Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ .

رُجُوعٌ إلى تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَطْمِينِهِمْ، ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، أوْ في الماءِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] ويُطْلَقُ عَلى الإفْضاءِ بِالكَلامِ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] وعَلى حُصُولِ الشَّيْءِ في النَّفْسِ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهُ أيْ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَهَيُّؤٍ وألْقَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ وهو هُنا مَجازٌ في الجَعْلِ والتَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] .

والرُّعْبُ: الفَزَعُ مِن شِدَّةِ خَوْفٍ، وفِيهِ لُغَتانِ الرُّعْبُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - والرُّعُبُ - بِضَمِّ العَيْنِ - وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ - بِضَمِّ العَيْنِ -

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ لِلْعِوَضِ وتُسَمّى باءَ المُقابَلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذِهِ بِتِلْكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائدة: ٣٨]، وهَذا جَزاءٌ دُنْيَوِيٌّ رَتَّبَهُ

صفحة ١٢٤

اللَّهُ تَعالى عَلى الإشْراكِ بِهِ، ومِن حِكْمَتِهِ تَعالى أنْ رَتَّبَ عَلى الأُمُورِ الخَبِيثَةِ آثارًا خَبِيثَةً، فَإنَّ الشِّرْكَ لَمّا كانَ اعْتِقادَ تَأْثِيرِ مَن لا تَأْثِيرَ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ يَرْتَكِزُ في نُفُوسِ مُعْتَقَدِيهِ عَلى غَيْرِ دَلِيلٍ، كانَ مِن شَأْنِ مُعْتَقِدِهِ أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبَ النَّفْسِ مُتَحَيِّرًا في العاقِبَةِ في تَغَلُّبِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ هم أخَصُّ بِهِ، وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ والغَيْرَةِ. فَلا تَزالُ آلِهَتُهم في مُغالَبَةٍ ومُنافَرَةٍ. كَما لا يَزالُ أتْباعُهم كَذَلِكَ، والَّذِينَ حالُهم كَما وصَفْنا لا يَسْتَقِرُّ لَهم قَرارٌ في الثِّقَةِ بِالنَّصْرِ في حُرُوبِهِمْ، إذْ هم لا يَدْرُونَ هَلِ الرِّبْحُ مَعَ آلِهَتِهِمْ أمْ مَعَ أضْدادِها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ صِلَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى المُشْرِكِ بِهِ لَيْسَ القَصْدُ بِها تَعْرِيفُ الشُّرَكاءِ، ولَكِنْ قُصِدَ بِها الإيماءُ إلى أنَّهُ مِن أسْبابِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، إذْ هم عَلى غَيْرِ يَقِينٍ فِيما أشْرَكُوا واعْتَقَدُوا، فَقُلُوبُهم وجِلَةٌ مُتَزَلْزِلَةٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الشُّرَكاءَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ سُلْطانٌ. فَإنْ قُلْتَ: ما ذَكَرْتَهُ يَقْتَضِي أنَّ الشِّرْكَ سَبَبٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ نازِلًا في قُلُوبِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، واللَّهُ يَقُولُ (سَنُلْقِي) أيْ في المُسْتَقْبَلِ، قُلْتُ: هو كَذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ تَسْتَكِنُّ في النُّفُوسِ حَتّى يَدْعُوَ داعِي ظُهُورِها، فالرُّعْبُ والشَّجاعَةُ صِفَتانِ لا تَظْهَرانِ إلّا عِنْدَ القِتالِ، وتَقْوَيانِ وتَضْعُفانِ، فالشُّجاعُ تَزِيدُ شَجاعَتُهُ بِتَكَرُّرِ الِانْتِصارِ، وقَدْ يَنْزَوِي قَلِيلًا إذا انْهَزَمَ ثُمَّ تَعُودُ لَهُ صِفَتُهُ سَرْعى. كَما وصَفَهُ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةَ في قَوْلِهِ:

وقُولِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وقَوْلِ الحُصَيْنِ بْنِ الحُمامِ:

تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ لِنَفْسَيْ حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما

وكَذَلِكَ …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحَسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وهَذا عَوْدٌ إلى التَّسْلِيَةِ عَلى ما أصابَهم، وإظْهارٌ لِاسْتِمْرارِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِالمُؤْمِنِينَ، ورَمَزَ إلى الثِّقَةِ بِوَعْدِهِمْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وتَبْيِينٍ لِسَبَبِ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ: تَطْمِينًا لَهم بِذِكْرِ نَظِيرِهِ ومُماثِلِهِ السّابِقِ، فَإنَّ لِذَلِكَ مَوْقِعًا عَظِيمًا في الكَلامِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (التّارِيخُ يُعِيدُ نَفْسَهُ) ولِيَتَوَسَّلَ

صفحة ١٢٧

بِذَلِكَ إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْلِفْهم وعْدَهُ، ولَكِنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ أوْقَعَهم في المُصِيبَةِ كَقَوْلِهِ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] .

وصِدْقُ الوَعْدِ: تَحْقِيقُهُ والوَفاءُ بِهِ، لِأنَّ مَعْنى الصِّدْقِ مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ، وقَدْ عُدِّيَ صَدَقَ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ، وحَقُّهُ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] يُقالُ: صَدَقَنِي أخُوكَ وكَذَبَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ والكَذِبَ، وأمّا المَثَلُ (صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ) فَمَعْناهُ صَدَقَنِي في سِنِّ بَكْرِهِ بِطَرْحِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ. فَنُصِبَ وعْدُهُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ صَدَقَكم في وعْدِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ صَدَقَ مَعْنى أعْطى.

والوَعْدُ هُنا وعْدُ النَّصْرِ الواقِعِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] أوْ بِخَبَرٍ خاصٍّ في يَوْمِ أُحُدٍ.

وإذْنُ اللَّهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وتَيْسِيرِ الأسْبابِ.

وإذْ في قَوْلِهِ: (إذْ تَحُسُّونَهم) نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقَوْلِهِ صَدَقَكم أيْ: صَدَقَكُمُ اللَّهُ الوَعْدَ حِينَ كُنْتُمْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحِسَّ تَحْقِيقٌ لِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ، وإذْ فِيهِ لِلْمُضِيِّ، وأُتِيَ بَعْدَها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ أيْ لِحِكايَةِ تَجَدُّدِ الحَسِّ في الماضِي.

والحَسُّ - بِفَتْحِ الحاءِ - القَتْلُ أطْلَقَهُ أكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ، وقَيَّدَهُ في الكَشّافِ بِالقَتْلِ الذَّرِيعِ، وهو أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ حَتّى حَرْفُ انْتِهاءٍ وغايَةٍ، يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فالمَعْنى: إذْ تَقْتُلُونَهم بِتَيْسِيرِ اللَّهِ، واسْتَمَرَّ قَتْلُكم إيّاهم إلى حُصُولِ الفَشَلِ لَكم والتَّنازُعِ بَيْنَكم.

وحَتّى هُنا جارَّةٌ وإذا مَجْرُورٌ بِها.

صفحة ١٢٨

وإذا اسْمُ زَمانٍ، وهو في الغالِبِ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ إلى الزَّمانِ مُطْلَقًا كَما هُنا، ولَعَلَّ نُكْتَةَ ذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ اسْتِحْضارُ الحالَةِ العَجِيبَةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَحُسُّونَهم.

وإذا هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لِأنَّها إذا صارَتْ لِلْمُضِيِّ انْسَلَخَتْ عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ، إذِ الشَّرْطُ لا يَكُونُ ماضِيًا إلّا بِتَأْوِيلٍ لِذَلِكَ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

صفحة ١٣١

﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أيْ دَفَعَكم عَنِ المُشْرِكِينَ حِينَ أنْتُمْ مُصْعِدُونَ.

والإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى صَعِيدًا، قالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ:

هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ

والإصْعادُ أيْضًا السَّيْرُ في الوادِي، قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: أصْعِدُوا يَوْمَ أُحُدٍ في الوادِي. والمَعْنى: تَفِرُّونَ مُصْعِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَذْهَبُونَ في الأرْضِ أيْ فِرارًا، إذْ ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الَّذِي عَقِبَ صَرْفَ اللَّهِ إيّاهم وكانَ مِن آثارِهِ.

﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ أيْ في هَذِهِ الحالَةِ. واللَّيُّ مَجازٌ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ والرِّفْقُ مِثْلُ العَطْفِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، فالمَعْنى ولا يَلْوِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ فَأُوجِزَ بِالحَذْفِ، والمُرادُ عَلى أحَدٍ مِنكم، يَعْنِي: فَرَرْتُمْ لا يَرْحَمُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَرْفُقُ بِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْجِدِّ في الهُرُوبِ حَتّى إنَّ الواحِدَ لِيَدُوسَ الآخَرَ لَوْ تَعَرَّضَ في طَرِيقِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ حالٌ، والأُخْرى آخِرُ الجَيْشِ أيْ مِن ورائِكم. ودُعاءُ الرَّسُولِ دُعاؤُهُ إيّاهم لِلثَّباتِ والرُّجُوعِ عَنِ الهَزِيمَةِ، وهَذا هو دُعاءُ الرَّسُولِ النّاسَ بِقَوْلِهِ «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ مَن يَكُرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» . وقَوْلُهُ ﴿فَأثابَكم غَمًّا﴾ إنْ كانَ ضَمِيرُ فَأثابَكم ضَمِيرَ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو الأظْهَرُ والمُوافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَهو عَطْفٌ عَلى صَرَفَكم أيْ تَرَتَّبَ عَلى الصَّرْفِ إثابَتُكم. وأصْلُ الإثابَةِ إعْطاءُ الثَّوابِ وهو شَيْءٌ يَكُونُ جَزاءً عَلى عَطاءٍ أوْ فِعْلٍ. والغَمُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فَيَكُونُ أثابَكم إمّا اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا

أيْ جازاكُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الإصْعادِ المُقارِنِ لِلصَّرْفِ أنْ أثابَكم غَمًّا أيْ قَلَقًا لَكم في نُفُوسِكم، والمُرادُ أنْ عاقَبَكم بِغَمٍّ كَقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]

صفحة ١٣٢

وفِي هَذا الوَجْهِ بُعْدٌ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَلامٍ لا تَوْبِيخٍ، ومَقامُ مَعْذِرَةٍ لا تَنْدِيمٍ، وإمّا مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّهم لَمّا خَرَجُوا لِلْحَرْبِ خَرَجُوا طالِبِينَ الثَّوابَ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ باءُوا مَعَها بِعِقابٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا

وقَوْلِ الآخَرِ: قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا ونُكْتَةُ هَذِهِ المُشاكَلَةِ أنْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الكَلامِ عَلى ما نَشَأ عَنْ هَذا الغَمِّ مِن عِبْرَةٍ، ومِن عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ بَعْدَهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِغَمٍّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهو جُمْلَةُ الغُمُومِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِن خَيْبَةِ الأمَلِ في النَّصْرِ بَعْدَ ظُهُورِ بَوارِقِهِ، ومِنَ الِانْهِزامِ، ومِن قَتْلِ مَن قُتِلَ، وجَرْحِ مَن جُرِحَ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْعِوَضِ، أيْ: جازاكُمُ اللَّهُ غَمًّا في نُفُوسِكم عِوَضًا عَنِ الغَمِّ الَّذِي نَسَبْتُمْ فِيهِ لِلرَّسُولِ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فَأثابَكم عائِدًا إلى الرَّسُولِ في قَوْلِهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم، …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ .

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ثُمَّ أنْزَلَ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو يُرَجِّحُ كَوْنَ ضَمِيرِ أثابَكم مِثْلَهُ لِئَلّا يَكُونَ هَذا رُجُوعًا إلى سِياقِ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى ثُمَّ أغْشاكم بِالنُّعاسِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ. وسُمِّيَ الإغْشاءُ إنْزالًا لِأنَّهُ لَمّا كانَ نُعاسًا مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَةٍ خاصَّةٍ، كانَ كالنّازِلِ مِنَ العَوالِمِ المُشَرَّفَةِ كَما يُقالُ: نَزَلَتِ السَّكِينَةُ.

والأمَنَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ - الأمْنُ، والنُّعاسُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ أوْ أوَّلُ النَّوْمِ، وهو يُزِيلُ التَّعَبَ ولا يَغِيبُ صاحِبُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ أمَنَةً إذْ لَوْ نامُوا ثَقِيلًا لَأخَذُوا، قالَ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ، والزُّبَيْرُ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: غَشِيَنا نُعاسٌ حَتّى إنَّ السَّيْفَ لِيَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا. وقَدِ اسْتَجَدُّوا بِذَلِكَ نَشاطَهم، ونَسُوا حُزْنَهم، لِأنَّ الحُزْنَ تَبْتَدِئُ خِفَّتُهُ بَعْدَ أوَّلِ نَوْمَةٍ تُعْفِيهِ، كَما هو مُشاهَدٌ في أحْزانِ المَوْتِ وغَيْرِها. و(نُعاسًا) بَدَلٌ عَلى أمَنَةٍ بَدَلٌ مُطابِقٌ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقَدَّمَ النُّعاسُ ويُؤَخَّرَ أمَنَةٌ: لِأنَّ أمَنَةً بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ أوِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَلى المَفْعُولِ كَما جاءَ في آيَةِ الأنْفالِ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المِنَّةَ هُنا تَشْرِيفًا لِشَأْنِها لِأنَّها جُعِلَتْ كالمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ لِنَصْرِهِمْ، فَهو كالسَّكِينَةِ، فَناسَبَ أنْ يُجْعَلَ هو مَفْعُولَ أنْزَلَ، ويُجْعَلَ النُّعاسُ بَدَلًا مِنهُ.

صفحة ١٣٤

وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَغْشى - بِالتَّحْتِيَّةِ - عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى نُعاسٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ - بِالفَوْقِيَّةِ - بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى أمَنَةً، ولِذَلِكَ وصَفَها بِقَوْلِهِ مِنكم.

* * *

﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ حالَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ، تَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حالِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، كَما عُلِمَ مِنَ المُقابَلَةِ، ومِن قَوْلِهِ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾، ومَن تَرَكَ وصَفَها بِمِنكم كَما وصَفَ الأُولى.

وطائِفَةٌ مُبْتَدَأٌ وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ . وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآيَةَ.

ومَعْنى ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الهَمُّ وذَلِكَ بِعَدَمِ رِضاهم بِقَدَرِ اللَّهِ، وبِشِدَّةِ تَلَهُّفِهِمْ عَلى ما أصابَهم وتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِمّا يَظُنُّونَهُ مُنْجِيًا لَهم لَوْ عَمِلُوهُ: أيْ مِنَ النَّدَمِ عَلى ما فاتَ، وإذْ كانُوا كَذَلِكَ كانَتْ نُفُوسُهم في اضْطِرابٍ يَمْنَعُهم مِنَ الِاطْمِئْنانِ ومِنَ المَنامِ، وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ الهَزِيمَةِ الخَفِيِّ، وهي اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ إيّاهم، وأرادَ بِـ (يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) يَوْمَ أُحُدٍ، و(اسْتَزَلَّهُمُ) بِمَعْنى أزَلَّهم أيْ جَعَلَهم زالِّينَ، والزَّلَلُ

صفحة ١٤٠

مُسْتَعارٌ لِفِعْلِ الخَطِيئَةِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلُ اسْتَفادَ واسْتَبْشَرَ واسْتَنْشَقَ وقَوْلِ النّابِغَةِ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً أبا جابِرٍ فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرِ

أيْ نَكَحُوا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ أبى واسْتَكْبَرَ. ولا يَحْسُنُ حَمْلُ السِّينِ والتّاءِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّ المَقْصُودَ لَوْمُهم عَلى وُقُوعِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَهو زَلَلٌ واقِعٌ.

والمُرادُ بِالزَّلَلِ الِانْهِزامُ، وإطْلاقُ الزَّلَلِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ كَإطْلاقِ ثَباتِ القَدَمِ عَلى ضِدِّهِ وهو النَّصْرُ قالَ تَعالى وثَبِّتْ أقْدامَنا.

والباءُ في بِبَعْضِ ما كَسَبُوا لِلسَّبَبِيَّةِ وأُرِيدَ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مُفارَقَةُ مَوْقِفِهِمْ، وعِصْيانُ أمْرِ الرَّسُولِ، والتَّنازُعُ، والتَّعْجِيلُ إلى الغَنِيمَةِ، والمَعْنى أنَّ ما أصابَهم كانَ مِن آثارِ الشَّيْطانِ، وما هم فِيهِ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مِن صَنِيعِهِمْ، والمَقْصِدُ مِن هَذا إلْقاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ الِانْهِزامِ عَلى عَواتِقِهِمْ، وإبْطالُ ما عَرَّضَ بِهِ المُنافِقُونَ مِن رَمْيِ تَبِعَتِهِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخُرُوجِ، وتَحْرِيضِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ. وذَلِكَ شَأْنُ ضِعافِ العُقُولِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ مُقارِنُ الفِعْلِ بِسَبَبِهِ، ولِأجْلِ تَخْلِيصِ الأفْكارِ مِن هَذا الغَلَطِ الخَفِيِّ وضَعَ أهْلُ المَنطِقِ بابَ القَضِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ والقَضِيَّةِ الِاتِّفاقِيَّةِ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم مَرْتَبَةَ حَقِّ اليَقِينِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمُ انْتَقَلَ بِهِمْ إلى مَرْتَبَةِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ إنْ كانَ لِلْأسْبابِ تَأْثِيرٌ فَسَبَبُ مُصِيبَتِهِمْ هي أفْعالُهُمُ الَّتِي أمْلاها الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ وأضَلَّهم، فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى السَّبَبِ، والتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِالمُقارَنِ، ومِن شَأْنِ هَذا الضَّلالِ أنْ يَحُولَ بَيْنَ المُخْطِئِ وبَيْنَ تَدارُكِ خَطَئِهِ ولا يَخْفى ما في الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأغْراضِ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ، وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وتَحْبِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْظِيمِهِ عِنْدَهم، وتَنْفِيرِهِمْ مِنَ الشَّيْطانِ، والأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وتَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ

صفحة ١٤١

الَّذِينَ تَوَلَّوْا نَفْسُ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمُ الآياتِ. وضَمِيرُ مِنكم راجِعٌ إلى عامَّةِ جَيْشِ أُحُدٍ فَشَمِلَ الَّذِينَ ثَبَتُوا ولَمْ يَفِرُّوا. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَماعَةٌ هَرَبُوا إلى المَدِينَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا احْتِمالاتٌ ذَكَرَها صاحِبُ الكَشّافِ والفَخْرُ، وهي بِمَعْزِلٍ عَنِ القَصْدِ.

وقَوْلُهُ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم أُعِيدَ الإخْبارُ بِالعَفْوِ تَأْنِيسًا لَهم كَقَوْلِهِ ولَقَدْ عَفا عَنْكم.

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

تَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدِ إلى مُخالَجَةِ عَقائِدِ المُشْرِكِينَ، وبَيانٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ تِلْكَ العَقائِدِ في الدُّنْيا أيْضًا. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ. والإقْبالُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخِطابِ تَلَطُّفٌ بِهِمْ جَمِيعًا بَعْدَ تَقْرِيعِ فَرِيقٍ مِنهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِإخْوانِهِمْ لَيْسَتْ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ بَلْ هي لامُ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا لِأنَّ الإخْوانَ لَيْسُوا مُتَكَلَّمًا مَعَهم بَلْ هُمُ الَّذِينَ ماتُوا وقُتِلُوا، والمُرادُ بِالإخْوانِ الأقارِبُ في النَّسَبِ، أيْ مِنَ الخَزْرَجِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الشُّهَداءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

و(إذا) هُنا ظَرْفٌ لِلْماضِي بِدَلِيلِ فِعْلَيْ قالُوا و(ضَرَبُوا)، وقَدْ حُذِفَ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما ماتُوا تَقْدِيرُهُ: فَماتُوا في سَفَرِهِمْ أوْ قُتِلُوا في الغَزْوِ.

والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ، فالضَّرْبُ مُسْتَعْمَلٌ في السَّيْرِ لِأنَّ أصْلَ الضَّرْبِ

صفحة ١٤٢

هُوَ إيقاعُ جِسْمٍ عَلى جِسْمٍ وقَرْعُهُ بِهِ، فالسَّيْرُ ضَرْبٌ في الأرْضِ بِالأرْجُلِ، فَأُطْلِقَ عَلى السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وعَلى مُطْلَقِ السَّفَرِ كَما هُنا، وعَلى السَّفَرِ لِلْغَزْوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] وقَوْلُهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا السَّفَرُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَلُومُهم عَلَيْهِ الكُفّارُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ التِّجارَةُ.

وعَلَيْهِ يَكُونُ قَرْنُهُ مَعَ القَتْلِ في الغَزْوِ لِكَوْنِهِما كَذَلِكَ في عَقِيدَةِ الكُفّارِ.

و(غُزًّى) جَمْعُ غازٍ. وفُعَّلٌ قَلِيلٌ في جَمْعِ فاعِلٍ النّاقِصِ. وهو مَعَ ذَلِكَ فَصِيحٌ. ونَظِيرُهُ عُفًّى في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

لَها قُلُبٌ عُفّى الحِياضِ أُجُونُ

وقَوْلُهُ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِلَّةٌ لِـ (قالُوا) بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اعْتِقادِ ذَلِكَ مَعَ الإعْلانِ بِهِ تَوْجِيهًا لِلنَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ أيْ فَإنَّكم إنِ اعْتَقَدْتُمُ اعْتِقادَهم لَحِقَكم أثَرُهُ كَما لَحِقَهم، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى القَوْلِ الدّالِّ عَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّعْلِيلُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا، فَتَرَتَّبَ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِيَجْعَلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن صِلَةِ الَّذِينَ، ومِن جُمْلَةِ الأحْوالِ المُشَبَّهَةِ بِها، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ فِيها لِما فِيها مِنَ الضُّرِّ.

والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الأسَفِ أيِ الحُزْنِ، وكانَ هَذا حَسْرَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ مُصابَهم نَشَأ عَنْ تَضْيِيعِهِمُ الحَزْمَ، وأنَّهم لَوْ كانُوا سَلَكُوا غَيْرَ ما سَلَكُوهُ لَنَجَوْا فَلا يَزالُونَ مُتَلَهِّفِينَ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مِتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وعَلى قَوْلِهِ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ قَبْلَها قَسَمًا مُقَدَّرًا، ورَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لا تَقَعُ إلّا مَعَ الشَّرْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَمَغْفِرَةٌ هي لامُ جَوابِ القَسَمِ. والجَوابُ هو قَوْلُهُ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ لَكم. وقَرَأهُ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: مِتُّمْ - بِكَسْرِ المِيمِ - عَلى لُغَةِ الحِجازِ لِأنَّهم جَعَلُوا ماضِيَهُ مِثْلَ خافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ العَيْنِ وجَعَلُوا مُضارِعَهُ مِن بابِ قامَ فَقالُوا: يَمُوتُ، ولَمْ يَقُولُوا: يُماتُ، فَهو مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وأمّا سُفْلى مُضَرَ فَقَدْ جاءُوا بِهِ في الحالَيْنِ مِن بابِ: قامَ فَقَرَءُوهُ: مُتُّمْ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، مِمّا تَجْمَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أيْ خَيْرٌ لَكم مِن غَنائِمِ المُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوها وطَمِعْتُمْ أنْتُمْ في غُنْمِها.

وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المَوْتِ في

صفحة ١٤٤

الثّانِيَةِ لِأنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ أنْ يُعْقِبَهُ الحَشْرُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ، ومِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وجَعْلِ القَتْلِ مَبْدَأ الكَلامِ وعَوْدَهُ.

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مِتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وعَلى قَوْلِهِ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ قَبْلَها قَسَمًا مُقَدَّرًا، ورَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لا تَقَعُ إلّا مَعَ الشَّرْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَمَغْفِرَةٌ هي لامُ جَوابِ القَسَمِ. والجَوابُ هو قَوْلُهُ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ لَكم. وقَرَأهُ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: مِتُّمْ - بِكَسْرِ المِيمِ - عَلى لُغَةِ الحِجازِ لِأنَّهم جَعَلُوا ماضِيَهُ مِثْلَ خافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ العَيْنِ وجَعَلُوا مُضارِعَهُ مِن بابِ قامَ فَقالُوا: يَمُوتُ، ولَمْ يَقُولُوا: يُماتُ، فَهو مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وأمّا سُفْلى مُضَرَ فَقَدْ جاءُوا بِهِ في الحالَيْنِ مِن بابِ: قامَ فَقَرَءُوهُ: مُتُّمْ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، مِمّا تَجْمَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أيْ خَيْرٌ لَكم مِن غَنائِمِ المُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوها وطَمِعْتُمْ أنْتُمْ في غُنْمِها.

وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المَوْتِ في

صفحة ١٤٤

الثّانِيَةِ لِأنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ أنْ يُعْقِبَهُ الحَشْرُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ، ومِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وجَعْلِ القَتْلِ مَبْدَأ الكَلامِ وعَوْدَهُ.

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ .

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ الَّذِي حُكِيَ فِيهِ مُخالَفَةُ طَوائِفٍ لِأمْرِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُنافِقِينَ، وما حُكِيَ مِن عَفْوِ اللَّهِ عَنْهم فِيما صَنَعُوا. ولِأنَّ في تِلْكَ الواقِعَةِ المَحْكِيَّةِ بِالآياتِ السّابِقَةِ مَظاهِرَ كَثِيرَةً مِن لِينِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ اسْتَشارَهم في الخُرُوجِ، وحَيْثُ لَمْ يُثَرِّبْهم عَلى ما صَنَعُوا مِن مُغادَرَةِ مَراكِزِهِمْ، ولَمّا كانَ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهم يُعْرَفُ في مُعامَلَةِ الرَّسُولِ إيّاهم، ألانَ اللَّهُ لَهُمُ الرَّسُولَ تَحْقِيقًا لِرَحْمَتِهِ وعَفْوِهِ، فَكانَ المَعْنى: ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم بِرَحْمَتِهِ فَلانَ لَهُمُ الرَّسُولُ بِإذْنِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إيّاهُ راحِمًا، قالَ تَعالى وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.

والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ لِنْتَ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ: إذْ كانَ لِينُهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ لِينًا لا تَفْرِيطَ مَعَهُ لِشَيْءٍ مِن مَصالِحِهِمْ، ولا مُجاراةً لَهم في التَّساهُلِ في أمْرِ الدِّينِ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِاسْمِ الرَّحْمَةِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مُفِيدٌ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَذا القَصْرُ مُفِيدٌ التَّعْرِيضَ بِأنَّ أحْوالَهم كانَتْ مُسْتَوْجِبَةً الغِلَظَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ألانَ خُلُقَ رَسُولِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ في سِياسَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

وزِيدَتْ (ما) بَعْدَ باءِ الجَرِّ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِما فِيها مِنَ القَصْرِ، فَتَعَيَّنَ بِزِيادَةِ كَوْنِ التَّقْدِيمِ لِلْحَصْرِ، لا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ.

صفحة ١٤٥

واللِّينُ هُنا مَجازٌ في سِعَةِ الخَلْقِ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ والمُسْلِمِينَ، وفي الصَّفْحِ عَنْ جَفاءِ المُشْرِكِينَ، وإقالَةِ العَثَراتِ. ودَلَّ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ لِنْتَ عَلى أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ تَقَرَّرَ وعُرِفَ مِن خُلُقِهِ، وأنَّ فِطْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ إذْ خَلَقَهُ كَذَلِكَ و(﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤])، فَخُلُقُ الرَّسُولِ مُناسِبٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِهِ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَجِيءُ بِشَرِيعَةٍ يُبَلِّغُها عَنِ اللَّهِ تَعالى، فالتَّبْلِيغُ مُتَعَيَّنٌ لا مُصانَعَةَ فِيهِ، ولا يَتَأثَّرُ بِخُلُقِ الرَّسُولِ، وهو أيْضًا مَأْمُورٌ بِسِياسَةِ أُمَّتِهِ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وتَنْفِيذِها فِيهِمْ، وهَذا عَمَلٌ لَهُ ارْتِباطٌ قَوِيٌّ بِمُناسَبَةِ خُلُقِ الرَّسُولِ لِطِباعِ أُمَّتِهِ حَتّى يُلائِمَ خُلُقَهُ الوَسائِلُ المُتَوَسَّلُ بِها لِحَمْلِ أُمَّتِهِ عَلى الشَّرِيعَةِ النّاجِحَةِ في البُلُوغِ بِهِمْ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنهم.

أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَفْطُورًا عَلى الرَّحْمَةِ، فَكانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ في تَنْفِيذِ شَرِيعَتِهِ بِدُونِ تَساهُلٍ، وبِرِفْقٍ وإعانَةٍ عَلى تَحْصِيلِها، فَلِذَلِكَ جُعِلَ لِينُهُ مُصاحِبًا لِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها اللَّهُ فِيهِ، إذْ هو بُعِثَ لِلنّاسِ كافَّةً، ولَكِنِ اخْتارَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ بَيْنَ العَرَبِ أوَّلَ شَيْءٍ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى في أنْ يَكُونَ العَرَبُ هم مُبَلِّغِي الشَّرِيعَةِ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] أوْ عَنْ قَوْلِهِ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ.

ولَوْ حُمِلَ هَذا الخَبَرُ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ لَكانَ إخْبارًا بِأمْرٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المُخاطَبِينَ إذْ هم مُؤْمِنُونَ، ولا يَجْهَلُ مُؤْمِنٌ أنَّ اللَّهَ إذا قَدَّرَ نَصْرَ أحَدٍ فَلا رادَّ لِنَصْرِهِ، وأنَّهُ إذا قَدَّرَ خَذْلَهُ فَلا مَلْجَأ لَهُ مِنَ الهَزِيمَةِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا المَعْنى مُحَقَّقٌ في جانِبِ اللَّهِ لا يَجْهَلُهُ مُعْتَرِفٌ بِإلَهِيَّتِهِ، مُؤْمِنٌ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وهَلْ بَعْدَ اعْتِقادِ نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ في مُلْكِهِ مَجالٌ لِاعْتِقادِ وُجُودِ مُمانِعٍ لَهُ في إرادَتِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا الخَبَرُ مُرادًا غَيْرَ ظاهِرِ الإخْبارِ، وأحْسَنُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ، حَتّى لا يَحْزَنُوا عَلى ما فاتَ لِأنَّ رَدَّ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِها مَسْلاةٌ لِلنَّفْسِ، وعَزاءٌ عَلى المُصِيبَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ إلى أنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَوْمًا في بَعْضِ الأيّامِ، وخَذْلَهُ إيّاهم في بَعْضِها، لا يَكُونُ إلّا لِحِكَمٍ وأسْبابٍ، فَعَلَيْهِمُ السَّعْيُ في أسْبابِ الرِّضا المُوجِبُ لِلنَّصْرِ، وتَجَنُّبُ أسْبابِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْخَذْلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقَوْلُهُ ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وقَوْلُهُ الآتِي ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى﴾ [آل عمران: ١٦٥] هَذا وعَلَيْهِمُ التَّطَلُّبُ لِلْأسْبابِ الَّتِي قُدِّرَ لَهُمُ النَّصْرُ لِأجْلِها في مِثْلِ يَوْمِ بَدْرٍ، وأضْدادِها الَّتِي كانَ بِها الخَذْلُ في يَوْمِ أُحُدٍ، وفي التَّفْكِيرِ في ذَلِكَ مَجالٌ واسِعٌ لِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والعِلَلِ والأسْبابِ والحِكَمِ والمَنافِعِ والمَضارِّ

صفحة ١٥٣

عَلى قَدْرِ سَعَةِ التَّفْكِيرِ الجائِلِ في ذَلِكَ، فَفي هَذا الخَبَرِ العَظِيمِ إطْلاقٌ لِلْأفْكارِ مِن عِقالِها، وزَجٌّ بِها في مَسارِحِ العِبَرِ، ومَراكِضِ العِظاتِ، والسّابِقُونَ الجِيادُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الحَضُّ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَهُ: لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَهم بِفُنُونِ المَلامِ والمَعْذِرَةِ والتَّسْلِيَةِ مِن قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ سُنَنٌ إلى هُنا، جَمَعَ لَهم كُلَّ ذَلِكَ في كَلامٍ جامِعٍ نافِعٍ في تَلَقِّي الماضِي، وصالِحٍ لِلْعَمَلِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ مَبْنِيًّا عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، حَيْثُ أظْهَرُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الغَنِيمَةِ ومِنَ التَّأوُّلِ في أمْرِ الرَّسُولِ لَهم في الثَّباتِ، ومِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والجَرْحِ، ما جَعَلَ حالَهم كَحالِ مَن يَجْهَلُ أنَّ النَّصْرَ والخَذْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى. فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى الخَلاصِ مِن غَلَبِ العَدُوِّ ومُرِيدِ الإضْرارِ.

والخِذْلانُ ضِدُّهُ: وهو إمْساكُ الإعانَةِ مَعَ القُدْرَةِ، مَأْخُوذَةٌ مِن خَذَلَتِ …

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.