اسْتشْهد سُبْحانَهُ بأولي العلم على أجل مشهود عَلَيْهِ وهو توحيده فَقالَ ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَة وأولو العلم قائِما بِالقِسْطِ﴾
وَهَذا يدل على فضل العلم وأهله من وُجُوه:
أحدها استشهادهم دون غَيرهم من البشر
والثّانِي اقتران شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ
والثّالِث اقترانها بِشَهادَة مَلائكَته
والرّابِع أن في ضمن هَذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العُدُول ومِنه الأثر المَعْرُوف عَن النَّبِي "يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وتَأْويل الجاهِلين"
وَقالَ مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب بن شيبَة رَأيْت رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسْحاق القاضِي فادّعى عَلَيْهِ دَعْوى فَسَألَ المُدعى عَلَيْهِ فأنكر فَقالَ للْمُدَّعي ألك بَيِّنَة قالَ نعم فلان وفُلان قالَ أما فلان فَمن شهودي، وأما فلان فَلَيْسَ من شهودي
قالَ فيعرفه القاضِي قالَ نعم قالَ بِماذا قالَ أعرفه بكتب الحَدِيث قالَ فَكيف تعرفه في كتبه الحَدِيث؟ قالَ ما علمت إلا خيرا
قالَ فإن النَّبِي قالَ يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله فَمن عدله رَسُول الله أولى مِمَّن عدلته أنت فَقالَ قُم فهاته فقد قبلت شَهادَته.
وَسَيَأْتِي إن شاءَ الله الكَلام على هَذا الحَدِيث في مَوْضِعه.
الخامِس أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهَذا يدل على اختصاصهم بِهِ وأنهم أهله وأصحابه لَيْسَ بمستعار لَهُم
السّادِس أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِنَفسِهِ وهو أجل شاهد ثمَّ بِخِيار خلقه وهم مَلائكَته والعُلَماء من عباده ويكفيهم بِهَذا فضلا وشرفا.
السّابِع أنه اسْتشْهد بهم على أجل مشهود بِهِ وأعظمه وأكبره وهو شَهادَة أن لا إلَه إلّا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العَظِيم أكابر الخلق وساداتهم.
الثّامِن أنه سُبْحانَهُ جعل شَهادَتهم حجَّة على المنكرين فهم بِمَنزِلَة آدلته وآياته وبراهنيه الدّالَّة على توحيده.
التّاسِع أنه سُبْحانَهُ أفرد الفِعْل المتضمن لهَذِهِ الشَّهادَة لصادرة مِنهُ ومن مَلائكَته ومِنهُم ولم يعْطف شَهادَتهم بِفعل آخر غير شَهادَته، وهَذا يدل على شدَّة ارتباط شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ شهد لنَفسِهِ بِالتَّوْحِيدِ على ألسنتهم وأنطقهم بِهَذِهِ الشَّهادَة فَكانَ هو الشّاهِد بها لنَفسِهِ إقامَة وإنطاقا وتعليما، وهم الشاهدون بها لَهُ إقْرارا واعترافا وتَصْدِيقًا وإيمانا.
العاشِر أنه سُبْحانَهُ جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بِهَذِهِ الشَّهادَة فَإذا أدوها فقد أدوا الحق المَشْهُود بِهِ فَثَبت الحق المَشْهُود بِهِ فَوَجَبَ على الخلق الإقرار بِهِ وكانَ ذَلِك غايَة سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بِشَهادَتِهِم وأقر بِهَذا الحق بِسَبَب شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره وهَذا فضل عَظِيم لا يدري قدره إلا الله وكَذَلِكَ كل من شهد بها عَن شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره أيضا فَهَذِهِ عشرَة أوجه في هَذِه الآية.
الحادِي عشر في تَفْضِيل العلم وأهله أنه سُبْحانَهُ نفي التَّسْوِيَة بَين أهله وبَين غَيرهم كَما نفى التَّسْوِيَة بَين أصحاب الجنَّة وأصحاب النّار فَقالَ تَعالى ﴿قل هَل يستوي الَّذين يعلمُونَ والَّذين لا يعلمُونَ﴾ كَما قالَ تَعالى ﴿لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنَّة﴾ وهَذا يدل على غايَة فَضلهمْ وشرفهم.
الوَجْه الثّانِي عشر أنه سُبْحانَهُ جعل أهل الجَهْل بِمَنزِلَة العميان الَّذين لا يبصرون فَقالَ (أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى} فَما ثمَّ إلا عالم أوْ أعمى، وقد وصف سُبْحانَهُ أهل الجَهْل بِأنَّهُم صم بكم عمي في غير مَوضِع من كِتابه.
الوَجْه الثّالِث عشر أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن أولي العلم بأنهم يرَوْنَ أن ما أنْزلْ إليه من ربه حَقًا وجعل هَذا ثَناء عَلَيْهِم …