Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

ثم قال عز وجل مبينًا حال الكفار في ذلك اليوم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفروا بما يجب الإيمان به، فكفروا بالله، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالكتاب، أو بالنبيين، أو بالقدر، إذا كفروا بأي واحد من هذه الأشياء الستة فهم كفار، كفار؛ لأن الإيمان لا يتبعض كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة ٨٥].

فالذين كفروا نقول بماذا؟ بما يجب الإيمان به؛ وهي الأركان الستة التي بينها الرسول ﷺ جوابًا لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال أيش؟ يلَّا.

* الطالب: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا اللفظ..

* الشيخ: نعم، هذه إذا كفر بواحد منها فهو كافر، الكفار لهم أموال، ولهم أولاد، وربما يعطيهم الله من الأولاد والأموال أكثر مما يعطي المؤمنين، فهل ينتفعون بهذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿تُغْنِيَ﴾ لها معنيان: تمنع أو تدفع، فهؤلاء الأموال والأولاد لا يمنعون عن هؤلاء الكفار شيئًا ولا يدفعون عنهم شيئًا، فهم إن وقع بهم شيء من عذاب الله ما استطاع هؤلاء الأولاد أو هذه الأموال أن ترفعهم، وإن قضى الله عليهم بشيء لم يستطيعوا أن يمنعوه ويدفعوه، إذن ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ لم تمنع، ولم تدفع، ولم ترفع ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ الذكور أو الإناث؟

* الطلبة: يشمل.

* الشيخ: يشمل؛ لأن الولد إذا أُطلق فهو شامل للذكر والأنثى، ما الدليل على أن الولد يشمل الذكر والأنثى؟

* الطلبة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.

* الشيخ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء ١١]. ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا تجد الواحد منهم عنده من الأموال العظيمة الكثيرة شيء كثير، ولكن لو جاءه ملك الموت ما منعه، ما منعته هذه الأموال، عنده من الأولاد والحشم والخدم الشيء الكثير ولا تغني عنه شيئًا.

﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] أعوذ بالله. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ نشوف الإعراب أولًا لنفهم المعنى: (أولاءِ) مبتدأ، (وهم) مبتدأ ثاني أو ضمير فصل، (وقود) خبر إما للمبتدأ الثاني وإما للمبتدأ الأول، فإن جعلت (هم) مبتدأ ثانيًا فـ (وقود) خبر للمبتدأ الثاني، وإن جعلت (هم) ضمير فصل فـ (وقود) خبر للمبتدأ الأول، والوَقود بفتح الواو ما يُوقد به كالطَّهور ما يُتطهر به، والسَّحور ما يتسحر به، والفَطور ما يُفطر به بخلاف الضم فُطور، وسُحور، وطُهور، ووُضوء فهي الأفعال يعني فرق بين وَضُو ووُضُو، وطَهور وطُهور، وسَحور وسُحور، السُّحور يعني الفِعل أكل السُّحور، هذا يكون بضم السين، سَحور: ما يتسحر به، فإذا جاء الإنسان بالتمر في آخر الليل، فماذا نسمي هذا التمر؟ سَحور، فإذا أكله سميناه سُحورًا، إذا جاء بماء يتوضأ به فهو وَضوء، وإذا فعل وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه نسميه وُضوء، وعلى هذا فقِس.

وهنا يقول: ﴿وَقُودُ﴾ يعني ما توقد …

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي ﷺ تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي ﷺ واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ قراءة سبعية، ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ من الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار.

ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم.

إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد ٢١]، نعم. …

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي ﷺ تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي ﷺ واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ قراءة سبعية، ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ من الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار.

ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم.

إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد ٢١]، نعم. …

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

ثم قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ كم هذه؟ ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ سبعة، إلا إن كنت تريد أن تجعل الذهب والفضة واحدة، الذهب والفضة اثنان.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، أي: جُعِل هذا الشيء زينًا في قلوبهم، ومَن الذي زيّن؟ هل المزَيِّن الله عز وجل؟ أو المزين الشيطان؟ المزين هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام ١٠٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل ٤].

وأضاف التزيين أيضًا إلى الشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله عز وجل.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ أي: زيّنها الله عز وجل في قلوبهم ابتلاءً واختبارًا؛ لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عُرِف المؤمن حقًّا، لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور لم يكن له ما يصده عن دين الله، فإذا أُلْقِي في قلبه حب هذه الشهوات فإن قوي الإيمان لا يقدمها على محبة الله عز وجل.

ألم تروا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» »متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.؟ هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق بالإنسان في النساء، منصب وجمال، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، ودعته في موضع خالٍ ليس فيه أحد؛ لأنه لو كان فيه أحد لقال: عندنا أحد كيف تقولين ها الكلام هذا؟ لكن قال: إني أخاف الله، الموضع خال فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، إذن فهذا التزيين نقول: إنه ابتلاء واختبار من الله عز وجل.

قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولم يقل: حب النساء، الشهوات، يعني أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة لا لأمر آخر، ولهذا هل يدخل في هذا رسول الله ﷺ؟ ويقال: إنه ممن زُيِّن له حب الشهوات؟ لا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج امرأة بكرًا، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات ولا يمنعه مانع من ذلك، ولكنه قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ»أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.؛ لما في اختيار النساء من قِبَله عليه الصلاة والسلام من المصالح العظيمة كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لا سيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليه إلا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، المهم أن الآية تقول: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولم يقل: حب النساء؛ لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يُحْمَد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾.

الثاني: ﴿الْبَنِينَ﴾، أيضًا يحب البنين لا ليكون عونًا له على طاعة الله ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين ويتشاءمون من البنات، إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يكون حاله؟ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩]: يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل ٥٩]، يعني: أيمسك هذا المولود وهو الأنثى على …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ …

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ …

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ …

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ …

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في هذه الآية دليل على أن النبي ﷺ له من يحاجه من أعدائه وهو كذلك، فإنهم حاجوه في أصل الدين وفي فروع الدين وسخروا منه وأوجدوا الشبهات الكثيرة منذ بُعِث وإلى يومنا هذا، والناس يثيرون الشبهات حول الدين الإسلامي ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره؛ لأنهم يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحتاجون إلى كبير عناء؛ لأنهم يُحاجون على أمر واضح؛ ولهذا أمره الله أن يسفههم وأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فإن أسلمتم فهو لكم وإن لم تسلموا فعليكم. ويتفرع على ذلك: أن من علمت أنه إنما يحاجك لقصد نصر قوله ولو كان باطلًا فلك أن تُعرض عنه وتقول: هذا ما أدين الله به، وهذا ما أستسلم له، وتدعه لماذا؟ لأن هذا معاند مكابر وليس أهلًا لأنْ تدخل معه في محاجة أو خصومة؛ لأنه لا يريد الحق، لو كان يريد الحق ما حصلت محاجة.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أتباع رسول الله ﷺ يحذون حذوه في إسلامهم لله وتفويض الأمر إليه؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوجه أشرف الأعضاء وهو الذي يكون به الانقياد وعدم الانقياد؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فإن إسلام الوجه هو الذي يكون به الانقياد؛ ولهذا كان أذل ما يكون الإنسان لربه إذا كان ساجدًا وأقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا؛ لأن هذا هو تمام الذل أن تضع أشرف أعضائك على موطئ الأقدام على الأرض.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ متبوع لا تابع؛ لقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. ويتفرع على ذلك: أن الواجب على مَن تبين له الحق أن يأخذ به إذا كان يريد أن يكون من أتباع الرسول ﷺ، أما من يلوي أعناق النصوص إلى قوله فهذا ليس بمتبع الحقيقة؛ لأن بعض الناس إذا قال قولًا وجاء في النص القرآني أو النبوي ما يخالف قوله حاول أن يلوي عنق النص ويحرف النص من أجل أن يكون موافقًا لقوله وهذا حرام؛ لأنك أنت تابع ولست بمتبوع.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يكون قول أحد من أهل العلم حجة على الآخرين؛ لماذا؟ لأن الكل تابعون لا متبوعون، ومن أراد أن يكون الناس أتباعًا له لا للحق فقد جعل نفسه شريكًا في الرسالة، والواجب أنك إذا دعوت إلى الحق ألا تريد أن يتبعك الناس لأنك فلان بن فلان، بل أن يتبع الناس قولك لأنه هو القول الذي دل عليه الدليل.

* ومن فوائد الآية الكريمة:النداء بالسفه والبلاهة على مَن جادل وعارض دون أن يستسلم لله؛ لقوله: ﴿فَقُلْ﴾: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾. وإن جعلناها أمرًا فالأمر واضح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول ﷺ، وجه ذلك أنه قال: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ فرْق بين الوصفين بين من أوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فالذين أوتوا الكتاب أصحاب علم وأصحاب كتاب، والأميون أصحاب جهل لكنهم ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا هم أهل الكتاب حقًّا؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل على رسول الله ﷺ وصفه الله بأنه مصدِّق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، فصار -والحمد لله- صار هؤلاء الأميون هم أهل الكتاب الحق، فيكون في هذا بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول ﷺ حيث كانوا في الأول أميين جاهلين، وفي الثاني أهل كتاب وزكاء: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤].

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإسلام لله سواء قلنا: إن الاستفهام …

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.