو كَما قالَ دُرَيْدٌ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ وهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ........................ ∗∗∗ أخُو الجُهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: "إذْ يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ" بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغَيْبِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلا تَلْؤُونَ" بِهَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذِهِ لُغَةٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "وَلا تَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وواوٍ واحِدَةٍ، وهي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى لُغَةٍ مِن هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ الساكِنَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تُلْوُونَ" بِضَمِّ التاءِ، مِن ألْوى وهي لُغَةٌ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "عَلى أُحُدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يُرِيدُ الجَبَلَ، والمَعْنِيُّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الجَبَلِ، والقِراءَةُ الشَهِيرَةُ أقْوى لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ الناسُ عنهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُنادِي: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ"،» والناسُ يَفِرُّونَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو مَوْقِفُ الأبْطالِ في أعْقابِ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ الزَبِيرِ بْنِ باطا: "ما فَعَلَ مُقَدِّمَتُنا إذْ حَمَلْنا وَحامِيَتُنا إذْ فَرَرْنا"، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أشْجَعَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: "كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأثابَكُمْ" مَعْناهُ: جازاكم عَلى صَنِيعِكُمْ، وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ القائِمُ في هَذِهِ النازِلَةِ مَقامَ الثَوابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ:

؎ ........................ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

وكَقَوْلِ الآخَرِ:

؎ أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا

فَجَعَلَ القُيُودَ والسِياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةً: بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ. …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾

العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "عَفا".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " تُصْعِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَدَ ومَعْناهُ: ذَهَبَ في الأرْضِ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والصَعِيدُ، وجْهُ الأرْضِ، وصُعْدَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ، فَأصْعَدَ مَعْناهُ: دَخَلَ في الصَعِيدِ، كَما أنَّ أصْبَحَ دَخَلَ في الصَباحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والعَرَبُ تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ وغَيْرِها، إذا اسْتَقْبَلُوا سَفَرًا بَعِيدًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِحادِي الإبِلِ:

؎ قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلى الإصْعادِ فالآنَ صَرَّحْتِ وصاحَ الحادِي

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ واليَزِيدِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "إذْ تَصْعَدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ، مِن صَعِدَ إذا عَلا، والمَعْنى بِهَذا صُعُودٌ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَلْوُونَ" مُبالَغَةٌ في صِفَةِ الِانْهِزامِ، وهو كَما قالَ دُرَيْدٌ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ وهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ........................ ∗∗∗ أخُو الجُهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: "إذْ يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ" بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغَيْبِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلا تَلْؤُونَ" بِهَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذِهِ لُغَةٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "وَلا تَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وواوٍ واحِدَةٍ، وهي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى لُغَةٍ مِن هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ الساكِنَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تُلْوُونَ" بِضَمِّ التاءِ، مِن ألْوى وهي لُغَةٌ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "عَلى أُحُدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يُرِيدُ الجَبَلَ، والمَعْنِيُّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الجَبَلِ، والقِراءَةُ الشَهِيرَةُ أقْوى لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ الناسُ عنهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُنادِي: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ"،» والناسُ يَفِرُّونَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو مَوْقِفُ الأبْطالِ في أعْقابِ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ الزَبِيرِ بْنِ باطا: "ما فَعَلَ مُقَدِّمَتُنا إذْ حَمَلْنا وَحامِيَتُنا إذْ فَرَرْنا"، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أشْجَعَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: "كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأثابَكُمْ" مَعْناهُ: جازاكم عَلى صَنِيعِكُمْ، وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ القائِمُ في هَذِهِ النازِلَةِ مَقامَ الثَوابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ:

؎ ........................ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

وكَقَوْلِ الآخَرِ:

؎ أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا

فَجَعَلَ القُيُودَ والسِياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةً: بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ. …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللهُ عنهم إنَّ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ ؟ فَقالَ الفارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِها جَمِيعُ مَن تَوَلّى ذَلِكَ اليَوْمَ عَنِ العَدُوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ عَلى جَمِيعِ أنْحاءِ التَوَلِّي الَّذِي لَمْ يَكُنْ تَحَرُّفًا لِقِتالٍ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: خَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَرَأ [آلَ عِمْرانَ]، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمْنا فَفَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنِّي أرْوى، والناسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها. قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في كُلِّ مَن فَرَّ بِتَخْوِيفِ الشَيْطانِ وخَدْعِهِ، وعَفا اللهُ عنهم هَذِهِ الزَلَّةَ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَبِيِّ يَوْمَئِذٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ، أبُو طَلْحَةَ وغَيْرُهُ. وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ المُسْلِمُونَ عن حَمْلَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ صَعِدَ قَوْمٌ الجَبَلَ، وفَرَّ آخَرُونَ حَتّى أتَوُا المَدِينَةَ، فَذَكَرَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا إلى المَدِينَةِ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

جَعَلَ الفِرارَ إلى الجَبَلِ تَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن فَرَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِرارًا كَثِيرًا، مِنهم رافِعُ بْنُ المُعَلّى، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ ورَجُلٌ آخَرُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «فَرَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُقْبَةُ بْنُ عُثْمانَ وأخُوهُ سَعْدٌ، ورَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ زُرَقِيّانِ، حَتّى بَلَغُوا الجَعْلَبَ، -جَبَلٌ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأعْوَصَ- فَأقامُوا بِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ لَهُمْ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً".» قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلا أدْرِي هَلْ عَفا عن هَذِهِ الطائِفَةِ خاصَّةً أمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؟ واسْتَزَلَّ مَعْناهُ: طَلَبَ مِنهم أنْ يَزِلُّوا، لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" ظاهِرُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَتْ لَهم ذُنُوبٌ عاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْها بِتَمْكِينِ الشَيْطانِ مِنِ اسْتِزْلالِهِمْ، وبِخَلْقِ ما اكْتَسَبُوهُ أيْضًا هم مِنَ الفِرارِ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: إنَّ الشَيْطانَ ذَكَّرَهم بِذُنُوبٍ لَهم مُتَقَدِّمَةٍ، فَكَرِهُوا المَوْتَ قَبْلَ التَوْبَةِ مِنها والإقْلاعِ عنها، قالَ المَهْدَوِيُّ: بِما اكْتَسَبُوا مِن حُبِّ الغَنِيمَةِ والحِرْصِ عَلى الحَياةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" إلى هَذِهِ العِبْرَةِ، أيْ: كانَ لِلشَّيْطانِ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ اسْتِزْلالٌ …

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أو كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ الفاسِدِ، الَّذِي هو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها ومَن قاتَلَ فَقُتِلَ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ فِيهِ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ أو لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو نَحْوٌ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِإخْوانِهِمْ" هي أُخُوَّةُ نَسَبٍ، لِأنَّ قَتْلى أُحُدٍ كانُوا مِنَ الأنْصارِ، أكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةً، وصَرَّحَ بِهَذِهِ المَقالَةِ -فِيما ذَكَرَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما- عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: بَلْ قالَها جَمِيعُ المُنافِقِينَ، ودَخَلَتْ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ "الَّذِينَ" اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةُ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، ويَطَّرِدُ النَهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيها، فَوُضِعَتْ "إذا" لِتَدُلَّ عَلى اطِّرادِ الأمْرِ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ﴾ [يونس: ٢٥] إلى نَحْوِها مِنَ الآياتِ، وكَما قالَتْ:

وفِينا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدِ

كَما أنَّ فائِدَةَ وضْعِهِمُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ الأمْرِ، لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي مُتَحَقِّقَةُ الوُقُوعِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ

وَمِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ:

؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

والضَرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ في السَيْرِ، ومِنهُ: ضَرَبَ الدَهْرُ ضَرَبانَهُ. إذا بَعُدَتِ المُدَّةُ. وضَرْبُ الأرْضِ: هو الذَهابُ فِيها لِحاجَةِ الإنْسانِ خاصَّةً بِسُقُوطِ "فِي"، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: الضَرْبُ في الأرْضِ: السَيْرُ في التِجارَةِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: بَلْ هو السَيْرُ في جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ ورَسُولِهِ، والضَرْبُ في الأرْضِ يَعُمُّ القَوْلَيْنِ. و"غُزّىً": جَمْعُ غازٍ، وزْنُهُ - فُعَّلٌ- بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ، كَشاهِدٍ وشُهَّدٍ وقائِلٍ وقُوَّلٍ، ويُنْشَدُ بَيْتُ رُؤْبَةَ.

؎ فالآنَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ∗∗∗ وأولُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَفَّهِ ∗∗∗ وقُوَّلٌ إلّا دَهٍ فَلا دَهِ.

يُرِيدُ إنْ لَمْ تَتُبِ الآنَ فَلا تَتُوبُ أبَدًا، وهو مِثْلُ مَعْناهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ كَذا فَلا يَكُونُ كَذا، وقَدْ رُوِيَ: وقَوْلُهم إلّا دَهٍ فَلا دَهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: لا يَدْخُلُ "غُزّىً" الجَرُّ ولا الرَفْعُ. وقَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ بِتَشْدِيدِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ والزُهْرِيُّ: "غُزىً" مُخَفَّفَةَ الزايِ، ووَجْهُهُ إمّا أنْ يُرِيدَ غُزاةً، فَحَذَفَ الهاءَ إخْلادًا إلى لُغَةِ مَن يَقُولُ "غُزّىً" بِالتَشْدِيدِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَمْدَحُ الكِسائِيَّ:

؎ أبى الذَمَّ أخْلاقُ الكِسائِيِّ وانْتَمى بِهِ ∗∗∗ المَجْدَ …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنَ حَوْلِكَ﴾

اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَمَغْفِرَةٌ" هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، والتَقْدِيرُ: واللهِ لَمَغْفِرَةٌ.

وتَرَتَّبَ المَوْتُ قَبْلَ القَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] مُراعاةً لِرُتْبَةِ الضَرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، فَقَدَّمَ المَوْتَ الَّذِي هو بِإزاءِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، وهو الضَرْبُ، وقَدَّمَ القَتْلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ، والمَعْنى: أو مُتُّمْ في سَبِيلِ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُكم عَلى اللهِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَوْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ﴾ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وآيَةُ تَزْهِيدٍ في الدُنْيا والحَياةِ. والمَوْتُ المَذْكُورُ فِيها هو مَوْتٌ عَلى الإطْلاقِ في السَبِيلِ وفي المَنزِلِ وكَيْفَ كانَ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ وأنَّهُ الأغْلَبُ في الناسِ مِنَ القَتْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ و"مِتْنا" و"مِتَّ" بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ ضَمَّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ ضَمَّ المِيمِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ: "أو مُتُّمْ" "وَلَئِنْ مُتُّمْ" " فَقَطْ، وكَسْرَ المِيمِ حَيْثُ ما وقَعَتْ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمُّ المِيمِ هو الأشْهَرُ والأقْيَسُ، مُتَّ تَمُوتُ مِثْلُ: قُلْتَ تَقُولُ وطُفْتَ تَطُوفُ، والكَسْرُ شاذٌّ في القِياسِ وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا، ولَيْسَ كَما شَذَّ قِياسًا واسْتِعْمالًا كَشُذُوذِ اليَجَدَّعِ ونَحْوِهِ، ونَظِيرُ مِتَّ تَمُوتُ بِكَسْرِ المِيمِ: فَضِلَ بِكَسْرِ الضادِ يَفْضُلُ في الصَحِيحِ وأنْشَدُوا:

؎ ذَكَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِبابِ ابْنِ عامِرٍ وما مَرَّ مِن عُمْرِي ذَكَرْتُ وما فَضِلْ

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَغْفِرَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "وَرَحْمَةٌ" عَطْفٌ عَلى المَغْفِرَةِ و"خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: المَغْفِرَةُ والرَحْمَةُ اللاحِقَةُ عَنِ القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ، فَجاءَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ غَيْرَ مُعَرَّفٍ إشارَةً بَلِيغَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ، وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" صِفَةٌ لِخَبَرِ الِابْتِداءِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ وهي أشْكَلُ بِالكَلامِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عن حَفْصٍ: "يَجْمَعُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى: مِمّا يَجْمَعُهُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحَشْرَ إلَيْهِ، وأنَّهُ غايَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُتِلَ أو ماتَ. وفي الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا وحَضٌّ عَلى طَلَبِ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الحَشْرُ في كِلا الأمْرَيْنِ …

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنَ حَوْلِكَ﴾

اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَمَغْفِرَةٌ" هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، والتَقْدِيرُ: واللهِ لَمَغْفِرَةٌ.

وتَرَتَّبَ المَوْتُ قَبْلَ القَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] مُراعاةً لِرُتْبَةِ الضَرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، فَقَدَّمَ المَوْتَ الَّذِي هو بِإزاءِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، وهو الضَرْبُ، وقَدَّمَ القَتْلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ، والمَعْنى: أو مُتُّمْ في سَبِيلِ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُكم عَلى اللهِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَوْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ﴾ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وآيَةُ تَزْهِيدٍ في الدُنْيا والحَياةِ. والمَوْتُ المَذْكُورُ فِيها هو مَوْتٌ عَلى الإطْلاقِ في السَبِيلِ وفي المَنزِلِ وكَيْفَ كانَ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ وأنَّهُ الأغْلَبُ في الناسِ مِنَ القَتْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ و"مِتْنا" و"مِتَّ" بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ ضَمَّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ ضَمَّ المِيمِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ: "أو مُتُّمْ" "وَلَئِنْ مُتُّمْ" " فَقَطْ، وكَسْرَ المِيمِ حَيْثُ ما وقَعَتْ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمُّ المِيمِ هو الأشْهَرُ والأقْيَسُ، مُتَّ تَمُوتُ مِثْلُ: قُلْتَ تَقُولُ وطُفْتَ تَطُوفُ، والكَسْرُ شاذٌّ في القِياسِ وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا، ولَيْسَ كَما شَذَّ قِياسًا واسْتِعْمالًا كَشُذُوذِ اليَجَدَّعِ ونَحْوِهِ، ونَظِيرُ مِتَّ تَمُوتُ بِكَسْرِ المِيمِ: فَضِلَ بِكَسْرِ الضادِ يَفْضُلُ في الصَحِيحِ وأنْشَدُوا:

؎ ذَكَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِبابِ ابْنِ عامِرٍ وما مَرَّ مِن عُمْرِي ذَكَرْتُ وما فَضِلْ

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَغْفِرَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "وَرَحْمَةٌ" عَطْفٌ عَلى المَغْفِرَةِ و"خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: المَغْفِرَةُ والرَحْمَةُ اللاحِقَةُ عَنِ القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ، فَجاءَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ غَيْرَ مُعَرَّفٍ إشارَةً بَلِيغَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ، وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" صِفَةٌ لِخَبَرِ الِابْتِداءِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ وهي أشْكَلُ بِالكَلامِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عن حَفْصٍ: "يَجْمَعُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى: مِمّا يَجْمَعُهُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحَشْرَ إلَيْهِ، وأنَّهُ غايَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُتِلَ أو ماتَ. وفي الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا وحَضٌّ عَلى طَلَبِ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الحَشْرُ في كِلا الأمْرَيْنِ …

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنَ حَوْلِكَ﴾

اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَمَغْفِرَةٌ" هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، والتَقْدِيرُ: واللهِ لَمَغْفِرَةٌ.

وتَرَتَّبَ المَوْتُ قَبْلَ القَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] مُراعاةً لِرُتْبَةِ الضَرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، فَقَدَّمَ المَوْتَ الَّذِي هو بِإزاءِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، وهو الضَرْبُ، وقَدَّمَ القَتْلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ، والمَعْنى: أو مُتُّمْ في سَبِيلِ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُكم عَلى اللهِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَوْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ﴾ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وآيَةُ تَزْهِيدٍ في الدُنْيا والحَياةِ. والمَوْتُ المَذْكُورُ فِيها هو مَوْتٌ عَلى الإطْلاقِ في السَبِيلِ وفي المَنزِلِ وكَيْفَ كانَ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ وأنَّهُ الأغْلَبُ في الناسِ مِنَ القَتْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ و"مِتْنا" و"مِتَّ" بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ ضَمَّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ ضَمَّ المِيمِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ: "أو مُتُّمْ" "وَلَئِنْ مُتُّمْ" " فَقَطْ، وكَسْرَ المِيمِ حَيْثُ ما وقَعَتْ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمُّ المِيمِ هو الأشْهَرُ والأقْيَسُ، مُتَّ تَمُوتُ مِثْلُ: قُلْتَ تَقُولُ وطُفْتَ تَطُوفُ، والكَسْرُ شاذٌّ في القِياسِ وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا، ولَيْسَ كَما شَذَّ قِياسًا واسْتِعْمالًا كَشُذُوذِ اليَجَدَّعِ ونَحْوِهِ، ونَظِيرُ مِتَّ تَمُوتُ بِكَسْرِ المِيمِ: فَضِلَ بِكَسْرِ الضادِ يَفْضُلُ في الصَحِيحِ وأنْشَدُوا:

؎ ذَكَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِبابِ ابْنِ عامِرٍ وما مَرَّ مِن عُمْرِي ذَكَرْتُ وما فَضِلْ

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَغْفِرَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "وَرَحْمَةٌ" عَطْفٌ عَلى المَغْفِرَةِ و"خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: المَغْفِرَةُ والرَحْمَةُ اللاحِقَةُ عَنِ القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ، فَجاءَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ غَيْرَ مُعَرَّفٍ إشارَةً بَلِيغَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ، وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" صِفَةٌ لِخَبَرِ الِابْتِداءِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ وهي أشْكَلُ بِالكَلامِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عن حَفْصٍ: "يَجْمَعُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى: مِمّا يَجْمَعُهُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحَشْرَ إلَيْهِ، وأنَّهُ غايَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُتِلَ أو ماتَ. وفي الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا وحَضٌّ عَلى طَلَبِ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الحَشْرُ في كِلا الأمْرَيْنِ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاعْفُ عنهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرْكُمُ مِن بَعْدِهِ وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾.

أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُولَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي هي بِتَدْرِيجٍ بَلِيغٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَعْفُوَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهم ما لَهُ في خاصَّتِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ وحَقٍّ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ، أمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم فِيما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ كانُوا أهْلًا لِلِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ.

والشُورى مِن قَواعِدِ الشَرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ، هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ، وقَدْ مَدَحَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ"» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ « "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ".» وصِفَةُ المُسْتَشارِ في الأحْكامِ أنْ يَكُونَ عالِمًا دَيِّنًا، وقَلَّ ما يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في عاقِلٍ، فَقَدْ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ما كَمُلَ دِينُ امْرِئٍ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ". وصِفَةُ المُسْتَشارِ في أُمُورِ الدُنْيا أنْ يَكُونَ عاقِلًا مُجَرِّبًا وادًّا في المُسْتَشِيرِ. والشُورى بَرَكَةٌ، وقَدْ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الخِلافَةَ -وَهِيَ أعْظَمُ النَوازِلِ- شُورى، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ ما تَشاوَرَ قَوْمٌ بَيْنَهم إلّا هَداهُمُ اللهُ لِأفْضَلِ ما بِحَضْرَتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُشاوِرُ أصْحابَهُ، وقَدْ قالَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ: « "أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ"،» في اليَوْمِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ المِقْدادُ ثُمَّ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ. ومُشاوَرَتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي في أُمُورِ الحُرُوبِ والبُعُوثِ ونَحْوِهِ مِن أشْخاصِ النَوازِلِ، وأمّا في حَلالٍ أو حَرامٍ أو حَدٍّ فَتِلْكَ قَوانِينُ شَرْعٍ "ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ"، وكَأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ كانَ تَغَلُّبُهم عَلى الرَأْيِ في قِصَّةِ أُحُدٍ يَقْتَضِي أنْ يُعاقَبُوا بِأنْ لا يُشاوَرُوا في المُسْتَأْنَفِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ"، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ إنَّما هي بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ لِلْبَعْضِ ولِلْكُلِّ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَفْظَ خاصٌّ بِما لَيْسَ مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، والشُورى مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ يَنْظُرُ في ذَلِكَ الخِلافِ ويَتَخَيَّرُ، فَإذا أرْشَدَهُ اللهُ تَعالى إلى ما شاءَ مِنهُ عَزَمَ عَلَيْهِ وأنْفَذَهُ مُتَوَكِّلًا عَلى اللهِ، إذْ هي غايَةُ الِاجْتِهادِ المَطْلُوبِ مِنهُ، وبِهَذا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وَقَرَأ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو نُهَيْكٍ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعِكْرِمَةُ "عَزَمْتُ" بِضَمِّ التاءِ، سَمّى اللهُ تَعالى إرْشادَهُ وتَسْدِيدَهُ عَزْمًا مِنهُ، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَجَعَلَ تَعالى هَزْمَهُ المُشْرِكِينَ بِحُنَيْنٍ وتَشْوِيهَ وُجُوهِهِمْ رَمْيًا، إذْ كانَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِرَمْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالحَصْباءِ. وقَدْ قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي.

والتَوَكُّلُ عَلى اللهِ تَعالى مِن فُرُوضِ …

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.