Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 141–150 of 200

141

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And that Allah may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ .

تَسْلِيَةٌ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الهَزِيمَةِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ عَجِيبٍ في الحَرْبِ، إذْ لا يَخْلُو جَيْشٌ مِن أنْ يُغْلَبَ في بَعْضِ مَواقِعِ الحَرْبِ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ العَدُوَّ غَلَبَ. والمَسُّ هُنا الإصابَةُ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . والقَرْحُ بِفَتْحِ القافِ في لُغَةِ قُرَيْشٍ الجُرْحُ، وبِضَمِّها في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ: بِضَمِّ القافِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو اسْتِعارَةٌ لِلْهَزِيمَةِ الَّتِي أصابَتْهم، فَإنَّ الهَزِيمَةَ تُشَبَّهُ بِالثُّلْمَةِ وبِالِانْكِسارِ، فَشُبِّهَتْ هُنا بِالقَرْحِ حِينَ يُصِيبُ الجَسَدَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ لِأنَّ الجِراحَ الَّتِي تُصِيبُ الجَيْشَ لا يُعْبَأُ بِها إذا كانَ مَعَها النَّصْرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّسْلِيَةَ وقَعَتْ عَمّا أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ.

والقَوْمُ هم مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم.

والمَعْنى إنْ هُزِمْتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وكُنْتُمْ كَفافًا. ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يَمْسَسْكم لِقُرْبِهِ مِن زَمَنِ الحالِ، وعَمّا أصابَ المُشْرِكِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِبُعْدِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ.

فَقَوْلُهُ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أغْنى عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والمَعْنى: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَلا تَحْزَنُوا أوْ فَلا تَهِنُوا وهُنا بِالشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ دِينِهِ إذْ قَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ

صفحة ١٠٠

فَلَمْ تَكُونُوا مَهْزُومِينَ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ كَفافًا، وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ. وهَذِهِ المُقابَلَةُ بِما أصابَ العَدُوَّ يَوْمَ بَدْرٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَسْلِيَةً ولَيْسَ إعْلامًا بِالعُقُوبَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى وتَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدُ، فالإشارَةُ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الخَبَرُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعْلِيلٍ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ .

والأيّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ يَوْمٍ مُرادٍ بِهِ يَوْمَ الحَرْبِ، كَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ بُعاثٍ ويَوْمُ الشَّعْثَمَيْنِ، ومِنهُ أيّامُ العَرَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى الزَّمانِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

وما تَنْقُصُ الأيّامُ والدَّهْرُ يَنْفَدُ

أيِ الأزْمانُ.

والمُداوَلَةُ تَصْرِيفُها غَرِيبٌ إذْ هي مَصْدَرُ داوَلَ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ دُولَةً ودُولَةً عِنْدَ الآخَرِ أيْ يُدَوِّلُهُ كُلٌّ مِنها أيْ يُلْزِمُهُ حَتّى يَشْتَهِرَ بِهِ، ومِنهُ دالَ يَدُولُ دَوْلًا اشْتَهَرَ، لِأنَّ المُلازِمَةَ تَقْتَضِي الشُّهْرَةَ بِالشَّيْءِ، فالتَّداوُلُ في الأصْلِ تَفاعُلٌ مِن دالَ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الأشْياءِ والكَلامِ، يُقالُ: …

Aal-i-Imraan 3:141Listen in Qur'an →
142

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Or do you think that you will enter Paradise while Allah has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ .

أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، هي بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ انْتِقالٌ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، وهي إذا اسْتُعْمِلَتْ مُنْقَطِعَةً تُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، لِمُلازَمَتِها لِلِاسْتِفْهامِ، حَتّى قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والمُحَقِّقُونَ: إنَّها لا تُفارِقُ الدَّلالَةَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها، وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ الغالِبُ وقَدْ تُفارِقُهُ، واسْتَشْهَدُوا عَلى مُفارَقَتِها لِلِاسْتِفْهامِ بِشَواهِدٍ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.

فَقَوْلُهُ أمْ حَسِبْتُمْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَهِنُوا وذَلِكَ أنَّهم لَمّا مَسَّهُمُ القَرْحُ فَحَزِنُوا واعْتَراهُمُ الوَهَنُ حَيْثُ لَمْ يُشاهِدُوا مِثْلَ النَّصْرِ الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، بَيَّنَ اللَّهُ أنْ لا وجْهَ لِلْوَهَنِ لِلْعِلَلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم هُنا: أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ الَّذِي هو مَرْغُوبُهم لا يَحْصُلُ إذا لَمْ يَبْذُلُوا نُفُوسَهم في نَصْرِ الدِّينِ فَإذا حَسِبُوا دُخُولَ الجَنَّةِ يَحْصُلُ دُونَ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْطَئُوا.

صفحة ١٠٦

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيطِ والنَّهْيِ. ولِذَلِكَ جاءَ بِأمْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّغْلِيطِ: أيْ لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ دُونَ أنْ تُجاهِدُوا وتَصْبِرُوا عَلى عَواقِبِ الجِهادِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قَدَّرَ لِأمْ هُنا مُعادِلًا مَحْذُوفًا، وجَعَلَها مُتَّصِلَةً، فَنَقَلَ الفَخْرُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّهُ قالَ: عادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَصَبُّ الإنْكارِ، أيْ لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حِينَ لا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا.

ولَمّا حَرْفُ نَفْيٍ أُخْتُ (لَمْ) إلّا أنَّها أشَدُّ نَفْيًا مِن (لَمْ)، لِأنَّ (لَمْ) لِنَفْيِ قَوْلِ القائِلِ فَعَلَ فُلانٌ، ولَمّا لِنَفْيِ قَوْلِهِ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ: قالَهُ سِيبَوَيْهِ، كَما قالَ: إنَّ (لا) لِتَنْفِيَ يَفْعَلُ و(لَنْ) لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ و(ما) لِنَفْيِ لَقَدْ فَعَلَ و(لا) لِنَفْيِ هو يَفْعَلُ. فَتَدُلُّ لَمّا عَلى اتِّصالِ النَّفْيِ بِها إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ، بِخِلافِ (لَمْ)، ومِن هَذِهِ الدَّلالَةِ اسْتُفِيدَتْ دَلالَةٌ أُخْرى وهي أنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ المَنفِيَّ بِها مُتَرَقَّبُ الثُّبُوتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ قَوْلِكَ اسْتَمَرَّ النَّفْيُ إلى الآنِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا فَقالَ: ولَمّا بِمَعْنى (لَمْ) إلّا أنَّ فِيها ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] في سُورَةِ الحُجُراتِ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأعْرابَ آمَنُوا فِيما بَعْدُ.

والقَوْلُ في عِلْمِ اللَّهِ تَقَدَّمَ آنِفًا في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.

وأُرِيدَ بِحالَةِ نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ بِالَّذِينَ جاهَدُوا والصّابِرِينَ الكِنايَةُ عَنْ حالَةِ نَفْيِ الجِهادِ والصَّبْرِ عَنْهم، لِأنَّ اللَّهَ إذا عَلِمَ شَيْئًا فَذَلِكَ المَعْلُومُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَما كَنّى بِعِلْمِ اللَّهِ عَنِ التَّحَقُّقِ في قَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] كَنّى بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ …

Aal-i-Imraan 3:142Listen in Qur'an →
143

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And you had certainly wished for martyrdom before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ .

كَلامٌ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ بِإجْمالٍ بالِغٍ غايَةَ الإيجازِ، لِيَكُونَ جامِعًا بَيْنَ المَوْعِظَةِ، والمَعْذِرَةِ، والمَلامِ. والواوُ عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ.

والخِطابُ لِلْأحْياءِ، لا مَحالَةَ، الَّذِينَ لَمْ يَذُوقُوا المَوْتَ، ولَمْ يَنالُوا الشَّهادَةَ، والَّذِينَ كانَ حَظُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الهَزِيمَةُ، فَقَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أُرِيدَ بِهِ تَمَنِّي لِقاءَ العَدُوِّ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَدَمُ رِضاهم بِأنْ يَتَحَصَّنُوا بِالمَدِينَةِ، ويَقِفُوا مَوْقِفَ الدِّفاعِ، كَما أشارَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَكِنَّهم أظْهَرُوا الشُّجاعَةَ وحُبَّ اللِّقاءِ، ولَوْ كانَ فِيهِ المَوْتُ، نَظَرًا لِقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِ،

صفحة ١٠٨

فالتَّمَنِّي هو تَمَنِّي اللِّقاءِ ونَصْرُ الدِّينِ بِأقْصى جُهْدِهِمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ اكْتِراثِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِتَلَفِ نَفْسِهِ في الدِّفاعِ، رَجاءَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ هَلاكِهِ قَدْ أبْلى في العَدُوِّ، وهَيَّأ النَّصْرَ لِمَن بَقِيَ بَعْدَهُ، جَعَلَ تَمَنِّيَهُمُ اللِّقاءَ كَأنَّهُ تَمَنِّي المَوْتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، تَنْزِيلًا لِغايَةِ التَّمَنِّي مَنزِلَةَ مَبْدَئِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا مَعَ الإغْضاءِ عَنْ شِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَتَمَنِّيهِمْ إيّاهُ كَتَمَنِّي شَيْءٍ قَدْ جَهِلُوا ما فِيهِ مِنَ المَصائِبِ.

وقَوْلُهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ أيْ رَأيْتُمُ المَوْتَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِ مُشاهَدَةُ أسْبابِهِ المُحَقَّقَةِ، الَّتِي رُؤْيَتُها كَمُشاهَدَةِ المَوْتِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ تَمْثِيلًا، ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ الرُّؤْيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّوَقُّعِ، كَإطْلاقِ الشَّمِّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ المَخْزُومِيِّ:

وشَمَمْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ

وكَإطْلاقِهِ في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ يَوْمَ القادِسِيَّةِ: فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنها رِيحَ المَوْتِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ عَنْ قَوْلِهِ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ والتَّقْدِيرُ: وأُجِبْتُمْ إلى ما تَمَنَّيْتُمْ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، والمَعْنى: فَأيْنَ بَلاءُ مَن يَتَمَنّى المَوْتَ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الرُّومِ ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] .

وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى رَأيْتُمُوهُ، أوْ هو تَفْرِيعٌ أيْ: رَأيْتُمُ المَوْتَ وكانَ حَظُّكم مِن ذَلِكَ النَّظَرَ، دُونَ الغَناءِ في وقْتِ الخَطَرِ، فَأنْتُمْ

صفحة ١٠٩

مَبْهُوتُونَ. ومَحَلُّ المَوْعِظَةِ مِنَ الآيَةِ: أنَّ المَرْءَ لا يَطْلُبُ أمْرًا حَتّى يُفَكِّرَ في عَواقِبِهِ، ويَسْبُرَ مِقْدارَ تَحَمُّلِهِ لِمَصائِبِهِ، ومَحَلُّ المَعْذِرَةِ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ ومَحَلُّ المُلامِ في قَوْلِهِ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ بِمَعْنى تَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ رَأيْتُمْ مُشارَفَةَ المَوْتِ إيّاكم، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ مَن ماتَ مِن إخْوانِكم، أيْ فَكَيْفَ وجَدْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ رَأيْتُمُ المَوْتَ، وكَأنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:143Listen in Qur'an →
144

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ

Muhammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allah at all; but Allah will reward the grateful.

﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مَن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ .

عُطِفَ الإنْكارُ عَلى المَلامِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣] وكُلُّ هاتِهِ

صفحة ١١٠

الجُمَلِ تَرْجِعُ إلى العِتابِ والتَّقْرِيعِ عَلى أحْوالٍ كَثِيرَةٍ، كانَتْ سَبَبَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَن حَضَرَ الوَقْعَةَ مِن هَذا المَلامِ بِنَصِيبِهِ المُناسِبِ لِما يَعْلَمُهُ مِن حالِهِ ظاهِرًا كانَ أمْ باطِنًا.

والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاضْطِرابِ حِينَ أُرْجِفَ بِمَوْتِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ المُنافِقُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ القَدِيمِ وإخْوانِكم مِن أهْلِ مَكَّةَ ونُكَلِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، فَهَمُّوا بِتَرْكِ القِتالِ والِانْضِمامِ لِلْمُشْرِكِينَ، وثَبَتَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، مِنهم: أنَسُ بْنُ النَّضْرِ الأنْصارِيُّ، فَقالَ: إنْ كانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ.

ومُحَمَّدٌ اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﷺ سَمّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ وقِيلَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَهُ مُحَمَّدًا ولَيْسَ مِن أسْماءِ آبائِكَ ؟ فَقالَ: رَجَوْتُ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ. وقَدْ قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مُحَمَّدًا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ. ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ وِلادَةِ رَسُولِ اللَّهِ إلّا ثَلاثَةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيانَ بْنِ مُجاشِعٍ، جَدُّ جَدِّ الفَرَزْدَقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأوْسِيُّ. ومُحَمَّدُ بْنُ حِمْرانَ مِن رَبِيعَةَ.

وهَذا الِاسْمُ مِنِ اسْمِ مَفْعُولِ حَمَّدَهُ تَحْمِيدًا إذا أكْثَرَ مِن حَمْدِهِ، والرَّسُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَلُوبٌ ورَكُوبٌ وجَزُورٌ.

ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ وانْقَرَضَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

. . . . مَن كانَ في العُصُرِ الخالِي

وقَصَرَ مُحَمَّدًا عَلى وصْفِ الرِّسالَةِ قَصْرَ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ. قَصْرًا إضافِيًّا لِرَدِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ رَدَّ إنْكارٍ، سَواءٌ كانَ قَصْرَ قَلْبٍ أوْ قَصْرَ إفْرادٍ.

والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ فَتَكُونُ هي مَحَطَّ القَصْرِ: أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ مَوْصُوفٌ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ أيِ انْقِراضِهِمْ.

صفحة ١١١

وهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن يَعْتَقِدُ انْتِفاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، وهَذا الِاعْتِقادُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا لِأحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهم لَمّا صَدَرَ عَنْهم ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أثَرًا لِهَذا الِاعْتِقادِ، وهو عَزْمُهم عَلى تَرْكِ نُصْرَةِ الدِّينِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَدُوِّ كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يُنَزَّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ انْتِفاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، حَيْثُ يَجِدُونَ أتْباعَهم ثابِتِينَ عَلى مِلَلِهِمْ حَتّى الآنَ فَكانَ حالُ المُخاطَبِينَ حالَ مَن يَتَوَهَّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ بَقاءِ المِلَّةِ وبَقاءِ رَسُولِها، …

Aal-i-Imraan 3:144Listen in Qur'an →
145

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allah at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And we will reward the grateful.

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

فَإنْ كانَ مِن تَتِمَّةِ الإنْكارِ عَلى هَلَعِهِمْ عِنْدَ ظَنِّ مَوْتِ الرَّسُولِ، فالمَقْصُودُ عُمُومُ الأنْفُسِ لا خُصُوصُ نَفْسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وتَكُونُ الآيَةُ لَوْمًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلى ذُهُولِهِمْ عَنْ حِفْظِ اللَّهِ رَسُولَهُ مِن أنْ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ، ومِن أنْ

صفحة ١١٤

يُخْتَرَمَ عُمُرُهُ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الدّالِّ عَلى أنَّ عِصْمَتَهُ مِنَ النّاسِ لِأجْلِ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ. فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الحَياةَ حَتّى يُبَلِّغَ شَرْعَهُ، ويُتِمَّ مُرادَهُ، فَكَيْفَ يَظُنُّونَ قَتْلَهُ بِيَدِ أعْدائِهِ، عَلى أنَّهُ قَبْلَ الإعْلانِ بِإتْمامِ شَرْعِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ. بَكى أبُو بَكْرٍ وعَلِمَ أنَّ أجَلَ النَّبِيءِ ﷺ قَدْ قَرُبَ، وقالَ: ما كَمُلَ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ. فالجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ. والواوُ واوُ الحالِ.

وإنْ كانَ هَذا إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا عَلى الَّذِينَ فَزِعُوا عِنْدَ الهَزِيمَةِ وخافُوا المَوْتَ، فالعُمُومُ في النَّفْسِ مَقْصُودًا ما كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ الخَوْفُ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا.

وجِيءَ في هَذا الحُكْمِ بِصِيغَةِ الجُحُودِ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَوْتٌ قَبْلَ الأجَلِ، فالجُمْلَةُ، عَلى هَذا، مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذِهِ الحَقائِقِ تُلْقى في المَقاماتِ الَّتِي يُقْصَدُ فِيها مُداواةُ النُّفُوسِ مِن عاهاتٍ ذَمِيمَةٍ، وإلّا فَإنَّ انْتِهاءَ الأجَلِ مَنُوطٌ بِعِلْمِ اللَّهِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ وقْتَهُ، ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، والمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ حَياتِهِ، إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ في وقْتِ الجِهادِ أنْ يَرْجِعَ إلى الحَقِيقَةِ وهي أنَّ المَوْتَ بِالأجَلِ، والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ وقْتَ المَوْتِ، ووَضْعُهُ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِ ذَلِكَ الوَقْتِ المُقَدَّرِ، وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِ (كُنْ)، ومَرَّةً بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ، ومَرَّةً بِالقَلَمِ، ومَرَّةً بِالكِتابِ.

والكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنى الشَّيْءِ المَكْتُوبِ، فَيَكُونُ حالًا مِنَ الإذْنِ، أوْ مِنَ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ومُؤَجَّلًا حالًا ثانِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كِتابًا) مَصْدَرَ كاتَبَ المُسْتَعْمَلِ في كُتُبٍ لِلْمُبالِغَةِ، وقَوْلُهُ (مُؤَجَّلًا) صِفَةٌ لَهُ، وهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ كِتابًا مُؤَجَّلًا أيْ مُؤَقَّتًا. وجَعَلَهُ الكَشّافُ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا أيْ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وما كانَ لِنَفْسٍ الآيَةَ، وهو يُرِيدُ أنَّهُ مَعَ صِفَتِهِ وهي

صفحة ١١٥

مُؤَجَّلًا يُؤَكِّدُ مَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِإذْنِ اللَّهِ يُفِيدُ أنَّ لَهُ وقْتًا قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ.

* * *

﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ …

Aal-i-Imraan 3:145Listen in Qur'an →
146

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

صفحة ١١٦

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ.

(وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ.

ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا

صفحة ١١٧

أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، …

Aal-i-Imraan 3:146Listen in Qur'an →
147

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

صفحة ١١٦

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ.

(وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ.

ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا

صفحة ١١٧

أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، …

Aal-i-Imraan 3:147Listen in Qur'an →
148

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allah loves the doers of good.

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

صفحة ١١٦

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ.

(وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ.

ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا

صفحة ١١٧

أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، …

Aal-i-Imraan 3:148Listen in Qur'an →
149

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ والعِتابِ إلى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنهُ إلى مُعاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلى ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الحَقائِقِ الحُكْمِيَّةِ والمَواعِظِ الأخْلاقِيَّةِ والعِبَرِ التّارِيخِيَّةِ، ما لا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إحْصائِهِ.

والطّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الآمِرِ وهو مَعْرُوفٌ، وعَلى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الغالِبِ، فَيُقالُ طاعَتْ قَبِيلَةُ كَذا وطَوَّعَ الجَيْشُ بِلادَ كَذا.

(والَّذِينَ كَفَرُوا) شائِعٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، واللَّفْظُ صالِحٌ بِالوَضْعِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وكِتابِيٍّ، مُظْهِرٌ أوْ مُنافِقٌ.

والرَّدُّ عَلى الأعْقابِ: الِارْتِدادُ، والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَإينْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالظّاهِرُ أنَّهُ

صفحة ١٢٢

أرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يُخامِرَهم خاطِرُ الدُّخُولِ في صُلْحِ المُشْرِكِينَ وأمانِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ إظْهارَ الضَّعْفِ أمامَهم، والحاجَةَ إلَيْهِمْ، فَإذا مالُوا إلَيْهِمُ اسْتَدْرَجُوهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِإظْهارِ عَدَمِ كَراهِيَةِ دِينِهِمُ المُخالِفِ لَهم، حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ لِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهم حَتّى يَرْجِعُوا إلى مِلَّتِهِمْ، فالرَّدُّ عَلى الأعْقابِ عَلى هَذا يَحْصُلُ بِالإخارَةِ والمَآلِ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبْرَةُ في طاعَةِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ لِطاغِيَةِ الجَلالِقَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى تَسْفِيهِ رَأْيِ مَن قالَ لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الطّاعَةِ طاعَةُ القَوْلِ والإشارَةِ، أيِ الِامْتِثالُ، وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ لَهم: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا ما قُتِلَ فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ومِلَّتِكم. ومَعْنى الرَّدِّ عَلى الأعْقابِ في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ يَحْصُلُ مُباشَرَةً في حالِ طاعَتِهِمْ إيّاهم.

وقَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ غايَةَ الظُّهُورِ، لِأنَّ الطّاعَةَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ هي مِن قَبِيلِ المُوالاةِ والحَلِفِ فَناسَبَ إبْطالَها بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ مَوْلى المُؤْمِنِينَ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا التَّذْكِيرِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ: وهو أنَّ نَقْضَ الوَلاءِ والحِلْفِ أمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَإنَّ لِلْوَلاءِ عِنْدَهم شَأْنًا كَشَأْنِ النَّسَبِ، وهَذا مَعْنًى قَرَّرَهُ الإسْلامُ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذا كانَ الوَلاءُ ولاءَ سَيِّدِ المُوالِي كُلِّهِمْ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِاعْتِبارِ ما في طاعَةِ المُنافِقِينَ مِن مُوالاتِهِمْ وتَرْكِ ولاءِ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يُقَوِّي مُناسِبَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ ويَزِيدُ إرادَتَهُ ظُهُورًا. و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ هو أفْضَلُ المَوْصُوفِينَ …

Aal-i-Imraan 3:149Listen in Qur'an →
150

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ

But Allah is your protector, and He is the best of helpers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ والعِتابِ إلى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنهُ إلى مُعاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلى ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الحَقائِقِ الحُكْمِيَّةِ والمَواعِظِ الأخْلاقِيَّةِ والعِبَرِ التّارِيخِيَّةِ، ما لا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إحْصائِهِ.

والطّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الآمِرِ وهو مَعْرُوفٌ، وعَلى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الغالِبِ، فَيُقالُ طاعَتْ قَبِيلَةُ كَذا وطَوَّعَ الجَيْشُ بِلادَ كَذا.

(والَّذِينَ كَفَرُوا) شائِعٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، واللَّفْظُ صالِحٌ بِالوَضْعِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وكِتابِيٍّ، مُظْهِرٌ أوْ مُنافِقٌ.

والرَّدُّ عَلى الأعْقابِ: الِارْتِدادُ، والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَإينْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالظّاهِرُ أنَّهُ

صفحة ١٢٢

أرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يُخامِرَهم خاطِرُ الدُّخُولِ في صُلْحِ المُشْرِكِينَ وأمانِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ إظْهارَ الضَّعْفِ أمامَهم، والحاجَةَ إلَيْهِمْ، فَإذا مالُوا إلَيْهِمُ اسْتَدْرَجُوهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِإظْهارِ عَدَمِ كَراهِيَةِ دِينِهِمُ المُخالِفِ لَهم، حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ لِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهم حَتّى يَرْجِعُوا إلى مِلَّتِهِمْ، فالرَّدُّ عَلى الأعْقابِ عَلى هَذا يَحْصُلُ بِالإخارَةِ والمَآلِ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبْرَةُ في طاعَةِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ لِطاغِيَةِ الجَلالِقَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى تَسْفِيهِ رَأْيِ مَن قالَ لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الطّاعَةِ طاعَةُ القَوْلِ والإشارَةِ، أيِ الِامْتِثالُ، وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ لَهم: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا ما قُتِلَ فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ومِلَّتِكم. ومَعْنى الرَّدِّ عَلى الأعْقابِ في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ يَحْصُلُ مُباشَرَةً في حالِ طاعَتِهِمْ إيّاهم.

وقَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ غايَةَ الظُّهُورِ، لِأنَّ الطّاعَةَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ هي مِن قَبِيلِ المُوالاةِ والحَلِفِ فَناسَبَ إبْطالَها بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ مَوْلى المُؤْمِنِينَ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا التَّذْكِيرِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ: وهو أنَّ نَقْضَ الوَلاءِ والحِلْفِ أمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَإنَّ لِلْوَلاءِ عِنْدَهم شَأْنًا كَشَأْنِ النَّسَبِ، وهَذا مَعْنًى قَرَّرَهُ الإسْلامُ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذا كانَ الوَلاءُ ولاءَ سَيِّدِ المُوالِي كُلِّهِمْ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِاعْتِبارِ ما في طاعَةِ المُنافِقِينَ مِن مُوالاتِهِمْ وتَرْكِ ولاءِ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يُقَوِّي مُناسِبَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ ويَزِيدُ إرادَتَهُ ظُهُورًا. و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ هو أفْضَلُ المَوْصُوفِينَ …

Aal-i-Imraan 3:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.