Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

ولَمّا كانَ السَّبَبُ المُقْتَضِي اسْتِمْرارَ الكُفْرِ مِنَ النَّصارى المُجادِلِينَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخَوْفَ مِمَّنْ فَوْقَهم مِن مُلُوكِ النَّصْرانِيَّةِ نَبَّهَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أوَّلِ قِصَّةِ أسْلافِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ، وما كانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُقْسَرُ بِها مُلُوكُ زَمانِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَهْرَ أسْلافِهِمْ لَهُ لَمْ تَضُرَّهم ذِلَّتُهم ولا قِلَّتُهُمْ، ولا نَفَعَتْهُ عِزَّتُهُ ولا كَثْرَةُ آلِهِ، فَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى وطَوى ذِكْرَ مَن قَبْلَهم فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ شَيْئًا مِثْلُ عادَةِ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ الَّذِينَ اشْتَهَرَ لَدَيْكُمُ اسْتِكْبارُهم وعَظَمَتُهم وفَخارُهُمْ، قالَ الحَرالِّيُّ: الدَّأْبُ العادَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي تَتَأبَّدُ بِالتِزامِها، وآلُ الرَّجُلِ مَن إذْ أُحْصِرَ تَراءى فِيهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يَغِبْ؛ وفِرْعَوْنُ اسْمُ مَلِكِ مِصْرَ في الكُفْرِ، ومِصْرُ أرْضٌ جامِعَةٌ كُلِّيَّتَها وجُمْلَةً، إقْلِيمُها نازِلٌ مَنزِلَةَ الأرْضِ كُلِّها، فَلَها إحاطَةٌ بِوَجْهٍ ما، فَلِذَلِكَ أُعْظِمَ شَأْنُها في القُرْآنِ وشَأْنُ العالِي فِيها مِنَ الفَراعِنَةِ، وكانَ الرَّسُولُ المَبْعُوثُ إلَيْهِ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِما وراءَ أوَّلِ الخَلْقِ مِن طَلِيعَةِ ظُهُورِ الحَقِّ لِسَماعِ كَلامِهِ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، فَكانَ أوَّلَ مَن طَوى في رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ ذاتِ الواسِطَةِ، فَلِذَلِكَ بُدِئَ بِهِ في هَذا الخِطابِ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ بِما هو كَلِيمُ اللَّهِ ومُصْطَفاهُ عَلى النّاسِ، ولَحِقَ بِهِ مَن تَقَدَّمَهم بِما وقَعَتْ في نُبُوَّتِهِ مِن واسِطَةِ زَوْجٍ أوْ مَلِكٍ، وخُصَّ آلُهُ لِأنَّهُ هو كانَ عارِفًا بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكانَ جاحِدًا لا مُكَذِّبًا انْتَهى.

﴿والَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ إنَّما هم بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَدْ نَقَلْتُ إلَيْكم أخْبارَهم وقُوَّتَهم واسْتِظْهارَهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا كانَتْ عادَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ مُوجِبًا لِلْعُقُوبَةِ كانَ مَظْهَرُ العَظَمَةِ بِهِ ألْيَقَ، فَصَرَفَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ السُّوَرِيَّةِ والصُّوَرِيَّةِ مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِما لَها مِن إضافَتِها إلَيْنا ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ ولَمّا أفْحَشُوا في التَّكْذِيبِ عَدَلَ إلى أعْظَمَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَهْوِيلًا لِأخْذِهِمْ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ فَأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ تَنْبِيهًا عَلى باهِرِ العَظَمَةِ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ مِنَ التَّكْذِيبِ وغَيْرِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ صَرِيحَ المُؤاخَذَةِ مُناطٌ بِالذُّنُوبِ، وأنَّ المُؤاخَذَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا تَصِلُ إلى حَدِّ الِانْتِقامِ عَلى التَّكْذِيبِ، فَكانَ ما ظَهَرَ مِن أمْرِ الدُّنْيا يَقَعُ عِقابًا عَلى ما ظَهَرَ مِنَ الأعْمالِ، وما بَطَنَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ يَسْتَوْفِي العِقابَ عَلى ما أصَرَّتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عِقابُ الدُّنْيا طُهْرَةً لِلْمُؤْمِنِ لِصَفاءِ باطِنِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ويَكُونُ واقِعُ يَوْمِ الدُّنْيا كَفافَ ما جَرى عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ فَكَأنَّ الذَّنْبَ مِنَ المُؤْمِنِ يَقَعُ في دُنْياهُ خاصَّةً، والذَّنْبَ مِنَ الكافِرِ يَقَعُ في دُنْياهُ وأُخْراهُ مِنَ اسْتِغْراقِهِ لِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ …

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ الَّتِي أوْجَبَتِ اليَقِينَ لِكُلِّ مُنْصِفٍ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ وصَلَ بِها أمْرَهُ ﷺ وهو الحَبِيبُ العَزِيزُ بِأنْ يُصَرِّحَ لَهم بِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانِكَ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أخَذْناهم ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ كَما غُلِبُوا وإنْ كُنْتُمْ مَلَأ الأرْضِ لِأنَّكم إنَّما تُغالِبُونَ خالِقَكم وهو الغالِبُ لِكُلِّ شَيْءٍ: ”ولَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ“ واللّامُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ مَعْدِيَّةٌ، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبِ مُعَلِّلَةٌ، أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ، أوْ هي بِمَعْنى عَنْ، أيْ قُلْ عَنْهُمْ، وقَدْ أفْهَمَ الإخْبارُ بِمُجَرَّدِ الغَلَبَةِ دُونَ ذِكْرِ العَذابِ كَما كانَ يُذْكَرُ في تَهْدِيدِ مَن قَبْلَهم أنَّ أخْذَهم بِيَدِ المُغالَبَةِ والمُدافَعَةِ والنُّصْرَةِ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِمْ ﷺ لِأنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ عَذابُهم فَأبى إلّا المُدافَعَةَ عَلى سُنَّةِ المُصابَرَةِ، فَكانَ أوَّلُ ذَلِكَ غَلَبَتَهُ ﷺ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وكانَ فَتْحُها فَتْحًا لِجَمِيعِ الأرْضِ لِأنَّها أُمُّ القُرى نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الحَرالِّيُّ.

﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ بَعْدَ مَوْتِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ قَبْلَ المَوْتِ ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي مِنَ الجَهامَةِ، وهي كَراهَةُ المَنظَرِ انْتَهى؛ فَتَكُونُ مِهادَكُمْ، لا مِهادَ لَكم غَيْرُها ﴿وبِئْسَ﴾ أيْ والحالُ أنَّها بِئْسَ ﴿المِهادُ﴾

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

ولَمّا كانَ الكَفَرَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْرِضِ أنْ يَقُولُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ: كَيْفَ نُغْلَبُ وما هم فِينا إلّا كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كانَتْ قِصَّةُ آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ تَنْفَعْكم لِجَهْلٍ أوْ طُولِ عَهْدٍ فَإنَّهُ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ بِدَلالَةِ تَذْكِيرِ كانَ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ تَثْنِيَةِ فِئَةٍ لِلطّائِفَةِ الَّتِي يَفِيءُ إلَيْها أيْ يَرْجِعُ مَن يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا، اسْتِنادًا إلَيْها حِمايَةً بِها لِقُوَّتِها ومَنَعَتِها ﴿التَقَتا﴾ أيْ في بَدْرٍ ﴿فِئَةٌ﴾ أيْ مِنهُما مُؤْمِنَةٌ، لِما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَطْعًا إلّا مُؤْمِنًا ﴿وأُخْرى﴾ أيْ مِنهُما ﴿كافِرَةٌ﴾ أيْ تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فالآيَةُ كَما تَرى مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وهو أنْ يُؤْتى بِكَلامَيْنِ يُحْذَفُ مِن كُلٍّ مِنهُما شَيْءٌ إيجازًا، يَدُلُّ ما ذُكِرَ مِن كُلٍّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: هو أنْ يُحْذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ شَيْءٌ إيجازًا ويُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُخْرى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِذِكْرِ الآيَةِ نَبَّهَ عَلى مَوْضِعِها بِقَوْلِهِ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ وضَمَّنَ يَرى البَصِيرِيَّةَ القاصِرَةَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فِعْلَ الظَّنِّ، وانْتَزَعَ مِنهُ حالًا ودَلَّ عَلَيْها بِنَصْبِ مَفْعُولٍ ثانٍ فَصارَ التَّقْدِيرُ: ظانِّيهِمْ ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ فَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ يَكُونُ المَعْنى: تَرَوْنَ أيُّها المُخاطَبُونَ الكُفّارَ المُقاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالغَيْبِ المَعْنى، يَرى المُسْلِمُونَ الكُفّارَ مَثَلَيِ المُسْلِمِينَ ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ أيْ بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ، لا بِحَقِيقَةِ العَدَدِ، هَذا أقَلُّ ما يُجَوِّزُونَهُ فِيهِمْ، وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ ومَعَ ذَلِكَ فَجَزاهُمُ اللَّهُ عَلى مُصادَمَتِهِمْ ونَصَرَهم عَلَيْهِمْ، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ مَثَلَيِ الكُفّارِ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلى الثُّلُثِ مِن عِدَّتِهِمْ، كَما هو المَشْهُورُ في الآثارِ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأوْلِيائِهِ لِيُرْعِبَ الأعْداءَ فَيَنْهَزِمُوا، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ ضِعْفَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ قالَ الحَرالِّيُّ: لِتَقَعَ الإراءَةُ عَلى صِدْقِهِمْ في مَوْجُودِ الإسْلامِ الظّاهِرِ والإيمانِ الباطِنِ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِما هو مُسْلِمٌ ذاتًا، وبِما هو مُؤْمِنٌ ذاتًا، فالمُؤْمِنُ المُسْلِمُ ضِعْفانِ أبَدًا ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] وذَلِكَ بِما أنَّ الكافِرَ ظاهِرٌ لا باطِنَ لَهُ فَكانَ ذاتَ عَيْنٍ، لا ذاتَ قَلْبٍ لَهُ، فَكانَ المُؤْمِنُ ضِعْفَهُ، فَوَقَعَتِ الإراءَةُ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِثَباتِ إسْلامِهِمْ وإيمانِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ أدْنى الإراءَةِ لِمَزِيدِ مَوْجُودِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمِقْدارِ الضِّعْفِ الَّذِي هو أقَلُّ الزِّيادَةِ الصَّحِيحَةِ، وأمّا بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ التّامَّ الدِّينَ بِما هو مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ صاحِبُ يَقِينٍ إنَّما هو بِالحَقِيقَةِ عَشْرٌ تامٌّ نَظِيرَ مَوْجُودِ الوُجُودِ الكامِلِ، فَهو عَشْرُ ذَواتٍ بِما هو صاحِبُ يَقِينٍ ودِينٍ

﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ …

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الَّذِي وقَفَ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ المَتاعِ إنَّما هو شَهَواتٌ وعَرَضٌ زائِلٌ، لا يُؤْثِرُهُ عَلى اتِّباعِ ما شَرَعَهُ المَلِكُ إلّا مَنِ انْسَلَخَ مِن صِفاتِ البَشَرِ إلى طَوْرِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَعْرِفُ إلّا الشَّهَواتِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آيَةِ الفِئَتَيْنِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: الآيَةُ العَلامَةُ، ومِن شَأْنِها الظُّهُورُ، فَما حَجَبَها عَنْهُمْ؟ فَقِيلَ: تَزْيِينُ الشَّهَواتِ لِمَن دَنَتْ هِمَّتُهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما أظْهَرَهُ بَقاءً لِعَلَنِ قَيُّومِيَّتِهِ مِن تَنْزِيلِ الكِتابِ الجامِعِ الأوَّلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ: إنْزالِ التَّوْراةِ بِما أنْشا عَلَيْهِ قَوْمَها مِن وضْعِ رَغْبَتِهِمْ ورَهْبَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، فَكانَ وعِيدُهم فِيها ووَعْدُهم عَلى إقامَةِ ما فِيها إنَّما هو بِرَغْبَةٍ في الدُّنْيا ورَهْبَتِها، لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى لِنَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، فَمِن مَجْبُولٍ عَلى رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ في أمْرِ الدُّنْيا، ومِن مَجْبُولٍ عَلى ما هو مِن نَحْوِ ذَلِكَ في أمْرِ الآخِرَةِ ومِن مَفْطُورٍ عَلى ما هو مِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَيَرِدُ خِطابُ كُلِّ أُمَّةٍ ويَنْزِلُ عَلَيْها كِتابُها مِن نَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ كِتابُ التَّوْراةِ كِتابَ رَجاءٍ ورَغْبَةٍ وخَوْفٍ ورَهْبَةٍ في مَوْجُودِ الدُّنْيا، وكانَ كِتابُ الإنْجِيلِ كِتابَ دَعْوَةٍ إلى مَلَكُوتِ الآخِرَةِ، وكانا مُتَقابِلَيْنِ، بَيْنَهُما مُلابَسَةٌ، لَمْ يَفْصِلْ أمْرَهُما فُرْقانٌ واضِحٌ، فَكَثُرَ فِيهِما الِاشْتِباهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الفُرْقانَ لِرَفْعِ لَبْسِ ما فِيهِما فَأبانَ فِيهِ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ مِن مَنزِلِ الوَحْيِ، وكَما أبانَ فِيهِ فُرْقانَ الوَحْيِ أبانَ فِيهِ أيْضًا فُرْقانَ الخَلْقِ وما اشْتَبَهَ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما التَبَسَ عَلى أهْلِ الدُّنْيا مِن أمْرِ الخَلْقِ بِلَوائِحِ آياتِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، فَتَبَيَّنَ في الفُرْقانِ مُحْكَمُ الوَحْيِ مِن مُتَشابِهِهِ، ومُحْكَمُ الخَلْقِ مِن مُتَشابِهِهِ وكانَ مُتَشابِهُ الخَلْقِ هو المُزَيَّنَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ومُحْكَمُ الخَلْقِ هو المُحَقَّقَ مِن دَوامِ خَلْقِ الآخِرَةِ، فاطَّلَعَ نَجْمُ هَذِهِ الآيَةِ لِإنارَةِ غَلَسِ ما بُنِيَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّوْراةِ مِن إثْباتِ أمْرِ الدُّنْيا لَهم وعْدًا ووَعِيدًا، لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَوْطِئَةً لِتَحْقِيقِ صَرْفِ النُّهى عَنْ مَدِّ اليَدِ والبَصَرِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ أهْلَها، فَأنْبَأ تَعالى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا أمْرٌ مُزَيَّنٌ، لا حَقِيقَةَ لِزِينَتِهِ ولا حُسْنَ لِما وراءَ زُخْرُفِهِ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ فَأبْهَمَ المُزَيِّنَ لِتَرْجِعَ إلَيْهِ ألْسِنَةُ التَّزْيِينِ مِمّا كانَتْ في رُتْبَةِ عُلُوٍّ أوْ دُنُوٍّ، وفي إناطَةِ التَّزْيِينِ بِالنّاسِ دُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن فَوْقَهم إيضاحٌ لِنُزُولِ سِنِّهِمْ في أسْنانِ القُلُوبِ وأنَّهم مُلُوكُ الدُّنْيا وأتْباعُهم ورُؤَساءُ القَبائِلِ وأتْباعُهُمُ الَّذِينَ هم أهْلُ الدُّنْيا ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي نُزُوعُ النَّفْسِ إلى مَحْسُوسٍ لا تَتَمالَكُ عَنْهُ. انْتَهى.

وفِي هَذا الكَلامِ إعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّزَيُّنُ الحُبُّ، لا الشَّيْءُ المَحْبُوبُ، فَصارَ اللّازِمُ لِأهْلِ الدُّنْيا إنَّما هو مَحَبَّةُ الأمْرِ الكُلِّيِّ مِن هَذِهِ المُسَمَّياتِ ورُبَّما إذا تَشَخَّصَ في الجُزْئِيّاتِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الجُزْئِيّاتُ مَحْبُوبَةً لَهُمْ، …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أوْجَبَ الإعْراضَ عَنْ هَذا العَرَضِ فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ فَعَلامَ أُقْبِلُ؟ أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم لَدَيْهِ بِجَوابِهِ لِتَكُونَ البِشارَةُ داعِيَةً إلى حُبِّهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الإقْبالِ إلَيْنا، ولَمّا أجْرى سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ البِشارَةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى العِبادِ بِحالِهِ كَما تَقُومُ بِمَقالِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْعُو إلى شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ فاعِلٍ لَهُ، ولا يَنْهى عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ، لِإيثارِهِ الغائِبَ المَسْمُوعَ مِن بِناءِ الآخِرَةِ عَلى العاجِلِ المَشْهُودِ مِن أثَرِ الدُّنْيا كَما «قالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أشْفَقَ عَلَيْهِ مِن تَأْثِيرِ رِمالِ السَّرِيرِ في جَنْبِهِ فَذَكَرَ ما فِيهِ فارِسُ والرُّومُ مِنَ النَّعِيمِ: ”أوَ في شَكٍّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ ؟ أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟“» شَوَّقَ إلَيْها بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الشَّهَواتِ، وعَظَّمَهُ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ لِعَظَمَتِهِ عِنْدَهم والزِّيادَةِ في التَّعْظِيمِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَذا الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّصَفُوا بِالتَّقْوى فَكانَ مِمّا أثْمَرَ لَهُمُ اتِّصافُهم بِها أنْ أعْرَضُوا عَنْ هَذِهِ الشَّهَواتِ مِن حَيْثُ إنَّها شَهَواتٌ وجَعَلُوها عِباداتٍ واقِيَةً لَهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ، فَتَلَذَّذُوا بِالنِّساءِ لا لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ بَلْ لِغَضِّ البَصَرِ مِنَ الجانِبَيْنِ وابْتِغاءَ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الوَلَدِ إنْفاذًا لِمُرادِ رَبِّهِمْ مِن تَكْثِيرِ خَلائِفِهِمْ في الأرْضِ لِلْإصْلاحِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ:

«تَناكَحُوا تَناسَلُوا فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ» ونَحْوِ ذَلِكَ وفَرِحُوا بِالبَنِينَ لا لِمُجَرَّدِ المُكاثَرَةِ بَلْ لِتَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ وحَمْلِهِمْ عَلى الذِّكْرِ والجِهادِ والشُّكْرِ وأنْواعِ السَّعْيِ في رِضى السَّيِّدِ، وحازُوا النَّقْدَيْنِ لا لِلْكَنْزِ، بَلْ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْراتِ، ورَبَطُوا لِلْجِهادِ، لا لِلْفَخْرِ والرِّئاسَةِ عَلى العِبادِ بَلْ لِقَمْعِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ ورَفْعِ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ المُسْتَلْزَمِ لِظُهُورِ الإيمانِ، كَما بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَشابِهَ اقْتِنائِها فَقالَ: «”وهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سَتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ»“ ثُمَّ عَظَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لَهم بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا بِلَفْتِ القَوْلِ إلى وصْفِ الإحْسانِ المُقْتَضِي لِتَرْبِيَةِ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِلِباسِ التَّقْوى المُوجِبِ لِإيثارِهِمُ الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٌ﴾ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذا كانَ (لِلَّذِينَ)، مُتَعَلِّقًا بِـ (خَيْرٌ)، ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ أنَّ ماءَها غَيْرُ مَجْلُوبٍ، بَلْ كُلُّ مَكانٍ مِنها مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَنْبُعَ مِنهُ ماءٌ يَجْرِي لِتَثْبُتَ بَهْجَتُها وتَدُومَ زَهْرَتُها ونَضْرَتُها، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إلى أنَّها هي المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الإحْسانِ المُغْنِيَةُ عَنِ الحَرْثِ والأنْعامِ، وأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا انْقِطاعَ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي مَعْنى لَفْظِ الخُلُودِ إعْلامٌ بِسُكُونِ الأنْفُسِ …

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ بَصِيرٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ ما أعَدَّ مِنَ الفَوْزِ أتْبَعَهُ ما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِهِ مِنَ الأوْصافِ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ بِها وبِإيجابِ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ حَثًّا لَهم عَلى التَّخَلُّقِ بِتِلْكَ الأوْصافِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا وصَفَ تَعالى قُلُوبَهم بِالتَّقْوى وبَرَّأهم مِنَ الاسْتِغْناءِ بِشَيْءٍ مِن دُونِهِ وصَفَ أدَبَهم في المَقالِ فَقالَ؛ انْتَهى - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا﴾ أيْ يا مَن رَبّانا بِإحْسانِهِ وعادَ عَلَيْنا بِفَضْلِهِ، وأسْقَطَ أداةَ النِّداءِ إشْعارًا بِما لَهم مِنَ القُرْبِ لِأنَّهم في حَضْرَةِ المُراقَبَةِ؛ ولَمّا كانَتْ أحْوالُهم في تَقْصِيرِها عَنْ أنْ يُقَدَّرَ اللَّهُ حَقَّ قَدْرِهِ كَأنَّها أحْوالُ مَن لَمْ يُؤْمِنِ اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالُوا: ﴿إنَّنا﴾ فَأثْبَتُوا النُّونَ إبْلاغًا فِيهِ ﴿آمَنّا﴾ أيْ بِما دَعَوْتَنا إلَيْهِ، وأظْهَرُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ فَإنَّنا عاجِزُونَ عَنْ دَفْعِها ورَفْعِ الهِمَمِ عَنْ مُواقَعَتِها وإنِ اجْتَهَدْنا لِما جُبِلْنا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، تَنْبِيهًا مِنهُ تَعالى عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في التَّقْوى إذا هُدِمَ بِالتَّوْبَةِ لِأنَّهُ ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها. قالَ الحَرالِّيُّ: وبَيَّنَ المَغْفِرَةَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تُغَيِّرُها الأفْعالُ، مَن تَرَتَّبَ إيمانُهُ عَلى تَقْوى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، فَكانَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِأهْلِ هَذا الأدَبِ في مُقابَلَةِ الَّذِينَ آخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا، فَفي شُمُولِ ذِكْرِ الذُّنُوبِ في الصِّنْفَيْنِ إعْلامٌ بِإجْراءِ قَدْرِ الذُّنُوبِ عَلى الجَمِيعِ، فَما كانَ مِنها مَعَ التَّكْذِيبِ أخَذَ بِهِ، وما كانَ مِنها مَعَ التَّقْوى والإيمانِ غَفَرَ لَهُ. انْتَهى.

ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى الغُفْرانَ عَلى التَّقْوى ابْتِداءً رَتَّبَ عَلَيْها الوِقايَةَ انْتِهاءً فَقالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحْقَقْناهُ بِسُوءِ أعْمالِنا.

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا وصَفَ تَقْوى قُلُوبِهِمْ باطِنًا وأدَبَ مَقالِهِمْ ظاهِرًا وصَفَ لَهم أحْوالَ أنْفُسِهِمْ لِيَتَطابَقَ ظاهِرُ أمْرِهِمْ بِمُتَوَسِّطِهِ وباطِنِهِ فَقالَ: ﴿الصّابِرِينَ﴾ فَوَصَفَهم بِالصَّبْرِ إشْعارًا بِما يَنالُهم مِن سَجْنِ الدُّنْيا وشَدائِدِها، والصَّبْرُ أمْدَحُ أوْصافِ النَّفْسِ، بِهِ تَنْحَبِسُ عَنْ هَواها وعَمّا زُيِّنَ مِنَ الشَّهَواتِ المَذْكُورَةِ بِما تَحَقَّقَ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ فَصَبَرُوا عَنِ الشَّهَواتِ؛ أمّا النِّساءُ فَبِالِاقْتِصارِ عَلى ما مَلَكُوهُ وأمّا البَنُونَ فَبِمُراعاةِ أنَّ ما تَقَدَّمَ خَيْرٌ مِمّا تَأخَّرَ، قالَ ﷺ - يَعْنِي فِيما رَواهُ ابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لَسَقَطٌ أُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ أحَبُّ إلَيَّ مِن فارِسٍ أُخَلِّفُهُ خَلْفِي“ وأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَبِالنَّظَرِ إلَيْها أصْنامًا يَضُرُّ مَوْجُودُها، وبِالحَرِيِّ أنْ يَنالَ مِنها السَّلامَةَ بِنَفَقَةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إنْفاقُها إلى أنْ يَكُونَ كَفّارَةَ كَسْبِها وجَمْعِها، فَكانَ الصَّبْرُ عَنْها أهْوَنَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنها؛ وأمّا الخَيْلُ فَلِما يَصْحَبُها مِنَ التَّعَزُّزِ المُمِدِّ لِخُيَلاءِ النَّفْسِ الَّذِي هو أشَدُّ ما عَلى النَّفْسِ أنْ تَخْرُجَ عَنْ زَهْوِها وخُيَلائِها إلى احْتِمالِ الضَّيْمِ والسُّكُونِ بِحُبِّ الذُّلِّ، يُقالُ: إنَّهُ آخِرُ ما يَخْرُجُ مِن رُؤُوسِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّئاسَةِ؛ وأمّا الأنْعامُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنها عَلى قَدْرِ الكَفافِ، لِأنَّ كُلَّ مُسْتَزِيدٍ تَمَوُّلًا مِنَ الدُّنْيا زائِدًا عَلى كَفافٍ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ أوْ مَلْبَسٍ أوْ مَرْكَبٍ أوْ مالٍ فَهو مُحْجِرٌ عَلى مَن سِواهُ مِن عِبادِ اللَّهِ ذَلِكَ الفَضْلَ الَّذِي هم أحَقُّ بِهِ مِنهُ، قالَ ﷺ:

«لَنا غَنَمُ مِائَةٍ لا نُرِيدُ أنْ تَزِيدَ» الحَدِيثَ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وأمّا الحَرْثُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنهُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ لِما يَكُونُ راتِبًا لِلْإلْزامِ ومُرْصَدًا لِلنَّوائِبِ ومُخْرِجًا لِلْبَذْرِ، فَإنْ أعْطاهُ اللَّهُ فَضْلًا أخْرَجَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإخْراجِ ولَوْ بِالبَيْعِ، ولا يُمْسِكُهُ مُتَمَوِّلًا لِقَلْبِهِ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْيانِ فَيَكُونُ مُحْتَكِرًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ”مَنِ احْتَكَرَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدَ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وبَرِئَ اللَّهُ مِنهُ“ فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الصَّبْرُ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ مِنَ التَّمَوُّلاتِ مِنَ الدُّنْيا الزّائِدَةِ عَلى الكَفافِ الَّتِي هي حَظُّ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ يَحِقُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِماتُ مُعْرَبَةً بِالنَّصْبِ مَدْحًا، لِأنَّ الصِّفاتِ المُتَّبَعَةَ لِلْمَدْحِ حِلْيَتُها النَّصْبُ في لِسانِ العَرَبِ، وإنَّما يَتْبَعُ في الإعْرابِ ما كانَ لِرَفْعِ لَبْسٍ أوْ تَخْصِيصٍ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ سِنُّ التَّقْوى فَوْقَ سِنِّ الإيمانِ عَطَفَ أمْداحَهم كُلَّها بِالواوِ إيذانًا بِكَمالِهِمْ في كُلِّ وصْفٍ مِنها وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ ما في آيَةِ بَراءَةٍ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في عَطْفِ الصِّفاتِ ما يُؤْذِنُ بِكَمالِ الوَصْفِ لِأنَّ العَرَبَ تَعْطِفُها إذا كَمُلَتْ وتَتَبَّعَ بَعْضُها بَعْضًا إذا تَرَكَّبَتْ والتَأمَتْ، يَعْنِي مِثْلَ: الرُّمّانِ حُلْوٌ حامِضٌ - إذا كانَ غَيْرَ …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ واسْتَدَلَّ عَلَيْها وأخْبَرَ عَمّا أعَدَّ لِلْكافِرِينَ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وخَتَمَ بِالإخْبارِ بِما أعَدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا جَرَّ إلى ذِكْرِهِ تَعالى بِما يَقْتَضِي الوَحْدانِيَّةَ أيْضًا مِنَ الأوْصافِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإيمانِ أنْتَجَ ذَلِكَ ثُبُوتَها ثُبُوتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكَرَّرَ تَعالى هَذِهِ النَّتِيجَةَ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ مِنَ الماضِي كَما اقْتَضَتْهُ الأدِلَّةُ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أنْهى تَعالى الفُرْقانَ نِهايَتَهُ بِبَيانِ المُحْكَمَيْنِ والمُتَشابِهَيْنِ في الوَحْيِ والكَوْنِ انْتُظِمَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي أعْظَمُ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ بِآيَةِ القَيُّومِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ آيَةِ الوُجُودِ لِيَنْتَظِمَ آيَةَ الشُّهُودِ بِآيَةِ الوُجُودِ، انْتَهى.

فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿أنَّهُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأعادَ بِالإضْمارِ لِيَكُونَ الشّاهِدُ والمَشْهُودُ لَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَأعادَ بِالهُوِيَّةِ لِمَعْنى الوَحْدانِيَّةِ في الشَّهادَةِ ولَمْ يَقُلْ: إلّا اللَّهُ، لِما يُشْعِرُ بِهِ تَكْرارُ الِاسْمِ في مَحَلِّ الإضْمارِ مِنَ التَّنَزُّلِ العَلِيِّ. انْتَهى. والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعَلَ فِعْلَ الشّاهِدِ في إخْبارِهِ عَمّا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُبَراءِ إذا رَأوْا تَقاعُسَ أتْباعِهِمْ عَمّا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنَ المُهِمّاتِ في تَعاطِيهِمْ لَهُ بِأنْفُسِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخَطْبَ قَدْ فَدَحَ والأمْرَ قَدْ تَفاقَمَ، فَيَتَساقَطُ حِينَئِذٍ إلَيْهِ الأتْباعُ ولَوْ أنَّ فِيهِ الهَلاكَ تَساقُطَ الذُّبابِ في أحْلى الشَّرابِ، وإلى ذَلِكَ يَنْظُرُ قَوْلُ وفْدِ ثَقِيفٍ: ما لِمُحَمَّدٍ يَأْمُرُنا بِأنْ نَشْهَدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ ولا يَشْهَدُ هو لِنَفْسِهِ! فَكانَ ﷺ بَعْدُ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا شَهِدَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ الشَّهادَةَ لِلَّهِ فِيها بِالرِّسالَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي أسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً قَدْ نَصَبَ لَكُمُ الأدِلَّةَ بِخَلْقِ ما خَلَقَ عَلى تَفَرُّدِهِ بِحَيْثُ انْتَفى كُلُّ رَيْبٍ فَكانَ ذَلِكَ أعْظَمَ شَهادَةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ أوْمَأ مَن قالَ:

؎ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ

؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

ثُمَّ شَهِدَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِكَلامِهِ جَمْعًا بَيْنَ آيَتَيِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَلَمْ يُبْقِ لَكم عُذْرًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي مِنَ اللَّهِ لِلَّهِ هي الشَّهادَةُ الَّتِي إلَيْها قَصَدَ القاصِدُونَ وسَلَكَ السّالِكُونَ وإلَيْهِ انْتَهَتِ الإشارَةُ، وعِنْدَها وقَفَتِ العِبارَةُ، وهي أنْهى المَقاماتِ وأعْظَمُ الشَّهاداتِ، فَمَن شَهِدَ بِها فَقَدْ شَهِدَ شَهادَةً لَيْسَ وراءَها مَرْمى، ومَن شَهِدَ بِما دُونَها كانَتْ شَهادَتُهُ مَشْهُودًا عَلَيْها لا شَهادَةً، يُؤْثَرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ مُنْذُ كانَ وقْتُ العَصْرِ إلى أنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ في حَجَّتِهِ الَّتِي كَمُلَ بِها الدِّينُ وتَمَّتْ بِها النِّعْمَةُ يَقُولُ هَذِهِ الآيَةَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، فَأيُّ عَبْدٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي شَهادَةُ اللَّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَهادَتُهُ، وأتَمَّ اللَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَخْضَعَ لَهُ الرِّقابُ ويُخْلِصَ لَهُ التَّوْحِيدَ جَمِيعُ الألْبابِ وذَلِكَ هو الإسْلامُ فَقالَ مُعَلِّلًا لِلشَّهادَةِ مِنهم بِالعَدْلِ - وقِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالفَتْحِ أظْهَرُ في التَّعْلِيلِ: ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ وأصْلُهُ الجَزاءُ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الشَّرِيعَةِ لِأنَّها مُسَبَّبَةٌ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الإسْلامُ﴾ فاللّامُ لِلْعَهْدِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ فَإنَّها أُسٌّ لِكُلِّ طاعَةٍ، فَلِأجْلِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هَذا شَهِدُوا لَهُ هَذِهِ الشَّهادَةَ المُقْتَضِيَةَ لِنِهايَةِ الإذْعانِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ لا دِينَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ كانَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكانَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ الماضُونَ والأُمَمُ السّالِفُونَ لِيَلْزَمُوهُ ويُلْزِمُوهُ أتْباعَهُمْ! فَقِيلَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَلْزَمُوهُ؟ فَقِيلَ: قَدْ لَزِمُوهُ مُدَّةً مَدِيدَةً ﴿وما﴾ ويَجُوزُ وهو أحْسَنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِشَهادَتِهِ ما يُرْضِيهِ بِآياتِهِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ أوْضَحَهُ غايَةَ الإيضاحِ بِآياتِهِ المَسْمُوعَةِ بِكُتُبِهِ وما ﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي تَرَوْنَهُ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وما كانَ اخْتِلافُهم لِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ بَلْ ﴿بَغْيًا﴾ واقِعًا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ، بَلْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِلْحَسَدِ والتَّنافُسِ في الدُّنْيا لِشُبَهٍ أبْدَوْها ودَعاوٍ ادَّعَوْها، طالَ بَيْنَهم فِيها النِّزاعُ وعَظُمَ الدِّفاعُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِكَشْفِها، قادِرٌ عَلى صَرْفِها. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَغْيُ السَّعْيُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ فِي إزالَةِ نِعَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى خَلْقٍ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ الباغِي مِنَ الحَسَدِ لَهُ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ فَإنَّ اللَّهَ عَظِيمُ الثَّوابِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ﴾ أيْ يَسْتَمِرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَقُلْ حِلْمًا مِنهُ: ومَن كَفَرَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَتِهِ بِالكَمالِ وُقُوفًا مَعَ تِلْكَ الشُّبَهِ وعَمِيَ عَنِ الدَّلِيلِ فاللَّهُ مُهْلِكُهُ عاجِلًا ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفْؤَ لَهُ ﴿سَرِيعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ السُّرْعَةِ وهي وحاءُ النِّجازِ فِيما شَأْنُهُ الإبْطاءُ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَنّى بِالسُّرْعَةِ عَنِ القُرْبِ فالمَعْنى: قَرِيبُ ﴿الحِسابِ﴾ أيْ عَنْ قَرِيبٍ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بِأيْدِي بَعْضِهِمْ وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُنْقَلُونَ إلى حِسابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ المُقْتَضِي لِعَذابِ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ عَلى بابِها، والمُرادُ أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ في حِسابِهِ ما يَتَهَيَّأُ في حِسابِ غَيْرِهِ مِنَ المُغالَطَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلنَّجاةِ أوِ المُطاوَلَةِ في مُدَّةِ الحِسابِ المُقْتَضِيَةِ لِتَأخُّرِ الجَزاءِ في مُدَّةِ المُراوَغَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومِنَ الكُفْرِ بِالآياتِ الكُفْرُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ انْتَحَلُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ. قالَ الحَرالِّيُّ: كانَ آيَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْهِدايَةِ، فَوَقَعَ عِنْدَهم بِحالِ مَن كَفَرُوا بِهِ، فَكانَ سَبَبُ كُفْرِهِمْ ما كانَ …

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِالأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ بَعْدَهُ في شَيْءٍ مِمّا تَضَمَّنَهُ وهَدى إلَيْهِ ودَلَّ صَرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا عَلَيْهِ فاعْلَمْ أنَّ جِدالَهم عَنْ عِنادٍ مَعَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الحالِ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ فَأعْرِضْ عَنْهم إلى أنْ آمُرَكَ بِالقِتالِ، لِأنَّ مِنَ الواجِباتِ - كَما تَقَرَّرَ في آدابِ البَحْثِ - الإعْراضَ عَمَّنْ كابَرَ في المَحْسُوسِ، وقُلْ أنْتَ عَمَلًا بِالآيَةِ السّالِفَةِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ أخْلَصْتُ قَصْدِي وتَوَجُّهِي، وانْقَدْتُ غايَةَ الِانْقِيادِ ﴿لِلَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا كُفْؤَ لَهُ.

قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا أدْرَجَ تَعالى شَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ في شَهادَتِهِ لَقَّنَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُدْرِجَ مَنِ اتَّبَعَهُ في إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ لِيَكُونَ إسْلامُهم بِإسْلامِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لا بِإسْلامِ أنْفُسِهِمْ، لِتَلْحَقَ التّابِعَةُ مِنَ الأُمَّةِ بِالأئِمَّةِ، وذَلِكَ حالُ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ مُؤْثَرَةِ الفِرَقِ الِاثْنَتَيْنِ والسَّبْعِينَ الَّتِي قالَ النَّبِيُّ ﷺ «وما أنا عَلَيْهِ”فِيما أُوتِيَ مِنَ اليَقِينِ“وأصْحابِي» فِيما أُوتُوهُ مِنَ الانْقِيادِ وبَراءَتِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنْفُسِهِمْ في أمْرٍ، كَما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ كُلِّ ناشِئَةِ عِلْمٍ أوْ أمْرٍ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَمَن دَخَلَ بِرَأْيِهِ في أمْرٍ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الاتِّباعِ بِحَسَبِ اسْتِبْدادِهِ. انْتَهى. فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ لِأجْلِ الفِعْلِ: ﴿ومَنِ﴾ أيْ وأسْلَمَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِ﴾ وُجُوهَهم لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ المُكَمِّلُ لِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ في إكْمالِ غَيْرِهِ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ﴾ تَهْدِيدًا وتَعْجِيزًا وتَبْكِيتًا وتَقْرِيعًا ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ عامَّةً مِن هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يُجادِلُونَكَ ومِنَ اليَهُودِ أيْضًا ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهُمْ، مُشِيرًا بِالِاسْتِفْهامِ إلى عِنادِهِمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فَنَفَعُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي صِيغَةِ ”افْتَعَلُوا“ ما يُلِيحُ إلى أنَّ الأنْفُسَ مائِلَةٌ إلى الضَّلالِ زائِغَةٌ عَنْ طَرِيقِ الكَمالِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنِ الإسْلامِ فَهم مُعانِدُونَ فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُهم ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ وعَلَيْهِمْ وبالُ تَوَلِّيهِمْ، وفي بِنْيَةِ التَّفَعُّلِ ما يُومِئُ إلى أنَّ طُرُقَ الهُدى بَعْدَ البَيانِ آخِذٌ مَحاسِنُها بِمَجامِعِ القُلُوبِ، وأنَّ الصّادِفَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ قاهِرٌ لِظاهِرِ عَقْلِهِ وقَوِيمِ فِطْرَتِهِ الأوْلى بِرَجاسَةِ نَفْسِهِ واعْوِجاجِ طَبْعِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ يُوَفِّقُ لِقَبُولِ البَلاغِ عَنْكَ مَن عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ، ويُنَكِّبُ عَنْهُ مَن عَلِمَ فِيهِ الشَّرَّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ فَهو يُوَفِّقُ مَن خَلَقَهُ لِلْخَيْرِ مِنهم ويَخْذُلُ غَيْرَهُ. لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ.

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.