Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ (بِالسُّكُونِ، ويُحَرَّكُ) مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ ما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن شَأْنِهِ وحالِهِ، مَجازًا، يُقالُ: هَذا دَأْبُكَ أيْ: شَأْنُكَ وعَمَلُكَ. قالالأزْهَرِيُّ: عَنْ الزَّجّاجِ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: كَأمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ دَأْبَهم هُنا اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ كَتَظاهُرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. يُقالُ: دَأبْتُ أدْأبُ دَأْبًا ودَؤُوبًا إذا اجْتَهَدْتُ في الشَّيْءِ - انْتَهى - قالَ أبُو البَقاءِ: وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهم لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ الَّذِي فَعَلُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ المُقَدَّرِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: عاقَبَهم وأهْلَكَهم بِسَبَبِها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: الأخْذُ بِالذَّنْبِ. فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفٍ لِلْكَفَرَةِ.

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِهَذا الدِّينِ وهم اليَهُودُ ( لِلرِّوايَةِ الآتِيَةِ( أوْ نَصارى نَجْرانَ، لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِإحْقاقِ الحَقِّ مَعَهم، أوْ أعَمُّ: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ الفِراشُ، أيْ: فَكُفْرُكم كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى، وقَدْ فُعِلَ بِقُرَيْشٍ لِكُفْرِهِمْ ما رَأيْتُمْ، فَسَيُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ، وهُوَ أنَّكم تُغْلَبُونَ كَما غُلِبُوا. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهم، وهو مِن أوْضَحِ شَواهِدَ النُّبُوَّةِ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعٍ وقالَ: «يا مَعْشَرَ يَهُودَ ! أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا» فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ، كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣]»

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ .

﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيُّها الكافِرُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم: ﴿آيَةٌ﴾ عِبْرَةً ودِلالَةً عَلى أنَّكم سَتُغْلَبُونَ، وعَلى أنَّ اللَّهَ مُعِزٌّ دِينَهُ، وناصِرٌ رَسُولَهُ، ومُعْلٍ أمْرَهُ: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتالِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طاعَتِهِ، وهم النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَعَهم فُرْسانٌ وسِتُّ أذْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ وأكْثَرُهم رَجّالَةٌ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وكانُوا قَرِيبًا مِن ألْفٍ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، أراهم اللَّهُ إيّاهم، مَعَ قِلَّتِهِمْ، أضْعافَهم لِيَهابُوهم، ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مَدَدًا لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما أمَدَّهم بِالمَلائِكَةِ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا مُناقِضٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قُلْتُ: قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غُلِبُوا، فَكانَ التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ونَظِيرُهُ في المَحْمُولِ عَلى اخْتِلافِ الأحْوالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وتَقْلِيلُهم تارَةً وتَكْثِيرُهم أُخْرى في أعْيُنِهِمْ، أبْلَغُ في القُدْرَةِ وإظْهارِ الآيَةِ - كَذا في (الكَشّافِ) - قُلْتُ: أوْ يُجابُ بِأنَّهم كَثُرُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيَحْصُلَ لَهم الرُّعْبُ والخَوْفُ والجَزَعُ والهَلَعُ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَ التَّصافُّ والتَقى الفَرِيقانِ قَلَّلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ في أعْيُنِ هَؤُلاءِ لِيَقْدَمَ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يَعْنِي: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها، مُعايَنَةً كَسائِرِ المُعايَناتِ كَذا في (الكَشّافِ): ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي: ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّكْثِيرِ والتَّقْلِيلِ، وغَلَبَةِ القَلِيلِ، مَعَ عَدَمِ العُدَّةِ، عَلى الكَثِيرِ الشّاكِي السِّلاحِ: ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ: لاعْتِبارًا وآيَةً ومَوْعِظَةً: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ.

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأصْنافِها، وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها، وتَوْجِيهِ رَغَباتِهِمْ إلى ما عِنْدَهُ تَعالى، إثْرِ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِها. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: المُشْتَهَياتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَرْغُوبًا فِيها، أوْ تَخْسِيسًا لَها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ، مَذْمُومٌ مَن اتَّبَعَها، شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ في تَقْدِيمِهِنَّ إشْعارٌ بِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِنهُنَّ أتَمُّ اللَّذّاتِ: ﴿والبَنِينَ﴾ لِلتَّكَثُّرِ بِهِمْ، وأمَلِ قِيامِهِمْ مَقامَهم مِن بَعْدِهِمْ، والتَّفاخُرِ والزِّينَةِ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ أيْ: الأمْوالِ الكَثِيرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ مَأْخُوذَةٌ مِنها لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ ألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، ودَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما كانا مَحْبُوبَيْنِ لِأنَّهُما جُعِلا ثَمَنَ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمالِكُها كالمالِكٍ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وصِفَةُ المالِكِيَّةِ هي القُدْرَةُ، والقُدْرَةُ صِفَةُ كَمالٍ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ أكْمَلَ الوَسائِلِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الكَمالِ الَّذِي هو مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ وما لا يُوجَدُ المَحْبُوبُ إلّا بِهِ فَهو مَحْبُوبٌ لا جَرَمَ كانا مَحْبُوبَيْنِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيْ: المُرْسَلَةُ إلى المَرْعى تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ، أوْ الَّتِي عَلَيْها السِّيمْياءُ - أيْ: العَلامَةُ - قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ العَلاماتِ الأوْضاحُ والغُرَرُ الَّتِي تَكُونُ في الخَيْلِ، وهي أنْ تَكُونَ الأفْراسُ غُرًّا مُحَجَّلَةً: ﴿والأنْعامِ﴾ جَمْعُ نَعَمٍ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ لِتَحْصِيلِ الأمْوالِ النّامِيَةِ: ﴿والحَرْثِ﴾ أيْ: الأرْضِ المُتَّخَذَةِ لِلْغِراسِ والزِّراعَةِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: المَذْكُورُ: ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيها ثُمَّ يَفْنى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيْ: المَرْجِعُ وهو الجَنَّةُ، فَيَنْبَغِي الرَّغْبَةُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. وفي إشْعارِهِ ذَمُّ مَن يَسْتَعْظِمُ تِلْكَ الشَّهَواتِ ويَتَهالَكُ عَلَيْها، ويُرَجِّحُ طَلَبَها عَلى طَلَبِ ما عِنْدَ اللَّهِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي تَزْيِينِ هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُوراتِ لِلنّاسِ إشارَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الفِتْنَةِ:

فَأمّا النِّساءُ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرُّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»» .

وأمّا البَنُونَ، فَفي مُسْنَدِ أبِي يَعْلى عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «الوَلَدُ ثَمَرَةُ القَلْبِ، وإنَّهُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ». أيْ: يَجْبُنُ أبُوهُ عَنْ الجِهادِ خَوْفَ ضَيْعَتِهِ، ويَمْتَنِعُ أبُوهُ مِنَ الإنْفاقِ في الطّاعَةِ خَوْفَ فَقْرِهِ، ويَحْزَنُ أبُوهُ لِمَرَضِهِ خَوْفَ مَوْتِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقِيلَ لِبَعْضِ …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الشَّهَواتِ المُزَيَّنَةِ لَكم: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اللَّهَ ولَمْ يَنْهَمِكُوا في شَهَواتِهِمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مِن أنْواعِ الأشْرِبَةِ مِنَ العَسَلِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، و: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو: (جَنّاتٌ) و: (تَجْرِي) صِفَةٌ لَها، و: (عِنْدَ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ، قُدِّمَ فانْتَصَبَ عَلى الحالِ. والعِنْدِيَّةُ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ وسُمُوِّ طَبَقَتِها: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: ماكِثِينَ فِيها أبَدَ الآبادِ لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا: ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الأرْجاسِ والأدْناسِ البَدَنِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ نِساءُ الدُّنْيا غالِبًا: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ: رِضْوانٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ. وهَذِهِ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ تَتِمَّةُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وأكْبُرُها، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ (بَراءَةٌ): ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أيْ: أعْظَمُ ما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا»» ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: عالِمٌ بِمَصالِحِهِمْ فَيَجِبُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ ما اخْتارَهُ لَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وأنْ يَزْهَدُوا فِيما زَهَّدَهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَفازُوا بِتِلْكَ الكَراماتِ بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلدّاعِي أنْ يَذْكُرَ طاعاتِهِ وما تَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ، ثُمَّ يَدْعُو. ويُؤَيِّدُهُ ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أصْحابِ الغارِ، وتَوَسُّلِ كُلٍّ مِنهم بِصالِحِ عَمَلِهِ، ثُمَّ تَفْرِيجِ البارِي تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ تَعالى:

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .

﴿الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ في إيمانِهِمْ وأقْوالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ: ﴿والقانِتِينَ﴾ المُطِيعِينَ لِلَّهِ الخاضِعِينَ لَهُ: ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأرْحامِ، والقَراباتِ، وسَدِّ الخُلّاتِ، ومُواساةِ ذَوِي الحاجاتِ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ جَمْعُ سَحَرٍ (بِفَتْحَتَيْنِ وفَتْحٍ وسُكُونٍ) وهو الوَقْتُ الَّذِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ آخِرَ اللَّيْلِ. وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الحَرالِيُّ: وفي إفْهامِهِ تَهَجُّدَهم في اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]

وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ - انْتَهى -

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ ! هَلْ جاءَ السَّحَرُ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ حَتّى يُصْبِحَ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا نُؤْمَرُ إذا صَلَّيْنا مِنَ اللَّيْلِ أنْ نَسْتَغْفِرَ في آخِرِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً». ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حاطِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَّحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ وهو يَقُولُ: يا رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا السَّحَرُ، فاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإذا هو ابْنُ مَسْعُودٍ. وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ المَسانِيدِ والسُّنَنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَنْزِلُ رَبُّنا، تَبارَكَ وتَعالى، كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ. يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟»» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ««ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى ويَقُولُ: مَن يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ ولا ظَلُومٍ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أفْرَدَ الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الدّارَقُطْنِيُّ في ذَلِكَ جُزْءًا عَلى حِدَةٍ، فَرَواهُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الصّالِحِينَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ ! لا يَكُنْ الدِّيكُ أحْسَنَ مِنكَ، يُنادِي بِالأسْحارِ وأنْتَ نائِمٌ، والحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ الأسْحارِ كَوْنُهُ وقْتَ غَفْلَةِ النّاسِ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلنَّفَحاتِ الرَّحْمانِيَّةِ، والألْطافِ السُّـبْحانِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ العِبادَةُ أشَقَّ، والنِّيَّةُ خالِصَةً، والرَّغْبَةُ وافِرَةً، مَعَ قُرْبِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ، مِن عِبادِهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ فَضِيلَةُ الِاسْتِغْفارِ في السَّحَرِ، وأنَّ هَذا الوَقْتَ أفْضَلُ الأوْقاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِاَلسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ، وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ.

اَلْأوَّلُ: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتْ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: عَلِمَ، وأخْبَرَ، أوْ قالَ أوْ بَيَّنَ أنَّهُ لا مَعْبُودَ حَقِيقِيٌّ سِوى ذاتِهِ العَلِيَّةِ. وشَهِدَ بِذَلِكَ: ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ بِالإقْرارِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةٌ جَلِيلَةٌ لِلْعُلَماءِ، لِقَرْنِهِمْ في التَّوْحِيدِ بِالمَلائِكَةِ المُشَرَّفِينَ، بِعَطْفِهِمْ عَلى اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ في أحْكامِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يُرامُ جَنابُهُ عَظَمَةً: ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ الِاسْتِقامَةِ - كَذا في (جامِعِ البَيانِ) - .

وقالَ في (الِانْتِصافِ): هَذا التِّكْرارُ لِما قَدَّمْتُهُ في نَظِيرِهِ مِمّا صُدِّرَ الكَلامُ بِهِ إذا طالَ عَهْدُهُ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مُصَدَّرٌ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّوْحِيدَ تِعْدادَ الشّاهِدِينَ بِهِ، ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ وهو التَّنْزِيهُ. فَطالَ الكَلامُ بِذَلِكَ، فَجَدَّدَ التَّوْحِيدَ تِلْوَ التَّنْزِيهِ، لِيَلِيَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولَوْلا هَذا التَّجْدِيدُ لَكانَ التَّوْحِيدُ المُتَقَدِّمُ، كالمُنْقَطِعِ في الفَهْمِ مِمّا أُرِيدَ إيصالُهُ بِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: المُدَّعِي لِلْوَحْدانِيَّةِ هو اللَّهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ المُدَّعِي شاهِدًا ؟

اَلْجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

اَلْأوَّلُ: وهو أنَّ الشّاهِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ وجَعَلَها دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ لَما صَحَّتْ الشَّهادَةُ. ثُمَّ بَعْدَ نَصْبِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، هو الَّذِي وفَّقَ العُلَماءَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وهَدى إلَيْها لَعَجَزُوا عَنْ التَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ. ثُمَّ بَعُدَ حُصُولِ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَهو تَعالى وفَّقَهم حَتّى أرْشَدُوا غَيْرَهم إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ. وإذا كانَ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ الشّاهِدُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ثُمَّ ساقَ بَقِيَّةَ الوُجُوهِ فانْظُرْهُ.

وقالَ العارِفُ الشَّعْرانِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ، في كِتابِ (الجَواهِرُ والدُّرَرُ): سَألْتُ أخِي أفْضَلَ الدِّينِ: لِمَ شَهِدَ الحَقُّ تَعالى لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ؟ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِيُنَبِّهَ عِبادَهُ عَلى غِناهُ عَنْ تَوْحِيدِهِمْ لَهُ، وأنَّهُ هو المُوَحِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَلِمَ عَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ فَقالَ: لِأنَّ عِلْمَهم بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا مِنَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ كالبَشَرِ، وإنَّما كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ حاصِلًا مِنَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ، وذَلِكَ أقْوى العُلُومِ وأصْدَقُها، فَلِذَلِكَ قُدِّمُوا في الذِّكْرِ عَلى أُولِي العِلْمِ. وأيْضًا فَإنَّ المَلائِكَةَ واسِطَةٌ بَيْنَ الحَقِّ وبَيْنَ رُسُلِهِ، فَناسَبَ ذِكْرُهِمْ في الوَسَطِ. فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، أيْ: لا دِينَ مَرْضِيًّا لِلَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ - وفي الأُخْرى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُطْلَقًا، أوْ اليَهُودُ، في دِينِ اَلْإسْلامِ: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ. ولَمْ يَكُنْ اخْتِلافُهم لِشُبْهَةٍ عِنْدِهِمْ، بَلْ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا كائِنًا بَيْنَهم، وطَلَبًا لِلرِّئاسَةِ. وهَذا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ إثْرَ تَشْنِيعٍ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُنَزَّلَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ، عِلَّةٌ لَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى يُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ عَنْ قَرِيبٍ. فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ.

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .

﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ في الدِّينِ وجادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ إقامَةِ تِلْكَ الآياتِ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ: انْقَدْتُ لِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ، وأخْلَصْتُ نَفْسِي وعِبادَتِي لَهُ، لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ النَّفْسِ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ، ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ مِنَ السُّجُودِ والقِراءَةِ، وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ.

لَطِيفَةٌ:

هَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إعْراضٌ عَلى المُحاجَّةِ أوْ هو مُحاجَّةٌ وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ ؟ فَمِن قائِلٍ بِالأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم المُعْجِزاتِ الجَمَّةَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ. فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ﴾ إلَخْ. يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمْ الأنَفَ والحَسَدَ وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. وإنْ أعْرَضْتُمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم. وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ. فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَن اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ، مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمْ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدْ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ.

فَهَذا طَرِيقٌ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ. ومِن قائِلٍ بِالثّانِي، أعْنِي: أنَّهُ مُحاجَّةٌ. وفي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ مِنها ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى وعَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُقِرِّينَ بِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، والإقْرارِ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ، صادِقًا في دِينِهِ. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أيْ: أعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَصَدْتُهُ بِالعِبادَةِ، وأخْلَصْتُ لَهُ. فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُسْتَمْسِكٌ بِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ طَرِيقَتَهُ حَقَّةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.