Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 141–150 of 200

141

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And that Allah may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ النّاسِ، لِيُمَحِّصَ المُؤْمِنِينَ، ويَمْحَقَ الكافِرِينَ. وفي التَّمْحِيصِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ، وأنْشَدُوا:

؎ رَأيْتُ فَضِيلًا كانَ شَيْئًا مُلَفَّفًا فَكَشَفَهُ التَّمْحِيصُ حَتّى بَدا لَيًّا

وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّنْقِيَةُ، والتَّخْلِيصُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ، قالَ: يُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلَ مَحْصًا: إذا ذَهَبَ مِنهُ الوَبَرُ حَتّى يَتَخَلَّصَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: [اللَّهُمَّ ] مَحِّصْ عَنّا ذُنُوبَنا: أذْهِبْها عَنّا. وذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ التَّمْحِيصَ: التَّخْلِيصُ، يُقالُ: مَحَّصْتُ الشَّيْءَ أُمَحِّصُهُ مَحْصًا: إذا أخْلَصْتُهُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ التَّمْحِيصُ: ابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِما يَجْرِي عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي: هو تَنْقِيَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ بِذَلِكَ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآَيَةِ: ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ بِالذُّنُوبِ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُهْلِكُهم قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُذْهِبُ دَعْوَتَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يُنْقِصُهم ويُقَلِّلُهم، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: يُحْبِطُ أعْمالَهم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

Aal-i-Imraan 3:141Listen in Qur'an →
142

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Or do you think that you will enter Paradise while Allah has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في ذَلِكَ، فَتَمَنُّوا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ، فَيَلْحَقُونَ بِإخْوانِهِمْ، فَأراهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنِ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ يَعْنِي القِتالَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَنْظُرُوا إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ يَوْمَئِذٍ، قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي السَّيْفُ ونَحْوُهُ مِنَ السِّلاحِ. وفي مَعْنى ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَنْظُرُونَ إلى السُّيُوفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وأنْتُمْ بُصَراءُ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ كَذا وكَذا، ولَيْسَ في عَيْنِكَ عِلَّةٌ، أيْ: رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقَةً.

. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ. وفي الآَيَةِ إضْمارٌ [أيْ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ] فَلِمَ انْهَزَمْتُمْ؟!

Aal-i-Imraan 3:142Listen in Qur'an →
143

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And you had certainly wished for martyrdom before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في ذَلِكَ، فَتَمَنُّوا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ، فَيَلْحَقُونَ بِإخْوانِهِمْ، فَأراهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنِ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ يَعْنِي القِتالَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَنْظُرُوا إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ يَوْمَئِذٍ، قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي السَّيْفُ ونَحْوُهُ مِنَ السِّلاحِ. وفي مَعْنى ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَنْظُرُونَ إلى السُّيُوفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وأنْتُمْ بُصَراءُ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ كَذا وكَذا، ولَيْسَ في عَيْنِكَ عِلَّةٌ، أيْ: رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقَةً.

. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ. وفي الآَيَةِ إضْمارٌ [أيْ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ] فَلِمَ انْهَزَمْتُمْ؟!

Aal-i-Imraan 3:143Listen in Qur'an →
144

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ

Muhammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allah at all; but Allah will reward the grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صاحَ الشَّيْطانُ يَوْمَ أُحُدٍ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ. فَقالَ قَوْمٌ لَئِنْ كانَ قُتِلَ لَنُعْطِيَنَّهُمُ بِأيْدِينا إنَّهم لَعَشائِرُنا وإخْوانُنا، ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ حَيًّا لَمْ نُهْزَمْ، فَتَرَخَّصُوا في الفِرارِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قالَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فالحَقُوا بِدِينِكُمُ الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقالَ قَتادَةُ: قالَ أُناسٌ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ ناسٌ مَن عَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ: قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى تَلْحَقُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّهُ يَمُوتُ كَما ماتَتْ قَبْلَهُ الرُّسُلُ، أفَإنْ ماتَ عَلى فِراشِهِ، أوْ قُتِلَ كَمَن قُتِلَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكُمْ؟! أيْ: تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ؟! وهَذا عَلى سَبِيلِ المَثَلِ، يُقالُ: لِكُلِّ مَن رَجَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ: قَدِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ، وأصْلُهُ: رَجْعَةُ القَهْقَرى، والعَقِبُ: مُؤَخَّرُ القَدَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أيْ: لَنْ يُنْقِصَ اللَّهَ شَيْئًا بِرُجُوعِهِ، وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ. ﴿وَسَيَجْزِي﴾ أيْ: يُثِيبُ الشّاكِرِينَ، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الثّابِتُونَ عَلى دِينِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ أمِيرَ الشّاكِرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشّاكِرُونَ عَلى التَّوْفِيقِ والهِدايَةِ. والثّالِثُ: عَلى الدِّينِ.

Aal-i-Imraan 3:144Listen in Qur'an →
145

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allah at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And we will reward the grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ في الإذْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الأمْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الإذْنُ نَفْسُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾ تَوْكِيدٌ، والمَعْنى: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ كِتابًا مُؤَجَّلًا، أيْ: كِتابًا ذا أجَلٍ. والأجَلُ: الوَقْتُ المَعْلُومُ، ومِثْلُهُ في التَّوْكِيدِ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٢٤ ] لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٢٢ ] دَلَّ عَلى أنَّهُ مَفْرُوضٌ، فَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٢٤ ] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [ النَّمْلِ: ٨٨ ] لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ [ النَّمْلِ: ٨٨ ] دَلَّ عَلى أنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ فَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، أُعْطِيَ مِنها قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومَن قَصَدَ الآَخِرَةَ بِعَمَلِهِ، أُعْطِيَ مِنها. وقالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالآَيَةِ مَن ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ، ومَن طَلَبَ الغَنِيمَةَ.

فَصْلٌ

وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُحْكَمٌ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [ الإسْراءِ: ١٨ ] والصَّحِيحُ أنَّهُ مُحْكَمٌ، لِأنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: ما نَشاءُ، وما قَدَّرْنا لَهُ، ولَمْ يَقُلْ: ما يَشاءُ هو.

Aal-i-Imraan 3:145Listen in Qur'an →
146

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "وَكَأيْنِ" في وزْنِ "كَعَيْنِ" . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "وَكائِنِ" في وزْنِ "كاعِنِ" قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "كَأيْنِ" مِثْلُ: "كَعَيْنِ" يَنْصِبُونَ الهَمْزَةَ، ويُشَدِّدُونَ الياءَ. وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: "وَكائِنُ" كَأنَّها فاعِلٌ مِن "كِئْتُ" . وأنْشَدَنِي الكِسائِيُّ:

؎ وكائِنُ تُرى يَسْعى مِنَ النّاسِ جاهِدًا عَلى ابْنٍ غَدًا مِنهُ شُجاعٌ وعَقْرَبُ

وَقالَ آَخَرُ:

؎ وكائِنٌ أصابَتْ مُؤْمِنًا مِن مُصِيبَةٍ ∗∗∗ عَلى اللَّهِ عُقْباها ومِنهُ ثَوابُها

، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كائِنٌ بِمَعْنى "كَمْ" مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ [ الطَّلاقِ: ٨ ] وفِيها لُغَتانِ: "كَأيْنَ" بِالهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، و"كائِنُ" عَلى وزْنِ "قائِلٍ" [وَبائِعٍ ] وقَدْ قُرِئَ بِهِما [جَمِيعًا في القُرْآَنِ ] والأكْثَرُ والأفْصَحُ تَخْفِيفُها. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وكائِنٌ أرَيْنا المَوْتَ مِن ذِي تَحِيَّةٍ ∗∗∗ إذا ما ازْدَرانا أوْ أصَرَّ لِمَأْثَمٍ.

وَقالَ الآَخَرُ:

؎ وكائِنٌ تَرى مِن صامِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ ∗∗∗ زِيادَتُهُ أوْ نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ، والمُفَضَّلُ كِلاهُما عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلَ" بِضَمِّ القافِ، وكَسْرِ التّاءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "قاتَلَ" بِألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ: "رُبِّيُّونَ" بِضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والجَحْدَرِيُّ، بِفَتْحِها. فَعَلى حَذْفِ الألِفِ يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَتْلٌ لِلنَّبِيِّ وحْدَهُ، ويَكُونُ المَعْنى: وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ، ومَعَهُ رِبِّيُّونَ، فَما وهَنُوا بَعْدَ قَتْلِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَتْلٌ لِلرِّبِّيِّينَ، ويَكُونُ: "فَما وهَنُوا" لِمَن بَقِيَ مِنهم. وعَلى إثْباتِ الألِفِ يَكُونُ المَعْنى: أنَّ القَوْمَ قاتَلُوا، فَما وهَنُوا. وفي مَعْنى الرِّبِّيِّينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأُلُوفُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، واخْتارَهُ اليَزِيدِيُّ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأتْباعُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المُتَألِّهُونَ العارِفُونَ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الضَّعْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّهُ العَجْزُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والِاسْتِكانَةُ: الخُشُوعُ، والذُّلُّ، ومِنهُ أخْذُ المِسْكِينِ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَما وهَنُوا بِالخَوْفِ، وما ضَعُفُوا بِنُقْصانِ القُوَّةِ، ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ.

. والثّانِي: فَما وهَنُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم.

Aal-i-Imraan 3:146Listen in Qur'an →
147

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ يَعْنِي الرِّبِّيِّينَ. ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم غَيْرَ الِاسْتِغْفارِ. والإسْرافُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذُّنُوبِ الصَّغائِرُ، وبِالإسْرافِ الكَبائِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى القِتالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ، فَإنَّ الثّابِتَ عَلى دِينِهِ ثابِتٌ في حَرْبِهِ.

Aal-i-Imraan 3:147Listen in Qur'an →
148

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: الغَنِيمَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: النَّصْرُ والغَنِيمَةُ.

وَفِي حُسْنِ ثَوابِ الآخِرَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما أنَّهُ الجَنَّةُ.

والثّانِي: الأجْرُ والمَغْفِرَةُ، وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ما يَفْعَلُونَ ويَقُولُونَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ.

Aal-i-Imraan 3:148Listen in Qur'an →
149

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. قالُوا وكانُوا قَدْ أمَرُوا المُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ عَنْ دِينِهِمْ. ومَعْنى ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾: يَصْرِفُوكم إلى الشِّرْكِ، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ بِالعُقُوبَةِ.

Aal-i-Imraan 3:149Listen in Qur'an →
150

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ

But Allah is your protector, and He is the best of helpers.

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ولِيُّكم يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، فاسْتَغْنُوا عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ.

Aal-i-Imraan 3:150Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.