Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥١ ] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيْ: الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الهُجُومِ عَلَيْكم والإقْدامِ عَلى حَرَمِكم: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِكَوْنِهِ إلَهًا أوْ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِ أوْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً قاطِعَةً يَنْبَنِي عَلَيْها الِاعْتِقاداتُ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ هي. والمَثْوى: المَقَرُّ والمَأْوى والمُقامُ. مَن ثَوى يَثْوِي.

لَطائِفُ:

اَلْأُولى: أفادَتْ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ، وعَلى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُونُ الرُّعْبُ. قالَ القاشانِيُّ: جُعِلَ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ لِتُنَوِّرَها بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ في تَوْحِيدِهِ. وأمّا المُشْرِكُ فَلِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ مَنِيعِ القُدْرَةِ بِما أشْرَكَ بِاَللَّهِ مِنَ المَوْجُودِ المَشُوبِ بِالعَدَمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بِحَسَبِ نَفْسِهِ قُوَّةٌ، ولَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِوُجُودِهِ حُجَّةً، فَلَيْسَ لَهُ إلّا العَجْزُ والجُبْنُ وجَمِيعُ الرَّذائِلِ.

وقالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ، في قُلُوبِ الكافِرِينَ، حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ - انْتَهى - .

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا وأيُّما رَجُلٌ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ»» .

الثّانِيَةُ: في ذِكْرِ عَدَمِ تَنْزِيلِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِها في نَفْسِها - إشْعارٌ بِنَفْيِها ونَفْيِ نُزُولِها جَمِيعًا، لِأنَّ ما لَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا، لا سُلْطانَ لَهُ.

الثّالِثَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: في الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَّبَعَ في البابِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ، دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ.

وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الرّازِيُّ حَيْثُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، وهَذا إنَّما صَحَّ إذا كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ ما لا دَلِيلَ عَلى ثُبُوتِهِ، يَكُونُ باطِلًا، فَيَلْزَمُ فَسادُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ - انْتَهى - ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ صَدَقَهم وعْدَهُ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ، وهو الصّادِقُ الوَعْدِ، وأنَّهم لَوْ اسْتَمَرُّوا عَلى الطّاعَةِ ولَزِمُوا أمْرَ الرَّسُولِ لاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهم، ولَكِنْ انْخَلَعُوا عَنْ الطّاعَةِ، وفارَقُوا مَرْكَزَهم فَفارَقَهم النَّصْرُ، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وابْتِلاءً …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٢ ] ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أيْ: تَقْتُلُونَهم قَتْلًا كَثِيرًا. مِن (حَسَّهُ) إذا أبْطَلَ حَسَّهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ أيْ: ضَعُفْتُمْ وتَراخَيْتُمْ بِالمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ: ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: في الإقامَةِ بِالمَرْكَزِ، فَقالَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمَةُ. أيْ قَوْمُ ! الغَنِيمَةُ. ظَهْرَ أصْحابِكم فَما تَنْظُرُونَ ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَسِيتُمْ ما قالَ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا واَللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمّا أتَوْهم صُرِفَتْ وُجُوهُهم، فَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ - رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ - .

و(الأمْرُ) إمّا بِمَعْنى: الشَأْنُ والقِصَّةُ، وإمّا الَّذِي يُضادُّهُ (النَّهْيُ) أيْ: فِيهِمْ أُمِرْتُمْ بِهِ مِن عَدَمِ البَراحِ: ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ أيْ: أمْرَ الرَّسُولِ أنْ لا تَبْرَحُوا إنْ رَأيْتُمُونا ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ، وإنْ رَأيْتُمُوهم ظَهَرُوا عَلَيْنا، فَلا تُعِينُونا - رَواهُ البُخارِيُّ -: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ أيْ: مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وانْهِزامِ العَدُوِّ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ البَراءِ قالَ: لَقِيَنا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنَ الرُّماةِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا تَبْرَحُوا إنْ رَأيْتُمُونا ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ - بِلَفْظِ ما تَقَدَّمَ - ثُمَّ قالَ البَراءُ: فَلَمّا لَقِيناهم هَرَبُوا حَتّى رَأيْتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ في الجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاخِلُهُنَّ، فَأخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةُ الغَنِيمَةُ ... الحَدِيثُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ أيْ: الغَنِيمَةَ فَتَرَكَ المَرْكَزَ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَثَبَتَ فِيهِ، وهم الَّذِينَ نالُوا شَرَفَ الشَّهادَةِ، ومِنهم أنَسُ بْنُ النَّضْرُ الأسَدُ المِقْدامُ، القائِلُ وقْتَئِذٍ: اللَّهُمَّ ! إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي: المُسْلِمِينَ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ فَقالَ: أيْنَ يا سَعْدُ ؟ إنِّي أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ! فَمَضى فَقُتِلَ، فَما عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشامَةٍ أوْ بِبَنانِهِ، وبِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن طَعْنَةٍ وضَرْبَةٍ ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ - هَذا لَفَظَ البُخارِيِّ - وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ وقَدَّسَ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَفَّكم عَنْهم حَتّى حالَتْ الحالُ، ودالَتْ الدَّوْلَةُ. وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمُسْلِمِينَ ما لا يَخْفى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ: لِيَجْعَلَ ذَلِكَ الصَّرْفَ مِحْنَةً عَلَيْكم لِتَتُوبُوا إلى اللَّهِ، وتَرْجِعُوا إلَيْهِ، وتَسْتَغْفِرُوهُ فِيما خالَفْتُمْ فِيهِ أمْرَهُ، ومِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ. ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى قَدْ عَفا عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ: تَفَضُّلًا عَلَيْكم لِإيمانِكم: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٣ ] ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾

إذْ تُصْعِدُونَ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكم أوْ بِقَوْلِهِ لِيَبْتَلِيَكم، أوْ بِمُقَدَّرٍ. والإصْعادُ: الإبْعادُ في الأرْضِ. أيْ: تَبْعُدُونَ في الفِرارِ، وقُرِئَ: تُصْعِدُونَ، مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: في الجَبَلِ: ﴿ولا تَلْوُونَ﴾ أيْ: لا تَعْطِفُونَ بِالوُقُوفِ: ﴿عَلى أحَدٍ﴾ أيْ: مِن قَرِيبٍ ولا بَعِيدٍ، مِنَ الدَّهَشِ والرَّوْعَةِ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ أيْ: ساقَتِكم وجَماعَتِكم الأُخْرى، إلى تَرْكِ الفِرارِ مِنَ الأعْداءِ وإلى العَوْدِ والكَرَّةِ عَلَيْهِمْ. وأنْتُمْ مُدْبِرُونَ وهو ثابِتٌ في مَكانِهِ في نَحْرِ العَدُوِّ في نَفَرٍ يَسِيرٍ وُثُوقًا بِوَعْدِ اللَّهِ ومُراقَبَةً لَهُ.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا اشْتَدَّ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ، فَهَزَمُوهُمْ، دَخَلَ بَعْضُهم المَدِينَةَ، وانْطَلَقَ بَعْضُهم إلى الجَبَلِ فَوْقَ الصَّخْرَةِ فَقامُوا عَلَيْها. فَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُو النّاسَ: ««إلَيَّ عَبّادَ اللَّهِ ! إلَيَّ عَبّادَ اللَّهِ !»» فَذَكَرَ اللَّهُ صُعُودَهم إلى الجَبَلِ - ثُمَّ ذَكَرَ دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم فَقالَ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ إلَخْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ.

وفِي حَدِيثِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهم لَمّا انْهَزَمُوا لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا. ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِن اَلْأنْصارِ ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ: ﴿فَأثابَكُمْ﴾ أيْ: جازاكم بِهَذا الهَرَبِ والفِرارِ: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أيْ: غَمًّا مُتَصِلًا بِغَمٍّ، يَعْنِي: غَمَّ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ، وغَمَّ صَرْخَةِ الشَّيْطانِ فِيهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا قُتِلَ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وهُما قَرِيبانِ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: الباءُ لِلْمُقابَلَةِ والعِوَضِ، أيْ: أذاقَكم غَمًّا بِمُقابَلَةِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عِصْيانُكم أمْرَهُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ غَمَّ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المَعْنى غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ أيْ: غَمًّا مُضاعَفًا. ثُمَّ أشارَ إلى سِرٍّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ أيْ: لِتَتَمَرَّنُوا بِالصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ، والثَّباتِ فِيها، وتَتَعَوَّدُوا رُؤْيَةَ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وجَمِيعِ الأشْياءِ مِنَ اللَّهِ لا مِن أنْفُسِكُمْ، فَلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الحُظُوظِ والمَنافِعِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ الغُمُومِ والمَضارِّ.

قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): وقِيلَ: جازاكم غَمًّا بِما غَمَمْتُمْ بِهِ رَسُولَهُ بِفِرارِكم عَنْهُ، وأسْلَمْتُمُوهُ إلى عَدُوِّهِ. فالغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَكم جَزاءً عَلى الغَمِّ الَّذِي أوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيِّهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حِكْمَةِ هَذا الغَمِّ بَعْدَ الغَمِّ، وهو أنْ يُنْسِيَهم الحُزْنَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَّفَرِ، وعَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والجِراحِ، فَنَسُوا بِذَلِكَ السَّلَبَ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِالغَمِّ الَّذِي يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ. …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٤ ] ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً﴾ أيْ: أمْنًا. والأمَنَةُ (بِتَحْرِيكِ المِيمِ) مَصْدَرٌ، يُقالُ: أمِنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنًا وأمَنَةً (مُحَرَّكَتَيْنِ) وفي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَعُ الأمَنَةُ في الأرْضِ، أيْ: الأمْنُ. ومِثْلُهُ مِنَ المَصادِرِ العَظَمَةُ والغَلَبَةُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُعاسًا﴾ بَدَلٌ مِن: (أمَنَةً) وقِيلَ: هو المَفْعُولُ، و: ﴿أمَنَةً﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ وهم المُخْلِصُونَ، أهْلُ اليَقِينِ والثَّباتِ والتَّوَكُّلِ الصّادِقِ، والجازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَيَنْصُرُ رَسُولَهُ ويُنْجِزُ لَهُ مَأْمُولَهُ. والنُّعاسُ في حالِ الحَرْبِ دَلِيلٌ عَلى الأمانِ، كَما قالَ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] الآيَةُ.

ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنًا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ، ويَسْقُطُ وآخُذُهُ. ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ. ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: قالَ أبُو طَلْحَةَ: رَفَعْتُ رَأْسَيْ يَوْمِ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ، وما مِنهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلّا يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وقَدْ ساقَ الرّازِيُّ لِذَلِكَ النُّعاسِ فَوائِدَ:

مِنها: أنَّ الأعْداءَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى قَتْلِهِمْ، فَبَقاؤُهم في النَّوْمِ مَعَ السَّلامَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المَعْرَكَةِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ حِفْظَ اللَّهِ وعِصْمَتَهُ مَعَهم. وذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويُورِثُهم مَزِيدَ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى - انْتَهى - . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النُّعاسُ فَهو مِمَّنْ أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ، لا دِينُهُ ولا نَبِيُّهُ ولا أصْحابُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: ما بِهِمْ إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وقَدْ قَصَدَ خَلاصَها، فَلَمْ يَغْشَهم النُّعاسُ مِنَ القَلَقِ والجَزَعِ والخَوْفِ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] الآيَةُ. وهَكَذا هَؤُلاءِ اعْتَقَدُوا أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ظَهَرُوا تِلْكَ السّاعَةَ أنَّها الفَيْصَلَةُ، وأنَّ الإسْلامَ قَدْ بادَ وأهْلُهُ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الرَّيْبِ والشَّكِّ، إذا حَصَلَ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الفَظِيعَةِ، تَحْصُلُ لَهم هَذِهِ الظُّنُونُ الشَّنِيعَةُ.

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٥ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ أيْ: عَنْ القِتالِ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيْ: جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: حَمَلَهم عَلى الزَّلَلِ بِمَكْرٍ مِنهُ. مَعَ وعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ: ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: بِشُؤْمِ بَعْضِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، كَتَرْكِ المَرْكَزِ، والمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ، مَعَ النَّهْيِ عَنْهُ، فَمُنِعُوا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: كانَتْ أعْمالُهم جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدادَ بِها عَدُوُّهم قُوَّةً. فَإنَّ الأعْمالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ، وجُنْدٌ عَلَيْهِ، ولا بُدَّ لِلْعَبْدِ في كُلِّ وقْتٍ مِن سَرِيَّةٍ مِن نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أوْ تَنْصُرُهُ. فَهو يُمِدُّ عَدُوَّهُ بِأعْمالِهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُقاتِلُ بِها، ويَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيَّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوِّهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَغْزُو عَدُوَّهُ. فَأعْمالُ العَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلى مُقْتَضاهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. والعَبْدُ لا يَشْعُرُ، أوْ يَشْعُرُ ويَتَعامى. فَفِرارُ الإنْسانِ مِن عَدُوِّهِ، وهو يُطِيقُهُ، إنَّما هو بِجُنْدٍ مِن عَمَلِهِ، بَعَثَهُ لَهُ الشَّيْطانُ واسْتَزَلَّهُ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَفا عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِالِاعْتِذارِ والنَّدَمِ لِأنَّ هَذا الفِرارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفاقٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ عارِضًا عَفا اللَّهُ عَنْهُ، فَعادَتْ شَجاعَةُ الإيمانِ وثَباتُهُ إلى مَرْكَزِها ونِصابِها: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ: يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَحْلُمُ عَنْ خَلْقِهِ، ويَتَجاوَزُ عَنْهم.

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٦ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المُنافِقُونَ القائِلُونَ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرُوا فِيها لِلتِّجارَةِ فَأُصِيبُوا بِغَرَقٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿أوْ كانُوا﴾ أيْ: إخْوانُهم: ﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ فَأُصِيبُوا بِاصْطِدامٍ أوْ قَتْلٍ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَيْسَ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ عَدَمُ مُماثَلَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهَذا القَوْلِ، بَلْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِهِ والحُكْمِ بِمُوجَبِهِ.

أقُولُ: بَلْ الآيَةُ تُفِيدُ الأمْرَيْنِ. أعْنِي: حِفْظَ الِاعْتِقادِ المَقْصُودِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، وحِفْظُ المَنطِقِ مِمّا يُوقِعُ في إضْلالِ النّاسِ، ويُخِلُّ بِالمَقامِ الإلَهِيِّ، كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وسَنَذْكُرُهُ في التَّنْبِيهِ الآتِي.

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: القَوْلَ: ﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (قالُوا) عَلى أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ، مِثْلُها في: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوهُ، لِيَكُونَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ. والمُرادُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ: بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ فائِدَةٍ ما، عَلى ذَلِكَ أصْلًا: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الباطِلِ، إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ. أيْ: هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإقامَةِ أوْ لِلسَّفَرِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما لِمَوارِدِ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ مَعَ حِيازَتِهِ لِأسْبابِ السَّلامَةِ. وعَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: ما فِيَّ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ ضَرْبَةٌ أوْ طَعْنَةٌ، وها أنا ذا أمُوتُ كَما يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلا نامَتْ أعْيُنُ الجُبَناءِ !: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في مُماثَلَةٍ مَن ذُكِرَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّشَبُّهُ بِالكُفّارِ. قالَ الحاكِمُ: وقَدْ يَكُونُ مِنهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. وفِيها أيْضًا دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَسْقُطُ وُجُوبُ الجِهادِ بِخَشْيَةِ القَتْلِ.

تَنْبِيهٌ:

أشْعَرَتْ الآيَةُ بِوُجُوبِ حِفْظِ المَنطِقِ مِمّا يُشاكِلُ ألْفاظَ المُشْرِكِينَ مِنَ الكَلِماتِ المُنافِيَةِ لِلْعَقِيدَةِ الإسْلامِيَّةِ كَما ذَكَرْنا. وقَدْ عَقَدَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) فَصْلًا في هَدْيِهِ ﷺ في حِفْظِ النُّطْقِ واخْتِيارِ الألْفاظِ قالَ:

كانَ ﷺ يَتَخَيَّرُ في خِطابِهِ، ويَخْتارُ لِأُمَّتِهِ أحْسَنَ ألْفاظٍ وأجْمَلَها وألْطَفَها، وأبْعَدَها مِن ألْفاظِ أهْلِ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والفُحْشِ. إلى أنْ قالَ: ومِن ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَوْلِ القائِلِ بَعْدَ فَواتِ الأمْرِ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقالَ: «إنَّها تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»» . وأرْشَدَهُ إلى ما هو أنْفَعُ لَهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذا …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٧ ] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ أيْ: فِيهِ مِن غَيْرِ قِتالٍ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لِذُنُوبِكم تَنالُكم: ﴿ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ: الكَفَرَةُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها الفانِيَةِ.

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٨ ] ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾

﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ عَلى أيِّ: وجْهٍ كانَ حَسْبَ القَضاءِ الأسْبَقِ: ﴿لإلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو مُتَوَفِّيكم لا غَيْرُهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَيَجْزِيكم بِأعْمالِكم.

لَطائِفُ:

اَلْأُولى: أطالَ نُحاةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] إلَخْ. مِنَ الوُجُوهِ النَّحْوِيَّةِ في (إذا) هُنا، وإنَّهُ رُبَّما يَتَبادَرُ أنَّ المَوْقِعَ لـ: (إذْ) لا لَها، حَيْثُ إنَّ مُتَعَلِّقَها وهو (قالُوا) ماضٍ. و (إذا) ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ. فَمِن قائِلٍ بِأنَّ (إذا) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّها لِلِاسْتِمْرارِ. وقِيلَ: إنَّ (كَفَرُوا) و (قالُوا) مُرادٌ بِهِما المُسْتَقْبَلُ، وفي كُلٍّ مُناقَشاتٌ وتَعَسُّفاتٌ. والحَقُّ أنَّها تَكُونُ لِلْمُضِيِّ أيْضًا. قالَ المَجْدُ الفَيْرُوزْآبادِيُّ: وتَجِيءُ (إذا) لِلْماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] فَلا إشْكالَ.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ: أنَّ كَلِمَةَ (إذْ) و(إذا) يَجُوزُ إقامَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقامَ الأُخْرى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا الَّذِي قالَ قُطْرُبٌ كَلامٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا جَوَّزْنا إثْباتَ اللُّغَةِ بِشِعْرٍ مَجْهُولٍ مَنقُولٍ عَنْ قائِلٍ مَجْهُولٍ، فَلَأنْ يَجُوزَ إثْباتُها بِالقُرْآنِ العَظِيمِ أوْلى. ثُمَّ قالَ: وكَثِيرًا أرى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، فَإذا اسْتَشْهَدُوا في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم. فَإنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ، فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: المَجْهُولُ عَلى ضَمِّ المِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] وهو الأصْلُ لِأنَّ الفِعْلَ مِنهُ يَمُوتُ. ويُقْرَأُ بِالكَسْرِ وهو لُغَةٌ طائِيَّةٌ. يُقالُ ماتَ يَماتُ مِثْلَ خافَ يَخافُ فَكَما تَقُولُ: خِفْتُ تَقُولُ: مُتُّ.

الثّالِثَةُ: قَدَّمَ القَتْلَ عَلى المَوْتِ في الأُولى لِأنَّهُ أكْثَرُ ثَوابًا وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ. فَتَرْتِيبُ المَغْفِرَةِ والحُرْمَةِ عَلَيْهِ أقْوى. وقَدَّمَ المَوْتَ في الثّانِيَةِ لِأنَّهُ أكْثَرُ. وهُما مُسْتَوِيانِ في الحَشْرِ.

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٩ ] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ تَوَلَّوْا عَنْكَ حِينَ عادُوا إلَيْكَ بَعْدَ الِانْهِزامِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا كَما قالَ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ. ورَحْمَةٌ بَدَلٌ مِنها مُبَيِّنٌ لِإبْهامِها. والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: ما لِنْتَ هَذا اللِّينَ الخارِقَ لِلْعادَةِ، مَعَ ما سَبَّبَ فِعْلُهم مِنَ الغَضَبِ المُوجِبِ لِلْعُنْفِ والسَّطْوَةِ، لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِ مَن اعْتَرَضَ عَلى ما أشارَ بِهِ - إلّا بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أيْ: سَيِّئَ الخُلُقِ خَشِنَ الكَلامِ: ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ أيْ: قاسِيَهُ وشَدِيدَهُ. تُعامِلُهم بِالعُنْفِ والجَفا: ﴿لانْفَضُّوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا: ﴿مِن حَوْلِكَ﴾ فَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ فَلا تَتِمُّ دَعْوَتُكَ. ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ سَهْلًا سَمْحًا طَلْقًا لَيِّنًا لَطِيفًا بارًّا رَؤُوفًا رَحِيمًا ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فِيما فَرَّطُوا في حَقِّكَ كَما عَفا اللَّهُ عَنْهم: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الحَرْبِ وغَيْرِهِ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ واسْتِظْهارًا بِآرائِهِمْ وتَمْهِيدًا لِسُـنَّةِ المُشاوَرَةِ في الأُمَّةِ. وقَدْ ساقَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ وُجُوهًا أُخْرى في فائِدَةِ أمْرِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُشاوَرَتِهِمْ، مِنها: أنَّهُ ﷺ وإنْ كانَ أكْمَلَ النّاسِ عَقْلًا، إلّا أنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ إنْسانٍ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ. لا سِيَّما فِيما يَفْعَلُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ ﷺ قالَ: أنْتُمْ أعْرَفُ بِأُمُورِ دُنْياكم. ومِنها: أنَّ الأمْرَ بِمُشاوَرَتِهِمْ لا لِأجْلِ أنَّهُ ﷺ مُحْتاجٌ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ لِأجْلٍ أنَّهُ إذا شاوَرَهم في الأمْرِ اجْتَهَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في اسْتِخْراجِ الوَجْهِ الأصْلَحِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَتَصِيرُ الأرْواحُ مُتَطابِقَةً مُتَوافِقَةً عَلى تَحْصِيلِ أصْلَحِ الوُجُوهِ فِيها، وتَطابُقُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مِمّا يُعِينُ عَلى حُصُولِهِ. وهَذا هو السِّرُّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في الصَّلَواتِ، وهو السِّرُّ في أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ المُنْفَرِدِ. انْتَهى.

وقَدْ ثَبَتَ مُشاوَرَتُهُ ﷺ لِأصْحابِهِ في عِدَّةِ أُمُورٍ مِنها: أنَّهُ شاوَرَهم في يَوْمِ بَدْرٍ في الذَّهابِ إلى العِيرِ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا عَرْضَ البَحْرِ لَقَطَعْناهُ مَعَكَ، ولَوْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لَسِرْنا مَعَكَ، ولا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ فَنَحْنُ مَعَكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ، وعَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ مُقاتِلُونَ. وشاوِرْهم أيْضًا أيْنَ يَكُونُ المَنزِلُ حَتّى أشارَ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو بِالتَّقَدُّمِ أمامَ القَوْمِ، وشاوَرَهم في أُحُدٍ في أنْ يَقْعُدَ في المَدِينَةِ أوْ يَخْرُجَ إلى العَدُوِّ. فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. وشاوَرَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ في مُصالَحَةِ الأحْزابِ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦٠ ] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما فُعِلَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ ذاتًا وصِفَةً وبِطَرِيقِ المُبالَغَةِ. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وتَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وفِيما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّأْيِيدَ. وتَحْذِيرٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، ومِمّا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العُقُوبَةَ بِالخِذْلانِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ولْيَخُصَّ اَلْمُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ، ولِأنَّ إيمانَهم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ - كَذا في (الكَشّافِ) - .

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.