Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 141–150 of 200

141

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And that Allah may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يُصِيبُهم مِنَ القَرْحِ لا يَجِبُ أنْ يُزِيلَ جِدَّهم واجْتِهادَهم في جِهادِ العَدُوِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أصابَهم ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ عَدُوَّهم مِثْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ باطِلِهِمْ، وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لَمْ يَفْتُرُوا لِأجْلِ ذَلِكَ في الحَرْبِ، فَبِأنْ لا يَلْحَقَكُمُ الفُتُورُ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ والتَّمَسُّكِ بِالحَقِّ أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) [آلِ عِمْرانَ: ١٧٢] والباقُونَ بِفَتْحِ القافِ فِيهِما واخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالأوَّلُ: مَعْناهُما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ: كالجُهْدِ والجَهْدِ، والوُجْدِ والوَجْدِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: أنَّ الفَتْحَ لُغَةُ تِهامَةَ والحِجازِ والضَّمَّ لُغَةُ نَجْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ اسْمٌ.

والرّابِعُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ بِعَيْنِها وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحَةِ.

والخامِسُ: قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ المَفْتُوحَةَ تُوِهِمُ أنَّها جَمْعُ قُرْحَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] .

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ قَدْ نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ ما نالَكم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ مِنهم نَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، وقُتِلَ صاحِبُ لِوائِهِمْ والجِراحاتُ كَثُرَتْ فِيهِمْ وعُقِرَ عامَّةُ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقَدْ كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وما كانَ قَرْحُهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَ قَرْحِ المُشْرِكِينَ ؟

قُلْنا: يَجِبُ أنَّ يُفَسَّرَ القَرْحُ في هَذا التَّأْوِيلِ بِمُجَرَّدِ الِانْهِزامِ لا بِكَثْرَةِ القَتْلى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(الأيّامُ) صِفَةٌ و(نُداوِلُها) خَبَرُهُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأيّامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَما تَقُولُ: هي الأيّامُ تُبْلِي كُلَّ جَدِيدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أيّامِ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، فَبَيَّنَ أنَّها دُوَلٌ تَكُونُ عَلى الرَّجُلِ حِينًا ولَهُ حِينًا والحَرْبُ سِجالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: المُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا تَناقَلَتْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ٧] أيْ تَتَداوَلُونَها ولا تَجْعَلُونَ لِلْفُقَراءِ مِنها نَصِيبًا، ويُقالُ: الدُّنْيا دُوَلٌ، أيْ تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ، ثُمَّ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ، ويُقالُ: دالَ لَهُ الدَّهْرُ بِكَذا إذا انْتَقَلَ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا هي دُوَلٌ بَيْنَ النّاسِ لا …

Aal-i-Imraan 3:141Listen in Qur'an →
142

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Or do you think that you will enter Paradise while Allah has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى الوُجُوهَ الَّتِي هي المُوجِباتُ والمُؤَثِّراتُ في مُداوَلَةِ الأيّامِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ لِذَلِكَ، فَقالَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، وتَفْسِيرُ كَوْنِها مُنْقَطِعَةً تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١ ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ ”أمْ“ الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ، يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟، مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما، قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا،

صفحة ١٧

فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهِدَةٍ وصَبْرٍ، وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إذا قِيلَ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وإذا قِيلَ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ لَمّا يَفْعَلْ. لِأنَّهُ لَمّا أُكِّدَ في جانِبِ الثُّبُوتِ بِقَدْ، لا جَرَمَ أُكِّدَ في جانِبِ النَّفْيِ بِكَلِمَةِ ”لَمّا“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّفْيِ عَلى العِلْمِ، والمُرادُ وُقُوعُهُ عَلى نَفْيِ المَعْلُومِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَصْدُرِ الجِهادُ عَنْكم، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، كَما هو عَلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُطابَقَةُ لا جَرَمَ. حَسُنَ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وأمّا النَّصْبُ فَبِإضْمارِ أنْ، وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى واوَ الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ لا تَجْمَعُ بَيْنَهُما، وكَذا هاهُنا المُرادُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وتَرْكَ المُصابَرَةِ عَلى الجِهادِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الواوَ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ …

Aal-i-Imraan 3:142Listen in Qur'an →
143

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And you had certainly wished for martyrdom before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى الوُجُوهَ الَّتِي هي المُوجِباتُ والمُؤَثِّراتُ في مُداوَلَةِ الأيّامِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ لِذَلِكَ، فَقالَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، وتَفْسِيرُ كَوْنِها مُنْقَطِعَةً تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١ ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ ”أمْ“ الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ، يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟، مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما، قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا،

صفحة ١٧

فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهِدَةٍ وصَبْرٍ، وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إذا قِيلَ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وإذا قِيلَ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ لَمّا يَفْعَلْ. لِأنَّهُ لَمّا أُكِّدَ في جانِبِ الثُّبُوتِ بِقَدْ، لا جَرَمَ أُكِّدَ في جانِبِ النَّفْيِ بِكَلِمَةِ ”لَمّا“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّفْيِ عَلى العِلْمِ، والمُرادُ وُقُوعُهُ عَلى نَفْيِ المَعْلُومِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَصْدُرِ الجِهادُ عَنْكم، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، كَما هو عَلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُطابَقَةُ لا جَرَمَ. حَسُنَ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وأمّا النَّصْبُ فَبِإضْمارِ أنْ، وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى واوَ الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ لا تَجْمَعُ بَيْنَهُما، وكَذا هاهُنا المُرادُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وتَرْكَ المُصابَرَةِ عَلى الجِهادِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الواوَ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ …

Aal-i-Imraan 3:143Listen in Qur'an →
144

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ

Muhammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allah at all; but Allah will reward the grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: «لَمّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُحُدٍ أمَرَ الرُّماةَ أنْ يَلْزَمُوا أصْلَ الجَبَلِ، وأنْ لا يَنْتَقِلُوا عَنْ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ الأمْرُ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا وقَفُوا وحَمَلُوا عَلى الكُفّارِ وهَزَمُوهم وقَتَلَ عَلِيٌّ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ صاحِبَ لِوائِهِمْ، والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ شَدّا عَلى المُشْرِكِينَ ثُمَّ حَمَلَ الرَّسُولُ مَعَ أصْحابِهِ

صفحة ١٨

فَهَزَمُوا أبا سُفْيانَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا أنْ رَأوُا انْهِزامَ الكُفّارِ بادَرَ قَوْمٌ مِنَ الرُّماةِ إلى الغَنِيمَةِ وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ صاحِبُ مَيْمَنَةِ الكُفّارِ، فَلَمّا رَأى تَفَرُّقَ الرُّماةِ حَمَلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَهَزَمَهم وفَرَّقَ جَمْعَهم وكَثُرَ القَتْلُ في المُسْلِمِينَ، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ، وأقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وهو صاحِبُ الرّايَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمِ أُحُدٍ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، فَظَنَّ أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ صارِخٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وكانَ الصّارِخُ الشَّيْطانَ، فَفَشا في النّاسِ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَهُنالِكَ قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما قُتِلَ، ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وإلى دِينِكم، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: يا قَوْمُ إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، ثُمَّ سَلَّ سَيْفَهُ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَرَّ بَعْضُ المُهاجِرِينَ بِأنْصارِيٍّ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشْعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، قاتِلُوا عَلى دِينِكم، ولَمّا شَجَّ ذَلِكَ الكافِرُ وجْهَ الرَّسُولِ ﷺ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ، احْتَمَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ودافَعَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ونَفَرٌ آخَرُونَ مَعَهم، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَعَلَ يُنادِي ويَقُولُ: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ فَلامَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ فاسْتَوْلى الرُّعْبُ عَلى قُلُوبِنا فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ»، ومَعْنى الآيَةِ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهم بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِمْ أبَدًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: الرَّسُولُ جاءَ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: يُرادُ بِهِ …

Aal-i-Imraan 3:144Listen in Qur'an →
145

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allah at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And we will reward the grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ أرَجَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَكانَ قَتْلُهُ مِثْلَ مَوْتِهِ في أنَّهُ لا

صفحة ٢٠

يَحْصُلُ إلّا في الوَقْتِ المُقَدَّرِ المُعَيَّنِ، فَكَما أنَّهُ لَوْ ماتَ في دارِهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ دِينِهِ، فَكَذا إذا قُتِلَ وجَبَ أنْ لا يُؤَثِّرَ ذَلِكَ في فَسادِ دِينِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ المُنافِقِينَ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ: إنَّهُ لَمّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأدْيانِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْرِيضَ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ الأجَلِ وإذا جاءَ الأجَلُ لا يَنْدَفِعُ المَوْتُ بِشَيْءٍ، فَلا فائِدَةَ في الجُبْنِ والخَوْفِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ حِفْظَ اللَّهِ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَخْلِيصَهُ مِن تِلْكَ المَعْرَكَةِ المُخَوِّفَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ ما بَقِيَ سَبَبٌ مِن أسْبابِ الهَلاكِ إلّا وقَدْ حَصَلَ فِيها، ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى حافِظًا وناصِرًا ما ضَرَّهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أصْحابَهُ قَصَّرُوا في الذَّبِّ عَنْهُ.

والرّابِعُ: وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَلَيْسَ في إرْجافِ مَن أرْجَفَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فِيهِ أوْ يُعِينُ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، بَلْ يُبْقِيهِ اللَّهُ إلى أنْ يَظْهَرَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.

الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الجَوابُ عَمّا قالَهُ المُنافِقُونَ، فَإنَّ الصَّحابَةَ لَمّا رَجَعُوا وقَدْ قُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ قالُوا: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَوْتَ والقَتْلَ كِلاهُما لا يَكُونانِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وحُضُورِ الأجَلِ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الإذْنِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو الأمْرُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلَكَ المَوْتِ بِقَبْضِ الأرْواحِ فَلا يَمُوتُ أحَدٌ إلّا بِهَذا الأمْرِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإذْنِ ما هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا الأمْرِ إنَّما هو التَّكْوِينُ والتَّخْلِيقُ والإيجادُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المَوْتِ والحَياةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإذَنِ المُرادُ: أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ إلّا بِما أماتَها اللَّهُ تَعالى.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ وتَرْكُ المَنعِ بِالقَهْرِ والإجْبارِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ بِتَخْلِيَتِهِ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المَنعِ مِن ذَلِكَ بِالقَهْرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ بِتَخَلِّي اللَّهِ بَيْنَ القاتِلِ والمَقْتُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُ نَبِيَّهُ ويَجْعَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا لِيُتِمَّ عَلى يَدَيْهِ بَلاغَ ما …

Aal-i-Imraan 3:145Listen in Qur'an →
146

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

صفحة ٢٢

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مِن تَمامِ تَأْدِيبِهِ قالَ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: إنَّ لَكم بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ وأتْباعِهِمْ أُسْوَةً حَسَنَةً، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَةُ أتْباعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ الصَّبْرَ عَلى الجِهادِ وتَرْكَ الفِرارِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم هَذا الفِرارُ والِانْهِزامُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”وكائِنْ“ عَلى وزْنِ كاعِنٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ ”كَأيِّنْ“ مَشْدُودًا بِوَزْنٍ كَعَيِّنٍ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، ومِنَ اللُّغَةِ الأُولى قَوْلُ جَرِيرٍ:

وكائِنْ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِيبُ هو المُصابُ

وأنْشَدَ المُفَضَّلُ:

وكائِنْ تَرى في الحَيِّ مِن ذِي قَرابَةٍ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو (قُتِلَ مَعَهُ) والباقُونَ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ المَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ قُتِلُوا والَّذِينَ بَقَوْا بَعْدَهم ما وهَنُوا في دِينِهِمْ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ ونُصْرَةِ دِينِهِمْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هَكَذا. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والوَقْفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ عَلى قَوْلِهِ: (قُتِلَ) وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ بِمَعْنى قُتِلَ حالَ ما كانَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، أوْ يَكُونُ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قُتِلَ فَما وهَنَ الرِّبِّيُّونَ عَلى كَثْرَتِهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مِن إخْوانِهِمْ، بَلْ مَضَوْا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، فَقَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم كَذَلِكَ، وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ ما جَرى لِسائِرِ الأنْبِياءِ لِتَقْتَدِيَ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَتْلَ سائِرِ الأنْبِياءِ لا قِتالَهم، ومَن قَرَأ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فالمَعْنى: وكَمْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ العَدَدُ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ فَأصابَهم مِن عَدُوِّهِمْ قَرْحٌ فَما وهَنُوا؛ لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.

وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في القِتالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو القِتالَ. وأيْضًا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْنا بِنَبِيٍّ قُتِلَ في القِتالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَعْنى ”كَأيِّنْ“ كَمْ، وتَأْوِيلُها التَّكْثِيرُ لِعَدَدِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحَجِّ: ٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ [الحَجِّ: ٤٨] والكافُ في ”كَأيِّنْ“ كافُ التَّشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى ”أيِّ“ الَّتِي هي لِلِاسْتِفْهامِ كَما دَخَلَتْ عَلى ”ذا“ مِن ”كَذا“ و”أنَّ“ مِن ”كَأنَّ“، ولا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ فِيهِ كَما لا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ في كَذا، تَقُولُ: لِي عَلَيْهِ كَذا وكَذا: …

Aal-i-Imraan 3:146Listen in Qur'an →
147

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ مَدَحَهم بِصِفاتِ الثُّبُوتِ فَقالَ:

﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كانُوا مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ بِطَلَبِ الإمْدادِ والإعانَةِ مِنَ اللَّهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ مَن عَوَّلَ في تَحْصِيلِ مُهِمّاتِهِ عَلى نَفْسِهِ ذَلَّ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ فازَ بِالمَطْلُوبِ، قالَ القاضِي: إنَّما قَدَّمُوا قَوْلَهم:

صفحة ٢٤

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإذا لَمْ تَحْصُلِ النُّصْرَةُ وظَهَرَ أماراتُ اسْتِيلاءِ العَدُوِّ، دَلَّ ذَلِكَ ظاهِرًا عَلى صُدُورِ ذَنْبٍ وتَقْصِيرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَلِهَذا المَعْنى يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَدَءُوا بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ الذُّنُوبِ، سَواءٌ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهم خَصُّوا الذُّنُوبَ العَظِيمَةَ الكَبِيرَةَ مِنها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِعِظَمِها وعِظَمِ عِقابِها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّ الإسْرافَ في كُلِّ شَيْءٍ هو الإفْراطُ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسْراءِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعْرافِ: ٣١] ويُقالُ: فُلانٌ مُسْرِفٌ إذا كانَ مُكْثِرًا في النَّفَقَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ إنَّهم لَمّا فَرَغُوا مِن ذَلِكَ سَألُوا رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامَهم، وذَلِكَ بِإزالَةِ الخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإزالَةِ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ عَنْ صُدُورِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَنْصُرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّصْرَةَ لا بُدَّ فِيها مِن أُمُورٍ زائِدَةٍ عَلى ثَباتِ أقْدامِهِمْ، وهو كالرُّعْبِ الَّذِي يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ، وإحْداثِ أحْوالٍ سَماوِيَّةٍ أوْ أرْضِيَّةٍ تُوجِبُ انْهِزامَهم، مِثْلَ هُبُوبِ رِياحٍ تُثِيرُ الغُبارَ في وُجُوهِهِمْ، ومِثْلَ جَرَيانِ سَيْلٍ في مَوْضِعِ وُقُوفِهِمْ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.

Aal-i-Imraan 3:147Listen in Qur'an →
148

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allah loves the doers of good.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ طَرِيقَةَ الرِّبِّيِّينَ في الصَّبْرِ، وطَرِيقَتَهم في الدُّعاءِ ذَكَرَ أيْضًا ما ضَمِنَ لَهم في مُقابَلَةٍ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الأمْرَيْنِ، أمّا ثَوابُ الدُّنْيا فَهو النُّصْرَةُ والغَنِيمَةُ وقَهْرُ العَدُوِّ والثَّناءُ الجَمِيلُ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ وزَوالُ ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ وكَفّارَةُ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ وأنْواعِ السُّرُورِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ، فَيَكُونُ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ لَهم بِحُصُولِها في الآخِرَةِ، فَأقامَ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَقامَ نَفْسِ الحُصُولِ، كَما أنَّ الكَذِبَ في وعْدِ اللَّهِ والظُّلْمَ في عَدْلِهِ مُحالٌ، أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (فَآتاهُمُ) عَلى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] أيْ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ. قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالشُّهَداءِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَيَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ أيْضًا كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى في حالِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَدْ آتاهم حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ في جِنانِ السَّماءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ تَعالى ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ ثَوابِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ كُلَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَما خَصَّهُ اللَّهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ مِن هَذا الجِنْسِ فانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ حُسْنُهُ، ولَمْ يَصِفْ ثَوابَ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحُسْنُ هو الحَسَنَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٣] أيْ حَسَنًا، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ

صفحة ٢٥

الحَسَنَةَ لِكَوْنِها عَظِيمَةً في الحُسْنِ صارَتْ نَفْسَ الحُسْنِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا كانَ في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] فَذَكَرَ لَفْظَةَ ”مِن“ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ في الآيَةِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ ”مِن“ والفَرْقُ: أنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ إنَّما اشْتَغَلُوا بِالعُبُودِيَّةِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، فَكانَتْ مَرْتَبَتُهم في العُبُودِيَّةِ نازِلَةً، وأمّا المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا الذَّنْبَ والقُصُورَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] ولَمْ يَرَوُا التَّدْبِيرَ والنُّصْرَةَ والإعانَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] فَكانَ مَقامُ هَؤُلاءِ في العُبُودِيَّةِ في غايَةِ الكَمالِ، فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ فازُوا بِبَعْضِ …

Aal-i-Imraan 3:148Listen in Qur'an →
149

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ لَمّا أرْجَفُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ودَعا المُنافِقُونَ بَعْضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ، مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلامِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّهُ كانَ كَبِيرَ القَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ أبُو سُفْيانَ لِأنَّهُ كانَ شَجَرَةَ الفِتَنِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ مِنَ

صفحة ٢٦

المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ألْقَوُا الشُّبُهاتِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ وقالُوا لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ ما وقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الواقِعَةُ، وإنَّما هو رَجُلٌ كَسائِرِ النّاسِ، يَوْمٌ لَهُ ويَوْمٌ عَلَيْهِ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ اليَهُودُ لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وكانُوا يُلْقُونَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، ولا سِيَّما عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طاعَتِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ فَقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم فِيما أمَرُوكم بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَرْكِ الإسْلامِ، وقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم في كُلِّ ما يَأْمُرُونَكم مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ في المَشُورَةِ، وقِيلَ في تَرْكِ المُحارَبَةِ وهو قَوْلُهم: [ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَعْنِي يَرُدُّوكم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ؛ لِأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ كُفْرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ …

Aal-i-Imraan 3:149Listen in Qur'an →
150

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ

But Allah is your protector, and He is the best of helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ لَمّا أرْجَفُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ودَعا المُنافِقُونَ بَعْضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ، مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلامِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّهُ كانَ كَبِيرَ القَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ أبُو سُفْيانَ لِأنَّهُ كانَ شَجَرَةَ الفِتَنِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ مِنَ

صفحة ٢٦

المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ألْقَوُا الشُّبُهاتِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ وقالُوا لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ ما وقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الواقِعَةُ، وإنَّما هو رَجُلٌ كَسائِرِ النّاسِ، يَوْمٌ لَهُ ويَوْمٌ عَلَيْهِ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ اليَهُودُ لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وكانُوا يُلْقُونَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، ولا سِيَّما عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طاعَتِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ فَقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم فِيما أمَرُوكم بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَرْكِ الإسْلامِ، وقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم في كُلِّ ما يَأْمُرُونَكم مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ في المَشُورَةِ، وقِيلَ في تَرْكِ المُحارَبَةِ وهو قَوْلُهم: [ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَعْنِي يَرُدُّوكم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ؛ لِأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ كُفْرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ …

Aal-i-Imraan 3:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.