Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

Explained together with ayah 150

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ما نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَوْطِنٍ نَصْرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُنْكِرُ كِتابُ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسُّ: القَتْلُ، ولَقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِأصْحابِهِ أوَّلُ النَّهارِ حَتّى قُتِلَ مِن أصْحابِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ». وذَكَرَ الحَدِيثَ.

وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ في غَزاةِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، والنُّعاسُ في الحَرْبِ وعِنْدَ الخَوْفِ دَلِيلٌ عَلى الأمْنِ، وهو مِنَ اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ ومَجالِسِ الذِّكْرِ والعِلْمِ مِنَ الشَّيْطانِ.

وَقاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ومَعَهُ رَجُلانِ يُقاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ كَأشَدِّ القِتالِ، ما رَأيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ».

وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «أنَّهُ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأنْصارِ، ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، فَلَمّا رَهِقُوهُ، قالَ: " مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ، فَقالَ: مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ما أنْصَفْنا أصْحابَنا» وهَذا يُرْوى عَلى وجْهَيْنِ: بِسُكُونِ الفاءِ ونَصْبِ " أصْحابَنا " عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وفَتْحِ الفاءِ ورَفْعِ " أصْحابُنا " عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وَوَجْهُ النَّصْبِ: أنَّ الأنْصارَ لَمّا خَرَجُوا لِلْقِتالِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ حَتّى قُتِلُوا، ولَمْ يَخْرُجِ القُرَشِيّانِ، قالَ ذَلِكَ، أيْ: ما أنْصَفَتْ قُرَيْشٌ الأنْصارَ.

وَوَجْهُ الرَّفْعِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأصْحابِ الَّذِينَ فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أُفْرِدَ في النَّفَرِ القَلِيلِ، فَقُتِلُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فَلَمْ يُنْصِفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ.

وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " عَنْ عائشة، قالَتْ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْصَرَفَ النّاسُ كُلُّهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُنْتُ أوَّلَ مَن فاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَأيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلًا يُقاتِلُ عَنْهُ ويَحْمِيهِ، قُلْتُ: كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي، كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي. فَلَمْ أنْشَبْ، أنْ أدْرَكَنِي أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وإذا هو يَشْتَدُّ كَأنَّهُ طَيْرٌ حَتّى لَحِقَنِي، فَدَفَعْنا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا طلحة بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " دُونَكم أخاكم فَقَدْ أوْجَبَ "، وقَدْ رُمِيَ النَّبِيُّ ﷺ في جَبِينِهِ، ورُوِيَ في وجْنَتِهِ، حَتى غابَتْ حَلْقَةٌ مِن حَلَقِ المِغْفَرِ في وجْنَتِهِ، فَذَهَبْتُ لِأنْزِعَها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ: فَأخَذَ أبو عبيدة السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَراهَةَ أنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَلَّ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة، قالَ أبو بكر: ثُمَّ ذَهَبْتُ لِآخُذَ الآخَرَ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ فَأخَذَهُ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتى اسْتَلَّهُ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة الأُخْرى، ثُمَّ قالَ …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

Explained together with ayah 152

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

Explained together with ayah 152

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

[من حكم غزوة أحد]

فَصْلٌ ثُمّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرى في هَذا التَّقْدِيرِ هي ابْتِلاءُ ما في صُدُورِهِمْ، وهو اخْتِبارُ ما فِيها مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، فالمُؤْمِنُ لا يَزْدادُ بِذَلِكَ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، والمُنافِقُ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ ما في قَلْبِهِ عَلى جَوارِحِهِ ولِسانِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى: وهو تَمْحِيصُ ما في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وهو تَخْلِيصُهُ وتَنْقِيَتُهُ وتَهْذِيبُهُ، فَإنَّ القُلُوبَ يُخالِطُها بِغَلَباتِ الطَّبائِعِ، ومَيْلِ النُّفُوسِ، وحُكْمِ العادَةِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ ما يُضادُّ ما أُودِعَ فِيها مِنَ الإيمانِ والإسْلامِ والبِرِّ والتّقْوى، فَلَوْ تُرِكَتْ في عافِيَةٍ دائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَمْ تَتَخَلَّصْ مِن هَذِهِ المُخالَطَةِ ولَمْ تَتَمَحَّصْ مِنهُ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ العَزِيزِ أنْ قَيَّضَ لَها مِنَ المِحَنِ والبَلايا ما يَكُونُ كالدَّواءِ الكَرِيهِ لِمَن عَرَضَ لَهُ داءٌ إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإزالَتِهِ وتَنْقِيَتِهِ مِن جَسَدِهِ، وإلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنهُ الفَسادُ والهَلاكُ، فَكانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الكَسْرَةِ والهَزِيمَةِ وقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنهم تُعادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وتَأْيِيدِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِعَدُوِّهِمْ، فَلَهُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةُ التّامَّةُ في هَذا وهَذا.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ تَوَلِّي مَن تَوَلّى مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وأنَّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، فاسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ حَتّى تَوَلَّوْا، فَكانَتْ أعْمالُهم جُنْدًا عَلَيْهِمُ ازْدادَ بِها عَدُوُّهم قُوَّةً، فَإنَّ الأعْمالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وجُنْدٌ عَلَيْهِ ولا بُدَّ، فَلِلْعَبْدِ كُلُّ وقْتٍ سَرِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أوْ تَنْصُرُهُ، فَهو يَمُدُّ عَدُوَّهُ بِأعْمالِهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُقاتِلُهُ بِها، ويَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيَّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوِّهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَغْزُو عَدُوَّهُ، فَأعْمالُ العَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلى مُقْتَضاها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والعَبْدُ لا يَشْعُرُ أوْ يَشْعُرُ ويَتَعامى، فَفِرارُ الإنْسانِ مِن عَدُوِّهِ وهو يُطِيقُهُ إنّما هو بِجُنْدٍ مِن عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشَّيْطانُ واسْتَزَلَّهُ بِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَفا عَنْهُمْ، لِأنَّ هَذا الفِرارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفاقٍ ولا شَكٍّ، وإنَّما كانَ عارِضًا عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَعادَتْ شَجاعَةُ الإيمانِ وثَباتُهُ إلى مَرْكَزِها ونِصابِها.

ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الَّذِي أصابَهم إنّما أُتُوا فِيهِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وبِسَبَبِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وذَكَرَ هَذا بِعَيْنِهِ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، فَقالَ: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقالَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هاهُنا: النِّعْمَةُ والمُصِيبَةُ، فالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِها عَلَيْكَ، والمُصِيبَةُ إنّما نَشَأتْ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وعَمَلِكَ، فالأوَّلُ فَضْلُهُ، والثّانِي عَدْلُهُ، والعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، جارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، …

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

Explained together with ayah 155

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

Explained together with ayah 155

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

Explained together with ayah 155

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

[فَصْلٌ العَزْمُ]

فَإذا اسْتَحْكَمَ قَصْدُهُ صارَ عَزْمًا جازِمًا، مُسْتَلْزِمًا لِلشُّرُوعِ في السَّفَرِ، مَقْرُونًا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

والعَزْمُ: هو القَصْدُ الجازِمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ الشُّرُوعِ في الحَرَكَةِ لِطَلَبِ المَقْصُودِ، وأنَّ التَّحْقِيقَ: أنَّ الشُّرُوعَ في الحَرَكَةِ ناشِئٌ عَنِ العَزْمِ، لا أنَّهُ هو نَفْسُهُ، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ ظَنَّ أنَّهُ هو.

وَحَقِيقَتُهُ: هو اسْتِجْماعُ قُوى الإرادَةِ عَلى الفِعْلِ.

والعَزْمُ نَوْعانِ، أحَدُهُما: عَزْمُ المُرِيدِ عَلى الدُّخُولِ في الطَّرِيقِ، وهو مِنَ البِداياتِ، والثّانِي: عَزْمٌ في حالِ السَّيْرِ مَعَهُ، وهو أخَصُّ مِن هَذا، وهو مِنَ المَقاماتِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَفِي هَذِهِ المَنزِلَةِ يَحْتاجُ السّالِكُ إلى تَمْيِيزِ ما لَهُ مِمّا عَلَيْهِ، لِيَسْتَصْحِبَ ما لَهُ ويُؤَدِّيَ ما عَلَيْهِ، وهو المُحاسَبَةُ وهي قَبْلَ التَّوْبَةِ في المَرْتَبَةِ، فَإنَّهُ إذا عَرَفَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ أخَذَ في أداءِ ما عَلَيْهِ، والخُرُوجِ مِنهُ، وهو التَّوْبَةُ.

وَصاحِبُ المَنازِلِ قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلى المُحاسَبَةِ، ووَجْهُ هَذا أنَّهُ رَأى التَّوْبَةَ أوَّلَ مَنازِلِ السّائِرِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ، ولا تَتِمُّ التَّوْبَةُ إلّا بِالمُحاسَبَةِ، فالمُحاسَبَةُ تَكْمِيلُ مَقامِ التَّوْبَةِ، فالمُرادُ بِالمُحاسَبَةِ الِاسْتِمْرارَ عَلى حِفْظِ التَّوْبَةِ، حَتّى لا يَخْرُجَ عَنْها، وكَأنَّهُ وفاءٌ بِعَقْدِ التَّوْبَةِ.

واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ المَقاماتِ لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنَّ السّالِكَ يَقْطَعُ المَقامَ ويُفارِقُهُ ويَنْتَقِلُ إلى الثّانِي، كَمَنازِلِ السَّيْرِ الحِسِّيِّ، هَذا مُحالٌ، ألا تَرى أنَّ اليَقَظَةَ مَعَهُ في كُلِّ مَقامٍ لا تُفارِقُهُ، وكَذَلِكَ البَصِيرَةُ والإرادَةُ والعَزْمُ وكَذَلِكَ التَّوْبَةُ فَإنَّها كَما أنَّها مِن أوَّلِ المَقاماتِ فَهي آخِرُها أيْضًا، بَلْ هي في كُلِّ مَقامٍ مُسْتَصْحَبَةٌ، ولِهَذا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آخِرَ مَقاماتِ خاصَّتِهِ، فَقالَ تَعالى في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي قَطَعُوا فِيها الأوْدِيَةَ والبِداياتِ والأحْوالَ والنِّهاياتِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] فَجَعَلَ التَّوْبَةَ أوَّلَ أمْرِهِمْ وآخِرَهُ، وقالَ في سُورَةِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هي آخَرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ - إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما صَلّى صَلاةً بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إلّا قالَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» فالتَّوْبَةُ هي نِهايَةُ كُلِّ سالِكٍ وكُلِّ ولِيٍّ لِلَّهِ، وهي الغايَةُ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها العارِفُونَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

وأصل الخذلان: الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها: خذول.

قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، أي لا تترك أمري للناس، وارفض الناس لأمري.

والخذلان: أن يخلق الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ضده: أن لا يدعه ونفسه، ولا يكله إليها، بل يصنع له ويلطف به ويعينه، ويدفع عنه، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلى بينه وبين نفسه فقد هلك كل الهلاك.

ولهذا كان من دعائه ﷺ

«يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت،

برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك».

فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه. وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان، كما يفترس الذئب الشاة.

فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه؟

قيل: لعمر الله، إن الشيطان ذئب الإنسان، كما قال الصادق المصدوق، ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا، مع ضعفها. فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف، بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل، ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم، فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة؟ فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها؟ وقد أراها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي، ودخلت وادي الذئاب.

قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة: سمعت ابن أبي الدنيا يقول: إن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سعيد القطان حدثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه: أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر بالطائر، فيقول: أتدرون ما تقول هؤلاء؟ فيقولون: لا، فيقول:

تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب؟ إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها وتغثو، فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟

قلنا: لا. قال: تقول للسخلة: الحقي، لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان.

قال: فانتهينا إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟

قال: نعم ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان، ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو، ويحنو عنقه إليها. فقال:

أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه. قال: فانتهينا إليهم. فقلنا: يا هؤلاء، إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، وأنه في سنامه، قال: فأناخوا البعير وحطوا عنه، فإذا هو كما قال.

فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت. وقد حذر الله سبحانه ابن آدم من ذئبه مرة بعد مرة، وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه، ويبيت معه ويصبح ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾.

(فائِدَة)

التَّوَكُّل على الله نَوْعانِ أحدهما توكل عَلَيْهِ في جلب حوائج العَبْد وحظوظه الدُّنْيَوِيَّة أو دفع مكروهاته ومصائبه الدُّنْيَوِيَّة والثّانِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ في حُصُول ما يُحِبهُ هو ويرضاه من الإيمان واليَقِين والجهاد والدعوة إلَيْهِ وبَين النَّوْعَيْنِ من …

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.