Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 141–150 of 200

141

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And that Allah may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤١ ] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾

﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِيُنَقِّيَهم ويُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ ومِن آفاتِ النُّفُوسِ. وأيْضًا فَإنَّهُ خَلَّصَهم ومَحَّصَهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَتَمَيَّزُوا مِنهم. فَحَصَلَ لَهم تَمْحِيصانِ: تَمْحِيصٌ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَمْحِيصٌ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ أنَّهُ مِنهم وهو عَدُوٌّ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى وهي مَحْقُ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يُهْلِكَهم، فَإنَّهم إذا ظَفِرُوا بَغَوْا وبَطَرُوا. فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمارِهِمْ وهَلاكِهِمْ، إذْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى، إذا أرادَ أنْ يُهْلِكَ أعْداءَهُ ويَمْحَقَهم، قَيَّضَ لَهم الأسْبابَ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِها هَلاكَهم ومَحْقَهم. ومِن أعْظَمِها - بَعْدَ كُفْرِهِمْ - بَغْيُهم وطُغْيانُهم في أذى أوْلِيائِهِ ومُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ والتَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ. والمَحْقُ: ذَهابُ الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ مَحَقَ اللَّهُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ جَمِيعًا، ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ حُسْبانَهم وظَنَّهم أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِدُونِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والصَّبْرِ عَلى أذى أعْدائِهِ، وأنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلى مَن ظَنَّهُ وحَسِبَهُ: فَقالَ:

Aal-i-Imraan 3:141Listen in Qur'an →
142

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Or do you think that you will enter Paradise while Allah has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٢ ] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: ولَمّا يَقَعُ ذَلِكَ مِنكم فَيَعْلَمُهُ، فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ لَعَلِمَهُ فَجازاكم عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ. فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى الواقِعِ المَعْلُومِ، لا عَلى مُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَجْزِي العَبْدَ عَلى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ - أفادَهُ ابْنُ القَيِّمِ - .

وفِي (الكَشّافِ): ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بِمَعْنى: ولَمّا تُجاهِدُوا لِأنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، فَنَزَلَ نَفْيُ العِلْمِ مَنزِلَةَ نَفْيِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ما عَلِمَ اللَّهُ في فُلانٍ خَيْرًا، يُرِيدُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، و(لَمّا) بِمَعْنى (لَمْ)، إلّا أنَّ فِيها ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وتَقُولُ: وعَدَنِي أنْ يَفْعَلَ كَذا ولَمّا. تُرِيدُ: ولَمّا يَفْعَلُ، وأنا أتَوَقَّعُ فِعْلَهُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو مُسْلِمٍ في: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكم الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ (أمْ) الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ. يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟ مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما. قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهَدَةٍ وصَبْرٍ ! . وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفِي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنَّ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ - انْتَهى - .

ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ مِن أمْرٍ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَوَدُّونَ لِقاءَهُ فَقالَ:

Aal-i-Imraan 3:142Listen in Qur'an →
143

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And you had certainly wished for martyrdom before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٣ ] ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيْ: الحَرْبَ، فَإنَّها مِن مَبادِئِهِ، أوْ المَوْتَ عَلى الشَّهادَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ: تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَتَمَنَّوْنَهُ مِن أسْبابِ المَوْتِ، أوْ المَوْتَ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ العادِيَّةِ، أوْ قَتْلَ إخْوانِكم بَيْنَ أيْدِيكم: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي إيثارِ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ، وتَقْيِيدِها بِالنَّظَرِ، مُبالَغَةٌ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهم اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في الشَّهادَةِ، فَتَمَنَّوْا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ فَيَلْحَقُونَ إخْوانَهم، فَأراهم اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وسَبَّبَهُ لَهم، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ الآيَةُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»» .

قالَ أهْلُ المَغازِي: لَمّا انْهَزَمَ مَن انْهَزَمَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَوْمَئِذٍ صاحِبُ رايَتِهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ الشَّيْطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَوَقَعَ ذَلِكَ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ ووَهْنٌ وتَأخُّرٌ عَنْ القِتالِ. فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:

Aal-i-Imraan 3:143Listen in Qur'an →
144

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ

Muhammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allah at all; but Allah will reward the grateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٤ ] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾

﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ والرُّسُلُ مِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن قُتِلَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّسالَةِ والقَتْلَ والمَوْتِ، إذْ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا: ﴿أفَإنْ ماتَ﴾ أيْ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ في حالِ حَياتِهِ، فَإنْ ماتَ: ﴿أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أيْ: ارْتَدَدْتُمْ: ﴿عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ عِلْمِكم بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وبَقاءِ دِينِهِمْ، مُتَمَسَّكًا بِهِ: ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْطِ والعَذابِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ والرِّضْوانِ في الآخِرَةِ، وهم الَّذِينَ لَمْ يَنْقَلِبُوا، بَلْ قامُوا بِطاعَتِهِ، وقاتَلُوا عَلى دِينِهِ، واتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا ومَيِّتًا. وسَمّاهم شاكِرِينَ لِأنَّهم شَكَرُوا نِعْمَةَ الإسْلامِ الَّذِي هو أجَلُّ نِعْمَةٍ وأعَزُّ مَعْرُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دِينِهِ، وبَصِيرَةٍ مِن رَبِّهِ، لا يَرْتَدُّ بِمَوْتِ الرَّسُولِ وقَتْلِهِ، ولا يَفْتُرُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يُجاهِدُ لِرَبِّهِ لا لِلرَّسُولِ، كَأصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، كَما قالَ أنَسٌ (عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أُرْجِفَ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاعَ الخَبَرُ، وانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، وبَلَغَ إلَيْهِ تَقاوُلُ بَعْضِهِمْ: لَيْتَ فُلانًا يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ): يا قَوْمُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ - أفادَهُ القاشانِيُّ - .

رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ ! أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكم، فَنَزَلَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ﴾ الآيَةُ. ورَواهُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ في (دَلائِلَ النُّبُوَّةِ) .

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ):

ومِنها: - أيْ: مِنَ الغاياتِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ - أنَّ وقْعَةَ أُحُدٍ كانَتْ مُقَدِّمَةً وإرْهاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَنَبَّأهم ووَبَّخَهم عَلى انْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ إنْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ قُتِلَ. بَلْ الواجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا عَلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، يَمُوتُوا عَلَيْهِ ويُقْتَلُوا، فَإنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ. فَلَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَصْرِفَهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وما جاءَ بِهِ، فَكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وما بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلَيْهِمْ لِيُخَلَّدَ، لا هو ولا هم، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلى الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ، فَسَواءٌ ماتَ رَسُولُ …

Aal-i-Imraan 3:144Listen in Qur'an →
145

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allah at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And we will reward the grateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٥ ] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلُهُ، أيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ عُمْرَها كِتابًا مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ. وفي الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِلْجُبَناءِ وتَرْغِيبٌ لَهم في القِتالِ، فَإنَّ الإقْدامَ والإحْجامَ لا يُنْقِصُ مِنَ العُمْرِ ولا يَزِيدُ فِيهِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: ما نَشاءُ أنْ نُؤْتِيَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِمَن حَضَرَ لِطَلَبِ الغَنائِمِ: ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ: ﴿ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَ سِياقُها في الجِهادِ ولَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في جَلْبِ الثَّوابِ أوْ العِقابِ هو النِّيّاتُ والدَّواعِي، لا ظَواهِرُ الأعْمالِ. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ تَقْصِيرَهم وسُوءَ صَنِيعِهِمْ في صُدُودِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:145Listen in Qur'an →
146

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٦ ] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أيْ: كَمْ مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ مَعَهم، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ دِينِهِ جَماعَتُهم الأتْقِياءُ العُبّادُ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ أيْ: ضَعُفُوا: ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِنَ الجِراحِ وشَهادَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ، ونُصْرَةِ رَسُولِهِ: ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ: عَنْ الجِهادِ أوْ العَدُوِّ أوْ الدِّينِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ لِلْأعْداءِ بَلْ صَبَرُوا عَلى قِتالِهِمْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ عَلى قِتالِ أعْدائِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

اَلْأوَّلُ: (كَأيِّنْ) بِمَعْنى: (كَمْ) الخَبَرِيَّةِ، وفِيها لُغاتٌ، قُرِئَ مِنها في السَّبْعِ كائِنٌ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا لِابْنِ كَثِيرٍ. والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وفِيها كَلامٌ كَثِيرٌ في مَعْناها ولُغاتِها وقِراءاتِها المُتَواتِرَةِ والشّاذَّةِ وصْلًا ووَقْفًا، وفي رَسْمِها، فانْظُرْ مَوادَّ ذَلِكَ.

اَلثّانِي: قُرِئَ في السَّبْعِ: (قُتِلَ) بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ونائِبُ الفاعِلِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قَطْعًا. وأمّا احْتِمالُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِنَبِيٍّ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالٌ، أوْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: وكائِنٌ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ قُتِلَ؛ فَتَكَلُّفٌ يَنْبُوَ عَنْ سَلِيمِ الأفْهامِ. وتَعَسُّفٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. وإنْ نَقَلَهُ القَفّالُ، ونَصَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وبالَغَ فِيهِ. فَما كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةٌ.

اَلثّالِثُ: (الرِّبِّيُّونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وفَتْحِها، فالفَتْحُ عَلى القِياسِ، والكَسْرُ والضَّمُّ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، وهم الرَّبّانِيُّونَ، أيْ: الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ تَعالى.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ، بَعْدَ بَيانِ مَحاسِنِهِمْ الفِعْلِيَّةِ، بِمَحاسِنِهِمْ القَوْلِيَّةِ، وهو ما اسْتُنْصِرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم عَلى قَوْمِهِمْ مِن اعْتِرافِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ وسُؤالِهِمْ رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامُهم، وأنْ يَنْصُرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، فَقالَ:

Aal-i-Imraan 3:146Listen in Qur'an →
147

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٧ ] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الرَّبّانِيِّينَ، مِثْلَ قَوْلِ المُنافِقِينَ ولا المُعْجَبِينَ. و: (قَوْلَهم) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ، واسْمُها أنْ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: لَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ العَدُوَّ إنَّما يُدالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَسْتَزِلُّهم ويَهْزِمُهم بِها، وأنَّها نَوْعانِ: تَقْصِيرٌ في حَقٍّ، أوْ تَجاوُزٌ لِحَدٍّ. وأنَّ النَّصْرَ مَنُوطٌ بِالطّاعَةِ، قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى، وإنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى تَثْبِيتِ أقْدامِ أنْفُسِهِمْ ونَصْرِها عَلى أعْدائِهِمْ، فَسَألُوهُ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهم، وأنَّهُ إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم، لَمْ يَثْبُتُوا ولَمْ يَنْتَصِرُوا. فَوَفَّوْا المَقامَيْنِ حَقَّهُما: مَقامَ المُقْتَضى، وهو التَّوْحِيدُ، والِالتِجاءُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ومَقامَ إزالَةِ المانِعِ مِنَ النُّصْرَةِ، وهو الذُّنُوبُ والإسْرافُ - انْتَهى - .

قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ، سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.

Aal-i-Imraan 3:147Listen in Qur'an →
148

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allah loves the doers of good.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٨ ] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وقَهْرِ العَدُوِّ، والثَّناءِ الجَمِيلِ، وانْشِراحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ، وكَفّارَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وهو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. وتَخْصِيصُ وصْفِ الحُسْنِ بِثَوابِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، بِخِلافِ الدُّنْيا؛ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما حَكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مِن بابِ الإحْسانِ.

قالَ الرّازِيُّ: فِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآيَةُ - سَمّاهم اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم: إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ.

ثُمَّ حَذَّرَهم سُبْحانَهُ، إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ المُفْضِي لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، مِن طاعَةِ عَدُوِّهِمْ. وأخْبَرَ أنَّهُ إنْ أطاعُوهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أطاعُوا المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ، بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:148Listen in Qur'an →
149

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٩ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ. والِارْتِدادُ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ، ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ لِدِينِ الإسْلامِ ولِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ وثَوابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. فَلا تَعْتَقِدُوا أنَّهم يُوالُونَكم كَما تُوالُونَهم. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ الكُفّارِ، ولا يُطِيعُوهم، ولا يَقْبَلُوا مَشُورَتَهم؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَنْزِلُوهم عَنْ دِينِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:149Listen in Qur'an →
150

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ

But Allah is your protector, and He is the best of helpers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥٠ ] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ فَأطِيعُوهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يَنْصُرُكم خَيْرًا مِن نَصْرِهِمْ لَوْ نَصَرُوكم، وكَيْفَ لا يَكُونُ خَيْرَ النّاصِرِينَ وهو يَنْصُرُكم بِغَيْرِ قِتالٍ، كَما وعَدَ بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.