Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

يُقالُ: دَأبْتُ الشَّيْءَ أدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا أجْهَدْتُ في الشَّيْءِ وتَعِبْتُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ ودَوامٍ، ويُقالُ: سارَ فُلانٌ يَوْمًا دائِبًا، إذا أجْهَدَ في السَّيْرِ يَوْمَهُ كُلَّهُ، هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ الدَّأْبُ عِبارَةً عَنِ الشَّأْنِ والأمْرِ والعادَةِ، يُقالُ: هَذا دَأْبُ فُلانٍ أيْ عادَتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: الدُّءُوبُ والدَّأْبُ الدَّوامُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالِاجْتِهادِ، كَما هو مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ دَأْبَ الكُفّارِ، أيْ جِدَّهم واجْتِهادَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكُفْرِهِمْ بِدِينِهِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنّا أهْلَكَنا أُولَئِكَ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَذا نُهْلِكُ هَؤُلاءِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالشَّأْنِ والصُّنْعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ الأوَّلُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ شَأْنُ هَؤُلاءِ وصُنْعُهم في تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ في التَّكْذِيبِ بِمُوسى، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ إلّا أنّا حَمَلْنا اللَّفْظَ في الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى الِاجْتِهادِ، وفي هَذا الوَجْهِ عَلى الصُّنْعِ والعادَةِ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَجْعَلُهُمُ اللَّهُ وقُودَ النّارِ كَعادَتِهِ وصُنْعِهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا رَسُولَهم أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، والمَصْدَرُ تارَةً يُضافُ إلى الفاعِلِ، وتارَةً إلى المَفْعُولِ، والمُرادُ هاهُنا، كَدَأْبِ اللَّهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِرَسُولِهِمْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، وقالَ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] والمَعْنى: سُنَّتِي فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ. والثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلْعادَةِ المُضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والعادَةِ المُضافَةِ إلى الكُفّارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ومَذْهَبَهم في إيذاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَعادَةِ مَن قَبْلَهم في إيذاءِ رُسُلِهِمْ، وعادَتَنا أيْضًا في إهْلاكِ هَؤُلاءِ، كَعادَتِنا في إهْلاكِ

صفحة ١٦٢

أُولَئِكَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ، والمَقْصُودُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ نَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إيذاءِ الكَفَرَةِ وبِشارَتُهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ والدُّءُوبِ، وهو اللُّبْثُ والدَّوامُ وطُولُ البَقاءِ في الشَّيْءِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ دُءُوبُهم في النّارِ كَدُءُوبِ آلِ فِرْعَوْنَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الدَّأْبَ هو الِاجْتِهادُ، كَما ذَكَرْناهُ، ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ التَّعَبُ والمَشَقَّةُ لِيَكُونَ المَعْنى ومِشْقَتُهم وتَعَبُهم مِنَ العَذابِ كَمَشَقَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالعَذابِ وتَعَبِهِمْ بِهِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم حَصَلَ في غايَةِ القُرْبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: …

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ“ بِالياءِ فِيهِما، والباقُونَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن

صفحة ١٦٣

فَوْقُ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، فالمَعْنى: بَلِّغْهم أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الياءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] و﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ غُضُّوا، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِلْمُخاطَبَةِ، ويَدُلُّ عَلى حُسْنِ التّاءِ قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أمْرٌ بِأنْ يُخْبِرَهم بِما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الغَلَبَةِ والحَشْرِ إلى جَهَنَّمَ، والقِراءَةُ بِالياءِ أمْرٌ بِأنْ يَحْكِيَ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: «لَمّا غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ وقِدَمَ المَدِينَةِ، جَمَعَ يَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ، وقالَ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا شاهَدُوا وقْعَةَ أهْلِ بَدْرٍ، قالُوا: واللَّهِ هو النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى في التَّوْراةِ، ونَعَتَهُ وأنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعْجَلُوا ! فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونَكَبَ أصْحابُهُ قالُوا: لَيْسَ هَذا هو ذاكَ، وغَلَبَ الشَّقاءُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُسْلِمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في جَمْعٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَن هم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ تِلْكَ الفِرْقَةِ مِنَ الكُفّارِ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ، فَلَوْ آمَنُوا وأطاعُوا لانْقَلَبَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإيمانُ والطّاعَةُ مُحالًا مِنهم، وقَدْ أُمِرُوا بِهِ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالمُحالِ وبِما لا يُطاقُ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ (سَتُغْلَبُونَ) إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى مُوافَقَتِهِ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ وهو مُعْجِزٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٢] الآيَةَ، ونَظِيرُهُ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ البَعْثِ في القِيامَةِ، وحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وأنَّ مَرَدَّ …

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَقُلْ: قَدْ كانَتْ لَكم آيَةٌ، بَلْ قالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والمُرادُ: قَدْ كانَ لَكم إتْيانُ هَذا آيَةً.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما ذُكِرَ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُهُ (لَكم) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ النَّظْمِ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ أظْهَرُوا التَّمَرُّدَ وقالُوا ألَسْنا أمْثالَ قُرَيْشٍ في الضَّعْفِ وقِلَّةِ المَعْرِفَةِ بِالقِتالِ بَلْ مَعَنا مِنَ الشَّوْكَةِ والمَعْرِفَةِ بِالقِتالِ ما يَغْلِبُ كُلَّ مَن يُنازِعُنا؛ فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ أقْوِياءَ وأرْبابَ العُدَّةِ والعِدَّةِ فَإنَّكم سَتُغْلَبُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ تِلْكَ الحِكَمِ، فَقالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ﴾ يَعْنِي واقِعَةَ بَدْرٍ كانَتْ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الكَثْرَةَ والعُدَّةَ كانَتْ مِن جانِبِ الكُفّارِ والقِلَّةَ وعَدَمَ السِّلاحِ مِن جانِبِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَهَرَ الكُفّارَ وجَعَلَ المُسْلِمِينَ مُظَفَّرِينَ مَنصُورِينَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الغَلَبَةَ كانَتْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ ونَصْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ غالِبًا لِجَمِيعِ الخُصُومِ، سَواءٌ كانُوا أقْوِياءَ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهَذا ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَهْزِمُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ ويَقْهَرُهم وإنْ كانُوا أرْبابَ السِّلاحِ والقُوَّةِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآيَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”الفِئَةُ“ الجَماعَةُ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ومُشْرِكُو مَكَّةَ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وفِيهِمْ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ، وقادُوا مِائَةَ فَرَسٍ، وكانَتْ مَعَهم مِنَ الإبِلِ سَبْعَمِائَةِ بَعِيرٍ، وأهْلُ الخَيْلِ كُلُّهم كانُوا دارِعِينَ وهم مِائَةُ نَفَرٍ، وكانَ في الرِّجالِ دُرُوعٌ سِوى ذَلِكَ، وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا بَيْنَ كُلِّ أرْبَعَةٍ مِنهم بَعِيرٌ، ومَعَهم مِنَ الدُّرُوعِ سِتَّةٌ، ومِنَ الخَيْلِ فَرَسانِ، ولا شَكَّ أنَّ في غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكُفّارِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ آيَةً بَيِّنَةً ومُعْجِزَةً قاهِرَةً.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِ تِلْكَ الواقِعَةِ آيَةً بَيِّنَةً وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانَ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ مِن أسْبابِ الضَّعْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ أُمُورٌ؛ مِنها: قِلَّةُ العَدَدِ، ومِنها: أنَّهم خَرَجُوا غَيْرَ قاصِدِينَ

صفحة ١٦٥

لِلْحَرْبِ فَلَمْ يَتَأهَّبُوا، ومِنها قِلَّةُ السِّلاحِ والفَرَسِ، ومِنها أنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ غارَةٍ في الحَرْبِ لِأنَّها أوَّلُ غَزَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَدْ حَصَلَ لِلْمُشْرِكِينَ …

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِصَّةِ فَإنّا رُوِّينا أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ النَّصْرانِيَّ اعْتَرَفَ لِأخِيهِ بِأنَّهُ يَعْرِفُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ إلّا أنَّهُ لا يُقِرُّ بِذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مُلُوكُ الرُّومِ المالَ والجاهَ، وأيْضًا رُوِّينا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمُ القُوَّةَ والشِّدَّةَ والِاسْتِظْهارَ بِالمالِ والسِّلاحِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ وغَيْرَها مِن مَتاعِ الدُّنْيا زائِلَةٌ باطِلَةٌ، وأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى.

القَوْلُ الثّانِي: وهو عَلى التَّأْوِيلِ العامِّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ما هو كالشَّرْحِ والبَيانِ لِتِلْكَ العِبْرَةِ وذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبَّ الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، واللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ، ثُمَّ إنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ تَذْهَبُ لَذّاتُها، وتَبْقى تَبِعاتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَثَّ عَلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ طَيِّباتِ الآخِرَةِ مُعَدَّةٌ لِمَن واظَبَ عَلى العُبُودِيَّةِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ إلى آخَرِ الآيَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ مَنِ الَّذِي زَيَّنَ ذَلِكَ ؟ أمّا أصْحابُنا فَقَوْلُهم فِيهِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم خالِقُ جَمِيعِ الأفْعالِ هو اللَّهُ تَعالى، وأيْضًا قالُوا: لَوْ كانَ المُزَيِّنُ الشَّيْطانَ فَمَنِ الَّذِي زَيَّنَ الكُفْرَ والبِدْعَةَ لِلشَّيْطانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ في الإنْسانِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ الإنْسانُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الحَقُّ فَلْيَكُنْ في حَقِّ الإنْسانِ كَذَلِكَ، وفي القُرْآنِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] يَعْنِي إنِ اعْتَقَدَ أحَدٌ أنّا أغْوَيْناهم فَمَنِ الَّذِي أغْوانا، وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ جِدًّا.

أمّا المُعْتَزِلَةُ فالقاضِي نَقَلَ عَنْهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الشَّيْطانُ زَيَّنَ لَهم، وكانَ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ بِاللَّهِ، واحْتَجَّ القاضِي لَهم بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ حُبَّ الشَّهَواتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّهَواتُ المُحَرَّمَةُ ومُزَيِّنُ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ هو الشَّيْطانُ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ القَناطِيرَ المُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ وحُبُّ هَذا المالِ الكَثِيرِ

صفحة ١٦٩

إلى هَذا الحَدِّ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن جَعَلَ الدُّنْيا قِبْلَةَ طَلَبِهِ، ومُنْتَهى مَقْصُودِهِ، لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَكْتَفُونَ بِالغَلَبَةِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في مُتَعَلِّقِ الِاسْتِفْهامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ

صفحة ١٧٣

مِن ذَلِكم، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ كَذا وكَذا.

والثّانِي: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي.

والثّالِثُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: جَنّاتٌ تَجْرِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ المَآبَ، كَما أنَّهُ حَسَنٌ في نَفْسِهِ فَهو أحْسَنُ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ الدُّنْيا، فَقالَ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَ الدُّنْيا بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنها كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] .

الثّالِثُ: كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ أمْرَكَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حَسَنًا مُنْتَظِمًا إلّا أنَّ أمْرَكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ كَما أنَّ الدُّنْيا أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فَكَذَلِكَ الآخِرَةُ أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِنَ الدُّنْيا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قُلْنا: إنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضَرَّةِ، ونِعَمَ الآخِرَةِ خالِيَةٌ عَنْ شَوْبِ المَضارِّ بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا فَنِعَمُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ لا مَحالَةَ، ونِعَمُ الآخِرَةِ باقِيَةٌ لا مَحالَةَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ التَّقْوى ما هي؛ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَكُونُ مُتَّقِيًا إلّا إذا كانَ آتِيًا بِالواجِباتِ، مُتَحَرِّزًا عَنِ المَحْظُوراتِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى صارَتْ في عُرْفِ القُرْآنِ مُخْتَصَّةً بِالإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وظاهِرُ اللَّفْظِ أيْضًا مُطابِقٌ لَهُ، لِأنَّ الِاتِّقاءَ عَنِ الشِّرْكِ أعَمُّ مِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ، ومِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ بَعْضِ المَحْظُوراتِ، لِأنَّ ماهِيَّةَ الِاشْتِراكِ لا تَدُلُّ عَلى ماهِيَّةِ الِامْتِيازِ، فَحَقِيقَةُ التَّقْوى وماهِيَّتُها حاصِلَةٌ عِنْدَ حُصُولِ الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وعُرْفُ القُرْآنِ مُطابِقٌ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَنِ اتَّقى الكُفْرَ بِاللَّهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ احْتِمالانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلْخَيْرِ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم عِنْدُ رَبِّهِمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ …

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِ مَوْضِعِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خَفْضٌ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: لِلَّذِينَ اتَّقَوُا الَّذِينَ يَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعِبادِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى التَّخْصِيصِ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ ثُمَّ إنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَوَسَّلُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العَبْدَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ يَسْتَوْجِبُ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ

صفحة ١٧٥

تَعالى، فَإنْ قالُوا: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الطّاعاتِ؛ أبْطَلْنا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وأيْضًا فَمَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، وتابَ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، كانَ إدْخالُهُ النّارَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ عِنْدَهم، والقَبِيحُ هو الَّذِي يَلْزَمُ مَن فَعَلَهُ، إمّا الجَهْلُ، وإمّا الحاجَةُ فَهُما مُحالانِ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَإدْخالُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ النّارَ مُحالٌ، وما كانَ مُحالَ الوُقُوعِ عَقْلًا كانَ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ عَبَثًا وقَبِيحًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ جُمْلَةَ الطّاعاتِ في حُصُولِ المَغْفِرَةِ حَيْثُ أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] .

قُلْنا: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ مُجَرَّدَ الإيمانِ وسِيلَةً إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها صِفاتِ المُطِيعِينَ وهي كَوْنُهم صابِرِينَ صادِقِينَ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ شَرائِطَ لِحُصُولِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ لَكانَ ذِكْرُها قَبْلَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ أوْلى، فَلَمّا رَتَّبَ طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الصِّفاتِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في حُصُولِ أصْلِ المَغْفِرَةِ، وإنَّما هي مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ كَمالِ الدَّرَجاتِ.

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (الصّابِرِينَ) قِيلَ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي الصّابِرِينَ، وقِيلَ: الصّابِرِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا صِفاتٍ خَمْسَةً:

الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم صابِرِينَ، والمُرادُ كَوْنُهم صابِرِينَ في أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ وفي تَرْكِ المَحْظُوراتِ، وكَوْنُهم صابِرِينَ في كُلِّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَجْزَعُوا بَلْ يَكُونُوا راضِينَ في قُلُوبِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الصَّبْرِ، ويُرْوى أنَّهُ وقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ، فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى، قالَ لا، قالَ فَأيْشِ ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ.

صفحة ١٧٦

وقَدْ كَثُرَ مَدْحُ اللَّهِ تَعالى لِلصّابِرِينَ، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم صادِقِينَ، اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الصِّدْقِ قَدْ يَجْرِي عَلى القَوْلِ والفِعْلِ والنِّيَّةِ، فالصِّدْقُ في القَوْلِ مَشْهُورٌ، وهو مُجانَبَةُ الكَذِبِ، والصِّدْقُ في الفِعْلِ الإتْيانُ بِهِ وتَرْكُ الِانْصِرافِ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، يُقالُ: صَدَقَ فُلانٌ في القِتالِ وصَدَقَ في الجُمْلَةِ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: كَذَبَ في القِتالِ، وكَذَبَ في الجُمْلَةِ، والصِّدْقُ في النِّيَّةِ إمْضاءُ العَزْمِ والإقامَةُ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ الفِعْلَ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم قانِتِينَ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ عَلى العِبادَةِ والمُواظَبَةِ عَلَيْها.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مُنْفِقِينَ ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ وأقارِبِهِ وصِلَةِ رَحِمِهِ وفي الزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ وُجُوهِ البِرِّ.

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم مُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، والسَّحَرُ الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ في وقْتِ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كَأنَّ الأمْواتَ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ أرْدَفَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ دَلائِلَ الإيمانِ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَقالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، أمّا ما يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا فَلا جَرَمَ يَجُوزُ إثْباتُ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا بِمُجَرَّدِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ المَلائِكَةِ، ومِن أُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَيُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإخْبارِ المَقْرُونِ بِالعِلْمِ، فَهَذا المَعْنى مَفْهُومٌ واحِدٌ وهو حاصِلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، أمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أخْبَرَ في القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ واحِدًا لا إلَهَ مَعَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلالَةِ السَّمْعِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ جائِزٌ، وأمّا مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ فَكُلُّهم أخْبَرُوا أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ مَعْنًى واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ.

صفحة ١٧٨

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإظْهارِ والبَيانِ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ ذَلِكَ وبَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ فَقَدْ أظْهَرُوا ذَلِكَ، وبَيَّنُوهُ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ، أمّا المَلائِكَةُ فَقَدْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والرُّسُلُ لِلْعُلَماءِ، والعُلَماءُ لِعامَّةِ الخَلْقِ، فالتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ في الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ حَصَلَ الإظْهارُ والبَيانُ، فالمَفْهُومُ الإظْهارُ والبَيانُ فَهو مَفْهُومٌ واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، فَظَهَرَ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ واحِدٌ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﷺ: إنَّ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ قَدْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وشَهادَةِ جَمِيعِ المُعْتَبَرِينَ مِن خَلْقِهِ، ومِثْلُ هَذا الدِّينِ المَتِينِ والمَنهَجِ القَوِيمِ، لا يَضْعُفُ بِخِلافِ بَعْضِ الجُهّالِ مِنَ النَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، فاثْبُتْ أنْتَ وقَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ هو الإسْلامُ والدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ هو الإسْلامُ.

القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى تَوْحِيدِهِ، عِبارَةٌ عَنْ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ، وشَهادَةُ …

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ إلّا الكِسائِيَّ فَإنَّهُ فَتَحَ ”أنَّ“ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ فالنَّحْوِيُّونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ الدِّينُ الحَقُّ هو الإسْلامُ، لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ.

الثّالِثُ: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ نَفْسِهِ كانَ هَذا مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا نَفْسَهُ، وإنْ قُلْنا: دِينُ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ كانَ هَذا مِن بابِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ أنْ لا يُحْسَبَ إعادَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَ زَيْدٍ.

قُلْنا: قَدْ يُظْهِرُونَ الِاسْمَ في مَوْضِعِ الكِتابَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ١٨١

لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ

وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ مَن قَرَأ ”أنَّ الدِّينَ“ بِفَتْحِ ”أنَّ“ كانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ لِأجْلِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَإنَّ الإسْلامَ إذا كانَ هو الدِّينَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّوْحِيدِ، واللَّهُ تَعالى شَهِدَ بِهَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ كانَ اللّازِمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامَ، ومَن قَرَأ ”إنَّ الدِّينَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَوَجْهُ الِاتِّصالِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ التَّوْحِيدَ أمْرٌ شَهِدَ اللَّهُ بِصِحَّتِهِ، وشَهِدَ بِهِ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُقالَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الدِّينِ في اللُّغَةِ الجَزاءُ، ثُمَّ الطّاعَةُ تُسَمّى دِينًا لِأنَّها سَبَبُ الجَزاءِ، وأمّا الإسْلامُ فَفي مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ أوْجُهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ أيْ في الِانْقِيادِ والمُتابَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [النساء: ٩٤] أيْ لِمَن صارَ مُنْقادًا لَكم ومُتابِعًا لَكم.

والثّانِي: مَن أسْلَمَ أيْ دَخَلَ في السَّلْمِ، كَقَوْلِهِمْ: أسْنى وأقْحَطَ وأصْلُ السَّلْمِ السَّلامَةُ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُسْلِمُ مَعْناهُ المُخْلِصُ لِلَّهِ عِبادَتَهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَلِمَ الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ فالإسْلامُ مَعْناهُ إخْلاصُ الدِّينِ والعَقِيدَةِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الإسْلامِ في أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فالإسْلامُ هو الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدِّينُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا الإسْلامَ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ دِينًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ولا شَكَّ في أنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن …

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .

صفحة ١٨٣

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ ذَلِكَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ ما يَقُولُهُ في مُحاجَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ:

الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ، ودُعاءِ الشَّجَرَةِ وكَلامِ الذِّئْبِ وغَيْرِها، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ آياتٍ دالَّةً عَلى صِحَّةِ دِينِهِ، فَأوَّلُها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ، وأجابَ عَنْها بِأسْرِها عَلى ما قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم مُعْجِزَةً أُخْرى، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي شاهَدُوها يَوْمَ بَدْرٍ عَلى ما بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣] ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ، ونَفى الضِّدَّ والنِّدَّ والصّاحِبَةَ والوَلَدَ بِقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَهابَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى عَنِ الحَقِّ، واخْتِلافَهم في الدِّينِ، إنَّما كانَ لِأجْلِ البَغْيِ والحَسَدِ، وذَلِكَ ما يَحْمِلُهم عَلى الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ والتَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ لَوْ كانُوا مُخْلِصِينَ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى فِرَقِ الكُفّارِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ حَصَلَ، فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ، وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمُ الأنَفَ والحَسَدَ، وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ أنْتُمُ المُهْتَدِينَ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم، وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ، فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمُ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ، فَهَذا الطَّرِيقُ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: وهو أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ مُحاجَّةٌ، وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ …

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.