Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾

صفحة ٢٧

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في التَّرْغِيبِ في الجِهادِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالكُفّارِ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُلْقِي الخَوْفَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الوَعْدَ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، أوْ هو عامٌّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ؟ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إنَّما ورَدَتْ في هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ في هَذا اليَوْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَوْلَوْا عَلى المُسْلِمِينَ وهَزَمُوهم أوْقَعَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَتَرَكُوهم وفَرُّوا مِنهم مِن غَيْرِ سَبَبٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ، وقالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَأجابَهُ عُمَرُ، ودارَتْ بَيْنَهُما كَلِماتٌ، وما تَجاسَرَ أبُو سُفْيانَ عَلى النُّزُولِ مِنَ الجَبَلِ والذَّهابِ إلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا في بَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا الأكْثَرِينَ مِنهم، ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، بَلْ هو عامٌّ. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ في قُلُوبِ الكافِرِينَ حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِها في كُلِّ القُرْآنِ، قالَ الواحِدِيُّ: هُما لُغَتانِ، يُقالُ: رَعَبْتُهُ رُعْبًا ورُعُبًا وهو مَرْعُوبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ مَصْدَرًا، والرُّعُبُ اسْمٌ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ في القَلْبِ، وأصْلُ الرُّعْبِ المَلْءُ، يُقالُ سَيْلٌ راعِبٌ إذا مَلَأ الأوْدِيَةَ والأنْهارَ، وإنَّما سُمِّيَ الفَزَعُ رُعْبًا لِأنَّهُ يَمْلَأُ القَلْبَ خَوْفًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ الرُّعْبِ في جَمِيعِ الكُفّارِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى إجْراءِ هَذا العُمُومِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا أحَدَ يُخالِفُ دِينَ الإسْلامِ إلّا وفي قَلْبِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ، إمّا في الحَرْبِ، وإمّا عِنْدَ المُحاجَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ جَمِيعِ أنْواعِ …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾

صفحة ٢٩

اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: «أنَّهُ لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ وقَدْ أصابَهم ما أصابَهم بِأُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

الثّانِي: قالَ بَعْضُهم «كانَ النَّبِيُّ ﷺ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُ كَبْشًا فَصَدَقَ اللَّهُ رُؤْياهُ بِقَتْلِ طَلْحَةَ بْنِ عُثْمانَ صاحِبِ لِواءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقُتِلَ بَعْدَهُ تِسْعَةُ نَفَرٍ عَلى اللِّواءِ فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يُرِيدُ تَصْدِيقَ رُؤْيا الرَّسُولِ» ﷺ .

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٥] إلّا أنَّ هَذا كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى.

والرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ هو قَوْلَهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ إلّا أنَّ هَذا أيْضًا مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ.

والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ هو قَوْلَهُ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥١] .

والسّادِسُ: قِيلَ: الوَعْدُ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلرُّماةِ: ”«لا تَبْرَحُوا مِن هَذا المَكانِ، فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ» “ .

السّابِعِ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم ما أنْجَزَهم مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ في واقِعَةِ أُحُدٍ، فَإنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ بِشَرْطِ أنْ يَتَّقُوا ويَصْبِرُوا فَحِينَ أتَوْا بِذَلِكَ الشَّرْطِ لا جَرَمَ، وفّى اللَّهُ تَعالى بِالمَشْرُوطِ وأعْطاهُمُ النُّصْرَةَ، فَلَمّا تَرَكُوا الشَّرْطَ لا جَرَمَ فاتَهُمُ المَشْرُوطُ.

إذا عَرَفْتَ وجْهَ النَّظْمِ فَفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصِّدْقُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في قِصَّةِ أُحُدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ واسْتَقْبَلَ المَدِينَةَ وأقامَ الرُّماةَ عِنْدَ الجَبَلِ، وأمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا هُناكَ ولا يَبْرَحُوا، سَواءٌ كانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أقْبَلَ المُشْرِكُونَ جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَ نَبْلَهم والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُّيُوفِ حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَحُسُّونَهم»، قالَ اللَّيْثُ: الحَسُّ: القَتْلُ الذَّرِيعُ، تَحُسُّونَهم: أيْ تَقْتُلُونَهم قَتْلًا كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسُّ: الِاسْتِئْصالُ بِالقَتْلِ، يُقالُ: جَرادٌ مَحْسُوسٌ. إذا قَتَلَهُ البَرْدُ. وسَنَةٌ حَسُوسٌ: إذا أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى ”تَحُسُّونَهُمْ“ أيْ تَسْتَأْصِلُونَهم قَتْلًا، قالَ أصْحابُ الِاشْتِقاقِ: ”حَسَّهُ“ إذا قَتَلَهُ لِأنَّهُ أبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، كَما يُقالُ: بَطَنَهُ: إذا أصابَ بَطْنَهُ، ورَأسَهُ: إذا …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾

فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: كَأنَّهُ قالَ: وعَفا عَنْكم إذْ تُصْعِدُونَ؛ لِأنَّ عَفْوَهُ عَنْهم لا بُدَّ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِأمْرٍ اقْتَرَفُوهُ، وذَلِكَ الأمْرُ هو ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ ما صَدَرَ عَنْهم مِن مُفارَقَةِ ذَلِكَ المَكانِ والأخْذِ في الوادِي كالمُنْهَزِمِينَ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ.

وثانِيها: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم إذْ تُصْعِدُونَ.

وثالِثُها: التَّقْدِيرُ: لِيَبْتَلِيَكم إذْ تُصْعِدُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تُصْعِدُونَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ (إذْ تُصْعِدُونَ في الجَبَلِ)، وقَرَأ أُبَيٌّ (إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي) وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (إذْ تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ، مِن ”تَصَعَّدَ“ في السُّلَّمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ والإبْعادُ فِيهِ، يُقالُ صَعِدَ في الجَبَلِ، وأصْعَدَ في الأرْضِ، ويُقالُ أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أسْفَلُ وأعْلى مِثْلَ الوادِي والنَّهَرِ والأزِقَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: صَعَّدَ فُلانٌ يُصَعِّدُ في الوادِي إذا أخَذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، وأمّا ما ارْتَفَعَ كالسُّلَّمِ فَإنَّهُ يُقالُ صَعِدْتُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ: أيْ لا تَلْتَفِتُونَ إلى أحَدٍ مِن شَدَّةِ الهَرَبِ، وأصْلُهُ أنَّ المُعَرِّجَ عَلى الشَّيْءِ يَلْوِي إلَيْهِ عُنُقَهُ أوْ عِنانَ دابَّتِهِ، فَإذا مَضى ولَمْ يُعَرِّجْ قِيلَ لَمْ يَلْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اللَّيُّ في تَرْكِ التَّعْرِيجِ عَلى الشَّيْءِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: فُلانٌ لا يَلْوِي عَلى شَيْءٍ، أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِ ولا يُبالِي بِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كانَ يَقُولُ: ”«إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن كَرَّ فَلَهُ الجَنَّةُ» “ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهُ، ولا يَتَفَرَّقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ يَدْعُوهم إلى المُحارَبَةِ مَعَ العَدُوِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ أيْ آخِرِكم، يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ النّاسِ وأُخْراهم، كَما يُقالُ: في أوَّلِهِمْ وأُولاهم، ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ في أُخْرَياتِ النّاسِ، أيْ آخِرِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ

صفحة ٣٤

يَدْعُوهم وهو واقِفٌ في آخِرِهِمْ؛ لِأنَّ القَوْمَ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ قَدْ تَقَدَّمُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ الثَّوابِ لا يُسْتَعْمَلُ في الأغْلَبِ إلّا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أيْضًا اسْتِعْمالُهُ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ، أيْ رَجَعَ إلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] والمَرْأةُ تُسَمّى ثَيِّبًا لِأنَّ الواطِئَ عائِدٌ إلَيْها، وأصْلُ الثَّوابِ كُلُّ ما يَعُودُ إلى الفاعِلِ مِن جَزاءِ فِعْلِهِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إلّا …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا النَّصْرُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِإزالَةِ الخَوْفِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أزالَ الخَوْفَ عَنْهم لِيَصِيرَ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ في نَصْرِ المُؤْمِنِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ نَصَرَ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا، فَلَمّا عَصى بَعْضُهم سَلَّطَ الخَوْفَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أزالَ ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِ مَن كانَ صادِقًا في إيمانِهِ مُسْتَقِرًّا عَلى دِينِهِ بِحَيْثُ غَلَبَ النُّعاسُ عَلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَرِيقانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى، وكانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ هَذا الدِّينَ ويُظْهِرُهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، فَكانُوا قاطِعِينَ بِأنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لا تُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلا جَرَمَ كانُوا آمِنِينَ، وبَلَغَ ذَلِكَ الأمْنُ إلى حَيْثُ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ، فَإنَّ النَّوْمَ لا يَجِيءُ مَعَ الخَوْفِ، فَمَجِيءُ النَّوْمِ يَدُلُّ عَلى زَوالِ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ هاهُنا في قِصَّةِ أُحُدٍ في هَؤُلاءِ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وقالَ في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنْفالِ: ١١] فَفي قِصَّةِ أُحُدٍ قَدَّمَ الأمَنَةَ عَلى النُّعاسِ، وفي قِصَّةِ بَدْرٍ قَدَّمَ النُّعاسَ عَلى الأمَنَةِ.

وأمّا الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ كانُوا

صفحة ٣٧

شاكِّينَ في نَبُّوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما حَضَرُوا إلّا لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، فَهَؤُلاءِ اشْتَدَّ جَزَعُهم وعَظُمَ خَوْفُهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ حالَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”الأمَنَةُ“ مَصْدَرٌ كالأمْنِ، ومِثْلُهُ مِنَ المَصادِرِ: العَظَمَةُ والغَلَبَةُ، وقالَ الجِبائِيُّ: يُقالُ: أمِنَ فُلانٌ يَأْمَنُ أمْنًا وأمانًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ (أمْنَةً) بِسُكُونِ المِيمِ؛ لِأنَّها المَرَّةُ مِنَ الأمْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: (نُعاسًا) وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أمَنَةٍ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: (أمَنَةً) وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ راكِبًا رَجُلًا.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِمَعْنى نَعَسْتُمْ …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ عِنْدَ التِقاءِ الجَمْعَيْنِ وفارَقُوا المَكانَ وانْهَزَمُوا قَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٤٢

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَتِ الأخْبارُ فِيمَن ثَبَتَ ذَلِكَ اليَوْمَ وفِيمَن تَوَلّى، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ ثُلْثَ النّاسِ كانُوا مَجْرُوحِينَ، وثُلْثَهُمُ انْهَزَمُوا، وثُلْثَهم ثَبَتُوا، واخْتَلَفُوا في المُنْهَزِمِينَ، فَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم ورَدَ المَدِينَةَ وأخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، وهو سَعْدُ بْنُ عُثْمانَ، ثُمَّ ورَدَ بَعْدَهُ رِجالٌ دَخَلُوا عَلى نِسائِهِمْ، وجَعَلَ النِّساءُ يَقُلْنَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفِرُّونَ وكُنَّ يَحْثِينَ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ ويَقُلْنَ: هاكَ المِغْزَلَ اغْزِلْ بِهِ، ومِنهم قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعْدُوا الجَبَلَ. قالَ القَفّالُ: والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ في الجُمْلَةِ أنَّ نَفَرًا مِنهم تَوَلَّوْا وأبْعَدُوا، فَمِنهم مَن دَخَلَ المَدِينَةَ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى سائِرِ الجَوانِبِ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَإنَّهم نَزَلُوا عِنْدَ الجَبَلِ واجْتَمَعُوا هُناكَ. ومِنَ المُنْهَزِمِينَ عُمَرُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أوائِلِ المُنْهَزِمِينَ ولَمْ يَبْعُدْ، بَلْ ثَبَتَ عَلى الجَبَلِ إلى أنْ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ، ومِنهم أيْضًا عُثْمانُ انْهَزَمَ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُما سَعْدٌ وعُقْبَةُ، انْهَزَمُوا حَتّى بَلَغُوا مَوْضِعًا بَعِيدًا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ”«لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً“ وقالَتْ فاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: ما فَعَلَ عُثْمانُ ؟ فَنَقَّصَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”يا عَلِيُّ أعْيانِي أزْواجُ الأخَواتِ أنْ يَتَحابُّوا» “ وأمّا الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً مِنَ المُهاجِرِينَ، وسَبْعَةً مِنَ الأنْصارِ، فَمِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وطِلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، ومِنَ الأنْصارِ الخَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ وأبُو دُجانَةَ وعاصِمُ بْنُ ثابِتٍ والحَرْثُ بْنُ الصِّمَّةِ وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَكَرَ أنَّ ثَمانِيَةً مِن هَؤُلاءِ كانُوا بايَعُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلى المَوْتِ ثَلاثَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: عَلِيٌّ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، وخَمْسَةٌ مِنَ الأنْصارِ: أبُو دُجانَةَ والحَرْثُ بْنُ الصِّمَّةِ وخَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ وعاصِمُ بْنُ ثابِتٍ وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ لَمْ يُقْتَلْ مِنهم أحَدٌ. ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ «أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ كُلُّهم يَجِيءُ ويَجْثُو بَيْنَ يَدَيْهِ ويَقُولُ: وجْهِي لِوَجْهِكَ الفِداءُ، ونَفْسِي لِنَفْسِكَ الفِداءُ، وعَلَيْكَ السَّلامُ غَيْرَ مُوَدَّعٍ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً يَعْنِي الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ حَمَلَهم عَلى الزِّلَّةِ. وأزَلَّ واسْتَزَلَّ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتَزَلَّهم طَلَبَ زِلَّتَهم، كَما يُقالُ اسْتَعْجَلْتُهُ أيْ طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، واسْتَعْمَلْتُهُ طَلَبْتُ عَمَلَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لا تُنْسَبُ إلى اللَّهِ، …

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ٤٤

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُعَيِّرُونَ المُؤْمِنِينَ في الجِهادِ مَعَ الكُفّارِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ظَهَرَ عَنْ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ فُتُورٌ وفَشَلٌ في الجِهادِ حَتّى وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ ما وقَعَ وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنْهم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ أنْ يَقُولَ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا لِمَن يُرِيدُ الخُرُوجَ إلى الجِهادِ: لَوْ لَمْ تَخْرُجُوا لَما مُتُّمْ وما قُتِلْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي والمُمِيتُ، فَمَن قُدِّرَ لَهُ البَقاءُ لَمْ يُقْتَلْ في الجِهادِ، ومَن قُدِّرَ لَهُ المَوْتُ لَمْ يَبْقَ وإنْ لَمْ يُجاهِدْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وأيْضًا الَّذِي قُتِلَ في الجِهادِ، لَوْ أنَّهُ ما خَرَجَ إلى الجِهادِ لَكانَ يَمُوتُ لا مَحالَةَ، فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَلَأنْ يُقْتَلَ في الجِهادِ حَتّى يَسْتَوْجِبَ الثَّوابَ العَظِيمَ، كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِن أنْ يَمُوتَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إطْلاقِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ كافِرٍ يَقُولُ مِثْلَ هَذا القَوْلِ سَواءٌ كانَ مُنافِقًا أوْ لَمْ يَكُنْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُخْتَصَّةٌ بِشَرْحِ أحْوالِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا مُخْتَصٌّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وسائِرِ أصْحابِهِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، كَما تَقُولُ الكَرّامِيَّةُ: إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المُنافِقُ مُؤْمِنًا، ولَوْ كانَ مُؤْمِنًا لَما سَمّاهُ اللَّهُ كافِرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْراجِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحْقافِ: ١١] وأقُولُ: تَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنَّهم لَمّا قالُوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الإخْوانَ كانُوا مَيِّتِينَ ومَقْتُولِينَ عِنْدَ هَذا القَوْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ هو أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، ولا يَكُونُ المُرادُ هو أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ مَعَ إخْوانِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِإخْوانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُخُوَّةَ في النَّسَبِ وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وطَرِيقَةِ المُنافِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْمَلُونَ) كِنايَةً عَنِ الغائِبِينَ، والتَّقْدِيرُ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَكُونَ وفْقًا لِما قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولِما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ شُبْهَةِ المُنافِقِينَ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذا المَوْتَ لا بُدَّ واقِعٌ ولا مَحِيصَ لِلْإنْسانِ مِن أنْ يُقْتَلَ أوْ يَمُوتَ، فَإذا وقَعَ هَذا المَوْتُ أوِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي طَلَبِ رِضْوانِهِ، فَهو خَيْرٌ مِن أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها الَّتِي لا يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها بَعْدَ المَوْتِ ألْبَتَّةَ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الحُسْنِ والقُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَوَجَّهَ إلى الجِهادِ أعْرَضَ قَلَبُهُ عَنِ الدُّنْيا وأقْبَلَ عَلى الآخِرَةِ، فَإذا ماتَ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ عَنِ العَدُوِّ ووَصَلَ إلى المَحْبُوبِ، وإذا جَلَسَ في بَيْتِهِ خائِفًا مِنَ المَوْتِ حَرِيصًا عَلى جَمْعِ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ فَكَأنَّهُ حُجِبَ عَنِ المَعْشُوقِ وأُلْقِي في دارِ الغُرْبَةِ، ولا شَكَّ في كَمالِ سَعادَةِ الأوَّلِ، وكَمالِ شَقاوَةِ الثّانِي.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِتُّمْ) بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، والأوَّلُونَ أخَذُوهُ مِن: ماتَ يَماتُ مِتُّ، مِثْلَ هابَ يَهابُ هِبْتُ، وخافَ يَخافُ خِفْتُ، ورَوى المُبَرِّدُ هَذِهِ اللُّغَةَ فَإنْ صَحَّ فَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَهو مَأْخُوذٌ مِن، ماتَ يَمُوتُ مُتُّ: مِثْلَ قالَ يَقُولُ قُلْتُ.

صفحة ٤٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ لامُ القَسَمِ، بِتَقْدِيرِ واللَّهِ لَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، ودالٌّ عَلى أنَّ ما هو داخِلٌ عَلَيْهِ جَزاءٌ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ المَعْنى إنْ وجَبَ أنْ تَمُوتُوا وتُقْتَلُوا في سَفَرِكم وغَزْوِكم، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَفُوزُوا بِالمَغْفِرَةِ أيْضًا، فَلِماذا تَحْتَرِزُونَ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَوْتَ والقَتْلَ غَيْرُ لازِمِ الحُصُولِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لازِمًا فَإنَّهُ يَسْتَعْقِبُ لُزُومَ المَغْفِرَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يَجْمَعُونَ﴾ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى وجْهِ الخِطابِ، أمّا وجْهُ الغَيْبَةِ فالمَعْنى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الحُطامِ الفانِي، وأمّا وجْهُ الخِطابِ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ لَهم: مَغْفِرَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِنَ الأمْوالِ الَّتِي تَجْمَعُونَها في …

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ دَقائِقَ:

أحُدُها: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ بَلْ قالَ: لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ، وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ إلى اللَّهِ يُحْشَرُ العالَمُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حاكِمَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا هو، قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] وقالَ تَعالى: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] .

وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْماءِ اللَّهِ هَذا الِاسْمَ، وهَذا الِاسْمُ أعْظَمُ الأسْماءِ وهو دالٌّ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ وكَمالِ القَهْرِ، فَهو لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ أعْظَمُ أنْواعِ الوَعْدِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ القَهْرِ أشَدُّ أنْواعِ الوَعِيدِ.

وثالِثُها: إدْخالُ لامِ التَّأْكِيدِ في اسْمِ اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿لَإلى اللَّهِ﴾ وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي هَذا الحَشْرَ والنَّشْرَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] .

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فِعْلُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، مَعَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الحَشْرِ هو اللَّهُ، وإنَّما لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لِأنَّهُ تَعالى هو العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي، شَهِدَتِ العُقُولُ بِأنَّهُ هو اللَّهُ الَّذِي يُبْدِئُ ويُعِيدُ، ومِنهُ الإنْشاءُ والإعادَةُ، فَتَرْكُ التَّصْرِيحِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هُودٍ: ٤٤] .

وخامِسُها: أنَّهُ أضافَ حَشْرَهم إلى غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ العَقْلَ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ مُضْطَرُّونَ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ، فَهم سَواءٌ كانُوا أحْياءً أمْ أمْواتًا لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ.

وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ يُحْشَرُونَ ويُوقَفُونَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ وبِساطِ العَدْلِ، فَيَجْتَمِعُ المَظْلُومُ مَعَ الظّالِمِ، والمَقْتُولُ مَعَ القاتِلِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى يَحْكُمُ بَيْنَ عَبِيدِهِ بِالعَدْلِ المُبَرَّأِ عَنِ الجَوْرِ، كَما قالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٧] فَمَن تَأمَّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وساعَدَهُ التَّوْفِيقُ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الفَوائِدَ الَّتِي ذَكَرْناها كالقَطْرَةِ مِن بِحارِ الأسْرارِ المُودَعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكَ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ يَقْتَضِي عَطْفَ المَقْتُولِ عَلى المَيِّتِ، وعَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ.

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ عادُوا لَمْ يُخاطِبْهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالتَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ، وإنَّما خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرْشَدَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنْ عَفا عَنْهم، زادَ في الفَضْلِ والَإحْسانِ بِأنْ مَدَحَ الرَّسُولَ ﷺ عَلى عَفْوِهِ عَنْهم، وتَرْكِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ومَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّ هَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ في الكَلامِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ لِينَهُ ﷺ مَعَ القَوْمِ عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ القَوْمِ قالَ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٥] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾، وقالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] وقالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا حِلْمَ أحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حِلْمِ إمامٍ ورِفْقِهِ ولا جَهْلَ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِن جَهْلِ إمامٍ وخَرَقِهِ» “ فَلَمّا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمامَ العالَمِينَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَهم حِلْمًا وأحْسَنَهم خُلُقًا. ورُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ عُثْمانَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ، وكانَ النَّبِيُّ وعَلِيٌّ يَغْسِلانِ السِّلاحَ، فَقالَتْ: ما فَعَلَ ابْنُ عَفّانَ ؟ أما واللَّهِ لا تَجِدُونَهُ أمامَ القَوْمِ، فَقالَ لَها عَلِيٌّ: ألا إنَّ عُثْمانَ فَضَحَ الزَّمانَ اليَوْمَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”مَهْ“» ورُوِيَ أنَّهُ قالَ حِينَئِذٍ: «أعْيانِي أزْواجُ الأخَواتِ أنْ يَتَحابُّوا»، ولَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمانُ مَعَ صاحِبَيْهِ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ”«لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً» “ ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْنا كُلَّ الإحْسانِ، كُنّا مُشْرِكِينَ، فَلَوْ جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ بِهَذا الدِّينِ جُمْلَةً، وبِالقُرْآنِ دُفْعَةً لَثَقُلَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ عَلَيْنا، فَما كُنّا نَدْخُلُ في الإسْلامِ، ولَكِنَّهُ دَعانا إلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَلَمّا قَبِلْناها وعَرَفْنا حَلاوَةَ الإيمانِ، قَبِلْنا ما وراءَها كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ إلى أنْ تَمَّ الدِّينُ وكَمُلَتِ الشَّرِيعَةُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ فَإذا ذَهَبَ أحَدُكم إلى الغائِطِ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرْها» “ واعْلَمْ أنَّ سِرَّ الأمْرِ في حُسْنِ الخُلُقِ أمْرانِ: اعْتِبارُ حالِ القائِلِ، واعْتِبارُ حالِ الفاعِلِ، أمّا اعْتِبارُ حالِ القائِلِ فَلِأنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ وقالَ: ”«النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» “ وكَما أنَّها في جانِبِ النُّقْصانِ تَنْتَهِي إلى غايَةِ البَلادَةِ والمَهانَةِ والنَّذالَةِ واسْتِيلاءِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ حُبِّ المالِ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ، فَلا يَغْلِبْكم أحَدٌ، وإنْ يَخْذُلْكم كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَنْصُرْكم أحَدٌ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ التَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى مَعاصِيَ اللَّهِ تَعالى نَصَرَهُ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٥] ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ فَقَدْ فازَ بِسَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّهُ يَفُوزُ بِسَعادَةٍ لا شَقاوَةَ مَعَها وبِعِزٍّ لا ذُلَّ مَعَهُ، ويَصِيرُ غالِبًا لا يَغْلِبُهُ أحَدٌ، وأمّا مَن أتى بِالمَعْصِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ يَخْذُلُهُ، ومَن خَذَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ وقَعَ في شَقاوَةٍ لا سَعادَةَ مَعَها، وذُلٍّ لا عِزَّ مَعَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ، والكَفْرُ لا يَحْصُلُ إلّا بِخِذْلانِهِ، والوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وإنْ يُخْذِلْكم) مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يَعْنِي مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِكَ: لَيْسَ لَكَ مَن يُحْسِنُ إلَيْكَ مِن بَعْدِ فُلانٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِقَضائِهِ ولا دافِعَ لِحُكْمِهِ وجَبَ أنْ لا يَتَوَكَّلَ المُؤْمِنُ إلّا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ لا عَلى غَيْرِهِ.

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.