سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ .
رُجُوعٌ إلى تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَطْمِينِهِمْ، ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، أوْ في الماءِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] ويُطْلَقُ عَلى الإفْضاءِ بِالكَلامِ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] وعَلى حُصُولِ الشَّيْءِ في النَّفْسِ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهُ أيْ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَهَيُّؤٍ وألْقَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ وهو هُنا مَجازٌ في الجَعْلِ والتَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] .
والرُّعْبُ: الفَزَعُ مِن شِدَّةِ خَوْفٍ، وفِيهِ لُغَتانِ الرُّعْبُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - والرُّعُبُ - بِضَمِّ العَيْنِ - وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ - بِضَمِّ العَيْنِ -
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ لِلْعِوَضِ وتُسَمّى باءَ المُقابَلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذِهِ بِتِلْكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائدة: ٣٨]، وهَذا جَزاءٌ دُنْيَوِيٌّ رَتَّبَهُ
صفحة ١٢٤
اللَّهُ تَعالى عَلى الإشْراكِ بِهِ، ومِن حِكْمَتِهِ تَعالى أنْ رَتَّبَ عَلى الأُمُورِ الخَبِيثَةِ آثارًا خَبِيثَةً، فَإنَّ الشِّرْكَ لَمّا كانَ اعْتِقادَ تَأْثِيرِ مَن لا تَأْثِيرَ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ يَرْتَكِزُ في نُفُوسِ مُعْتَقَدِيهِ عَلى غَيْرِ دَلِيلٍ، كانَ مِن شَأْنِ مُعْتَقِدِهِ أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبَ النَّفْسِ مُتَحَيِّرًا في العاقِبَةِ في تَغَلُّبِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ هم أخَصُّ بِهِ، وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ والغَيْرَةِ. فَلا تَزالُ آلِهَتُهم في مُغالَبَةٍ ومُنافَرَةٍ. كَما لا يَزالُ أتْباعُهم كَذَلِكَ، والَّذِينَ حالُهم كَما وصَفْنا لا يَسْتَقِرُّ لَهم قَرارٌ في الثِّقَةِ بِالنَّصْرِ في حُرُوبِهِمْ، إذْ هم لا يَدْرُونَ هَلِ الرِّبْحُ مَعَ آلِهَتِهِمْ أمْ مَعَ أضْدادِها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ صِلَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى المُشْرِكِ بِهِ لَيْسَ القَصْدُ بِها تَعْرِيفُ الشُّرَكاءِ، ولَكِنْ قُصِدَ بِها الإيماءُ إلى أنَّهُ مِن أسْبابِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، إذْ هم عَلى غَيْرِ يَقِينٍ فِيما أشْرَكُوا واعْتَقَدُوا، فَقُلُوبُهم وجِلَةٌ مُتَزَلْزِلَةٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الشُّرَكاءَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ سُلْطانٌ. فَإنْ قُلْتَ: ما ذَكَرْتَهُ يَقْتَضِي أنَّ الشِّرْكَ سَبَبٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ نازِلًا في قُلُوبِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، واللَّهُ يَقُولُ (سَنُلْقِي) أيْ في المُسْتَقْبَلِ، قُلْتُ: هو كَذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ تَسْتَكِنُّ في النُّفُوسِ حَتّى يَدْعُوَ داعِي ظُهُورِها، فالرُّعْبُ والشَّجاعَةُ صِفَتانِ لا تَظْهَرانِ إلّا عِنْدَ القِتالِ، وتَقْوَيانِ وتَضْعُفانِ، فالشُّجاعُ تَزِيدُ شَجاعَتُهُ بِتَكَرُّرِ الِانْتِصارِ، وقَدْ يَنْزَوِي قَلِيلًا إذا انْهَزَمَ ثُمَّ تَعُودُ لَهُ صِفَتُهُ سَرْعى. كَما وصَفَهُ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةَ في قَوْلِهِ:
وقُولِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي
وقَوْلِ الحُصَيْنِ بْنِ الحُمامِ:
تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ لِنَفْسَيْ حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما
وكَذَلِكَ …