Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُحَقِّقًا لِلْوَعْدِ -: ﴿سَنُلْقِي﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾؛ أيْ: المُقْتَضِيَ لِامْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِمْ؛ وعَدَمِ الوَهْنِ في أمْرِهِمْ؛ كَما افْتَتَحَ القِصَّةَ بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ؛ بِالأمْرِ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ والنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِيَعْلَمُوا قَطْعًا أنَّهُ لا ولِيَّ لِعَدُوِّهِ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿بِهِ سُلْطانًا﴾؛ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم في الإشْراكِ؛ وما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا فَلا سُلْطانَ لَهُ؛ ومادَّةُ ”سَلَطَ“؛ تَرْجِعُ إلى القُوَّةِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلَيْهِمُ الذُّلُّ في الدُّنْيا؛ لِاتِّباعِهِمْ ما لا قُوَّةَ بِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾؛ ثُمَّ هَوَّلَ أمْرَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ.

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

ولَمّا كانَتِ السِّينُ في ”سَنُلْقِي“؛ مُفْهِمَةً لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُرَغِّبْهم فِيما مَضى؛ فَنَفى هَذا الوَهْمَ؛ مُحَقِّقًا لَهم ذَلِكَ؛ بِتَذْكِيرِهِمْ بِما أنْجَزَ لَهم مِن وعْدِهِ؛ في أوَّلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ؛ مُدَّةَ تَلَبُّسِهِمْ بِما شَرَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]؛ مُصَرِّحًا بِما لَوَّحَ إلَيْهِ تَقْدِيرًا قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]؛ كَما مَضى -: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾؛ أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: تَقْتُلُونَهُمْ؛ بَعْضَهم بِالفِعْلِ؛ والباقِينَ بِالقُوَّةِ الَّتِي هَيَّأها لَكُمْ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ فَإنَّ ”الحَسُّ“؛ بِالفَتْحِ: القَتْلُ؛ والِاسْتِئْصالُ - قالَهُ في القامُوسِ.

ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ بَعْدَ تَمْكِينِهِ مِنهُمْ؛ لِيَكُونَ رادِعًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِغايَةِ الحَسِّ -: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾؛ أيْ: ضَعُفْتُمْ؛ وتَراخَيْتُمْ بِالمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ؛ خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الهِمَمُ العَوالِي؛ فَكَيْفَ بِهِمْ إذا كانُوا مِن حِزْبِ مَوْلى المَوالِي؟! فَلَوْ كانَتِ العَرَبُ عَلى حالِ جاهِلِيَّتِها تَتَفاخَرُ بِالإقْبالِ عَلى الطَّعْنِ والضَّرْبِ؛ في مَواطِنِ الحَرْبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الغَنائِمِ - كَما قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدّادٍ العَبْسِيُّ - يَفْتَخِرُ -:

؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِي

؎إذْ لا أزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهْدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ

؎طَوْرًا يُعَرَّضُ لِلطِّعانِ وتارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ يَأْوِي إلى حَصْدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ

؎يُخْبِرْكِ مَن شَهِدَ الوَقِيعَةَ أنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ أغْشى الوَغى وأعَفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ

وقالَ - يُفاخِرُ بِقَوْمِهِ كُلِّهِمْ -:

؎إنّا إذا حَمَسَ الوَغى نَرْوِي القَنا ∗∗∗ ونَعَفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ

ولَمّا ذَكَرَ الفَشَلَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو سَبَبُهُ في الغالِبِ؛ فَقالَ: ﴿وتَنازَعْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالِاخْتِلافِ؛ وأصْلُهُ مِن ”نَزَعَ بَعْضٌ شَيْئًا مِن يَدِ بَعْضٍ“؛ ﴿فِي الأمْرِ﴾؛ أيْ: أمْرِ الثَّغْرِ المَأْمُورِ بِحِفْظِهِ؛ ﴿وعَصَيْتُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ العِصْيانُ بَيْنَكُمْ؛ بِتَضْيِيعِ الثَّغْرِ؛ وأُثْبَتَ الجارَّ تَصْوِيرًا لِلْمُخالَفَةِ بِأنَّها كانَتْ عَقِبَ رُؤْيَةِ النَّصْرِ؛ سَواءً؛ وتَبْشِيرًا بِزَوالِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن حَسِّهِمْ بِالسُّيُوفِ؛ وهَزِيمَتِهِمْ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّ الجَمِيعَ عَصَوْا؛ نَفى ذَلِكَ؛ مُعَلِّلًا لِلْعِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: قَدْ أغْضى عَنْ مَعايِبِها؛ الَّتِي أجْلاها فَناؤُها؛ ولَمّا كانَ حُكْمُ الباقِينَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلْفَهْمِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾؛ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَراكِزِهِمْ؛ لَمْ يُعَرِّجُوا عَلى الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - جَوابًا لِـ ”إذا“ -: سَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: لِانْدِهاشِكم لِإتْيانِهِمْ إلَيْكم مِن ورائِكُمْ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْهَزِيمَةِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنَ النُّصْرَةِ؛ ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أيْ: يَفْعَلَ في ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ الِاخْتِبارَ في ثَباتِكم عَلى الدِّينِ؛ في حالَيِ السَّرّاءِ؛ …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ الصَّرْفِ والعَفْوِ عَنْهُ؛ صَوَّرَهُ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: صَرَفَكُمْ؛ وعَفا عَنْكُمْ؛ حِينَ ﴿تُصْعِدُونَ﴾؛ أيْ: تُزِيلُونَ الصُّعُودَ؛ فَتَنْحَدِرُونَ نَحْوَ المَدِينَةِ؛ أوْ تَذْهَبُونَ في الأرْضِ لِتَبْعُدُوا عَنْ مَحَلِّ الوَقْعَةِ؛ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ؛ ﴿ولا تَلْوُونَ﴾؛ أيْ: تَعْطِفُونَ؛ ﴿عَلى أحَدٍ﴾؛ أيْ: مِن قَرِيبٍ؛ ولا بَعِيدٍ؛ ﴿والرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لِتُجِيبُوهُ إلى كُلِّ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وهو الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ ﴿يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾؛ أيْ: ساقَتَكُمْ؛ وجَماعَتَكُمُ الأُخْرى؛ وأنْتُمْ مُدْبِرُونَ؛ وهو ثابِتٌ في مَكانِهِ؛ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ في نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ لا يَبْلُغُونَ أرْبَعِينَ نَفْسًا - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ - وُثُوقًا بِوَعْدِ اللَّهِ؛ ومُراقَبَةً لَهُ؛ يَقُولُ - كُلَّما مَرَّتْ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مُنْهَزِمَةٌ -: ”إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ؛ أنا رَسُولُ اللَّهِ؛ إلَيَّ؛ إلَيَّ؛ عِبادَ اللَّهِ“؛ كَما هو اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ؛ والوُثُوقِ بِما عِنْدَهُ؛ وعَدَّ مَن دُونَهُ مِن ولِيٍّ وعَدُوٍّ عَدَمًا؛ وإنَّما قُلْتُ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ الِانْهِزامُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يُرادُ مِنهُ الإقْبالُ عَلى الدّاعِي؛ بَعْدَ الِانْصِرافِ عَمّا يُرِيدُهُ؛ لِيَأْمُرَ ويَنْهى؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم مُوَلُّونَ عَنِ المَقْصُودِ؛ وهو القِتالُ؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الرِّجّالَةِ يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ؛ فَذاكَ إذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْراهُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا“».

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ العَفْوِ رَدُّهم عَنِ الهَزِيمَةِ إلى القِتالِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَأثابَكُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلَ لَكم رَبُّكم ثَوابًا؛ ﴿غَمًّا﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِكم قَتْلَ الرَّسُولِ ﷺ؛ وكانَ اعْتِقادًا كاذِبًا مُلِئْتُمْ بِهِ رُعْبًا؛ ﴿بِغَمٍّ﴾؛ أيْ: كانَ حَصَلَ لَكم مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ؛ والهَزِيمَةِ؛ وسَمّاهُ - وإنْ كانَ في صُورَةِ العِقابِ - بِاسْمِ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلسُّرُورِ؛ حِينَ تَبَيَّنَ أنَّهُ خَبَرٌ كاذِبٌ؛ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سالِمٌ؛ حَتّى كَأنَّهم - كَما قالَ بَعْضُهم - لَمْ تُصِبْهم مُصِيبَةٌ؛ فَهو مِنَ الدَّواءِ بِالدّاءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والغَنِيمَةِ ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ والهَزِيمَةِ؛ لِاشْتِغالِكم عَنْ ذَلِكَ بِالسُّرُورِ بِحَياةِ الرَّسُولِ ﷺ.

ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ ظاهِرًا؛ وما قَصَدُوهُ باطِنًا؛ وما داواهم بِهِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَبِيرٌ بِما يُصْلِحُ أعْمالَكُمْ؛ ويُبْرِئُ أدَواءَكُمْ“ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن خَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في هَذِهِ الحالِ؛ وغَيْرِها؛ وبِما يُصْلِحُ مِن جَزائِهِ؛ ودَوائِهِ؛ فَتارَةً يُداوِي الدّاءَ بِالدّاءِ؛ وتارَةً بِالدَّواءِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ القادِرُ؛ المُخْتارُ.

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

ولَمّا كانَ أمانُهم بَعْدَ انْخِلاعِ قُلُوبِهِمْ بَعِيدًا؛ ولا سِيَّما بِكَوْنِهِ بِالنُّعاسِ؛ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ الوَعِرِ؛ والمَحَلِّ الضَّنْكِ؛ عَطَفَ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا أفادَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَظَمَةَ الأمْنِ؛ وكانَ مُتَّصِلًا بِالغَمِّ؛ ولَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ ما بَعْدَهُ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِ؛ وأنْتُمْ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ ﴿أمَنَةً﴾؛ أيْ: أمْنًا عَظِيمًا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها - تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِنَ الغَرابَةِ - قَوْلَهُ: ﴿نُعاسًا﴾؛ دَلِيلًا قَطْعِيًّا؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن أمْنٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ أبا طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ:

”غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي؛ وآخُذُهُ؛ ويَسْقُطُ؛ وآخُذُهُ“؛ ولَمّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فَقَطِ؛ اسْتَأْنَفَ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ وابْتَدَأ الإخْبارَ عَنِ الباقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ﴾؛ أيْ: أُخْرى؛ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾؛ لا المُدافَعَةُ عَنِ الدِّينِ؛ فَهم إنَّما يَطْلُبُونَ خَلاصَها؛ ولا يَجِدُونَ إلى ذَلِكَ فِيما يَظُنُّونَ سَبِيلًا لِاتِّصالِ رُعْبِهِمْ؛ وشِدَّةِ جَزَعِهِمْ؛ فَعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الأمْنُ المَذْكُورُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ هَمَّهُمْ؛ فَقالَ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: مِن أنَّ نَصْرَهُ بَعْدَ هَذا لا يُمْكِنُ؛ أوْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا في المَدِينَةِ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ مِن سَفْسافِ الكَلامِ؛ وفاسِدِ الظُّنُونِ الَّتِي فَتَحَتْها ”لَوْ“؛ والأوْهامُ؛ ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ - مِن عَظَمَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ ما أرادَهُ كانَ؛ ولا يَكُونُ غَيْرُهُ - ما يَعْلَمُ أتْباعُ الرُّسُلِ.

ثُمَّ فَسَّرَ الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُنْكِرِينَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرَّأْيَ رَأْيَهُمْ؛ ويَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ؛ غَضَبًا؛ وتَأسُّفًا عَلى خُرُوجِهِمْ في هَذا الوَجْهِ؛ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ مَعَ ابْنِ أُبَيٍّ؛ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا؛ ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: المَسْمُوعِ؛ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى النَّفْيِ؛ ثَبَتَتْ أداةُ الِاسْتِغْراقِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ رَدًّا عَلَيْهِمُ؛ احْتِقارًا بِهِمْ: ﴿إنَّ الأمْرَ﴾؛ أيْ: الحُكْمَ الَّذِي لا يَكُونُ سِواهُ؛ ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ولَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم مِنهُ شَيْءٌ؛ شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ؛ غَزَوْتُمْ أوْ قَعَدْتُمْ؛ ثَبَتُّمْ أوْ فَرَرْتُمْ.

ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ بَعْضَ أمْرِهِمْ في هَذِهِ الحَرْبِ؛ وبَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِن فَوائِدِ ما فَعَلَ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]؛ وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أظْهَرَ مِن أسْرارِ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الوَقْعَةِ؛ في اتِّهامِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ حَتّى وصَلَ إلى هُنا؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا غَيْرَ صَرِيحٍ في الِاتِّهامِ؛ لِإمْكانِ حَمْلِهِ عَلى مَساقِ الِاسْتِفْهامِ؛ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِتَدْلِيسِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْفُونَ﴾؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ مُخْفِينَ؛ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لِكَوْنِهِ لا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

ولَمّا كانَ فِيهِ - مَعَ ذَلِكَ - مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الِاخْتِبارِ؛ خَبِيرٌ بِدَقائِقِ الأسْرارِ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ - مُسْتَأْنِفًا لِبَيانِ ما هو مِن ثَمَراتِ العِلْمِ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ القِتالِ؛ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ؛ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ والكُفّارِ؛ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أيْ: طَلَبَ زَلَلَهم عَنْ ذَلِكَ المَقامِ العالِي؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: عَدُوُّهُمُ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن طَلَبَ الدُّنُوَّ إلى حَضَراتِ القُدْسُ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ؛ مِن تَرْكِ المَرْكَزِ؛ والإقْبالِ عَلى الغَنِيمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ القِتالَ في الجِهادِ إنَّما هو بِالأعْمالِ؛ فَمَن كانَ أصْبَرَ في أعْمالِ الطّاعَةِ؛ كانَ أجْلَدَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ؛ ولَمْ يَكُنْ تَوَلِّيهِمْ عَنْ ضَعْفٍ في نَفْسِ الأمْرِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صارُوا مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ؛ فاسْتَحَقُّوا ما اسْتَحَقَّ؛ ألْصَقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ لِئَلّا تَطِيرَ أفْئِدَةُ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ مِمّا هو أهْلُهُ مِنَ الغُفْرانِ؛ والحِلْمِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الذَّنْبَ عَظِيمٌ؛ والخَطَرَ بِسَبَبِهِ جَسِيمٌ؛ فَلَوْلا الِاشْتِمالُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ لَعُوجِلُوا بِأعْظَمِ النَّكالِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا؛ وأثَرًا. ولَمّا كانَ الغَفْرُ قَدْ يَكُونُ مَعَ تَحَمُّلٍ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعامِلِ المُتَوَلِّينَ حَذَرَ المَوْتِ مُعامَلَةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - حَذَرَ المَوْتِ؛ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: ﴿مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُمْ: ”إنّا لَوْ ثَبَتْنا في المَدِينَةِ المُمَثَّلَةِ بِالدِّرْعِ الحَصِينَةِ“ - كَما كانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأكابِرِ مِن أصْحابِهِ؛ لَسَلِمْنا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلَيْهِ -؛ قَوْلًا مُوجِبًا لِغَيْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاتِّهامِ؛ وسُوءِ العَقِيدَةِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يَخْدَعَ كَثِيرًا مِن أهْلِ الطّاعَةِ؛ لِشِدَّةِ حُبِّهِمْ لِمَن قُتِلَ مِنهُمْ؛ وتَعاظُمِ أسَفِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ المُبادَرَةَ إلى الوَعْظِ بِما يُزِيلُ هَذا الأثَرَ؛ ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مُؤَيَّدًا بِأعْظَمِ الثَّباتِ؛ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّيَمِ الطّاهِرَةِ؛ والمَحاسِنِ الظّاهِرَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ البَداءَةُ بِغَيْرِهِ؛ فَنَهى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ الِانْخِداعِ بِأقْوالِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أظْهَرُوا الإقْرارَ بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا قَوْلَكم بِأنْ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ؛ عَلى وجْهِ السَّتْرِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: ما فَضَحَهُمْ؛ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الأعِزَّةِ عَلَيْهِمْ؛ نَسَبًا؛ أوْ مَذْهَبًا؛ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾؛ أيْ: سافَرُوا مُطْلَقَ سَفَرٍ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِمَتْجَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾؛ أيْ: غُزاةً؛ مُبالِغِينَ في الغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ بِسَفَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ - جَمْعُ ”غازٍ“؛ فَماتُوا؛ أوْ قُتِلُوا؛ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لَمْ يُفارِقُونا؛ ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾؛ وهَذا في غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ إطْلاقَ هَذا القَوْلِ مِنهم - لا سِيَّما عَلى هَذا التَّأْكِيدِ - يَلْزَمُ مِنهُ ادِّعاءُ أنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ في المَدِينَةِ؛ وهو لا يَقُولُهُ عاقِلٌ؛ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُحْزِنًا؛ اعْتِقادُهُ وكِتْمانُهُ؛ عَلَّقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“؛ وبِانْتِفاءِ الكَوْنِ كالَّذِينِ قالُوا قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ؛ أوْ الِانْفِرادَ بِهِ عَنْ مُشارِكٍ؛ ﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِهِ؛ وعَدَمِ المُواسِي فِيهِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ التَّعْلِيقِ بِـ ”قالُوا“؛ يَكُونُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوهُ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ لَكانُوا قَدْ قالُوهُ لا لِغَرَضٍ أصْلًا؛ وذَلِكَ أعْرَقُ في كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: لا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ؛ والحالُ - أوْ قالُوا ذَلِكَ والحالُ - أنَّ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يُحْيِي﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ؛ ﴿ويُمِيتُ﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ إذا أرادَ؛ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِعَمَلِكُمْ؛ وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ قَدِيرٌ؛ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ومَتى كانَ عَلى خِلافِ أمْرِهِ عاقَبَ عَلَيْهِ.

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

ولَمّا نَهاهم عَنْ قَوْلِ المُنافِقِينَ الدّائِرِ عَلى تَمَنِّي المُحالِ مِن دَوامِ البَقاءِ؛ وكَراهَةِ المَوْتِ؛ بَيَّنَ لَهم ثَمَرَةَ فَواتِ أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ؛ بِالمَوْتِ؛ أوِ القَتْلِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُبْعِدًا لَهم مِمّا قالَ المُنافِقُونَ؛ مُوجِبًا لِتَسْلِيمِ الأمْرِ لِلْخالِقِ؛ بَلْ مُحَبِّبًا فِيهِ؛ وداعِيًا إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ﴾؛ وهو حالٌ أُخْرى مِن ”لا تَكُونُوا“؛ ﴿قُتِلْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قاتِلٍ كانَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ قَتْلًا؛ ﴿أوْ مُتُّمْ﴾؛ أيْ: فِيهِ مَوْتًا عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ؛ ولَمّا كانَ لِلنُّفُوسِ غايَةُ الجُمُوحِ عَنِ المَوْتِ؛ زادَ في التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: لِذُنُوبِكُمْ؛ تَنالُكُمْ؛ فَهَذا تَعَبُّدٌ بِالخَوْفِ مِنَ العِقابِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ نِهايَةُ الكَمالِ؛ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن طاعَةٍ؛ ﴿ورَحْمَةٌ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ ذَلِكَ؛ وهو تَعَبُّدٌ لِطَلَبِ الثَّوابِ؛ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا هو ثَمَرَةُ البَقاءِ في الدُّنْيا عِنْدَ أهْلِ الشَّقاءِ؛ مَعَ أنَّهُ ما فاتَكم شَيْءٌ مِن أعْمارِكم.

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

ولَمّا ذَكَرَ أشْرَفَ المَوْتِ؛ بادِئًا بِأشْرَفِهِ؛ ذَكَرَ ما دُونَهُ؛ بادِئًا بِأدْناهُ؛ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ أيْ: في أيِّ وجْهٍ كانَ؛ عَلى حَسَبِ ما قُدِّرَ عَلَيْكم في الأزَلِ؛ ﴿لإلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مُتَوَفِّيكُمْ؛ لا غَيْرُهُ؛ وهو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ لِذاتِهِ؛ ودَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ؛ بَعْدَ الدَّلالَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ؛ فَقالَ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ المَوْتُ؛ أوِ القَتْلُ عَلى طاعَتِهِ؛ أثابَكُمْ؛ وإلّا عاقَبَكُمْ؛ والحاصِلُ أنَّهُ لا حِيلَةَ في دَفْعِ المَوْتِ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ قَتْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ولا في الحَشْرِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وأمّا الخَلاصُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَفِيهِ حِيلَةٌ بِالطّاعَةِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى – المُوَفِّقُ؛ وما أحْسَنَ ما قالَ عَنْتَرَةُ في نَحْوِهِ! وهو جاهِلِيٌّ؛ فالمُؤْمِنُ أوْلى مِنهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ:

؎بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الحُتُوفُ كَأنَّنِي ∗∗∗ أصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ

؎فَأجَبْتُها إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لا بُدَّ أنْ أُسْقى بِكَأْسِ المَنهَلِ

؎فاقَنَيْ حَياءَكِ لا أبا لَكِ واعْلَمِي ∗∗∗ ∗∗∗ أنِّي امْرُؤٌ سَأمُوتُ إنْ لَمْ أُقْتَلِ

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

لَمّا فَرَغَ مِن وعْظِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - أتْبَعَهُ تَحْبِيبَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الرِّفْقِ؛ واللِّينِ؛ مَعَ ما سَبَّبَ الغَضَبَ المُوجِبَ لِلْعُنْفِ؛ والسَّطْوَةِ؛ مِنَ اعْتِراضِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلى ما أشارَ بِهِ؛ ثُمَّ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِهِ في حِفْظِ المَرْكَزِ؛ والصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ ثُمَّ خِذْلانِهِمْ لَهُ؛ وتَقْدِيمِ أنْفُسِهِمْ عَلى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ ثُمَّ عَدَمِ العَطْفِ عَلَيْهِ؛ وهو يَدْعُوهم إلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ اتِّهامِ مَنِ اتَّهَمَهُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ لِرُؤَساءِ الجُيُوشِ؛ وقادَةِ الجُنُودِ؛ اتِّهامَ أتْباعِهِمْ؛ وسُوءَ الظَّنِّ بِهِمُ؛ المُوجِبَ لِلْغَضَبِ والإيقاعِ بِبَعْضِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما لِنْتَ لَهم هَذا اللِّينَ الخارِقَ لِلْعادَةِ؛ ورَفَقْتَ بِهِمْ هَذا الرِّفْقَ؛ بَعْدَ ما فَعَلُوا بِكَ؛ إلّا بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ الحائِزِ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ فَقابَلْتَهم بِالجَمِيلِ؛ ولَمْ تُعَنِّفْهم بِانْهِزامِهِمْ عَنْكَ بَعْدَ إذْ خالَفُوا رَأْيَكَ؛ وهم كانُوا سَبَبًا لِاسْتِخْراجِكَ؛ والَّذِي اقْتَضى هَذا الحَصْرَ هو ”ما“؛ لِأنَّها نافِيَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ؛ فَلَمْ يُمْكِنْ أنْ تُوَجَّهَ إلّا إلى ضِدِّ ما أثْبَتَهُ السِّياقُ؛ ودَلَّتْ زِيادَتُها عَلى أنَّ تَنْوِينَ ”رَحْمَةً“؛ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: فَبِالرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ؛ لا بِغَيْرِها؛ لِنْتَ.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - سَبَبَ هَذا اللِّينِ المَتِينِ بَيَّنَ ثَمَرَتَهُ بِبَيانِ ما في ضِدِّهِ مِنَ الضَّرَرِ؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾؛ أيْ: سَيِّئَ الخُلُقِ؛ جافِيًا في القَوْلِ؛ ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾؛ أيْ: قاسِيَهُ؛ لا تَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ؛ تُعامِلُهم بِالعُنْفِ؛ والجَفاءِ؛ ﴿لانْفَضُّوا﴾؛ أيْ: تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا قَبِيحًا؛ لا اجْتِماعَ مَعَهُ؛ ﴿مِن حَوْلِكَ﴾؛ أيْ: فَفاتَ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ.

ولَمّا أخْبَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّهُ هو عَفا عَنْهم ما فَرَّطُوا في حَقِّهِ؛ أمَرَهُ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ؛ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﷺ؛ وبِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُشاوَرَتِهِمْ عِنْدَ النَّوائِبِ؛ لِئَلّا يَكُونَ خَطَؤُهم في الرَّأْيِ - أوَّلًا في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وثانِيًا في تَضْيِيعِ المَرْكَزِ؛ وثالِثًا في إعْراضِهِمْ عَنِ الإثْخانِ في العَدُوِّ؛ بَعْدَ الهَزِيمَةِ؛ الَّذِي ما شُرِعَ القِتالُ إلّا لِأجْلِهِ؛ بِإقْبالِهِمْ عَلى النَّهْبِ؛ ورابِعًا فِي وهْنِهِمْ عِنْدَ كَرِّ العَدُوِّ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ - مُوجِبًا لِتَرْكِ مُشاوَرَتِهِمْ؛ فَيَفُوتَ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ في نَفْسِها؛ وفِيما تُثْمِرُهُ مِنَ التَّآلُفِ؛ والتَّسَنُّنِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ما فَرَّطُوا في هَذِهِ الكَرَّةِ في حَقِّكَ؛ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِما فَرَّطُوا في حَقِّهِ؛ ﴿وشاوِرْهُمْ﴾؛ أيْ: اسْتَخْرِجْ آراءَهُمْ؛ ﴿فِي الأمْرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تُرِيدُهُ مِن أُمُورِ الحَرْبِ؛ تَألُّفًا لَهُمْ؛ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ؛ لِيَسْتَنَّ بِكَ مَن بَعْدَكَ؛ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ؛ فَمَضَيْتَ فِيهِ؛ وقِراءَةُ مَن ضَمَّ التّاءَ لِلْمُتَكَلِّمِ؛ بِمَعْناها؛ أيْ: فَإذا فَعَلْتَ أنْتَ أمْرًا بَعْدَ المُشاوَرَةِ؛ لِأنِّي فَعَلْتُ فِيهِ - بِأنْ أرَدْتُهُ - فِعْلَ العازِمِ.

ولَمّا أمَرَ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإذا فَعَلُوا ما يُحِبُّهُ؛ أعْطاهم مُناهُمْ؛ مِمّا عَزَمُوا عَلَيْهِ لِأجْلِهِ“؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْهِ؛ ويَقْصُرُ هِمَمَهم عَلَيْهِ؛ بِأنَّ مَن نَصَرَهُ هو المَنصُورُ؛ ومَن خَذَلَهُ هو المَخْذُولُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ كانَ نَبِيُّكم ﷺ بَيْنَكُمْ؛ أوْ لا؛ فَما بالُكم وهَنْتُمْ لَمّا صاحَ إبْلِيسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟! وهَلّا فَعَلْتُمْ كَما فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ وكَما فَعَلَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - حِينَ قالَ: ”مُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ نَبِيُّكم ﷺ! فَهو أعْذَرُ لَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ“؛ ﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾؛ أيْ: بِإمْكانِ العَدُوِّ مِنكُمْ؛ ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن نَبِيٍّ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وحْدَهُ؛ لا عَلى نَبِيٍّ؛ ولا عَلى قُوَّةٍ بَعْدُ؛ ولا بِمالِ مِن غَنِيمَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: كُلُّهُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ أمارَةَ صِحَّةِ إيمانِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.